الأحد، 17 أبريل 2016

حول مؤتمر شعوب الشرق في باكو 1920 ا.د. ابراهيم خليل العلاف



حول مؤتمر شعوب الشرق في باكو 1920
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ  متمرس –جامعة الموصل
سألني احد طلبة  الدراسات العليا عن "مؤتمر شعوب الشرق " الذي انعقد في باكو  في ايلول –سبتمبر سنة 1920 ، وقلت له ان هناك كتابا اصدرته "دار الطليعة "ببيروت على ما اتذكر عن هذا المؤتمر او لعل غير دار النشر هذه قد اصدرته ، وكانت لدي نسخة من هذا الكتاب استعارها أحدهم وأحتفظ بها لسبب ما او لعله من سراق الكتب على اية حال بحثت في مكتبتي عن الكتاب ولم اجده كما استغربت ان "موسوعة الهلال الاشتراكية " ، لم تذكر شيئا عن هذا المؤتمر.  كما ان " قاموس السياسة " للاستاذ احمد عطية الله لم يشر اليه  .تذكرت ان الاستاذ الدكتور كمال مظهر احمد قد كتب عنه في مجلة "آفاق عربية " العدد 12 للسنة 1976 ، وان احدهم عقب على ما كتبه الاستاذ كمال مظهر احمد في العدد 3 من " آفاق عربية " السنة 2 -1976 وبعنوان :"حول مؤتمر شعوب الشرق في باكو والحقائق الاخرى المتعلقة به " وفي هذا المقال انتقد  ما كتبه الدكتور كمال مظهر احمد عن هذا المؤتمر وقلل من أهمية تأثير هذا المؤتمر على التطورات التي شهدها الوطن العربي في العشرينات من القرن الماضي .
إزاء ذلك كله أقول ان ( مؤتمر شعوب الشرق )  الذي انعقد في باكو عاصمة جمهورية اذربيجان الاشتراكية في ايلول –سبتمبر  سنة 1920  وقيل ان الذي دعا اليه القائد الشيوعي  سلطان غلييف Sultan Galiev  كان محطة مهمة من محطات  التاريخ النضالي لشعوب الشرق في مرحلة خطيرة كان الشرق يشهدها في اعقاب الحرب العالمية الاولى وقيام الثورة الاشتراكية الكبرى ثورة اكتوبر –تشرين الاول 1917 .
ان اولى الخطوات في عقد هذا المؤتمر أن  الاممية او الدولية الشيوعية الثالثة (الكومنترن  Comintern    (    والتي انشئت في موسكو في 4-3-1919 بهدف الاشراف على الاحزاب الشيوعية خارج روسيا السوفيتية ومتابعة  نشاطات حركات التحرر في اسيا وافريقيا قررت السعي  بإتجاه تشجيع الشعوب على التحرر والاستقلال .
وكان مما ورد في قرارات المؤتمر :" يا عبيد المستعمرات في افريقيا واسيا ،ان ساعة دكتاتورية البروليتاريا في اوربا ستكون ساعة تحريركم انتم ايضا " . وعد الكومنترن شعوب هاتين القارتين حلفاء لروسيا في الكفاح ضد الامبريالية .
وفي المؤتمر الثاني للكومنترن الذي عقد في موسكو بين 19 تموز و7 آب 1920 تقرر عقد المؤتمر الاول لشعوب الشرق في باكو في ايلول 1920 .
وقد اهتم فلاديمير ايليتش لينين زعيم الثورة الاشتراكية بالمؤتمر ، ولعل المؤتمر كان من بناة افكاره وانعقد بطلب منه ، لذلك أعاره اهتماما خاصا مرتكزا على سياسته في نشر الفكر الاشتراكي في العالم كله والشرق بشكل خاص .وتأكيدا  على ما نقول جاء في احد الوثائق السوفياتية ما نصه :" كان لينين نفسه الذي كتب ودافع عن أطروحة حول المسألة القومية والاستعمارية في المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية في  آب- أغسطس 1920. وبعض من قادة هذا المؤتمر ، وبعد انهائه ، سافروا الى باكو للاجتماع مع مندوبي الشعوب الشرقية. كان لينين يقول  " إن الشعب الذي يقمع شعبا آخر لا يمكن أن يكون حرا".
ويقينا ان لينين كان يدرك اهمية تثوير حركات التحرر في الشرق ، والدفع بها ضد الاستعمار الغربي ، وكان لينين كقائد ثوري قادر على تقييم الواقع السياسيى والاجتماعي بشكل صحيح ينسجم مع اهداف الدولة السوفيتية الفتية . وقد استطاع لينين بالفعل اقامة شبكة من العلاقات السياسية  بين السوفيات وامان الله الافغاني في افغانستان ومصطفى كمال في تركيا وعبد العزيز بن سعود في السعودية ومع ان لينين كان يتوقع ان يقوم هؤلاء بتشجيع الفكر الاشتراكي او على الاقل الوقوف مع الاتحاد السوفياتي الا ان ذلك لم يتم اذ ظل اولئك الحكام يدورون في فلك العالم الغربي الرأسمالي .

لكن مما اكده الاستاذ الدكتور كمال مظهر أحمد  ان اقامة العلاقات الدبلوماسية بين موسكو والرياض منذ سنة 1924 افادت كثيرا المسلمين في الاتحاد السوفياتي من جهة ، وعززت اهمية الاسلام الاسلامي كحافز ثوري في العالم العربي انذاك .فضلا عن تعزيز فكرة السوفيات في دفع الدعوات الى تقرير مصير المستعمرات اثر الحرب العالمية الاولى .
لايمكننا كمؤرخين ان نتجاوز ان مؤتمر شعوب الشرق - ومن قبله ثورة اكتوبر الاشتراكية في روسيا سنة 1917 - كان له تأثير على التغييرات الجذرية الكبرى التي طرأت على شعوب الشرق عامة وعلى الامة العربية خاصة ونكون جاحدين اذا اغفلنا هذا التأثير المنظور في ثورة 1919 في مصر وثورة 1920 في العراق .
نعود الى المؤتمر "مؤتمر شعوب الشرق في باكو 1920 " فنقول ان عدد الذين حضروا المؤتمر(  1891) عضوا  ينتمون الى (37 قومية ) من بينهم  (1273  ) شيوعيا والوفود كانت تركية وفارسية وارمنية وروسية وجورجية وطاجيكية وقرغيزية ويهودية وخزرية وتركمانية  وهندية وصينية وابخازية واواكرانية وبشكيرية وكردية وليتوانية وكرواتية وهنغارية وخزرية وكورية واوزبكية وانفوشية وغيرها .مثل العرب ( 3  ) أعضاء ومثل الاكراد (  8  ) اعضاء ومثل الاتراك ( 235  ) عضوا ومثل  الفرس ( 192 ) ومثل الارمن ( 157  ) عضوا . وثمة من يقول ان هناك  ( 266  ) لم يحددوا قوميتهم . وكان عدد الحضور من النساء (55 ) إمراة .
وكان ممن حضر المؤتمر من الغرب الكاتب الاميركي (جون ريد ) الذي الف كتاب "عشرة ايام هزت العالم " وتحدث فيه عن ثورة اكتوبر الاشتراكية 1917 .
 أكد المؤتمر في توصياته ان شعوب الشرق المضطهدة يمكنها الاعتماد على الاممية الشيوعية،  والدولة السوفياتية وصدرت عن المؤتمر بيانات منها بيان حول فلسطين اصدره "المكتب المركزي للفروع اليهودية للحزب الشيوعي الروسي "  . ويقينا ان اوراق المؤتمر بحاجة الى دراسة وتدقيق .كان من اهداف المؤتمر المعلنة :" الدفاع عن شعوب الشرق " في وجه المطامع الاستعمارية والامبريالية ولاننكر ان ممثلي الشعوب التي يتألف منها الاتحاد السوفيتي السابق هم من كان وراء اقامة هذا المؤتمر .
وقد يكون من المناسب ان نشير الى "فرانسوا ماسبيرو " الناشر الفرنسي هو من نشر نصوص محاضر مؤتمر شعوب الشرق في باكو 1920 لاول مرة باللغة الفرنسية في باريس سنة 1971 وفي الصفحة الاولى من الكتاب قدم احصائية بعنوان :" وفود المؤتمر حسب قومياتهم " والتي اشرنا اليها آنفا .
مع ان الناشر الفرنسي فرانسوا ماسبيرو قدم احصائية تقول ان مجموع اعضاء مؤتمر شعوب الشرق كان 1891 ومجموع الشيوعيين منهم 1273 الا ان معظم من حضروا المؤتمر من خارج الاتحاد السوفيتي لايصل الى 150 عضوا وهذا الرقم اوردته جريدة " كومو نيست " التي تصدر في باكو  .اما  عدد الشيوعيين الذين حضروا  المؤتمر من داخل الاتحاد السوفيتي وخارجه فإنها ليست كما ذكر فرانسوا ماسبير بل ان العدد هو 200 وهو رقم اورده الدكتور كمال مظهر احمد في مقالته عن المؤتمر ولكن الصيغة الفرنسية لمحاضر المؤتمر تقول ان عددا من الذين اشتركوا في المؤتمر لم يشيروا الى قومياتهم كما ان اكثر من مائة من المندوبين لم يقوموا بملء الاستمارات الموزعة على اعضاء المؤتمر .
ليس من شك في ان القوى الشيوعية  كانت تهدف  من وراء المؤتمر اظهار  اهتمام الاتحاد السوفيتي والدولية الشيوعية بشعوب الشرق ونضالها  خاصة وان هذه الشعوب التي تقطن الدول المجاورة مهمة للاتحاد السوفيتي وتوجهاته من الناحية الاستراتيجية .
لانعرف اسماء من حضر المؤتمر من العرب (ومنهم من مصر )   أو الكورد ،  .وثمة من يقول انهم ستة  عرب وليس ثلاثة  لكن مما ينبغي ان نقوله ان هناك من القوى السياسية العربية في مطلع القرن العشرين من كان ينظر الى ما جرى في روسيا من ثورة بالاعجاب وقد وصل الامر الى ان بعض هذه القوى طلبت الدعم من السوفيات وايجاد نوع من العلاقات وقد تشكل عقب انتهاء المؤتمر جهاز أو "مجلس  الدعاية والعمل لشعوب الشرق " . لقد سمع العرب بما جرى في روسيا وتابعت الصحافة في العراق ومصر واسطنبول وغيرها من بلدان الشرق ماجرى في روسيا ولدينا الكثير مما يثبت ذلك ومنها مقالات في جريدة " الزوراء " البغدادية وما كتبه  الى مسؤوليه  في بغداد ولندن الميجر سون SOAN    الحاكم السياسي البريطاني للسليمانية سنة 1919 : " ان الناس هنا اخذوا - لسوء الحظ -  يتفهمون افكار البلاشفة .
ومع  أن البعض يقلل من اهمية هذا المؤتمر بالنسبة لنضال شعوب الشرق الا انني اقول ان تأثيره  بين النخبة المثقفة العربية القليلة كان كبيرا فثورة اكتوبر الاشتراكية 1917 فضحت المعاهدات والاتفاقيات السرية التي عقدتها الدول الاستعمارية ومنها اتفاقية سايكس –بيكو سيئة الصيت 1916 والتي مزقت الوطن العربي كما ان الاتحاد السوفيتي وقف مع القضايا المصيرية التحررية فترة طويلة  وكثيرا ما كان الناس يذكرون ماقاله لينين ووجهه الى شعوب الشرق ومؤداه :" ان ينبغي ان تكونوا اسياد بلادكم.. ينبغي ان تبنوا حياتكم كما تريدون وكما ترغبون.. وهذا حقكم وان مصيركم في ايديكم " .

ومهما يكن فإن الموضوع اقصد موضوع تأثير ما حدث في روسيا وتأثيرات"  مؤتمر شعوب الشرق " المنعقد في باكو على حركة التحرر العربية بحاجة الى دراسة ولايكون ذلك الا بالعودة الى اوراق المؤتمر ومقرراته ومحاضره ومعرفة اسماء من حضره والوقوف على ما كتب عنه في الصحافة العربية والشرقية وتحليل انعكاساته على المثقفين والقوى السياسية العاملة على الساحة أنذاك .
_______________________________________
* المقال منشور بالاصل في موقع الحوار المتمدن والرابط : http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=513639&r=0&cid=0&u=&i=0&q=

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق