الجمعة، 29 أبريل، 2016

محمد أنيس وجماعة الاهالي في العراق ابراهيم العلاف






محمد أنيس وجماعة الاهالي في العراق
ابراهيم العلاف
الاستاذ الدكتور محمد أنيس (1921 – 1986 ) مؤرخ مصري عربي كبير أسأل الله له الرحمة ، كان مهتما بالدراسات التاريخية ذات التوجه الاقتصادي- الاجتماعي ..في مطلع السبعينات من القرن الماضي (1974)، انتدب الأستاذ الدكتور محمد أنيس للتدريس في جامعة بغداد ، وقد عرفته منذ ذلك الوقت ، وكنا نستمع إلى محاضراته التي كان يلقيها على طلبة الدراسات العليا في الحلقات النقاشية (داخل قسم التاريخ بكلية الآداب) ،بكل شغف واهتمام ، لما كانت تحمله من مضامين جديدة ، وتحليلات دقيقة لمجريات الحياة السياسية العربية المعاصرة . وكنا قد اطلعنا على بعض كتبه التي أثارت الانتباه في مصر، فدارت حولها الكثير من النقاشات، واذكر من هذه الكتب ، كتابيه: ( حريق القاهرة ) و ( 4 فبراير 1942)..
قرأتُ له مقالات في تاريخ العراق المعاصر ومنها ما كتبه عن "حادثة الاميرة عزة وتأثيرها في انقلاب بكر صدقي 1936 " .. وبين يدي الان مقالته الموسومة :"جماعة الاهالي ونشأة اليسار العراقي " التي نشرها في مجلة "الهلال " المصرية السنة 73 اول يناير -كانون الثاني 1965 .وفي هذه المقالة الجميلة يقف عند المثقفين العراقيين ويرى ان (طبقة المثقفين) في العراق تأخرت في ظهورها عن طبقة المثقفيين الشاميين والمصريين ، وان الثورة العراقية الكبرى سنة 1920 .وطبعا هذه وجهة نظر ..هذه الطبقة لم تشهد ظهورا واضحا ايام الثورة بخلاف رؤساء العشائر ورجال الدين لذلك كان العراق يعاني حين تتألف الوزارات العراقية من عجز في البحث عن عدد مناسب من المثقفين ليتولوا الوزارات .
ان طبقة المثقفين في العراق - ولم يكن هذا عيبا خالصا بل كانت له مزاياه - تأخرت في الظهور حتى الثلاثينات وانها لم تكن تحمل فكرا تقليديا كما كانت تحمله هذه الطبقة في الشام ومصر بل كانت تحمل فكرا متنورا ناضجا تقدميا او متقدما اذا ما قورن بالفكر السياسي المعاصر في مصر والشام .ثم يتحدث عن الاحداث الثلاثة التي انضجت هذا الفكر التقدمي اليساري المتمثل بجماعة "الاهالي " فيقول انها قضية انيس زكريا النصولي وكتابه :"الدولة الاموية في الشام " 1927 وهي اشبه بحادثة كتاب علي عبد الرازق في مصر عن :" الاسلام واصول الحكم " وقضية الفريد موند البريطاني الصهيوني الذي زار بغداد سنة 1928 واحدثت زيارته احتجاجات عارمة واخيرا موقف الطلبة العراقيين المعارضين للمعاهدة العراقية -البريطانية سنة 1930.
ثم الى جانب حركات الطلبة كان من مظاهر تفتح المثقفين في العراق تشكيل الاحزاب السياسية العراقية المعارضة لمدرسة العسكريين القدامى الذين تربوا في المدارس التركية واسهموا في حركة الشريف حسين 1916 ضد العثمانيين واصبحوا في خدمة الانتداب البريطاني امثال نوري السعيد وجميل المدفعي وعلي جودت الايوبي وكان من ابرز تلك الاحزاب الحزب الوطني بزعامة جعفر ابو التمن وحزب الاخاء الوطني بزعامة ياسين الهاشمي وكان الحزبان يعارضان معاهدة 1930 ومواقف نوري السعيد ومدرسته الممالئة لبريطانيا ولكنهما يعارضان من زاوية اخرى الاستقلال بمضمونه السياسي فقط .
ويقف عند التيار الفكري -السياسي الجديد الذي اخذ يظهر ويستجمع قواه من بين عناصر الخريجين في المعاهد العليا من الذين لعبوا دورا مهما في احداث الطلبة في العشرينات تلك التي دافعت عن مبدأ "الحرية الفكرية " والتي اعطت لمفهوم الوطنية بعدا اجتماعيا اقتصاديا اوسع من الاستقلال السياسي المجرد وكانت "جماعة الاهالي " التي اصدرت جريدة تعبر عنها تدعو الى الاهتمام بمصالح الشعب الاقتصادية والاجتماعية وكان يمثل هذا التوجه محمد حديد وحسين جميل وعبد القادر اسماعيل وعبد الفتاح ابراهيم وكان محمد حديد الذي تولى بعد ثورة 14 تموز 1958 وزارة المالية قد تخرج من مدرسة الاقتصاد في لندن وتأثر بإستاذه هارولد لاسكي والفابيية البريطانية رغم انتماءه اصلا الى اسرة محافظة واسعة الثراء .
كما ان عبد الفتاح ابراهيم كان واسع القراءة شديد الاهتمام بالتجربة السوفيتية ابان دراسته في جامعة كولولمبيا بالولايات المتحدة الاميركية .وفي السنة 1931 صدرت "جريدة الاهالي " في بغداد لتكون لسان حال هذه الجماعة وتعد هذه الجريدة المرجع الرئيسي في فهم التيار الفكري اليساري هذا ةكان الى جانب الجريدة حملة لاصدار كراسات صغيرة من قبيل كراس بعنوان :"الشعبية " وهو الشعار الذي اتخذته الجماعة لها .وكان من الواضح انها كانت تريد ان تتجنب استخدام تعبير الاشتراكية بالنظر الى ظروف العراق وتركيبته الاجتماعية في ذلك الوقت ..كان برنامج الشعبية بعيدا عن الاشتراكية الماركسية وقريبا من البرجوازية الوطنية المتقدمة ويقينا انها حركة فكرية او اتجاه فكري كان بإمكانه انذاك في العراق وظروفه ان يجمع اطرافا متباينة تتراوح بين ارهاصات الاشتراكية العلمية من ناحية والليبرالية البرجوازية من ناحية اخرى .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق