الاثنين، 19 نوفمبر 2018

صحفيون موصليون في بغداد






                                                                 مجلة ليلى لبولينا حسون
                                                                   محمد رؤوف الغلامي
                                                                     محمود الملاح
    جريدة صدى بابل 
  

                                                                      توفيق السمعاني

                                                                        روفائيل بطي
                                                                    جريدة الشعب ليحيى قاسم
                                                          كتاب صحافة العراق لروفائيل بطي
                                                               جريدة الزمان لتوفيق السمعاني
                                                              غربي الحاج أحمد ومجلة الف باء
                                                                    فائق روفائيل بطي
                                                               مجلة ليلى لبولينا حسون

صحفيون موصليون في بغداد
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس –جامعة الموصل
لعل من أبرز المظاهر التي ميزت العمل الصحفي في العراق، أن الكثير من الصحفيين الرواد الأوائل ، كانوا من الموصل، وقد غادروا الموصل إلى بغداد ، ليؤسسوا صحفا ، صار لها سمعتها الواسعة في عالم الصحافة العراقية والعربية .
ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى (داؤود صليوا )صاحب جريدة صدى بابل 1910 ، و(بولينا حسون )صاحبة مجلة ليلى 1923 ، و(سليم حسون ) صاحب جريدة العالم العربي 1924 ، و(روفائيل بطي ) صاحب جريدة البلاد 1929 ، و(محمود الملاح) صاحب جريدة (التجدد ) ، وكانت جريدة ادبية صدر عددها الاول يوم 24 تموز 1930 ، و( توفيق السمعاني ) صاحب جريدة الزمان1937 ، و( محمد رؤوف الغلامي) الذي اصدر ببغداد جريدة (صدى الاحرار ) سنة 1948 ، والغي امتيازها في 17-12-1954 ، و(جبران ملكون ) الذي اصدر جريدة (صدى الاخبار ) سنة 1954 ، و( داؤد الصائغ ) صاحب جريدة (كفاح الشعب ) وكانت سياسية يومية منحت الامتياز في 29 شباط 1960 وتوقفت في 6-9-1961 ، و( غربي الحاج أحمد 1923-2000 ) أول رئيس تحرير لمجلة (الف باء ) التي صدرت سنة 1968 ورئيس تحرير جريدة ( لواء العروبة ) ، و( لطفي الخياط ) نائب رئيس تحرير جريدة الجمهورية والذي سبق ان اصدر مع محمود العلي في 12 شباط 1963 جريدة (البناء الثوري ) ، و( سعد البزاز) رئيس تحرير جريدة الجمهورية في التسعينات وآخرون كثيرون لايتسع المجال لذكرهم جميعا في هذا الحيز المقتضب .


وكما سبق ان قلت ، فإن الموصل تمتلك تاريخا ثرا في الصحافة ؛ فمنذ سنة 1885 شهدت صدور اول جريدة فيها ، وبعدها ظهرت صحفا عديدة .. واليوم اريد ان اتحدث في موضوع مهم آخر له علاقة بتاريخ الصحافة العراقية الحديثة/ وهو ان الصحافة العراقية ومنذ صدور اول جريدة فيها ، وهي جريدة (زوراء ) في 15 حزيران سنة 1869 اي في عهد الوالي المتنور المصلح مدحت باشا 1869-1972 - اعتمدت على الصحفيين الموصليين الذين اسهموا في تحريرها ومن ابرزهم الصحفي الموصلي (الاستاذ احمد عزت محمود العمري الموصلي) .
وبعد الانقلاب الدستوري العثماني الذي وقع في 23 تموز سنة 1908 ، وقاده حزب الاتحاد والترقي ونجم عنه خلع السلطان عبد الحميد الثاني 1876-1909 سنة 1909 ذهب الى بغداد صحفي من الموصل ، وهو داؤد صليوا 1852-1921 واصدر جريدة (صدى بابل ) في 13 آب سنة 1909 والتي كانت من الصحف الرائدة في العراق شكلا وموضوعا .
وداؤود صليوا من مواليد الموصل في 6 تشرين الثاني سنة 1852 ، وعند بلوغه العاشرة تخرج في المدرسة الكلدانية البطرياركية الابتدائية ، ثم درس الاداب العربية والنحو ، والصرف والبلاغة على يد احد علماء الدين المسلمين في الموصل وهو الشيخ يوسف باشعالم .وقد عّين بعد تخرجه معلما ثم مديراً للمدرسة الكلدانية البطريركية وكان يتقن اللغتين الفرنسية والإنكليزية فضلاً عن السريانية والعربية،
سافر الى بغداد وعمره قرابة ( 22 ) سنة ، وظل يعمل في سلك التعليم قرابة ( 30 ) سنة ، الا انه كان يحب الصحافة ويتوق لان يصدر جريدة خاصة ، وانه كان يحمل شعورا معاديا للعثمانيين ، وقد تهيأت له الفرصة بعد اجواء الحرية والانفتاح التي شهدها العراق بعد نجاح حزب الاتحاد والترقي في الوصول الى الحكم وخلع السلطان عبد الحميد الثاني 1876-1909 ، لذلك ترك التعليم وانخرط في العمل الصحفي ، وأصدر جريدته ( صدى بابل ) في 13 اب 1909 وذلك بالتعاون مع الباحث والكاتب والوزير فيما بعد الاستاذ يوسف رزق الله غنيمة .
وقد عرفت " جريدة صدى بابل" بوقوفها ضد سياسة التتريك واستمرت بالصدور حتى قبيل اندلاع الحرب العالمية الاولى اب1914 .
ومن الصحفيين الموصليين الذين ذهبوا ايضا الى بغداد ، واصدروا فيها جريدة ، الصحفي سليم حسون 1871-1947 ، الذي اصدر جريدة رائعة ومتميزة هي جريدة : (الرأي العام ) .
وسليم حسون صحفي ومرب عراقي معروف ، ولد في الموصل 1871 وتلقى تعليمه في مدرسة الآباء الدومنيكان ، وهي مدرسة تأسست في الموصل سنة 1854 ، وقد أبدى تفوقا ملحوظا في الدراسة ، لهذا اختير بعد تخرجه ليكون واحدا من أعضاء هيئة التدريس في هذه المدرسة . أشرف على معظم نشاط مطبعة الدومنيكان ، كما قام بتأليف بعض الكتب المدرسية وابرزها كتاب : (تعليم الطلاب اصول التصريف والأعراب) ، وقد طبع سنة 1899 بالموصل . كما اسهم في تحرير مجلة ( اكليل الورود ) ، التي اصدرها الاباء الدومنيكان سنة 1902 (النسخة العربية) وكان له فيها قصائد ومقالات عديدة .
ومجلة اكليل الورود أول مجلة صدرت في العراق ، وقد صدر عددها الاول في كانون الاول 1902 وتوقفت في كانون الاول 1909 ، وكانت تصدر بثلاث لغات هي العربية والفرنسية والكلدانية .
ترجم سليم حسون كذلك عدد من المسرحيات من اللغات المختلفة ومنها اللغة الانكليزية واللغة الفرنسية ، ومن المسرحيات المترجمة عن الفرنسية (مسرحية استشهاد ثرسيوس) وقد طبعت سنة 1902 .
قبل الحرب العالمية الاولى بقليل ، عهدت اليه القنصلية الالمانية في الموصل بأدارة مكتبتها المعروفة بـ(المكتبة الالمانية) . وبعد الاحتلال البريطاني للموصل سنة 1918 ، عين (مفتشا لمعارف منطقة الموصل) . كما اصبح عضوا في الهيئة الادارية للنادي العلمي الذي عقد اول اجتماع له في 18 تشرين الثاني 1918 ، وكان من اعضاء النادي الدكتور عارف معروف بك ، وشريف الصابونجي، ومكي الشربتي ، وحمدي جليمران ، وفاروق الدملوجي ، لكن السلطة البريطانية سرعان ما اغلقت هذا النادي بعد ان اتجه الوطنيون والقوميون لأتخاذه ستارا لتحركاتهم ضد المحتلين .
وقد اسهم سليم حسون في تحرير ( مجلة النادي العلمي) التي صدر عددها الاول في 15 كانون الثاني 1919 ، ولم يصدر منها سوى (8) اعداد إذ توقفت عن الصدور في 30 نيسان 1919 .
كما كان لسليم حسون كذلك دور في تحرير جريدة ( الموصل) التي أعاد الانكليز إصدارها إثر احتلالهم للموصل ، وتولى انيس صيداوي مهمة رئاسة تحريرها ، وكان من خريجي الجامعة الأميركية في بيروت ، وهو من لبنان وقد عمل لفترة مترجما في الجيش البريطاني ، ثم كاتبا في قلم الترجمة بدائرة الحاكم السياسي في بغداد . كان سليم حسون عضوا في مجلس معارف لواء الموصل الذي ضم في 13 تشرين الثاني 1920 ، كلا من نقيب الاشراف عبد الغني النقيب ، واحمد الفخري القاضي ، وسليمان الجليلي ، ونامق آل قاسم اغا ومصطفى الصابونجي وناظم العمري ومحمد علي فاضل وعبد الله النعمة وفتح الله سرسم والدكتور حنا خياط ويوسف الحلبي وقسطنطين بيو .. وقد اثيرت اثناء وجود سليم حسون مفتشا لمعارف الموصل بعض المشاكل نتيجة لقيام الانكليز بتوجيه التعليم توجيها يتفق مع مصالحهم الاستعمارية ، وكان للمعلمين الذين يرتبطون بالاحزاب الوطنية دور كبير في مقاومة هذا الاتجاه ، فعملوا على تقديم احتجاج الى مجلس الوزراء لابعاد مدير المعارف الكابتن فارل وتعيين " مدير معارف قدير ووطني مخلص ".
وقد وافق مجلس الوزراء في جلسة 7 كانون الثاني 1922 على تعيين عاصم الجلبي مديراُ لمعارف منطقة الموصل بدلا من الكابتن فارل ، ونقل سليم حسون مفتش المعارف الى البصرة .
بقي سليم حسون في البصرة مدة قصيرة ، وقرر ترك الوظيفة ، وسافر الى خارج العراق ليزور بلدانا اوربية كثيرة ، عاد بعدها الى بغداد واتجه لتأسيس مطبعة حديثة .
وفي 25 اذار 1924 اصدر (جريدة العالم العربي) واستمر في ذلك حتى توفي في 4 تشرين الاول 1947 ، وتولى رئاسة تحرير الجريدة بعد وفاته ابنه مجيب حسون .
كان سليم حسون نائبا عن الموصل في الدورة الانتخابية الرابعة لمجلس النواب التي ابتدأت من 8 آذار 1933 الى 4 ايلول 1934 ،. وكذلك اصبح نائبا في الدورة الانتخابية الخامسة (29 كانون الاول 1934 حتى 11 آذار 1935) . وفي الدورة الانتخابية الثانية (23 كانون الاول 1937 حتى 22 شباط 1939) كان سليم حسون نائبا عن بغداد .
وصفت (جريدة العالم العربي) التي أصدرها سليم حسون بالاعتدال في مواقفها . وقال عنها روفائيل بطي في كتابه (الصحافة في العراق) انها " اذا ما ارادت ان تنتقد ، افرغت انتقادها في قالب غير مثير (لمشاعر) الحاكمين " . ومع هذا فقد كانت جريدة ذات سمعة جيدة بين الصحف التي صدرت في العراق ، اذ عنيت بالترجمة ، وملاحقة كل خبر ، ومعلومة تتعلق بأوضاع العراق ، تنشر في الصحافة الاجنبية والاكثر اهمية من ذلك انها اشتهرت بدفاعها عن عروبة فلسطين وسعيها المستمر لفضح السياسة الاستعمارية والصهيونية ومقاومتها ، لذلك كان لها قراءها الذين يحرصون على اقتنائها ، ذلك فقد تعرضت للخسارة المالية بعد وفاة صاحبها سليم حسون وتولي ابنه مجيب حسون مسؤلية تحريرها ، الامر الذي ادى الى احتجابها في سنة 1951 .


ومن أبرز الصحفيين الموصليين الذين تركوا بصمتهم الواضحة في سجل الصحافة العراقية في بغداد الاستاذ روفائيل بطي صاحب جريدة (البلاد ) كما عرفناه وعرفنا جريدته ، وحبه للصحافة وشغفه بها وتأريخه لها من خلال كتبه ومحاضراته عن تاريخ الصحافة العراقية في معهد الدراسات والبحوث العربية العالية بالقاهرة التابع لجامعة الدول العربية ..كتب في صحف غيره واصدر "الحرية " و"البلاد " كانت " الحرية" سنة 1924 وكانت " البلاد " سنة 1929 كما اصدر جريدة ( الربيع ) ببغداد، وكان صاحبها ، وصدرت في 2 ايار سنة 1924 وترأس هيئة تحريرها ابراهيم صالح شكر . وله كتاب جميل ورائع هو :"تاريخ الادب العصري في العراق " توفي وعمره ( 55 ) سنة ، لكن حياته السياسية والصحفية كانت حافلة بالاحداث هو من مواليد الموصل 1901وهو خريج كلية الحقوق كانت له احاديث في دار الاذاعة عن صحافة العراق .. ولده الاستاذ سامي بدأ بإصدار كتاب (صحافة العراق ) ضمن مشروعه لنشر تراث ابيه عن نشأة وتطور الصحافة العراقية .
ومن الصحفيين الموصليين الذين تألقوا في بغداد واصدروا صحفا الاستاذ توفيق السمعاني الذي اصدر جريدة متميزة هي جريدة (الزمان ) بين سنتي 1937 و1963 .وتوفيق بهنام يونان السمعاني من مواليد ناحية بعشيقة بالموصل سنة 1900 ، تلقى علومه الأولى في مدرسة دينية تابعة لأحد الأديرة، ثم ذهب إلى بغداد سنة 1922 ،ودرس في إحدى المدارس الأهلية، ثم دخل في كلية الحقوق وبقى فيها لمدة سنتين وتركها ليتجه نحو الصحافة والعمل السياسي حيث رشح عن الموصل وانتخب أكثر من مرة نائبا في البرلمان العراقي (الدورة الانتخابية الثالثة عشرة 24 كانون الثاني 1953 -28 نيسان 1954 )و(الدورة الانتخابية الرابعة عشرة 9 حزيران 1954 -3 آب 1954 )و(الدورة الانتخابية الخامسة عشرة 16 أيلول 1954 -27 آذار 1958 ) (الدورة الانتخابية السادسة عشرة 10 أيار 1958 -9 حزيران 1958 )، وقد عرف بالبراعة في العمل السياسي.
وفي الصحافة أجاد في كتابة الافتتاحيات التي تميزت بالرصانة والاعتدال ، وفي عام 1923م أسهم في إصدار مجلة (الزنبقة)، والتحق بجريدة (البلاد) لصاحبها روفائيل بطي ليعمل فيها محررا لسنوات عدة وحتى عام 1930م . أصبح في سنة 1931 مدير التحرير المسؤول في جريدة (صدى العهد) ،ولما احتجبت تولى إصدار جريدة (الطريق) 1933 ومن ثم جريدة (النداء)1936 ، وتنقل السمعاني بين صحف عديدة ولسنوات طويلة حتى أسس سنة 1937 ، جريدة (الزمان) وكانت - كما جاء في ترويستها - جريدة يومية سياسية صاحبها توفيق السمعاني، ورئيس تحريرها محمود نديم إسماعيل ليستمر في إصدارها لأكثر من عقدين ، وقد توقفت عن الصدور في شباط 1963 وعدت هذه الجريدة من الصحف السياسية العراقية الكبيرة والطويلة العمر ، حتى أنها كانت –بحق -مصدرا للأخبار وللحوادث ولجلسات البرلمان العراقي وخاصة في الاربعينيات والخمسينات من القرن الماضي،مما جعلها تعد مصدرا من مصادر دراسة تاريخ العراق المعاصر .
انتخب توفيق السمعاني نائبا لنقيب الصحفيين العراقيين لدورتين متتاليتين ،وللسنوات من (1961م -1963م)،وفي سنة 1982 توفي في بغداد عن عمر ناهز ال ( 82 ) عاما ودفن هناك .
ويجب ايضا ان لاننسى الاستاذ يحيى قاسم ( 1913 - 1990 )الذي اصدر جريدة في بغداد بإسم ( الشعب ) ، ويحيى قاسم ، هو يحيى بن قاسم بن محمد علي من مدينة الموصل ، ومن محلة السوق الصغير القريبة من جامع العباس وشارع النجفي في الجانب الايمن ولد سنة 1913 .درس في مدارس الموصل وحصل على الشهادة الثانوية من ثانوية الموصل سنة 1931 ودخل كلية الحقوق ببغداد وتخرج فيها سنة 1934 عمل موظفا في مجلس الوزراء ثم في مجلس النواب وانتقل للعمل في السكك الحديد .أصدر في سنة 1942 " جريدة الشعب " ، وكانت جريدة مؤيدة للسلطة الملكية الحاكمة ، واستمرت بالصدور حتى قيام ثورة 14 تموز سنة 1958 كانت جريدة الشعب يومية سياسية .
عمل في جريدة الشعب لصاحبها المحامي يحيى قاسم عدد من الصحفيين البارزين منهم الاستاذ محسن حسين احد مؤسسي وكالة الانباء العراقية (واع ) والذي قال : " أن أول جريدة عمل فيها هي جريدة الشعب لصاحبها يحيى قاسم وكانت من اشهر الصحف ، واوسعها انتشارا وقتذاك .وقد كنت اكتب فيها منذ سنة 1952 كهاو من خلال المقالات التي ارسلها لهم" .
أسهم الاستاذ يحيى قاسم في تأسيس " جمعية الصحافة العراقية " فلقد شهدت سنة 1944 محاولة جديدة لتأسيس تنظيم نقابي للصحفيين،عندما أجتمع أصحاب الصحف في 12 كانون الأول سنة 1944 في مقر جريدة ( صوت الأهالي) التي أصدرها كامل الجادرجي. وناقشوا مشروع تأسيس نقابة للصحفيين، ونشرت هذه الصحيفة في اليوم التالي ما تم الاتفاق عليه حول الشروع في تشكيل نقابة الصحفيين في بغداد، ودعوة الحكومة لاصدار النظام المتعلق بتشكيل النقابة ، وكذلك الاحتجاج لدى الحكومة على تجاوز الرقابة على الصحف حدود سلطاتها القانونية بمذكرة يوقعها أصحاب بالصحف. ووقع على هذا الاتفاق كلا من: نور الدين داود، صاحب صحيفة ( النداء ) ، و يحيى قاسم، صاحب صحيفة ( الشعب ) ، وروفائيل بطي صاحب صحيفة ( البلاد ) وصدر الدين شرف الدين صاحب صحيفة ( الساعة ) ورزوق غنام صاحب جريدة ( العراق ) فيما تحفظ كامل الجادرجي صاحب صحيفة ( صوت الأهالي)، ومحمد مهدي الجواهري صاحب صحيفة ( الرأي العام) على نص الاتفاق لكنهما وافقا على أداء دورهما في التنفيذ، حيث تولى الجواهري ونور الدين داود إعداد الطلب إلى الحكومة بينما تولى الجواهري والجادرجي إعداد مذكرة الاحتجاج . وفي اليوم التالي، تم عرض ما تم الاتفاق عليه على أصحاب الصحف الذين لم يحضروا الاجتماع، فوافقوا عليها، ووقعها سليم حسون، صاحب صحيفة (العالم العربي)، وتوفيق السمعاني، صاحب صحيفة (الزمان ) وعادل عوني، صاحب صحيفة ( الحوادث)، لكن المحاولة هذه لم تصل إلى مستوى التنفيذ التام، ولم تأخذ شكل التنظيم النقابي.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية دب النشاط في صفوف السياسيين والصحفيين لتشكيل الأحزاب والجمعيات، فنجح الصحفيون في تأسيس أول تنظيم نقابي لهم،أسموه ( جمعية الصحافة العراقية)، روادها اثنان من قادةالأحزاب الوطنية وهما كامل الجادرجي من الحزب الوطني الديمقراطي وأصبح رئيساً للجمعية وسلمان الصفواني من حزب الاستقلال صاحب صحيفة ( اليقظة) واصبح سكرتيراً عاماً لها حيث حصلت سنة 1948على حق الإشراف على توزيع الإعلانات الحكومية والقضائية على الصحفاليومية والأسبوعية مع خصم عمولة للجمعية بنسبة عشرة بالمائة.
الا ان هذه الجمعية لم يكتب لها النجاح وتعطل دورها بعد تشكيلها بفترةقصيرة والمرجح انها تعطلت في تشرين الثاني سنة 1952 عندما تولى الفريق نور الدين محمود حكومة الطواريء حيث تم تعطيل كل الأحزاب والجمعيات والصحف المعارضة، وأعلنت الأحكام العرفية.
وفيما يتعلق بالصحافة النسائية فقد كانت السيدة بولينا حسون ، صاحبة أول مجلة نسائية تصدر في العراق، ففي اليوم الخامس عشر من تشرين الأول-أكتوبر سنة 1923، قامت السيدة بولينا حسون، بإصدار هذه المجلة، وسبب تسمية المجلة يرجع، كما تقول بولينا حسون، إلى أنها سمعت الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي يلقي قصيدة في منتدى التهذيب ببغداد مطلعها :
إني بليلى مغرم وهي موطني
وعلي أقضي في غرامي بها نحبي
فهبطت الكلمتان( ليلى ) و(موطني ) على قلبي هبوط الوحي ،فاندفعت إلى تحلية المجلة بأسم (ليلى ) ،وقد كنت قبلها أريد أن اسمي المجلة (فتاة العراق ) .
وبولينا حسون، تُعتبر من رائدات الصحافة النسائية في العراق، وبولينا حسون، عملت في الصحافة في ظروف بالغة الصعوبة، فلقد احتدم الصراع بين دعاة السفور ودعاة الحجاب، وكان المحافظون هم الأغلبية في المجتمع، والمجددون الأقلية.. ولانعرف بالضبط تاريخ ميلاد بولينا حسون، إذ أنها كانت في مقتبل حياتها تعيش في مصر وفلسطين والأردن قبل عودتها إلى بلدها العراق. وكان خالها هو الشيخ ابراهيم الحوراني، وابن عمها سليم حسون صاحب جريدة ( العالم العربي) ،وهو صحفي موصلي معروف تحدثنا عنه آنفا ، و بولينا حسون موصلية عراقية من جهة الأب ،وشامية من جهة الأم. وثمة مصادر تقول أن بولينا حسون ولدت سنة 1865 و توفيت سنة 1969 .
عادت إلى العراق في سنة 1922 قبل إصدارها مجلتها ( ليلى) بعدة أشهر، وانغمست بالحياة العامة ،وكانت من العضوات المؤسسات ل (نادي النهضة النسائية ) الذي افتتح في 24 تشرين الثاني 1923 برئاسة السيدة أسماء الزهاوي ابنة مفتي العراق الشيخ أمجد الزهاوي. وأخذت تجهر بآرائها حول تحرير المرأة ،ومساواتها بأخيها الرجل ومشاركته في بناء العراق ونهضته بعد تشكيله دولته الحديثة بزعامة ملك العراق فيصل الاول (1921-1933 ) .وقد أصدرت مجلتها ليلى، وبدأت بكتابة المقالات ، ونشر الموضوعات المختلفة التي يرسلها الكتاب الآخرون للمجلة عن النهضة النسائية والمعالجات المختلفة الخاصة بالمرأة .كما كرست المجلة بعض صفحاتها لانتقاد بعض العادات الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر سلبا على نهضة المرأة ،وتحط من قدرها وتهضم حقوقها، وتبقيها في حالة التخلف. وواظبت المجلة، في أعدادها اللاحقة ، تأكيدها على تحرير المرأة والى إعطاء المرأة المكانة الجديرة بها في المجتمع والأسرة.
وبعد انتهاء السنة الثانية من عمر المجلة ،عينت بولينا حسون مديرة لمدرسة باب الشيخ الابتدائية في بغداد عام 1925 ،وكان ذلك بداية لحملة شعواء تعرضت لها تلك الصحفية الرائدة من قبل بعض الصحف العراقية وانتقلت إلى المحاكم ، والتي أدت،في نهاية الأمر ، إلى نقلها معلمة في مدرسة أخرى ومن ثم إلى تركها العمل.
لقد أدى الضغط، والحصار الشديد، والحملات الصحفية القاسية التي جابهت بولينا حسون، إلى عدولها عن الاستمرار في العمل الصحفي، والى حزمها أمتعتها ومغادرتها العراق إلى فلسطين والاردن في (كانون الأول 1925).. وخلفت وراءها ذكرى لامرأة عراقية باسلة يحق أن يقال عنها، فضلاً عن كونها أول صحفية عراقية،أنها :" رائدة الحركة النسائية في العراق".
لم تقتصر مجلة ليلى في اهتماماتها على شؤون المرأة، وإنما تعدت ذلك عندما أفسحت المجال لصفحاتها، لتناول موضوعات ذات صلة بأوضاع العراق الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية، والثقافية في تلك الحقبة المهمة من حقب التاريخ العراقي المعاصر.
لقد صدرت مجلة ليلى تحت شعار" على طريق نهضة المرأة العراقية"، وتضمنت صفحاتها معلومات جمة عن تربية الأطفال، وتعليم الفتيات، وصحة الأسرة، والاقتصاد المنزلي. فضلاً عن شؤون الثقافة والتعليم. كما انخرطت المجلة في الصراع الذي كان رائدا بين المحافظين والمجددين والذي اصطلح عليه في حينه بـ (معركة السفور والحجاب)، واشتملت مقالاتها الافتتاحية على إثارة موضوعات مهمة، وبعناوين مختلفة من قبيل : "بوتقة الحق" و "أخبار الضرائب" و"ركن ربات البيوت" و "حلقات من أوتار سحرية" و" الأخبار الغربية". واهتمت المجلة بتناول جوانب تتعلق بالصحة العامة ،والشؤون الطبية ،وقضايا الشعر والأدب. كما انصرفت لمتابعة نشاطات ونتاجات الشعراء والكتاب والباحثين العراقيين والعرب البارزين آنذاك أمثال معروف عبد الغني الرصافي، وجميل صدقي الزهاوي، والشيخ كاظم الدجيلي وانور شاؤول ويوسف غنيمة ، وحليم دموس ، والشيخ ابراهيم الحوراني ، وفيلكس فارس ، وسلمى صائغ . ومما تجدر الإشارة إليه أن الشاعر الكبير الرصافي نشر في المجلة ولأول مرة قصيدته الشهيرة ومطلعها :
هي الأخلاق تنبت كالنبات
إذا سقيت بماء المكرمات
ومن أهم المقالات التي نشرتها في افتتاحية العدد (6) الصادر في 15 أيار 1924 تلك( المقالة- الصرخة )الموجهة إلى المجلس التأسيسي العراقي (البرلمان)، وتدعو فيها إلى منح المرأة حقوقها المشروعة. وفي عددها الأخير الصادر في 15 آب 1925 شرحت لقرائها، عبر مقالة حزينة ،الظروف المادية الصعبة التي كانت تواجهها المجلة آنذاك.
وللأسف، فقد اضطرت صاحبة امتياز المجلة السيدة بولينا حسون إلى مغادرة العراق وعندئذ توقفت المجلة عن الصدور.وقد يكون من المناسب أن نشير إلى أن العراق لم يشهد صدور مجلة نسائية إلا بعد أكثر من عشر سنين حين صدرت مجلة (المرأة الحديثة ) لرئيس تحريرها فاضل قاسم راجي وكانت سكينة إبراهيم المحررة الرئيسة فيها .
صدر العدد الأول من مجلة ليلى في الخامس عشر من تشرين الأول سنة 1923، وكانت تطبع في شركة الطبع الحديثة ببغداد لصاحبها حسون مراد وشركاه وكانت بحجم 23x15 سم، وبلونين ابيض واسود ولم يتجاوز عدد صفحاتها ولكل عدد الـ (48) صفحة وكتبت بولينا حسون افتتاحية العدد الأول جاء فيها : "إن البعض يعتقد بان ظهور مجلة نسائية في العراق من (الكماليات) التي لاحاجة اليها الآن، وان المناداة بنهضة المرأة العراقية نفخ الرماد فهولاء وأمثالهم معتادون على إطفاء الأرواح ولعلهم من بقايا الوائدين .
رحبت المجلة في عددها الرابع الصادر في 15كانون الثاني-يناير 1924 (7 جمادى الأخرى 1342هـ ) بالعام الجديد 1924 وكتبت في مثال بعنوان ((اجل الأماني)) تقول : مرحبا بك أيها العام الـ 1924.. منها قد انعدم ذلك العام الثقيل (1923) .. فما عساك انه تكون أنت أيها العام الجديد؟ وماذا أخفى الغيب في ثنايا شهورك، وطيات أيامك..." وأضافت "إن العالم يؤمل أن يتنفس فيك وينال نصيبا من الأمة.. أما عراقنا المحبوب فيمني النفس بالتمتع بجميع حسنات الحكم القومي، ترشده الحكمة النيرة، ويعضده الإخاء الوطني، ويدعمه الثبات الراسخ... إن عراقنا العزيز... يتوقع تمشي روح التجدد الحقيقي في ضلوعه، وبانتشار أنوار التهذيب بين بنيه وبناته... وأما ليلى فتاة العراق، ومعها الجنس اللطيف العراقي اجمع، فمنيتها أن تعم النهضة النسائية المباركة القطر العراقي بأسره .. وتؤمل أن لاينتهي العام إلا وقد جرت المرأة العراقية، في طريق الرقي، شوطا بعيدا..." .
ثمة مقالة مهمة عنوانها :" العادات المستهجنة في معاملة المرأة"، تطرقت فيها المجلة إلى مبدأها في المجاهرة باتخاذ كلمة الحق والصراحة شعاراً لها.. وقالت أنها آلت على نفسها محاربة العادات الوبيلة التي تحط من قدر المرأة وتهضم حقوقها ، وتبقيها مطروحة في مهاوي الجمود والاحتقار والخمول" وتطرقت إلى جهودها في فضح بعض العادات السائدة في قضايا الزواج وقالت أنها اليوم تحتج على الاهانة التي ترشق بها المرأة في حديث الناس وفي داخل العائلة. فالمرأة لاتزال في نظر البعض (مخلوقا دنيئا ) لذلك تخاطب بما لايليق من الكلام. ودعت المتنورين إلى مواجهة هذه العادات وخاطبت أولئك الذين يستهجنون المرأة ولا يعطونها مكانتها قائلة :(ألا أيها الجاهل... لماذا تستعظم نفسك... وتستصغر المرأة؟ ) ،وختمت ليلى مقالتها بالقول إن النهضة لاتكون إلا بمشاركة المرأة والمرأة لاتنل التهذيب الحقيقي مالم يناصرونها رجال أحرار مخلصون فعالون.
كتبت السيدة سلمى صائغ، وهي كاتبة سورية نشر لها كتاب بعنوان :(نسمات) مقالاً في مجلة ليلى بعنوان :" حياتنا الاقتصادية" أشارت فيه إلى مشاركة المرأة في كل نشاطات المجتمع والاقتصادية ولاتزال دائرة العمل تتسع أمامها (فلا يمر علينا عشر سنين إلا ونرى النساء العربيات مهتمات بمسائل الاقتصاد مقتنعات أن الحرية الاقتصادية هي أم كل حرية بشرية).
في صفحة (متفرقة)نشرت مجموعة من الأخبار منها خبر بعنوان: " سير مشروع النهضة النسائية العراقية" قالت فيه : "لاتزال السيدات المؤسسات يواليان اجتماعاتهن بصورة منتظمة وقد نشرن بلاغا في إيضاح المشروع وغايته، واعتمدت على عقد اجتماع يحضره عدد كبير من السيدات وذلك في اليوم العشرين من الشهر الحالي (كانون الثاني 1924 لأجل المذاكرة في تأسيس النادي النسائي في العاصمة والنظر في قانونه). ثم عرضت الصفحة لبعض الكتب الصادرة المهداة إلى المجلة منها كتاب تجارة العراق قديما وحديثا للأستاذ رزق الله غنيمه العضو في مجلسي الإدارة والمعارف في بغداد" وهو كتاب تاريخي واقتصادي (في غاية التعاسة)... وكذلك كتاب :دروس في أصول التدريس لساطع الحصري.
وأشارت المجلة إلى أن الدكتور عبد الله أفندي برصوم أهدى مجلة ليلى إلى الآنسة زكية عبد النور (في الموصل). أما المعلم رؤوف أفندي صائغ فأهدى المجلة إلى خطيبته الآنسة مثيلة رؤوف صبري (في الموصل) كذلك.. وطلبت المجلة من (مراسليها الكرام ) و"الى الذين لم نتمكن حتى الآن من تحلية المجلة بقصائدهم ومقالاتهم أن يغذونا فإننا سننشرها تباتا".
في المجلة مقالات منها موقع باسم مستعار هو (سانحة ) بعنوان: (حديث ربات المنازل) وفيه دعوة لاقتباس العادات الحسنة ونبذ العادات الرذيلة كالإسراف ،واللهو، والتبرج، والتصنع والحرية الزائدة المضرة.
وهناك مقال مهم بعنوان: "وسائط سهلة للتنظيف" والمقال دعوة إلى تنظيف الأثاث الخشبية، والأواني بطرق علمية سهلة من قبيل تنظيف الأثاث الخشبية بمزيج من زيت الزينون أو زيت الكتان والكحول (السبرتو).
ونشرت المجلة مقالات عن (البابونج كدواء فعال نفيس)، وكتب الدكتور عبد الله أفندي برصوم رسالة إلى صاحبة مجلة ليلى أكد فيها أن التكيف حسب المحيط ، أمر ضروري للنجاح، ولابد من الاعتدال ودعا المجلة إلى تأكيد قول الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) "العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة" وقال "إننا نكره ...اتخاذ قشور التمدن من أزياء وحركات.." .
من مقالات ليلى : " التربية العائلية" وفيه تأكيد على أن الرجل لم يخلق ليعيش وحده، وحياته تظل ناقصة غير مستوفية الشروط إذا لم يتخذ شريكه له تقاسمه أفراحه وأحزانه..." وعن اللغة الانكليزية هناك مقالات مترجمة إلى اللغة العربية منها مقال مهم ترجمه فريد توما من الحلة عن (الحركة)، فلولا الحركة ماكانت هناك حياة، ولولا حركة البذر لما نما النبات ولولا حركة الدماغ لما ظهر التاريخ.
ونشرت المجلة قصيدة الياس أبو شبكة (رنات الأوتار السحرية) جاء في مطلعها:
الفتيها من التحسر لاتعي
تذري الدموع وحيدة في المخدع
فكأنها والدمع يخطف صوتها
رمز التعاسة في الزمان الموجع
ومما كان يزين المجلة (أشكال تخطيطية جميلة). وقد اهتمت المجلة بترجمة المقالات من اللغات الانكليزية والفرنسية وغيرهما من اللغات ومن ذلك ترجمتها مقالة بعنوان: (بوق الحق.. لايريدون مجابهة الحقائق) تتحدث فيها عن اولئك الذين يخلطون بين الأشياء ولايميزون بين الخبيث والطيب، ويظهرون مالايبطنون. واستمرت المجلة في إبراز إهداء الرجال لأعداد من مجلة ليلى إلى النساء والفتيات ومن ذلك أن (حضرة عبد السلام أفندي أهدى مجلة ليلى إلى حضرة ابنته خالة الآنسة مليحة عاكف التلميذة في مدرسة البار ودية). كما تابعت حركة إصدار الكتب ومنها ،على سبيل المثال ،كتاب (ذكرى الخالصي) لعبد الرزاق أمين وهو ترجمة حياة الشيخ محمد مهدي الخالصي. وهناك مقالات مختلفة منها مقال بعنوان :(حديث ربات المنازل)، ومقال: (آيات الصراحة وسلامة القلب) .وعن مجلة السياسة (المصرية) نقلت مقالا عن (المرأة التركية) وكيف أنها تتمتع بصفات حميدة منها : التربية ، والحشمة، والقيام بالواجب والتمسك بالتقاليد القومية وتابعت المجلة سيرة حياة الموسيقار بيتهوفن، وكيف انه نشأ بائسا ، وذاق من صنوف الحياة ضروربا ،ومن عذاب الدهر شقاء. كما كتبت عن بطرس الأكبر، الإمبراطور الروسي وابنه الكسيس.
وفي المجلة أبواب منها باب (أخبار الغرائب وغرائب الأخبار) فيه حديث عن المناطيد (سفائن الهواء) السريعة، وباب (منزليات) وفيه فؤائد صحية وتربوية. كما حرصت على تأكيد التربية الاستقلالية للأطفال، واقتبست من المجلات العالمية أخبار ومعلومات عن (فضل الأطعمة الغذائية) و (استعمال الأطالس الجغرافية) و(تشجيع الأديبات ) و(معدل طول الإنسان).. ومن الطريف أن المجلة كانت تنشر مقالات من مدن العراق المختلفة ومعظمها على شكل رسائل منها على سبيل المثال مقالة أرسلتها من الموصل (حضرة السيدة الفاضلة م. فائق بولس) بعنوان: (قلبي يتألم) جاء فيها "قلبي يتألم إذ أرى أن المرأة في العراق ليست آله الرقي، وأساس مجد الاستقبال إذ ترضع المرضعات الحليب دون لبان التهذيب..."ووضحت مقالتها بالقول إن " قلب العراق نساؤه" "ولنعقد الخناصر إذن على النهضة ،ولنقم بواجب إصلاح حالتنا الحاضرة وتبديلها بأحسن منها ،تناسب رقي العصر الحاضر وضروراته الثقيلة المتنوعة، فإلى الهمة والنشاط. إلى الحياة يااخواتي العراقيات...".
وهناك مقالة بعنوان : (الخطر الاناثي في الولايات المتحدة) جاء فيها "إن مزاحمة النساء للرجال على الوظائف في نيويورك بلغت مبلغا جاوز الحدود".
ومن الطريف أن تتصدى مجلة ليلى لمطالب تركيا في ولاية الموصل ،فتنشر في عددها الصادر في شباط 1925 مقالاً بعنوان (صوت النصف الآخر) قالت فيه:"" لم يحن الوقت للعراقية التدخل في الشؤون السياسية. كما أن ليلى ليس من خطتها البحث في السياسة ولكن لدى هذا الحادث التاريخي العظيم، حادث تعيين الحدود العراقية التركية الذي قامت له الدول وقعدت حتى أنها أرسلت إلى العراق لجنة أممية جليلة للتحقيق والتفتيش، وهب العراقيون، جميعهم على اختلاف طبقاتهم ،فأصبحوا كتله واحدة.. يحتجون على مطالب الترك الذين يحاولون اغتصاب واسترداد جزء من أراضي العراق لاتتمالك كل امرأة عراقية، وفي قلبها دم وفي نفسها شعور، من السكوت ..."وفي العدد ذاته نشرت مقالا بعنوان : " الجنس اللطيف يدافع عن ولاية الموصل" جاء في مطلعه قصيدة جاء فيها :
يا بنات العراق انتن والله
عماد الحياة والأحياء
حقا ،كانت بولينا حسون صحفية رائدة، وكانت مجلتها مجلة رائدة .وقمين بنا أن نظل نذكر الأجيال بما قدمته للعراق من مجهودات طيبة ومفيدة .
وكان في بغداد خلال السنوات الخمسين الماضية صحفيون موصليون كثيرون اذكر منهم هشام الدباغ الذي اصدر جريدة (الانقاذ ) سنة 1948 وتوقفت سنة 1954واصدرالاستاذ نوئيل رسام جريدة (أ.ب.ت)في 4 ايار سنة 1954 وكانت سياسية يومية مستقلة والغي امتيازها في 17-12-1954 .كما اصدر خليل امين المفتي جريدة (الاصلاح ) في بغداد والغي امتيازها في 17-12- 1954
أما جريدة ( الأخاء الوطني ) التي أصدرها حزب الأخاء الوطني ، فقد ظهرت يوم 17 كانون الثاني 1935 * ، وتولى تحريرها في هذه المرحلة المحامي محمد يونس السبعاوي ، وقد قامت بحملات شديدة على الحكومة وصوّرت هياج الرأي العام ، وشرحت حركات المعارضين واحتجاجاتهم وأساليبهم شرحاً مؤثراً في الجماهير ، لذلك لم تتحملها الوزارة فعطلتها ادارياً لمدة عشرة أيام ، ولم ينقضِ على صدورها سوى اسبوعان .
كانت ( الاخاء الوطني ) " جريدة راقية ، غزيرة المادة في الموضوعات السياسية العامة وشؤون البلاد العربية ومباحث الاقتصاد ، فضلاً عن براعتها في النضال السياسي الداخلي " ، ولكنها لم تصدر بعد انقضاء مدة التعطيل إذ أُريد تأسيس مطبعة لها فقصد محررها إلى مصر لشراء المطبعة ، فسقطت الوزارة خلال هذه المرحلة ، وتولى الحكم ياسين الهاشمي ، وكان معظم وزرائه من حزب الأخاء ، لذلك انصرف محررها عن العمل الصحفي.
وكان الاستاذ فؤاد قزانجي رئيسا لتحرير جريدة (بغداد اوبزرفر ) التي صدرت في بغداد يوم 23-12-1967 .
و كان الاستاذ جرجيس فتح الله المحامي قد اصدر في 4 حزيران سنة 1958 جريدة بإسم (الرائد ) وكانت جريدة يومية سياسية وكان صاحبها ورئيس تحريرها . وكذلك الاستاذ غربي الحاج احمد الشاعر والسياسي والمناضل والوزير 1923-2000 والذي كان وراء صدور مجلة العائلة العراقية مجلة (الف باء ) وتولى رئاسة تحريرها وكان اول رئيس لتحريرها مع ان اسمه لم يظهر في المجلة .
ومجلة ألف باء ، من المجلات العراقية التي باتت تمتلك تاريخا طويلا بالقياس لغيرها من المجلات العراقية المتناظرة. فهي مجلة صدرت لأول مرة في بغداد في 22 مايس ايار سنة 1968 بجهود الاستاذ غربي الحاج احمد السياسي الموصلي الوطني المعروف رحمه الله ،وكان يترأس "المؤسسة العامة للصحافة " والتي تشكلت بعد تأميم الصحافة سنة 1964 وكانت تابعة لوزارة الاعلام .وجاء في ترويستها انها "
مجلة اسبوعية سياسية ادبية ثقافية اعلامية" وبعد ذلك اصبحت تصدر عن دار الجماهير للصحافة .
صدر العدد الاول منها في بغداد في 22-5--1968 وكانت تصدر كل يوم اربعاء " . وقد تعاقب على رئاسة تحريرها عدد من الصحفيين منهم الاستاذ سعد البزاز الذي تولى ايضا رئاسة تحرير جريدة (الجمهورية ) البغدادية وقد توقفت مجلة ( الف باء ) بعد وقوع الاحتلال الاميركي للعراق في 9 نيسان 2003 وتوقفت معها ايضا جريدة ( الجمهورية ) .


( بوست كارد ) جميل يعود الى سنة 1933


( بوست كارد ) جميل يعود الى سنة 1933
وهو يحمل صورة للقلعة الرئيسية في الموصل ( باشطابيا ) 
والصورة التقطها الفوتوغرافي البريطاني J.S. Hoory 
....................................ابراهيم العلاف

( بوست كارد ) جميل يحمل صورة جامع النبي يونس (عليه السلام ) 1918



( بوست كارد ) جميل يحمل صورة جامع النبي يونس (عليه السلام ) 1918
في الموصل وتاريخ الصورة يعود الى سنة 1918 
وترون منارة جامع النبي يونس القديمة وهي غير المنارة التي 
فجرتها عناصر داعش حين سيطرت على الموصل 2014-2017
.......................................ابراهيم العلاف

الخميس، 15 نوفمبر 2018

غرابيب ليلى ..المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر الدكتور رائد عزيز








غرابيب ليلى ..المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر الدكتور رائد عزيز 
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس -جامعة الموصل 
بين يدي الان المجموعة الشعرية للاخ الشاعر الطبيب المتخصص بالتخدير الدكتور رائد عزيز ، وهي تحمل اهداءه وتوقيعه ، وانا جد سعيد بهذا النتاج الشعري الجميل .وقد اطلق الاخ الدكتور رائد عزيز على مجموعته التي تضم ( 24 ) قصيدة عنوانا دقيقا وهو (غرابيب ليلى ) وهو نفسه عنوان قصيدته الثالثة في المجموعة ومطلع هذه القصيدة يقول : 
في شعر ليلى كم ضفيرة تُجدل *** بالريح يمرح في رُباها السُنبل ُ 
سبع من السنوات كان ربيعها *** ويضج كالاذان فيها المنزل
قيثارة للروح في خصلاتها *** ترتادها من كَفِ أُم أنمل
تعدو بطول الارض في ضحكاتها *** وتجر شمسا في الحرير وتغزل
وتمضي القصيدة لتصل الى الحقيقة المؤلمة عندما يقول :
ذهبت لتُحضر من قريب تاجها *** واذا بسقف ٍ فوق ليلى ينزل ُ
قدم للمجموعة الاخ ، والصديق الشاعر الكبير الدكتور وليد الصراف تقديما بديعا من حيث انه استطاع ان يضع مبضعه الجراحي على كبد الحقيقة المؤلمة التي نعيشها في ظل الحروب والحصارات والاحتلال ، وما جرته كل هذه الاحداث ولاتزال تجره من ظلم وحرمان وضياع وفشل وفساد ويأس واحباط وإمعات وانتهازية اختزنه واختصره يراع شاعرنا الدكتور رائد عزيز بقوله :" إذ انتَ قبل الخلقِ كَفنكَ الردى " ...لحظات ولحظات ، وايام وايام ، وسنوات وسنوات قد لاتنفع معها الكلمات ، ولاتفيدها المقالات ، والبحوث والدراسات لكن ما يفيدها ، بيت شعر أحس قائله بما لم نحسه نحن فصدح بالشعر ، وصدق في كل كلمة قالها في هذه القصيدة او تلك .
لم يكتب الشعر لهوا ولا بطرا ، وانما لكي يقدم رسائل الى غيره انه ما من شاعر حقيقي الا ولديه ما يجب ان يقوله للناس، يبشر بالامل ، ويبشر بالخير، ويعزي بالامل ، يتغزل بما هو حي ، ومفيد، ونافع ويفخر بما يجب ان يفخر ويهجو ان وجد ما يجب ان يهجوه .
وعبر قصائد المجموعة نرى شاعرنا الطبيب يتألق في قصائد رائعة من قبيل ( ثورة الاهداب ) و(روح الهوى ) و(بوح الدفوف ) و(خطوب الليل ) و(ملاذات البوح ) و(بوابة الغياب ) و( قطرة الغربال ) و(عصي المدامع ) و(اغتيال مئذنة ) .
وشعر رائد عزيز العمودي ، والحر يضج بالحياة فرحا ، وحزنا ، وقوة ، وضعفا ، وضياءَ وظلاما .
إنه في ( اغتيال مئذنة) يقف عند ابرز ما يمكن ان نقوله لانفسنا ولغيرنا :
مر الفرس
والرومان
والعرب
وكم قيس
على ليلى
كما حدبائها
حُدبوا
وكم
في (عوجة ٍ) ضاقت بسائرها
فضجت وسعها الدربُ
ولم يرجع
فضاق الدرب ثانية
وليلى في ضجيج الافق
تنتحب
وعنترة ٌ
على الصلبان يبدوا انهم صَلبوا
وجروا الروح
نبضا نبضة سلبوا
وهم لن يتمكنوا من تدنيسها ، مع انهم اغتالوها .. لكن وكما قال، خاب فألهم فها هي الحدباء ستعود شامخة
وان مس الجوى حَزَن ٌ
وشامخات
وإن
كان المدى
خَرِبُ
بوركت اخي الدكتور رائد عزيز ، لقد اجدت ، وابدعت، فلك مني تحية ...دمت مبدعا، متألقا ، والى مزيد من الابداع والناح والتألق .

الأربعاء، 14 نوفمبر 2018

أنا والتاريخ العثماني ............... ا.د. ابراهيم خليل العلاف

















أنا والتاريخ العثماني
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس - جامعة الموصل
منذ ان كنت طالبا في قسم التاريخ –كلية التربية –جامعة بغداد 1964-1968 ، تيسرت الفرصة لي ان يكون استاذنا في دراسات تاريخ الشرق الادنى الحديث وتاريخ العراق الحديث استاذ مصري فذ ومؤرخ كبير متخصص بتاريخ العراق العثماني ؛ هو الاستاذ الدكتور عبد العزيز سليمان نوار (رحمة الله عليه ) ؛ فقد درسنا هذا الرجل ثلاث سنوات 1964و1965و1966 وقد علمت ُ في حينه ان رسالته للماجستير كانت من جامعة عين شمس بالقاهرة –مصر عن :"داؤود باشا أخر الولاة المماليك " وأن اطروحته للدكتوراه كانت عن "تاريخ العراق الحديث منذ اواخر عهد داؤود باشا الى اواخر عهد مدحت باشا " .
ومنذ ذلك الوقت أي منذ الستينات من القرن الماضي ، أحببت التاريخ العثماني وقد كتبت رسالتي للماجستير عن ولاية الموصل 1908-1922 . كما تطرقت في اطروحتي للدكتوراه في الفصل الاول عن "السياسة التعليمية العثمانية وتطور التعليم في العراق منذ سنة 1869 الى سنة 1914 " .
وبعد ان تخرجت وعينت مدرسا في قسم التاريخ بكلية الاداب –جامعة الموصل ، وكان ذلك سنة 1975 طلب مني رئيس القسم انذاك الاستاذ الدكتور توفيق سلطان اليوزبكي ان أعد محاضرات للطلبة في مادة دراسية كانت تسمى انذاك :" تاريخ العرب الحديث " وكان يدرسها قبلي استاذان مصريان كبيران على التعاقب هما : الاستاذ الدكتور احمد عبد الرحيم مصطفى والاستاذ الدكتور محمد عبد الرحمن برج .
لم تكن محاضرات "تاريخ العرب الحديث " تغطي التاريخ العثماني بشكل شامل ، لذلك وجدتُ ان التسمية الصحيحة للمادة ان تكون :"تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني 1516-1916 " . وعندما كنا طلابا في الستينات من القرن الماضي كان اسم المادة في قسم التاريخ :"تاريخ الشرق الادنى الحديث " وكان اساتذتنا يقولون ان مصطلح "الشرق الادنى " يشمل "الدولة العثمانية وممتلكاتها " .
لقد أكدتُ عندما بدأت أدرسُ مادة "تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني 1516-1918 " في المرحلة الثانية في قسم التاريخ بكلية الاداب –جامعة الموصل 1975 ، ومابعدها في قسم التاريخ بكلية التربية –جامعة الموصل على انه ظهرت في السنوات الاخيرة واقصد السنوات في الستينات والسبعينات من القرن الماضي دراسات عديدة تناولت تاريخ العرب الحديث منذ التوسع العثماني حتى الحرب العالمية الاولى واندلاع الثورة العربية الكبرى 1916 .
وقلتُ ان ندوات ومؤتمرات علمية كثيرة عقدت على صعيد الوطن العربي والعالمي لمعالجة جوانب مختلفة من هذا التاريخ .وأنه قد برز إهتمام كبير بالوثائق ولاسيما العثمانية منها والمنتشرة في اماكن عديدة ابرزها دور الارشيف العثماني في اسطنبول بتركيا.. ومن المؤكد كما قلت ان هذه الوثائق نصوص من شأنها القاء الضوء على بعض القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاجتماعية للدولة العثمانية وممتلكاتها .
هذا فضلا عن ما تقدم به عدد من الباحثين الشباب العرب من رسائل جامعية على مستوى الماجستير والدكتوراه عن الحقبة العثمانية .
وضربتُ من نفسي مثلا على هذه المشاركة العلمية .اذ يعود اهتمامي بهذا الموضوع الى بضعة سنوات خلت .. كما قلت في اول هذا المقال ومما اردت ان اركزه في محاضراتي انه لابد ان نناقش المصطلحات التي تُطلق على الفترة العثمانية التي خضعت فيها البلدان العربية للحكم العثماني .. وقلتُ ان هناك من يطلق مصطلح السيطرة العثمانية وهناك من يقول الغزو العثماني ، وهناك من يقول الاحتلال العثماني ، وحتى هناك من يقول الاستعمار العثماني . وبدون شك فإن لكل تلك التسميات خلفيات سياسية وعنصرية وطائفية ولابد ان نذكر في المقابل ان هناك من يطلق مصطلح :"الفتح العثماني " للبلدان العربية او للاراضي العربية وينطلق من خلفية اسلامية وذهب الامر بالاستاذ الدكتور عبد العزيز الشناوي ان يؤلف كتابا من عدة أجزاء بعنوان :"الدولة العثمانية دولة اسلامية مفترى عليها " .
ويقينا ان المصطلحات هذه كما قلنا تنطلق من اسس ايديولوجية مرتبطة بمقاومة العرب للاتراك الاتحاديين خاصة بعد ثورة الاتحاد والترقي في 23 تموز 1908 .
من هنا ذهبتُ الى ان يكون عنوان كتابي الذي اصدرته سنة 1982 وطبع مرات عديدة ولايزال مقررا على طلبة قسم التاريخ في الجامعات العراقية وفي بعض الجامعات العربية بإسم " تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني 1516-1916 " .وقد جاء إقدامي على تأليف هذا الكتاب بعد ان لمستُ ان ثمة اهمالا شديدا كانت تعاني منه هذه الفترة وان التركيز كان على التاريخ الاوربي بحقبه القديمة والوسطى والحديثة .
وحين كلفتني وزارة التربية وزميليي الدكتور محمد مظفر الادهمي والدكتور صادق حسن السوداني لتأليف كتاب الصف السادس الاعدادي الفرع الادبي ومن قبله للصف الثالث المتوسط بعنوان :" التاريخ الحديث والمعاصر للوطن العربي " قمتُ آنذاك بكتابة الفصول التي تغطي تاريخ العرب منذ مطلع العصور الحديثة في القرن السادس عشر حتى الحرب العالمية الاولى .. ثم توسعت في كتابة مباحث وفصول في موضوعات تخص تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني نشر الكثير منها في صحف ومجلات اكاديمية وثقافية عراقية وعربية .
ان كتابي الموسوم :"تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني 1516-1916 درس اوضاع الوطن العربي بمشرقه ومغربة دراسة افقية خلال الفترة الواقعة بين مطلع القرن السادس عشر ومطلع القرن العشرين وهي الفترة التس اسميتها ب" العهد العثماني " . وليس من شك في ان لهذه الفترة الطويلة من تاريخنا والتي تزيد عن 400 سنة أهمية كبيرة في فهم التكوين السياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي للمجتمع العربي . وكذلك في فهم الاتجاهات والتيارات الفكرية المعاصرة في الوطن العربي .
وقد يسأل سائل عن ما أقصده بالدراسة الافقية ؛ فأقول انني لم ادرس كل بلد عربي على حده وانما درست الوطن العربي ( بمشرقه ومغربه) كوحدة واحدة ، فمثلا تناولت توسع العثمانيين في كل البلدان العربية ثم وقفت عند انظمة الحكم العثمانية وتعرض مصر والشام للغزو العثماني الاستعماري ومحاولة محمد علي باشا والي مصر لبناء دولة عربية قوية وتحدثت عن محاولات الاصلاح العثمانية وانعكاساتها في البلدان العربية وتابعت مراحل الغزو الاستعماري الاوربي في الوطن العربي وردود الفعل العربية واخيرا درست اتجاهات حركة النهضة الحديثة ونشوء الوعي القومي والتوجهات العروبية والاسلامية .
ان مما كنت اؤكد عليه ، واتحدث عنه في محاضراتي سواء في قسم التاريخ بكلية الاداب –جامعة الموصل أو في قسم التاريخ بكلية التربية –جامعة الموصل وفي الدراسات العليا في القسمين اننا اصبحنا في ضوء ما يتوفر لدينا من دراسات عن "العهد العثماني " نتلمس آثار نظرتين مختلفتين الى الدولة العثمانية ؛فالنظرة الاولى ترى ان العثمانيين مسؤولين عما لحق بالعرب من فقر ، وظلم ، واستغلال ، وجهل ، وركود ، وعزلة ، وجمود وقد وجدنا هذه النظرة متجسدة في كتابات جورج انطونيوس وكتابه :" يقظة العرب " 1969 ، وساطع الحصري في كتابه :" البلاد العربية والدولة العثمانية " 1965 ، ومحمد بديع شريف في كتابه الذي الفه مع عدد من زملاءه والموسوم :" دراسات تاريخية في النهضة العربية " 1950 وجمال الدين الشيال في كتابه :" محاضرات في الحركات الاصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الاسلامي الحديث " 1958 .
اما النظرة الثانية ، فتقوم على اساس ان الدولة العثمانية دولة اسلامية مفترى عليها ونجد مثالا على ذلك ماالفه الدكتور عبد العزيز الشناوي كما سبق ان قدمنا . ومما قاله الدكتور الشناوي ان تاريخ الدولة العثمانية تعرض الى كثير من التشهير من مصادر متعددة لعل من ابرزها الغرب الاستعماري واليهود والصهيونية العالمية .
وقد اكد المؤرخ المصري الاستاذ الدكتور احمد عبد الرحيم مصطفى في كتابه :"اصول التاريخ العثماني " 1982 :" ان الامبراطورية العثمانية ظهرت في ثنايا رد الفعل الاسلامي إزاء اوربا الآخذة في التوسع الاستعماري " ، و"ان من الضروري وضع التاريخ العثماني في مكانته الصحيحة في إطار التاريخ العالمي " .
وهكذا قلتُ انا في كتابي :"تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني " ان التاريخ العثماني ينتظر منا ان ننصفه ، وننظر اليه بنظرة موضوعية بعيدة عن الايديولوجيات السياسية والحزبية ، وان نركز على مسألة غاية في الاهمية وهي ان العرب استوعبوا اخوانهم في الدين ، وتفاعلوا معهم طالما كانت النظرة واحدة الى المكونات التي كانت تتألف منها الدولة العثمانية فلا فرق بين الاتراك والعرب والاكراد والالبان والبوسنيين والشيشان طالما هم (مسلمون عثمانيون ) ولكن التناقض بين العرب والاتراك ظهر بعد ان جاء حزب الاتحاد والتقي وقام بثورته على السلطان عبد الحميد الثاني 1876-1909 وخلعه سنة 1909 والسير في الحكم وفق شعارات التتريك والطورانية والعنصرية ولم تكن المحافل الماسونية - وهي واجهة للحركة الصهيونية العالمية - بعيدة عن ماحدث في اسطنبول سنة 1908 .
من هنا اقول لطلبتي واحبتي ومن يسمعني : ان من الواجب التمييز بين المرحلة الاولى من التاريخ العثماني ، والمرحلة الاخيرة والممتدة من 1909 وحتى 1915 والمرتبطة بذهن لقادة العرب بمشانق بيروت ودمشق ومقاومة اللغة العربية وطمس الهوية العربية.
ان كتابة التاريخ مهمة صعبة جدا تقتضي منا التثبت من الحقيقة ،كل الحقيقة ، ولاشيء غير الحقيقة عن الماضي كما كان يقول استاذي الدكتور فاضل حسين وتفسير التاريخ مهمة أصعب ومكملة لتثبيت الحقائق .وانا اتبع منهج المؤرخ الالماني ليوبولد رانكة والتي تقوم على ان مهمة المؤرخ الرئيسة هي : إعادة صياغة وتشكيل الحدث كما وقع بالضبط لاسيما وان التاريخ حافل بالثغرات المجهولة والتحليلات الغامضة والتفسيرات المريبة كما كان يقول استاذنا الدكتور محمد انيس .
انني عندما كنت اهتم بالتاريخ العثماني ، فإنني - ويشهد الله على ذلك - كنت احاول ان استعيد الماضي من اجل الحاضر والمستقبل اي اريد ان نتعلم من التاريخ ، ونأخذ العبرة ولكن دون ان نغمط دورنا ورؤيتنا الى الماضي. ومن المؤكد كما يقول بنديتو كروجة المؤرخ الايطالي ؛ فالتاريخ كله تاريخ معاصر بمعنى اننا لانستطيع ان نتخلص من نزعاتنا وما يحيط بنا بشكل مطلق لكن لابد ان نبذل اقصى جهودنا لكي نكون محايدين موضوعيين قدر الامكان .
لقد درستُ الدولة العثمانية في كثير من أعمالي : نشوءها ، وتوسعها في البلدان والمدن العربية واستعرضت ابرز النظريات حول قيام الدولة العثمانية، ثم تتبعت مراحل اتساعها في اسيا وأفريقيا واوربا طيلة اكثر من 700 سنة تمتد من 1299 حتى 1922 وهي السنة التي سبقت قيام الجمهورية التركية سنة 1923 بقيادة مصطفى كمال الذي لقبه الاتراك ب(اتاتورك ) أي ابو الاتراك .
ومما كنتُ اركز عليه اسباب التغير في استراتيجية التوسع العثماني في البلدان العربية الذي حدث في عهد السلطان سليم الاول 1512-1520 والتي كان من ابرز نتائجها دخول البلاد العربية تحت الحكم العثماني .
ومن الطبيعي انني كنت انصرف الى دراسة كيف حكم العثمانيون البلاد ؟ لذلك وقفت عند نظم الحكم والادارة وتناسب القوى التي حكمت الدولة العثمانية ابتداءا من السلطان وحتى اصغر مسؤول اداري عثماني في الناحية .كما كتبتُ كثيرا عن الاوضاع والنظم الاقتصادية والاجتماعية ونظم الضرائب ووقفتُ عند ظاهرة بروز عدد من القوى او العصبيات المحلية كالجليليين في الموصل والمماليك في بغداد وال ظاهر العمر في فلسطين والاسرة الحسينية في تونس والاسرة القرامنلية في طرابلس الغرب وال العظم في سوريا وال معن والشهابيين في سوريا .
كما ناقشت مسألة انتقال الخلافة من العباسيين الى العثمانيين والنظريات التي ذكرت ذلك ، والتي تداولها عدد من المؤرخين والمتصلة برواية تنازل الخليفة العباسي المتوكل عن الخلافة للسلطان سليم الاول 1512-1520 وتسليمه الاثار النبوية الشريفة المؤلفة من بيرق (العلم ) الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وبردته ومن المؤرخين الذين ذكروها دوسون DOHSSON والتي ذكرها في كتابه :" لمحة عامة للامبراطورية العثمانية " بيد انه لم يشر الى المصدر ..وثمة مؤرخين رددوا هذه الرواية ومنهم محمد فريد في كتابه :"الدولة العلية العثمانية " ومارك سايكس في كتابه :"تراث الخليفة الاخير " ويستند هؤلاء على ان قضية التنازل قد حصلت بدليل ان الاثار الخاصة بشعائر الخلافة التي كانت محفوظة عند الخلفاء العباسيين قد وصلت الى أيدي العثمانيين وهي نفسها التي نقلها السلطان سليم الاول لدى فتحه مصر وان المرتبطين بالسلطان سليم كانوا يطلقون عليه لقب (خليفة ) ومن هؤلاء معاصره المؤرخ ابن زنبل الرمال وقد لقب بركات شريف مكة السلطان سليمان القانوني سنة 1520 بلقب (خليفة الله ) .
ومهما يكن فالقضية –حسب وجهة نظري –لاتزال معلقة وغير محسومة لكن لابد من القول ان السلاطين العثمانيين لم يكونوا يهتمون لهذا اللقب وكانوا يحكمون حسب نظرية "امارة الاستيلاء " ، واللقب استخدموه في نص او نصين رسميين منهما معاهدة كوجك كينارجي التي وقعت سنة 1774 بين السلطان العثماني عبد الحميد الاول 1774-1789 وامبراطورة روسيا كاترينة الثانية والسبب وجود مسلمين في روسيا وبموجب هذه المعاهدةوافقت روسيا على ان يكون السلطان العثماني كخلفة للمسلمين الحق في حماية المسلمين في شبه جزيرة القرم وهذا كما هو معروف ينسجم مع السياسة الاسلامية التي تبنتها الدولة العثمانية لمواجهة الحركات القومية .
إنصب اهتمامي ودراساتي على مسألة الغزو الفرنسي لمصر سنة 1798 ، وما احدثه من نتائج في الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي ، وما ترك من صدى في البلاد العربية وبينت اسباب صعود محمد علي باشا ومجهوداته في جعل مصر قاعدة لدولة عربية موحدة وكتبت عدة بحوث عن موقع العراق في هذه المحاولات وموقع البحرين والشام والخليج العربي والسودان في هذا المشروع ومعظم هذه البحوث منشورة القي بعضها في مؤتمرات علمية خارج العراق وخاصة في مصر والبحرين .
ويقينا ان من نقاط اهتمامي بالتاريخ العثماني دراساتي عن ما يسمى بحركات التجديد الاسلامية وابرزها حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد .. طبيعتها ، وموقعها هي والسنوسية والمهدية في حركات النهوض الاسلامية .
كما كرست جانبا من جهودي في دراسة التاريخ العثماني بالتوقف عند ماسمي بالاصلاحيات الخيرية والتي كانت بدفع من الغرب والتي ابتدأت في القرن الثامن عشر واتاحت للدول الغربية التغلغل داخل الدولة وتفكيكها بالاعتماد على تبني القوانين الغربية والارساليات التبشيرية وبعثات الاثار وادعاء الحماية للنصارى الارثودكس والكاثوليك والبروتستانت .
وكان من المواضيع التي اهتممت بها وافردت لها جانبا من دراساتي أحداث الغزو الاستعماري الاوربي للمياه العربية الشماية والجنوبية والتي ابتدأت بعد ان شهد العالم في القرن التاسع عشر نموا وتوسعا في حركة الاستعمار الحديث المعروف بالامبريالية وكان من ابرز نتائج زيادة الانتاج في الدول الاستعمارية ظهور الحاجة الى اسواق جديدة لتصريف المواد المصنعة والاهم منذلك ضرب الاقتصاد الاسلامي بالصميم وايجاد طرق للوصل الى الشرق بدلا من طريق العراق وطريق مصر وهكذا تتبعت احتلال فرنسا للجزائر 1830والاحتلال الفرنسي لتونس 1881ولمراكش 1830-1914والسيطرة البريطانية في الخليج العربي والعراق والاحتلال البريطان لمصر 1882 والثورة العرابية والتدخل البريطاني في السودان 1898 والاحتلال الايطالي لليبيا 1911 .ولم انس ان اتناول ردود الفعل والمقاومة لكل هذه الاحتلالات .
ومن المباحث التي وقفتُ عندها وعالجتها في عدد من بحوثي التي تتناول التاريخ العثماني ما سمي بالنهضة الفكرية العربية والاتجاهات المختلفة ومحاولات الاجابة على سؤال لماذا تخلفنا وتقدم غيرها .. وقد كان مما عنيت به الاتجاهات الاسلامية الاصلاحية وممثلي هذه الاتجاهات ومؤلفاتهم وكتاباتهم وحلولهم لما آل اليه الوضع : اقصد وضع الولايات التي كانت خاضعة للحكم العثماني .. وكيف تشرذمت وتفككت وصارت لقمة سائغة لمطامع الغرب الاستعماري والامبريالي .
وللاسف فإن القيادات العربية ابتدأء من الشريف حسين شريف مكة وقعت في خطأ التحالفات مع الغرب للثورة على العثمانيين ، ووعدهم بمساعدتهم لاقامة الدولة العربية الموحدة والمستقلة لكن مما اثبتته الدراسات وأثبته الواقع ان الغرب – وكان انذاك ممثلا ببريطانيا وفرنسا – خدع العرب ، وتحالفت فرنسا وبريطانيا وروسيا على اقتسام ممتلكات الدولة العثمانية ، وعقدت معاهدة سايكس –بيكو بين بريطانيا وفرنسا لهذ الغرض وانسحبت روسيا بعد ان قامت فيها ثورة اكتوبر الاشتراكية 1917 .. كما وعد الانكليز اليهود والحركة الصهيونية على اعطاءهم فلسطين لاقامة ما اسموه ب" الوطن القومي" على حساب اهلها سنة 1917 وهو ماعرف ب"وعد بلفور " الذي نفذ بحذافيره وقام الكيان الصهيوني على ارض فلسطين 1948 .
وللاسف لايزال الحكام العرب يلهثون وراء الغرب ، ودون ان يقبضوا ثمن ولاءهم بل العكس فإن دولهم التي اقيمت منذ 100 سنة تبدوا آيلة للسقوط والتفكك بسبب سياساتهم الاستبدادية ، والتسلطية ، وغير الحكيمة .
*نص محاضرة القيتها في الموسم الثقافي لقسم التاريخ بكلية الاداب - جامعة الموصل 13/11/2018