الاثنين، 6 مارس، 2017

السلوك السياسي الخارجي الإيراني تجاه العراق بعد 9 نيسان 2003 الأستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف





السلوك السياسي الخارجي الإيراني
تجاه العراق بعد 9 نيسان 2003



الأستاذ الدكتور
ابراهيم خليل العلاف
 استاذ متمرس - مركز الدراسات الإقليمية
جامعة الموصل ـ العراق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* البحث كتب في صفر 1425 هـ           -           آذار 2005 م



وقـر في ذهن العراقيين منذ زمن بعيد ، نتيجة لتعرضهم لخطر الأطماع الفارسية الإيرانية والعثمانية منذ أواخر القرن العاشر الهجري،السادس عشر الميلادي ، مثل شعبي يقول : " بين العجم ( الفرس ) والروم ( التركي ) بلوى ابتلينا " .
وبقدر  ما يعبر هذا المثل عن ما يسميه عالم الجغرافية السياسية العربي المصري الأستاذ الدكتور المرحوم جمال حمدان " نقمة المكان " ،  فإنه يعكس طبيعة وحجم ما تعرضت له أرض العراق ومياهه من غزوات متكررة وتدخلات كثيرة قام بها جيرانه الشرقيين والشماليين ، واستهدفت استنزاف قدرات السكان الاقتصادية والاجتماعية وعرقلة تقدمهم ونهوضهم.
وبغض النظر عن الجذور التاريخية للصراع الفارسي ـ العثماني حول العراق منذ أوائل القرن السادس عشر وتفسير المؤرخ البريطاني آرنولد توينبي (توفي 1978) على أنه حلقة في سلسلة الصراعات التي دارت بين الشرق والغرب عبر العصور التاريخية المختلفة ، فإن الحقيقة التاريخية التي ينبغي عدم تجاوزها هي أن القيمة الحضارية والاستراتيجية والاقتصادية للعراق كانت وراء ذلك الصراع ، كما أن عمقه الحضاري ، وتنوع سكانه وارتباط بعضهم قومياً ودينياً ومذهبياً بدول الجوار ، ووجود العتبات المقدسة ،فيه كانت عوامل رئيسية جذبت الجيران الشماليين والشرقيين على حد سواء ، ودفعتهم باتجاه التدخل في شؤون العراق بذرائع وحجج مختلفة . وبالرغم من الكثير من الحروب والمعاهدات التي عقدت بين الطرفين المتصارعين على الساحة العراقية ، إلاّ أن الصراع استمر وتطور حتى أوائل القرن العشرين وظهور الكيانات السياسية الحديثة في ايران وتركيا والعراق .. وقد تجلى الصراع في مظاهر مختلفة لعل من أبرزها مشاكل الحدود التي لا تزال حتى يومنا هذا قائمة ، وفي هذا البحث سنحاول الوقوف عند أبعاد السلوك السياسي الخارجي الإيراني تجاه العراق منذ سقوط النظام العراقي السابق في التاسع من نيسان 2003 ووقوع العراق تحت الاحتلال الأميركي ـ البريطاني ثم نتابع السلوك الخارجي التركي في بحث آخر .
         
                     بعد تشكيل الدولة العراقية سنة 1921 ، تأخر اعتراف ايران بالعراق حتى سنة 1929 ، وكان لمشاكل الحدود التي ورثها العراقيون في الدولة العثمانية وملابساتها، وخاصة المتعلقة بزيارة الإيرانيين للمراقد الشيعية المقدسة في العراق ، أثر كبير في تأزم العلاقات بين الدولتين . ولقد حاول الطرفان العراقي والإيراني ايجاد السبل الكفيلة بمعالجة هذا الوضع ، فتم توقيع معاهدة 1937 . كما أن حلف بغداد الذي تشكل سنة 1955 ، كجزء من منظومة الأحلاف الغربية التي استهدفت تطويق الإتحاد السوفيتي السابق ، وكانت ايران والعراق اعضاءً فيه، قد ساعد في إزالة الكثير من نقاط الاختلاف ، لكن ثورة 14 تموز 1958 ، التي نجم عنها سقوط النظام الملكي في العراق ، أدت إلى تجدد الصراع بين إيران والعراق ، وبخاصة أثر محاولات ايران المتكررة للتدخل في شؤون العراق وتشجيع القوى السياسية المناوئة للحكم السابق ، وتقديم الدعم المالي والعسكري والمعنوي لها سواء في شمال العراق أو جنوبه .
لقد وضعت اتفاقية الجزائر بين العراق وايران في آذار 1975 ، حداً لهذا التدخل . وفي الوقت نفسه فإن مشكلة شط العرب ، والنزاع حول بين العراق وإيران قد وجدت حلاً لها في هذه المعاهدة. ولكن ذلك لم يستمر طويلاً إذ أن العوامل الكامنة وراء الصراع لم تنته ، فسرعان ما تجددت سنة 1979 بعد اندلاع الثورة الإسلامية ( شباط 1979 ) وخلع الشاه محمد رضا بهلوي وإقامة الجمهورية الإيرانية الإسلامية وظهوةر الرغبة في تشجيع فكرة ( تصدير الثورة ) خاصةً بعد أن توحدت السلطتان الدينية والسياسية في يد علماء الدين وأصبحت القوى الإسلامية ( الشيعية ) قوة هائلة للتأثير في الساحة العراقية ،بل وفي الساحات السعودية والبحرينية والخليجية عموماً واللبنانية ، كذلك وفي كل المنطقة التي اصطلح عليها فيما بعد بـ ( الهلال الشيعي ) .
لقد كانت من أبرز نتائج هذا التطور في الساحة الإيرانية ، أن نشبت الحرب مع العراق في أيلول سنة 1980 واستغرقت السنوات من 1980 حتى 1988 . وقبل قيام الثورة الإيرانية وبعدها كانت ( المؤسسة الدينية الإيرانية ) تعد العراق ساحة للتأثير السياسي والمذهبي،ومع أن هذا النشاط كان يصطدم بمقاومة النظام السابق في العراق ، إلاّ أن التواصل بين المؤسسة الدينية الإيرانية وبعض المراجع الدينية في النجف وكربلاء والمناطق المقدسة الأخرى لم ينقطع في أحلك الظروف . ولا ننسى دور السفارة الإيرانية ببغداد والتجار الإيرانيون وقوافل الزوار الذين كانوا ينتشرون في أنحاء مختلفة في العراق ، وخاصةً في وسطه وجنوبه . ومع هذا فإن المرجعية الدينية في العراق والمتمثلة بالسيد علي السيستاني لا تذهب المذهب الإيراني نفسه والمرتكز على ما يسمى بـ ( ولاية الفقيه المطلقة ) في حين أن بعض الأحزاب السياسية  الدينية العراقية  تؤيد فكرة ولاية الفقيه المطلقة . أما السيد علي السيستاني فيأخذ بالولاية النسبية ، ويؤكد باستمرار على عدم التدخل المباشر في حياة الناس وقناعاتهم الفكرية ، فضلاً عن تأكيده حماية حقوق جميع العراقيين بصرف النظر عن دينهم وقوميتهم ومذهبهم ، وهذا هو سر التفاف الناس حوله وازدياد شعبيته .
بعد انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية في آب سنة 1988 بذلت الجهود من قبل الطرفين لإزالة بعض المشاكل العالقة وفي مقدمتها قضية الأسرى والمفقودين والتعويضات ومسؤولية الحرب ، وإزاء التهديدات الأميركية للعراق بالغزو واحتمال احتلاله له ظلّت الحكومة الإيرانية تعرب عن معارضتها لذلك .
        ومن خلال مراجعتنا لوثائق تلك المرحلة نجد أن إيران كانت تعد الشعب العراقي شعباً مظلوماً وهي تسعى للتضامن معه وتقف ضد أية محاولات لتقسيم العراق وقد قامت أجهزة الإعلام الإيرانية بالتأكيد على كشف كذب الادعاءات الأميركية بتحرير العراق ، وقد أكدت الحكومة الإيرانية أنها ترى بأن الحرب تشكل الفصل الأول من المشروع الأميركي للسيطرة على ثروات وسد الطريق أمام قوى أخرى وابقاء المنطقة تحت تبعيتها وتحدي أوربا كقوة ومنعها من القيام بدور متميز وترى إيران أن من بين أهداف الولايات المتحدة " اعادة ترتيب الخارطة الجغرافية والسياسية للمنطقة وفقاً لمصالحها وتمكين اسرائيل منها وتصفية القضية الفلسطينية " .
وقد بحث السيد كمال خرازي وزير الخارجية الإيراني مع ( يوشكا فيشر ) وزير الخارجية الأماني الحرب على العراق ، وقال : " أن الخرب تزعزع الاستقرار في المنطقة وهي نتيجة للسياسات الخاطئة للولايات المتحدة " وتساءل قائلاً : " كيف يريدون الحـرية والديموقراطية للعراقيين وهـم يسقطون عليهـم كل يـوم آلاف القنابل !! " . 
حذر دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي في 28 من آذار 2003 ايران " من استغلال الوضع وزج المعارضة الإيرانية في الأراضي العراقية " . ورد السيد خرازي قائـلاً : " ان إيـران لن تدعم أية حكومة تنصبها الولايات المتحدة الأميركية في العراق " . 
كما شجّعت الحوزة الدينية في قم على تنظيم مظاهرات عارمة في إيران ضد الحرب على العراق ومن خلالها " أعرب الإيرانيون عن قلقهم لما تتعرض له العتبات المقدسة من تدنيس !! " . وقد عقدت الجماعات الشيعية العراقية في طهران يوم 6 آذار 2003 مؤتمراً أعلنوا فيه معارضتهم لأي غزو أميركي وطالبوا في الوقت نفسه ، بإلغاء الطائفية في العراق و " اعطاء الشيعة حقوقهم المهضومة " . وقال السيد محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراقي في مدينة قم بإيران : ان ما يجري في العراق غزو عسكري تجب مقاومته " وأضاف متألماً " أن بعض الـدول العربية تساعد في الخفاء الولايات المتحدة الأميركية وفي العلن تدافع عن العراق ". وقد أكد السيد الحكيم على ضرورة اسقاط النظام أولاً ثم مقاومة الغزاة ثانياً . وبعد ذلك بيوم واحد أي في الرابع من نيسان 2003 قال السيد علي أكبر هاشمي رافسنجاني رئيس مصلحة تشخيص النظام " ان إيـران لن تقف مكتوفـة الأيدي تجاه المجازر التي يتعرض لها شعب العراق " ، وبعد يومين قال السيد كمال خرازي " أن إيران ترفض فكرة تنصيب حكومة في العراق من قبل واشنطن !! " ، لكنه وعشية سقوط النظام في التاسع من نيسان 2003 قال خرازي : " أن الحرب على وشك الإنتهاء ، وأن إيران تنتظر لكي تعرف من سيتولى الحكم في بغداد حتى نقرر موقفها من ذلك " . لكنه دعا الأمم المتحدة للإشراف على ادارة العراق بعد الحرب ، وقال " ان بلاده سوف لن تسمح بتقسيم العراق " وانهم قد   يخضعون لدكتاتورية أكبر من دكتاتورية صدام " ودعا العراقيين إلى التصدي للفوضى ، وفي 13 نيسان 2003 وجّه السيد محمد باقر الحكيم نداءًا إلى العراقيين ودعاهم إلى الوحدة وقال " ان القوات المحتلة تتحمل مسؤولية حفظ النظام " .
بعد تشكيل مجلس الحكم في 14 تموز 2003 اضطرت الحكومة الإيرانية إلى الإعتراف به وزار السيد عبد العزيز الحكيم الرئيس الدوري للمجلس ايران وصرّح بما يشير إلى أن من حق الحكومة الإيرانية مطالبة العراق بالتعويضات عن الحرب معه . وقد أثار هذا التصريح ردود فعل شديدة في العراق ، خاصةً بعد أن أعربت دولاً كثيرة وضمن نادي باريس عن رغبتها في اسقاط 80./. من ديون العراق ومساعدته على تخطي محنته وإعادة اعماره ، وسرعان ما بدأت الأصوات الرسمية والشعبية في العراق تتعالى وتحذر من التدخلات الإيرانية في شؤون العراق والتي أخذت خلال السنتين الماضيتين 2003 و 2004 أشكالاً متعددة وكما يلي :

1 ـ  استغلال أفواج الزوار الإيرانيين إلى النجف الأشرف وكربلاء المقدسة ودفع عناصر أمنية ايرانية للعمل بين هذه الأفواج بهدف " تجنيد العراقيين " و " جمع معلومات حساسة عن العراق ودول الجوار الأقليمية " .
2 ـ  تشكيل مؤسسات مخابراتية تحت مسميات مختلفة كهيئة مبين التابعة لقوة القدس ودفعها باتجاه انشاء مراكز ثقافية وواجهات لمختلف أجهزة النظام في إيران. 

3 ـ  تقديم دعم مادي لبعض الأحزاب والقوى السياسية العراقية الموالية لإيران .

4 ـ  هناك ما يقارب ( 30 ) وسيلة اعلام في العراق تدار بأموال تتدفق من النظام الإيراني.
5 ـ  مساعدة العراقيين في بناء مساجد وحسينيات ودفع رواتب للمسؤولين عنها .
6 ـ  توجيه قنوات فضائية تبث باللغتين العربية والفارسية . وقد أشار السيد أياد جمال الدين ، وهو من علماء الشيعة المعروفين بنزعتهم التحررية إلى بعض هذه.
7 ـ  قال السيد أياد جمال الدين في مقابلة مع قناة العربية الفضائية يوم 4 يناير -  كانون الثاني 2005 أن هناك قوى  سياسية عراقية لها علاقات وثيقة مع إيران وما زال نظامهم الداخلي ينص على تقليد المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران. 
8  ـ  هناك شركات إيرانية تعمل في العراق وتضم عناصر أمنية ومخابراتية إيرانية ، بل وتدار من قبلهم منها شركة شهر بار الدولية للنقل واريا لقمان الدولية للإنشاء والإعمار. 
9 ـ  السعي لتهريب مخدرات إلى العراق ونشرها بين الشباب ، وقد عبّر عن مخاطر ذلك ومنهم من يحمـل الحشيش وأهالي المدينتين يصـرخون مطالبيـن بضبط الأمور " .
10 ـ  ظهور حالات اختطاف ( أساتذة ) و ( علماء في الذرة والأسلحة الكيمياوية   و( طيارين عراقيين ) و ( قادة عسكريين سابقين ) أسهموا في الحرب على إيران ونقلهم إلى خارج القطر ، كما أن الكثير من مخلفات الجيش العراقي السابق قد تسربت إلى إيران .

لقد تطور الإدراك والإحساس بالتدخلات الإيرانية وأساليبها المختلفة في العراق . ولا ننكر بأن لوجود جماعة مجاهدي خلق المناوئة لإيران في الأراضي العراقية ، وسماح القوات الأميركية لهم بالبقاء وتنظيم اتفاق خاص معهم ، أثر في تأجيج المشاعر ضد الحكومة الإيرانية ، لكن هذا لا يعني عدم وجود نشاط إيراني فاعل داهل العراق . وقد أشارت ( صحيفة تلغراف ) البريطانية في عددها الصادر يوم22 كانون الأول/ ديسمبر 2004 إلى أن " النظام الإيراني يزيد من توغله في العراق يوماً بعد يوم " . وأضافت الصحيفة تقول : " بأن قـوات النظام الإيراني متواجدة في جنوبي العراق وتأخذ شكل قوى استخبارية " . كما قالت الصحيفة " أن الحكومة العراقية المؤقتة ترى أن العديد من الإيرانيين يدخلون العراق بحجة زيارة العتبات المقدسة ، ولكنهم ينضمون إلى صفوف المعارضين للوجود الأميركي فيتسببون في اشتداد حالة انعدام التوازن الموجودة في العراق " . وختمت الصحيفة قولها : " انه وفي الوقت نفسه أعلنت الحكومة العراقية أن النظام الإيراني ينوي احداث قاعدة قوية أو موطئ قدم صلب له … في العراق " للتأثير على مستقبل السياسة العراقية " . 
لقد انطلق التحذير من النشاط الإيراني من أعلى القيادات السياسية المسؤولة في العراق .. ولم يقتصر الأمر عليهم فحسب ، بل انضم اليهم العاهل الأردني الملك عبد الله حينما اتهم في أواخر سنة 2004 طهران بالتدخل في الشأن العراقي ودعم مجموعات معينة   . وحذّر من قيام ما أسماه ( هلال شيعي ) تحت نفوذ ايران يشمل سوريا والعراق ولبنان ) ،وقد أيد الشيخ غازي مشعل الياور رئيس جمهورية العراق المؤقت ذلك عندما حذّر " من توغل إيران في الساحة السياسية العراقية " .
كما أن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش ، والمسؤولون الأميركيون الكبار في ادارته ومنذ احتلال العراق يحذرون إيران من التدخل في شؤون العراق و " عرقلة المشروع الأميركي بنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط انطلاقاً من العراق " . وتقول السلطات الأميركية " إن هذه التحذيرات لم يتم إكمالها باتخاذ اجراءات حازمة ، فان الأموال تدفق من النظام الايراني نحو العراق ، فضلاً عن العملاء والمخططات للتوغل والاختراق " كما ان هناك قلقاً من أن ينجح التطرف الديني الذي مازال يحكم إيران من السيطرة على العراق الجديد " ، وقد قال استاذ في جامعة جورج تاون الأميركية " إن النظام الإيـراني يتغلغل في جميع أنحاء العراق ويقوم بشراء ذمم [ بعض ] السياسيين العراقيين !! " .
لقد كشفت مؤسسة آل البيت للنشر والتحقيق والتوزيع في مصر سنة 1991 عن وثيقة سرية هي عبارة عن رسالة سرية موجهة من مجلس شورى الثورة الثقافية الإيرانية إلى المحافظين في الولايات الإيرانية وإلى ( الشيعة في دول الجوار ) ومنها العراق والسعودية وتركيا ودول الخليج العربي ، نشرتها ( رابطة أهل السنة في إيران ـ مكتب لندن ) . وفي هذه الرسالة ـ الوثيقة المعنونة " الخطة السرية لآيات الشيعة في إيران " تتراجع " فكرة تصدير الثورة " بصيغتها التقليدية السابقة التي سادت في عهد الإمام الخميني ، وتقترح رسائل أخرى أكثر حيوية لعل من أبرزها : العمل عهلى " تحسين العلاقات مع العراق بعد الحرب وسقوط صدام حسين " ، وامكانية " الاستفادة من الإيرانيين الذين يسافـرون إلى العراق وإلى دول الجوار الأخـرى كعملاء وتمديد وظائفهم من حيث الخدمة والارسال " و " العمل على التغلغل في مؤسسات تلك الدول ومرافقها الرئيسة ، فضلاً عن شـراء الأراضي والعقارات وإيجاد صلات مع أصحاب رؤوس الأموال وكبار الموظفين والإداريين والمثقفين والأفراد الذين يتمتعون بنفوذ وافر في المجتمع ، وحث الشيعة في تلك البلدان على احترام القوانين واستحصال الاجازات الأصولية عند بناء المساجد والحسينيات،لأن هذه التراخيص الرسمية سوف تعد مستقبلاً وئائق رسمية ، والعمل على ابراز التشيع كمذهب لا خطر فيه ، وأخيراً المشاركة في الانتخابات البرلمانية والحوز على معظم كراسي المجالس النيابية ، وتتألف الخطة من ثلاثة مراحل يستغرق تنفيذها قرابة ( 50 ) سنة . ومع أننا لا نمتلك الأدلة على صحة الخطة السرية هذه من عدمها ، لكن ما يجري في العراق من ازدياد للنفوذ الإيراني وتعاظـم الخشية منه تجعلنا نقف ازاءهـا بشيء من الاهتمام الذي نتمنى أن لا يكون في محله . ومما يؤيد الاتهامات التي قيلت وتقال بشأن التدخل الإيراني في العراق ما أكده مديـر جهاز المخابرات العراقية الجديد اللـواء محمد المشهداني والذي اتهم فيه ( 27 ) شخصاً من طاقـم السفارة الإيرانية في العـراق بالتجسس ، وبتجنيد عناصر نمن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية ومنظمة بدر لتنفيذ حملة اغتيالات أودت بحياة ( 18 ) من عناصر جهازه منذ أيلول الماضي ( 2004 ) . وقال المشهداني " أن سلسلة من عمليات دهم لأماكن إيرانية في بغداد سمحت بالعثور على وثائق تربط بين إيران وقتل عناصر من الجهاز " . وقد رفض المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق هذه الاتهامات قائلاً : بأن المخابرات العراقية الجديدة تعج بأنصار النظام السابق من العسكريين الذين يريدون الانتقام من المجموعات الشيعية التي سبق لها أن اتخذت من إيران مقراً بها في الثمانينات " من القرن الماضي .
كما أذاعت قناة الجزيرة يوم 13 أيلول 2004 أخباراً تشير إلى أن استخبارات ايران جندت ثلاثة آلاف عنصر لها في العراق  
..  وقد وصف وزير الدفاع العراقي المؤقت السيد حازم الشعلان إيران بأنها العدو رقم ( 1 ) ، وقال : أن السلطات العراقية اعتقلت عدداً من العناصر الإيرانية وكشفت وثائق تدل على أن النظام الإيراني حاول السيطرة على الأوضاع في العراق . وقد أشارت أحدى الوثائق الى قيام ايران بتقديم ميزانية لمنظمة بدر بلغت 45 مليون دولار لإبقاء السيطرة عليها ودعم تشكيل جهاز أمني يضم عدة مديريات لتنفيذ العديد من المخططات التخريبية . 
أما صحيفة ( بوسطون كلوب ) الأميركية فحذرت في افتتاحية عددها الصادر يوم 22 كانون الأول -  ديسمبر 2004 من ما أسمته " خطر تغلغل النظام الإيراني على المستقبل السياسي العراقي " ….. وقالت الصحيفة " قد يكون من الظواهر الإيجابية لأنه وتزامناً مع بدء الحملات الانتخابية كانت الموضوع الأول الذي قرع السياسيون العراقيون جرس الانذار حوله هو تغلغل النظام الإيراني ، أن هؤلاء السياسيين قلقون من طهران لأسباب جيوبوليتكية ، ولا يرغبون في مد نظام الحكم الديني على النمط الإيراني إلى خارج الحدود الإيرانية " .. وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لصحيفة شيكاغو تربيون ( العدد الصادر يوم 2 كالنون الثاني/ يناير 2005 ) : " ان النظام الإيراني وبدفعه ملايين الدولارات يدعم أحزاباً عراقية بهدف التأثير على الانتخابات التي ستجري قريباً في العراق " ويقصد الانتخابات التي جرت في الثلاثين من كانون الثاني / يناير 2005 وقد حذّر الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش ايران وسوريا من مواجهة ما أسماه " زخم الحرية " . وقال أن التغييرات الديموقراطية التي ابتدأت في العراق سوف تجعل الشرق الأوسط أكثر أمنا .. واتهم ايران وسوريا بإثارة عدم الاستقرار في العراق والمنطقة كلها .
قال السيد حازم الشعلان وزير الدفاع العراقي أن " التوغل الإيراني واسع وغير مسبوق منذ تأسيس الدولة العراقية ... وأن الإيرانيين ، دخلوا مفاصل الدولة عموماً ، وأسسوا مراكز استخبارية وأمنية عديدة في العراق " وأضاف " أن اعترافات المسلحين الذين تم القبض عليهم تؤيد صحة الاتهامات التي كانت تحمل ايران وسوريا جزءاً كبيراً من أسباب سوء الأوضاع الأمنية " . وختم كلامه بالقول " ان كل ما قلته عن الخروقات الأمنية في التي كانت ايران وسوريا وراءهما بدأ يتدعم باعتراف المسلحين الذين قبضنا عليهم ، وهذه اجابتي لكل من كان يلومني لأنني كنت أحمّل ايران وسوريا جزءاً كبيراً من أسباب سوء الأوضاع الأمنية " .
وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز الأميركية قال المحلل الأستراتيجي الإيراني المعارض ( علي رضا جعفر زاده ) " بأن النظام الإيراني وطيلة عام مضى ونصف العام قد تدخل في شؤون العراق على نطاق واسع ، ويهدف النظام الإيراني من هذه التدخلات إلى اقامة نظام الحكم في العراق على نمط نظام حكمه القائم في ايران .. ولهذا السبب يتدخل في العراق على نطاق واسع عن طريق ارسال أسلحة وأموال   وعناصر استخبارية إلى العراق " .
خلاصـة :
          بعد تشكيل الدولة العراقية الحديثة سنة 1921 ، تجددت المطامع الإيرانية والتركية ، واتخذت أشكالاً عديدة . وتؤكد الأيـام والوقائع أن هاتيـن الجارتين كانت  تستغلان ظروف مواجهة العراق للتحديـات والمشاكل فتجـددان مطامحهما في أرض ومياهه ، فحين بدأت حرب الخليج الثالثة 2003 ، اتخذت تركيا وايران تدابير مختلفة ، وعملتا على تنسيق سياستهما ومواقفهما السياسية والأمنية بحجة أن الطرفين يحترمان وحدة العراق وسلامة أراضيه .
       نحن لا ننكر أن يكون لإيران ( جارتنا الشرقية ) ولتركيا ( جارتنا الشمالية ) ، دور اقليمي ينسجم مع موقفيهما الأستراتيجي ، وارثهما الحضاري ومصالحهما السياسية والاقتصادية وعلاقاتهما الدولية ، كما لاننكر بأن تركيا وإيران تعدان من أقرب الشعوب الإسلامية إلى العراق ، بسبب التداخل الديني والقومي والمذهبي ، لكن ذلك ينبغي أن لا يكون على حساب العراق ، وفي الوقت نفسه لابد لهما من مراعاة ثوابت الجغرافية وخصائص التاريخ ، وقواعد ومبادئ القانون الدولي وقواعد حسن الجوار وهذا يتطلب الإسهام ليس في ( اقلاق المنطقة ) ، بل حمايتها وتحقيق الأمن والاستقرار فيها .
       تقول الحكومة العراقية اليـوم أنها تحرص على اقامة علاقات متينة مع كل من تركيا وايران ، بالرغم من كدمات ومشاكل ماضي الحرب العالمية الأولى وما قبلها وما بعدها . ويؤكد بعض المسؤولين العراقيين سعي العراق المستمر لإزالة من من شأنه الحيلولة دون أن تستمر التدخلات التركية والإيرانية في شؤون بلدهم ، ومن ذلك مثلاً ما أشار إليه السيد حازم الشعلان وزير الدفاع في آذار 2005 من أن هناك ثمة اشارات تدل على تعاون أيراني وسوري مع العراق لضبط الحدود ومنع تسلل المسلحين . كما أكد بأن الحكومة العراقية بدأت بمتابعة المتسللين عبر تخصيص ( 14) طائرة استطلاع عراقية باشرت بالعمل مؤخراً على الحدود مع سوريا والحدود مع إيران .
أما وزيرة المهجرين والمهاجرين في العراق السيدة باسكال وردة فقالت ( 7 آذار 2005 ) أن العراق سعى إلى تفعيل اتفاقية مخمور الضامنة لأكراد تركيا من دون تعرضهم لخطر في حقوقهم وحياتهم ، وكذلك مع ايران فيما يخص مجاهدي خلق . وأضافت أن الحكومة العراقية تبذل جهوداً لدى إيران وتركيا للتعاون مع العراق بصدد العفو عن كل من حزب العمال الكردستاني التركي ، ومجاهدي خلق الإيرانية الموجودتين على الأرض العراقية .

نأمل في أن الرغبة في تحسين العلاقات ومنع التدخلات في شؤون العراق تتسع ومن الطبيعي أن هذا مرتبط بما يمكن أن تقرره الجارتين الشمالية والشرقية تركيا وايران . ويقينا أننا في أملنا هذا نضع في الاعتبار مخاوف إيران وتركيا من استمرار وجود القوات الأميركية والبريطانية في العراق وطبيعة المشروع الذي ابتدأته الولايات المتحدة بالعراق وحقيقة أهداف ذلك المشروع ، وخطـورة القرارات والاجراءات التي اتخذتها سلطة الائتلاف المؤقتة وفي مقدمتها حـل الجيش العراقي والشرطة والأجهزة الأمنية والاستخبارية ، وترك حدود العراق مع جيرانه مفتوحة ومباحة من قبل أي كان يريد التجاوز على تلك الحدود أو استباحتها لمقتضيات مشاريع وأهداف تلك الدول ، وما نجم عن ذلك من انفلات أمني ، وفوضى ادارية واجتماعية وتدهور واضح في الخدمات ، إلاّ أن العراقيين بوحدتهم ووعيهم وعمق حضارتهم وكفاءة كوادرهم قادرون على مواجهة ذلك ، وهذا لا يأتي إلاّ برص صفوفهم وإيجاد السبل الكفيلة التي تعيد إليهم استقلالهم وسيادتهم ووحدة أراضيهم وضمان الحفاظ  على ثوابتهم الوطنية وأهدافهم العليا .
______________________________
*حجبنا الهوامش لاغراض تتعلق بالامن العلمي .




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق