الاثنين، 6 مارس، 2017

السلوك السياسي الخارجي التركي والايراني تجاه العراق بعد 9 نيسان ‏2003‏ ‏ بقلم أ . د . ابراهيم خليل العلاف

السلوك السياسي الخارجي التركي  والايراني
تجاه العراق بعد 9 نيسان ‏2003‏ ‏
البحث كتب في صفر 1425 هـ           -            آذار 2005 م

أ . د . ابراهيم خليل العلاف
 استاذ التاريخ الحديث المتمرس - مركز الدراسات الاقليمية ـ جامعة الموصل

وقـر في ذهن العراقيين منذ زمن بعيد ، نتيجة لتعرضهم لخطر الأطماع الفارسية الإيرانية والعثمانية منذ أواخر القرن العاشر الهجري،السادس عشر الميلادي ، مثل شعبي يقول : " بين العجم ( الفرس ) والروم ( التركي ) بلوى ابتلينا "  وبقدر  ما يعبر هذا المثل عن ما يسميه عالم الجغرافية السياسية العربي المصري الأستاذ الدكتور المرحوم جمال حمدان " نقمة المكان " ( فإنه يعكس طبيعة وحجم ما تعرضت له أرض العراق ومياهه من غزوات متكررة وتدخلات كثيرة قام بها جيرانه الشرقيين والشماليين ، واستهدفت استنزاف قدرات السكان الاقتصادية والاجتماعية وعرقلة تقدمهم ونهوضهم. 
وبغض النظر عن الجذور التاريخية للصراع الفارسي ـ العثماني حول العراق منذ أوائل القرن السادس عشر وتفسير المؤرخ البريطاني آرنولد توينبي (توفي 1978) على أنه حلقة في سلسلة الصراعات التي دارت بين الشرق والغرب عبر العصور التاريخية المختلفة ، فإن الحقيقة التاريخية التي ينبغي عدم تجاوزها هي أن القيمة الحضارية والاستراتيجية والاقتصادية للعراق كانت وراء ذلك الصراع  . كما أن عمقه الحضاري ، وتنوع سكانه وارتباط بعضهم قومياً ودينياً ومذهبياً بدول الجوار ، ووجود العتبات المقدسة ،فيه كانت عوامل رئيسية جذبت الجيران الشماليين والشرقيين على حد سواء ، ودفعتهم باتجاه التدخل في شؤون العراق بذرائع وحجج مختلفة . وبالرغم من الكثير من الحروب والمعاهدات التي عقدت بين الطرفين المتصارعين على الساحة العراقية ، إلاّ أن الصراع استمر وتطور حتى أوائل القرن العشرين وظهور الكيانات السياسية الحديثة في ايران وتركيا والعراق .. وقد تجلى الصراع في مظاهر مختلفة لعل من أبرزها مشاكل الحدود التي لا تزال حتى يومنا هذا قائمة ، وفي هذا البحث سنحاول الوقوف عند أبعاد السلوك السياسي الخارجي التركي والايراني  تجاه العراق منذ سقوط النظام العراقي السابق في التاسع من نيسان 2003 ووقوع العراق تحت الاحتلال الأميركي ـ البريطاني .
اولا : السلوك السياسي الخارجي التركي :
                      بعد تشكيل الدولة العراقية الحديثة سنة 1921 ، اتضح بأن تركيا لم تنسَ أطماعها في ولاية الموصل ( الموصل ، أربيل ، كركوك ، السليمانية وكانت تسمى كذلك كردستان الجنوبية ) . وقد ظهرت هذه الأطماع عندما رفض الأتراك ، الاعتراف بالدولة العراقية ومطالبتهم بولاية الموصل وتـأكيدهم في ميثاقهم الوطني ( 23 من نيسان 1920 ) ، على ضرورة اعادتها إلى تركيا ( المادة الأولى من الميثاق ) . وقد قامت وجهة نظر واضعي الميثاق على أن أغلبية سكان الموصل هم من الأتراك والأكراد . كما أنهم مرتبطين اقتصادياً وثقافياً بتركيا . وقد دفع الأتراك ببعض قطعاتهم العسكرية داخل الأراضي العراقية . كما أقدم الأتراك على انشاء جمعيات وأحزاب تركية تدعو إلى عودة الأتراك ووصل الأمر إلى حد احتلال بعض أجزاء الموصل وتحشيد قوات عسكرية في جوار زاخو وراوندوز ورانية ، وقصف القرى العراقية بالمدفعية والطائرات والدعوة علناً إلى أن الهدف من كل ذلك هو " استعادة الموصل " . وقامت وجهة النظر التركية على أن القوات البريطانية المحتلة للعراق دخلت الموصل بعد هدنة مودروس في 30 تشرين الأول 1918 ، لذلك فالاحتلال يعد باطلاً . وقد رفعت الأمر إلى عصبة الأمم التي أرسلت بعثة للتحقيق إلى المنطقة وأصدرت بعد ذلك قرارها سنة 1926 ، بإبقاء ولاية الموصل ضمن حدود دولة العراق (وبالرغم من قبول تركيا بالقرار وتنفيذه ، إلاّ أن الأتراك ظلّوا يتحينون الفرص لكي يجدوا من الوسائل ما يساعدهم على تحقيق هدفهم . وفي الوثائق المتداولة ، من الدلائل الكثيرة التي تشير إلى ذلك (ويمكن في هذا الصدد أن نشير ، على سبيل المثال ، إلى تصريح للرئيس التركي الأسبق سليمان ديميريل ( مايس 1995 ) ، ودعوته لإعتبار أن منطقة الموصل لاتزال ملكاً لتركيا ، وأن الضرورة الأمنية لتركيا تقتضي اعادة ترسيم الحدود مع العراق بحجة منع تسلل المتمردين من أعضاء حزب العمال الكردستاني التركي. وقال ديميريل : " ان اقليم الموصل لم يترك للعراق بموجب معاهدة لوزان 1923 " . وأضاف : " لقد أبلغنا الأميركيين بموقفنا هذا … " (وقد فسّر القائم بالأعمال التركي في العراق تصريح ديميريل في حينه بالقول أن الجملة التي أدلى بها ديميريل في هذا الشأن كانت على النحو التالي : " ان الحدود العراقية ـ التركية غير صحيحة … ولكن تسوية هذه المشكلة ليست موضوع بحث في اللحظة الراهنة !! " (وثمة حجة أخرى يتذرع بها الأتراك للتدخل في شؤون العراق ، وتقوم على أساس الادعاء بحماية التركمان . وقد ازداد اهتمام الأتراك بأوضاع الأقلية التركمانية في العراق بعد ثورة 14 تموز 1958 ، وصدرت صحف ومجلات تركية في انقرة واستانبول تتحدث عما كانت تسميه بـ (دعم الأتراك في كركوك ) ، الذين يعانون الإضطهاد من السلطات العراقية ، ونشرت مقالات عديدة ، تظهر وبلهجة شديدة أن أتراك العراق ( الذين يقدرون بـ ( 720.000 ) الف نسمة محرومون من حقوقهم السياسية وحرياتهم الشخصية ، وحياتهم معرضة للإنتهاك من الحكومة العراقية (وخلال حرب الخليج الثانية 1990 ـ 1991 ، برزت مواقف أكثر خطورة عبّر عنها توركوت اوزال رئيس الوزراء التركي آنذاك ، حينما أخذ يستعمل تعبير (الشعوب العراقية ) ، ونشرت جريدة حريت التركية ما سمي بـ ( خريطة أوزال للعراق ) ، وتقوم هذه الخريطة على تقسيم العراق إلى ثلاثة أجزاء على أساس عرقي ، ثم جمعها في كونفدرالية عربية وكردية وتركمانية . ومن الملاحظ أن أي نفي لهذه الخريطة لم يصدر من أي مصدر رسمي تركي (وبعد وقف اطلاق النار بين العراق وقوات التحالف ، بزعامة الولايات المتحدة الأميركية ، أفسحت تركيا المجال لعناصرها للعمل في شمال العراق وتأسيس مدارس ومؤسسات تعليمية وثقافية تركية بهدف نشر الثقافة التركية ، ولعل من أهم هذه المؤسسات كلية لشق الخاصة في أربيل ، التي تشرف عليها الحكومة التركية نفسها ، وإن كان ذلك يتعارض والقوانين العراقية السائدة والنافذة. وتعمل المنظمات والمؤسسات التركية بأسماء منظمات وقفية واغاثية منها مثلاً " منظمة وقف تركيا والشرق الأوسط للتنمية والاغاثة " (كما حاولت تركيا الاستفادة من بعض الأحزاب السياسية التركمانية والسعي لدعمها مالياً ) . وكان لقوات الفصل التركية التي تشكلت بناء على قرار من قوات التحالف للفصل بين قوات الحزبين الكرديين : الإتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديموقراطي الكردستاني سنة 1997 بدور مهم في معرفة طوبوغرافية المنطقة وتشكيلة تركيبتها السكانية ووضع الخطط التي يمكن للقوات المسلحة التركية اتباعها للتدخل في المنطقة (وبالرغم من أن الحكومتان العراقية ( السابقة ) والتركية قد أبرمتا في تشرين الأول 1984 ما سمي باتفاق أمن الحدود الذي يسمح لكل من البلدين بعد اخطار وموافقة البلد الآخر ، القيام بعمليات مطاردة حثيثة للمتمردين على عمق ( 10 ) كيلو مترات داخل حدود  البلد الآخر ، إلاّ أن تركيا استخدمت هذا الإتفاق مرات عديدة ، وقد توغلت القوات التركية داخل الأراضي العراقية في بعض الأوقات إلى عمق ( 150 ) كيلو متراً . ولم تكن الحكومة التركية التي حظيت بدعم من الولايات المتحدة الأميركية وخاصة بعد حرب الخليج الثانية ، تهتم باحتجاجات العراق على مثل تلك العمليات التي كانت تشكل في جوهرها تدخلاً سافراً في شؤون العراق الداخلية ، وانتهاكاً صارخاً لحرمة الأراضي العراقية وسلامته الأقليمية ،. كما أنها فوق هذا وذاك تتناقض مع علاقات حسن الجوار ، وقواعد القانون الدولي ، ومعاهدة الحدود العراقية ـ التركية لسنة 1926 والمعاهدات اللاحقة لها (وقد رافق تلك العمليات العسكرية حديث لأوساط رسمية تركية عن ضرورة اقامة ما سمي بـ ( المنطقة الأمنية ) العازلة في شمال العراق بحجة منه تسلل المتمردين الأكراد الأتراك عبر الحدود المشتركة ، وقد تعثرت الفكرة في حينه(كما قدمت تركيا ، الكثير من التسهيلات للقوات الجوية الأميركية والبريطانية والفرنسية في فرض حظر جوي على الطيران العراقي في شمالي العراق وتأليف ما سمي أولاً بقوات المطرقة وقوة المراقبة الشمالية فيما بعد ، وكان لتركيا كذلك دور أبان حرب 1990 في انشاء ما سمي بالملاذ الآمن للأكراد في شمالي العراق وبناء مناطق ، معسكرات لاستقبال النازحين والتي عرفت آنذاك بعملية توفير الراحة Provide Comfort (وعندما بدأت الولايات المتحدة الأميركية تخطط لغزو العراق واحتلاله ، اتصلت بالحكومة التركية ، ومع أن معظم المراقبين والمحللين الأستراتيجيين قالوا بأن تركيا يمكن أن تكون من اللاعبين العسكريين الأساسيين في الحرب على العراق ، لكن المجلس الوطني الكبير ( البرلمان ) التركي الذي كان يسيطر عليه نواب حزب العدالة والتنمية المعروف بتوجهاته الإسلامية بزعامة السيد رجب طيب اردوغان رفض أي مشاركة عسكرية تركية في الحرب . كما رفض أيضاً أن تنطلق القوات الأميركية الجوية من الأراضي التركية من أجل فتح جبهة شمالية عراقية . وقد قيل في حينه أن تركيا قاومت الضغوط الأميركية مع أن الولايات المتحدة عرضت ( 8 ) مليارات دولار عليها إذا أسهمت في الحرب ، وقال أردوغان بالحرف الواحد عشية الحرب " لقد أغلقنا ملف التعاون مع الولايات المتحدة في الحرب ضد العراق " (لقد جاء الرفض التركي على خلفية أمرين مهمين أولهما سعي حكومة حزب العدالة والتنمية لتشكيل موقف عربي وأقليمي يمنع خيار الحرب . وثانيهما تصاعد المعارضة الشعبية التركية ضد خيار الحرب أصلاً.وقد علّق رئيس أركان الجيش التركي(اوزتوك) مساء يوم 28 آذار 2003 على من يقول أن 93% من الشعب التركي يعارض الحرب على العراق بالقول : " كلا أن 100% من الشعب التركي يعارض الحرب !!" (ويمكن أن نشير إلى عامل آخر ، وهو اعتقاد تركيا بأن استنادها إلى توافق اقليمي سوف يسمح لها برفض السيطرة الأميركية الكاملة على التطورات العراقية ،، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن تركيا حرصت على أن لا تبدو معزولة عن قضايا المنطقة وما قد ينتج عنه من انعكاسات سلبية على علاقات تركيا بمحيطها الأقليمي في المستقبل (لقد أدى ذلك كله إلى أن تمتنع تركيا عن المساهمة في أي جهد عسكري أميركي . وفي الوقت نفسه الذي أحدث فيه على أن نتائج الحرب ستقود إلى اعلان أكراد العراق استقلالهم أو تشكيلهم لكيان كردي سيكون مبرراً للتدخل العسكري التركي الفوري ، لذلك تعرض الموقف التركي لنقد من الولايات المتحدة الأميركية ، ولعل أحدث ما يمكن أن نذكره في هذا الصدد تصريح دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي الذي لام فيه تركيا لأنها لم تسمح لقوات أميركية بدخول شمال العراق من أراضيها معتبراً أن ذلك أسهم في تزايد الهجمات التي تلت الحرب . 
بعد سقوط النظام السابق في التاسع من نيسان 2003 حاولت تركيا الإستجابة لفكرة ارسال قوات عسكرية إلى العراق لحفظ الأمن وتأمين الاستقرار وذلك في أواسط شهر أيلول سنة 2003 والتي اقترحها عدد من المسؤولين الأميركيين. 
وقد أوردت وكالات الأنباء في حينه أن تركيا وضعت شروطاً لمشاركتها في ارسال قوات عسكرية إلى العراق وأبرزها :
      1 ـ  اعطاء حقوق للتركمان .
      2 ـ  منع ظهور نظام فيدرالي .
      3 ـ  نزع سلاح الميلشيات العراقية بمن فيهم قوات البيشمركة الكرية .
      4 ـ  وضع ميزانية موحدة للعراق .
      5 ـ  الحفاظ على وحدة وسيادة العراق . 
وقد أذيع في حينه أن الولايات المتحدة الأميركية ربطت المساعدات المالية التي طلبتها تركيا وقيمتها 8.5 مليار دولار كضمانات قروض بقضية نشر القوات التركية في العراق . وقد حذرت الولايات المتحجة الأميركية تركيا من أنها ستقوم بمراجعة العلاقة الاستراتيجية التي تربطها بأنقرة ما لم توافق على ارسال قوات إلى العراق ، كما أن وزارة الدفاع الأميركية أبلغت أنقرة بضرورة ارسال مالا يقل عن ( 10 ) آلاف جندي وحددت الولايات المتحدة المنطقة التي تنتشر فيها القوات التركية وهي ما عرف بالمثلث السني العراقي على بعد 350 كيلو متراً على الحدود . 
أما قيادة الأركان التركية فاختارت منطقة أخرى ، وقال مصدر في هذه القيادة أن الخطة التركية ، إذا ما صادق المجلس الأمني التركي الكبير عليها ، تتضمن " ايجاد قطاع عراقي منفصل تحت قيادة عسكرية تركية " ويبدأ انتشار القوات التركية انطلاقاً من 150 كيلو متراً جنوبي الحدود العراقية ـ التركية ، ويمر عبر مواقع حساسة واقعة ما بين أربيل وكركوك وتتمدد نقاط القوات التركية نزولاً حتى شمالي بغداد من دون المرور بالسليمانية وتشمل تكريت وتنتهي بالقرب من الحدود السورية ـ الأردنية حيث المنطقة صحراوية هناك . ويلاحظ أن المدن التي كانت الخطة التركية تشملها تضم مجموعات تركمانية . 
رفض مجلس الحكم الانتقالي الذي تأسس في العراق ( 14 تموز 2003 ) فكرة ارسال قوات تركية إلى العراق وأظهرت قطاعات واسعة من العراقيين ومنهم الأكراد ، عن رأيها في تلك الفكرة ، وتأكد بما لا يقبل الشك ان العراقيين يرفضون ليس فقط دخول القوات التركية وإنما أي قوات لدول مجاورة والسبب واضح ومعروف وملخصه أن دول الجوار لها مطامح خاصة في العراق ، ومن الطبيعي أن تستند تلـك المطامح على اعتبارات قومية ، ودينية ومذهبية لها علاقة بحساسيات تاريخية ليس من الحكمة ايقاظها.وفيما يتعلق بما يطلق عليه ( المخاوف التركية من قيام دولة كردية في العراق ) فقد تأكد أن قرار الأكراد بالبقاء ضمن العراق الموحد أمر لا رجعة عنه ، وأن انتشار قوات تركية في العراق ، ليس في مصلحة العراق أو تركيا أو حتى القوات الأميركية في العراق . ولقد ظهر الموقف الشعبي في العراق وفي تركيا نفسها من ارسال قوات مسلحة واضحاً وجلياً .
ويبدو أن المسؤولين في تركيا وفي مقدمتهم السيد رجب طيب اردوغان رئيس الوزراء قد انتبهوا لما يمكن أن تسببه فكرة ارسال قوات إلى العراق من مشاكل لبلاده ولجيرانه العراقيين . 
لذلـك سرعان ما تراجعت الفكرة ، ومع هذا فقد عاد المسؤولين الأتراك في أعقاب تقديم الحزبين الكرديين الرئيسيين في مجلس الحكم الانتقالي في العراق مذكرة حول الفيدرالية ، من مغبة أي محاولة لتوسيع منطقة الحكم الذاتي في العراق ليشمل كركوك . وإلى شيء من هذا القبيل أشار السيد عبد الله غول نائب رئيس الوزراء التركي وزير الخارجية في مؤتمر صحفي حين قال معقباً على أخبار تتحدث عن " جهود الأكراد في مجال اقامة دولة فدرالية في العراق " : " لقد وجهنا تحذيراً أثر التطورات الأخيرة في شمالي العراق ومناطق أخرى والتي قد تؤثر على وحدة العراق السياسية ". 
وأضاف : " لقد حذت جميع دول المنطقة حذونا … وإذا ما استمرت مثل هذه التطورات الخطيرة أخشى من أن يتحول العراق مجدداً إلى مركز آلام ومعاناة " . وقد سبق للأتراك أن أثاروا بعد تشكيل مجلس الحكم الانتقالي مسألة حجم مشاركة التركمان في المجالس وقالوا ان ذلك غير كافٍ .
لقد عدّ العراقيون التصريحات التركية تدخلاً سافراً في شؤون بلادهم الداخلية ، ومما زاد في ذلك ظهور بعض الأزمات التي أثرت في مسار السلوك السياسي الخارجي التركي تجاه العراق ، وهذه الأزمات هي أزمة كركوك وأزمة السليمانية وأخيراً أزمة تلعفر. ففيما يتعلق بأزمة كركوك ،فإن تركيا دعت الدول المجاورة للعراق  لأن يكون لها كلمتها بشأن مستقبل مدينة كركوك معتبرة أنها تشكل تهديداً محتملاً لأمن المنطقة . وقد هددت تركيا بتدويل ما أطلقت عليه ( مشكلة مدينة كركوك ) الواقعة شمالي العراق والتي يقيم فيها عرب وأكراد وتركمان بسبب الاحتكاكات والتوتر الأمني الذي شهدته المدينة . وقال عثمان كورتوك ممثل تركيا الخاص إلى العراق : أن  كركوك هي المكان الأكثر احتمالاً لوقوع مواجهات عرقية في العراق ، ولذا فإن كركوك ليست شأناً داخلياً عراقياً "مشيراً إلى " آثار جدية محتملة على الدول المجاورة " وأضاف في حديث لشبكة ( ان تي في ) التركية " اننا مصممون على التأكد من أن ما يحصل في العراق ليس له أي آثار سلبية علينا ، ومسألة كركوك تنطوي على مثل هذه المخاطر "  
لقد فسّر المراقبون هذه الرسالة على أنها موجهة ضمناً إلى الأكراد العراقيين الذين يدعون إلى ضم كركوك إلى اقليم كردستان العراق . وقد جاء تصريح الدبلوماسي التركي هذا غداة زيارة قام بها السيد مسعود البارزاني زعيم الحزب الديموقراطي الكردستاني إلأى أنقرة مطلع تشرين الأول 2004 والتي أكد من خلالها ما أطلق عليه ( الهوية الكردية لمدينة كركوك ) معلناً أن أكراد العراق مستعدون لشن حرب على أي قوة تحاول " ردع شعبه "  .
  وقد عاد السيد عبد الله غول وزير الخارجية التركي ليقول في تصريح لصحيفة حريت التركية أن مسألة كركوك لدى تركيا تأتي في الدرجة الأولى وكرر تهديداته بأن أي تغيير ديموغرافي يحدث في هذه المدينة فإن استقرار المنطقة سيكون في خطر ، وقد تزامنت هذه التصريحات في وقت قرر وزراء خارجية دول الجوار للعراق عقد اجتماع لهم في القاهرة أواخر تموز 2004 . وفي معرض اجابته على اسئلة مراسل الجريدة المذكورة قال غول : " أن مسألة كركوك مهمة وما قلناه بخصوص كركوك ليس كلاماً وإنما نعرف ماذا نفعل " . وفيما يتعلق بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى قال غول : " لم يبق في العالم شيء اسمه قضية داخلية، ومثلما وفرت الحماية للكورد عندما كانوا يتعرضون للإضطهاد ، واليوم إذا ما تعرضت التركمان إلى الإضطهاد يجب توفير الحماية لهم ، ويجب أن لا يفسر هذا على أنه تدخل تركي في الشؤون الداخلية للعراق . وبخصوص استياء تركيا من هذا الموضوع قال وزير الخارجية التركي : " تركيا مستاءة من تحول كركوك إلى بوسنة ثانية " ، وأكد على أنه بحث موضوع استياء تركيا من مستقبل كركوك مع الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش خلال زيارته الأخيرة إلى تركيا . وأضاف غول : الرئيس بوش أيضاً يفكر مثلنا !! . 
ومهما يكن من أمر فإن تصريحات غول واجهت نقداً شديداً في العراق حتى أن جريدة التآخي الناطقة بلسان الحزب الديموقراطي الكردستاني نشرت مقالاً افتتاحياً يوم 20 تموز 2004 أكدت فيه أن تركيا تهدد استقرار ووحدة العراق ، وقالت عن تصريحات غول بأنها تعكس " تناقضات السياسة التركية إزاء كركوك " ،لا وأضاف أن كركوك إذا كانت بهذه الأهمية الاستثنائية ، وهي كذلك فعلاً فمعناه " أن الحكومة التركية تتلاعب بأهم مشكلة عراقية داخلية وتتدخل فيها تدخلاً سلبياً يهدد استقرار المدينة والبلاد عامة " . 
أما أزمة السليمانية فتتلخص في أن القوات الأميريكية اعتقلت ( 11 ) عسكرياً تركياً في السليمانية وذلك في مطلع آب 2003 لتهمة التخطيط لاغتيال مسؤول محلي كردي في شمالي العراق . وكما هو معروف فإن الحكومة التركية تحتفظ منذ 1992 بقرابة ( 1357 ) عسكرياً في شمالي العراق بهدف ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني . وقد قال ( دوجو بيرنجيك ) زعيم حزب العمل اليساري المعارض في تركيا أن الحكومة التركية وقعت اتفاقية سرية مع واشنطن تنص على انسحاب تلك القوات من شمالي العراق خلال أربعة أشهر . وقد أعلن الجنرال جون أبي زيد قائد القيادة المركزية الأميركية أثناء زيارته لتركيا مطلع آب 2003 ، أن جهوداً تبذل لإنهاء أزمة السليمانية ، ونقلت صحيفة صباح التركية عن مسؤول أميركي قوله : " ان زيارة أبي زيد ستهدف فتح صفحة جديدة في العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية، والعمـل على ترميم العلاقات التي تضررت بسبب موقف تركيا من الحرب ضد العراق " . 
وفيما يتعلق بأزمة تلعفر التي ظهرت في أيلول 2004 ، فإن وزير الخارجية التركي عبد الله غول قال : " بأن تركيا هددت بإيقاف تعاونها مع واشنطن في العراق بعد هجوم أميركي ضد مدينة تلعفر ( ذات الأكثرية التركمانية ) والواقعة ضمن محافظ نينوى ( الموصل )  في شمالي العراق ، بحجة أنها أصبحت ملاذاً لمقاتلين أجانب " . ونقلت شركة تلفزيون C N N التيي تبث باللغة التركية عن وزير الخارجية التركي قوله : " إذاا استمرت الأمور على هذا النحو فإننا أبلغناهم [ الجانب الأميركي ] بوضوح وجلاء أن تعاون تركيا في الموضوعات المتصلة بالعراق سوف ينقطع " . 
وقد حاولت الولايات المتحدة الأميركية في 13 من أيلول 2004 ، طمأنة الجانب التركي من خلال تصريحات السفير الأميركي في أنقرة ( اربك أيدلمان ) وبثها تلفزيون ( ان تي في ) والتي قال فيها : " نحن نقوم بعملية عسكرية محدودة … ونعتقد أن العملية يتم تنفيذها بحرص بالغ " . ومع هذا فقد صرّح ناطق بلسان الجيش التركي وقال ان الجيش الذي يراقب الوضع في تلعفر عن كثب . وأضاف : " أن تركيا تشعر بالقلق على وجه الخصوص أن يؤدي مزيد من الاستقلال للأغلبية الكردية في شمالي العراق إلى تأجيج النزعة الإنفصالية في جنوب شرقي تركيا الذي تقطنه أغلبية تركية " . 
لقد أكدت وكالات الأنباء ، بأن قيادة الجيش التركي أعدت خطة لعمليات عسكرية في شمالي العراق بقوة عسكرية تتألف من ( 40 ) ألف جندي . وجاءت هذه الأنباء نتيجة لاستمرار التيقظ التركي بسبب مخاوف من سعي الأكراد في العراق لتغيير التركيب الديموغرافي لمدينة كركوك والمناطق الأخرى الغنية بالنفط . وقد أخبرت تركيا الإدارة الأميركية بالأمر وأبدت الأخيرة موافقتها المبدئية حيث يتوافق ذلك مع رغبتها في أن لا يفرض الأكراد في العراق سيطرتهم على حقول النفط في شمالي العراق . ويبدو أن تصريحات السيد مسعود البارزاني عشية زيارته لأنقرة من () أن كركوك هي قلب كردستان ) قد زادت من هذا التيقظ والإرتياب التركيين !! .
وكردود فعل على هذا السلوك السياسي التركي ، شددت القيادة الكردية المتمثلة بالحزبين الرئيسيين على رفض التدخل التركي في شؤون العراق . وقال السيد هوشيار زيباري وزير الخارجية العراقي إلى أن على دول الجوار ومنها تركيا احترام خيارات العراق السياسية ومستقبله السياسي ، وقال ( 12 كانون الثاني 2004 ) : " ان قضية الفيدرالية مسألة عراقية سيقررها العراقيون من خلال العملية السياسية والدستورية … وان المخاوف من قبل دول الجوار بأن العراق في طريقه إلى التشرذم في غير محلها .. ليس هناك أي جهة لها مصلحة في تجزئة العراق " . وقد جاء ذلك رداً على تصريحات تركية برفض الفيدرالية والدعوة إلى إقامة حكم مركزي قوي في العراق بدلاُ عنها " . 
ان الحكومة العراقية الانتقالية والقيادات الكردية تسعيان إلى تهدئة الموقف ، وتصران على ازالة كل الشكوك التركية ، وقد أوضح السيد نيجرفان البارزاني رئيس حكومة اقليم كردستان ـ العراق أن ثمة خطوات ستبذل في سبيل تحسين العلاقات مع تركيا و " أن الشعب الكردي لا ينسى المواقف التركية المشرفة ازاءه في أحلك الظروف لا سيما أبان الهجرة المليونية لشعب كردستان سنة 1991 نحو الحدود التركية والإيرانية ، وأن الأكراد يكنون لتركيا كل تقدير واحترام ، وتطرق البارزاني إلى مسألة كركوك فقال أنها مدينة للتآخي بين مختلف القوميات والطوائف ، إلاّ أن كوردستانيتها ليست في موضع مساومة اطلاقاً " .
ومع هذا فقد بدأ الأكراد يصرون على سحب القوات العسكرية التركية من شمالي العراق ، وابتدأوا بالدعوة إلى سحب ما كان يسمى ب ( قوة حفظ السلام ) أو ( قوة الفصل P M F  ) التي تقودها تركيا والمتمركزة في اقليم كردستان . وقد غادرت القوة شمالي العراق في مطلع تشرين الأول 2004 وقد استغرق وجود هذه القوات قرابة سنع سنوات .
أما تركيا ، فتسعى من خلال سلوكها السياسي الخارجي إلى أن تنسق مع دول الجوار العراقي الأخرى وتحضر المؤتمرات التي تناقش المسألة العراقية ولعل مؤتمر شرم الشيخ الذي انعقد يوم 22 نوفمبر ـ تشرين الثاني 2004 بحضور مجموعة الدول الثمانية ودول الجوار العراقي وأطراف ومنظمات عربية واقليمية ودولية كان آخر مؤتمر في هذا الصدد . وقد أكد المؤتمر في ختام أعماله إلى التأكيد على " الالتزام بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للعراق " و " تأكيد سيادته ووحدة أراضيه وحق شعبه بالديموقراطية وسيطرة ابنائه على موردهم الطبيعية " . 
إلاّ أن العراقيين وبخاصة الأكراد منهم وحتى بعض التركمان يشككون في مصداقية الأتراك وسياستهم الخارجية تجاه العراق ، لا سيما وأن تركيا قد أعلنت ، وعلى لسان السيد رجب طيب اردوغان  بأن أنقرة وإن كانت ليست مصممة على نشر قواتها في العراق ، لكنها ستتابع التطورات من أجل حماية أمن تركيا ، وسيكون المخاطب الوحيد لأنقرة في هذا الأمر هو الولايات المتحدة التي سبق وطلبت قوات تركية !! "  
ثانيا : السلوك السياسي الخارجي الايراني :

                     
بعد تشكيل الدولة العراقية سنة 1921 ، تأخر اعتراف ايران بالعراق حتى سنة 1929 ، وكان لمشاكل الحدود التي ورثها العراقيون في الدولة العثمانية وملابساتها، وخاصة المتعلقة بزيارة الإيرانيين للمراقد الشيعية المقدسة في العراق ، أثر كبير في تأزم العلاقات بين الدولتين . ولقد حاول الطرفان العراقي والإيراني ايجاد السبل الكفيلة بمعالجة هذا الوضع ، فتم توقيع معاهدة 1937 . كما أن حلف بغداد الذي تشكل سنة 1955 ، كجزء من منظومة الأحلاف الغربية التي استهدفت تطويق الإتحاد السوفيتي السابق ، وكانت ايران والعراق اعضاءً فيه، قد ساعد في إزالة الكثير من نقاط الاختلاف ، لكن ثورة 14 تموز 1958 ، التي نجم عنها سقوط النظام الملكي في العراق ، أدت إلى تجدد الصراع بين إيران والعراق ، وبخاصة أثر محاولات ايران المتكررة للتدخل في شؤون العراق وتشجيع القوى السياسية المناوئة للحكم السابق ، وتقديم الدعم المالي والعسكري والمعنوي لها سواء في شمال العراق أو جنوبه .
لقد وضعت اتفاقية الجزائر بين العراق وايران في آذار 1975 ، حداً لهذا التدخل . وفي الوقت نفسه فإن مشكلة شط العرب ، والنزاع حول بين العراق وإيران قد وجدت حلاً لها في هذه المعاهدة. ولكن ذلك لم يستمر طويلاً إذ أن العوامل الكامنة وراء الصراع لم تنته ، فسرعان ما تجددت سنة 1979 بعد اندلاع الثورة الإسلامية ( شباط 1979 ) وخلع الشاه محمد رضا بهلوي وإقامة الجمهورية الإيرانية الإسلامية وظهوةر الرغبة في تشجيع فكرة ( تصدير الثورة ) خاصةً بعد أن توحدت السلطتان الدينية والسياسية في يد علماء الدين وأصبحت القوى الإسلامية ( الشيعية ) قوة هائلة للتأثير في الساحة العراقية ،بل وفي الساحات السعودية والبحرينية والخليجية عموماً واللبنانية ، كذلك وفي كل المنطقة التي اصطلح عليها فيما بعد بـ ( الهلال الشيعي ) .
لقد كانت من أبرز نتائج هذا التطور في الساحة الإيرانية ، أن نشبت الحرب مع العراق في أيلول سنة 1980 واستغرقت السنوات من 1980 حتى 1988 . وقبل قيام الثورة الإيرانية وبعدها كانت ( المؤسسة الدينية الإيرانية ) تعد العراق ساحة للتأثير السياسي والمذهبي،ومع أن هذا النشاط كان يصطدم بمقاومة النظام السابق في العراق ، إلاّ أن التواصل بين المؤسسة الدينية الإيرانية وبعض المراجع الدينية في النجف وكربلاء والمناطق المقدسة الأخرى لم ينقطع في أحلك الظروف . ولا ننسى دور السفارة الإيرانية ببغداد والتجار الإيرانيون وقوافل الزوار الذين كانوا ينتشرون في أنحاء مختلفة في العراق ، وخاصةً في وسطه وجنوبه . ومع هذا فإن المرجعية الدينية في العراق والمتمثلة بالسيد علي السيستاني لا تذهب المذهب الإيراني نفسه والمرتكز على ما يسمى بـ ( ولاية الفقيه المطلقة ) في حين أن بعض الأحزاب السياسية  الدينية العراقية  تؤيد فكرة ولاية الفقيه المطلقة . أما السيد علي السيستاني فيأخذ بالولاية النسبية ، ويؤكد باستمرار على عدم التدخل المباشر في حياة الناس وقناعاتهم الفكرية ، فضلاً عن تأكيده حماية حقوق جميع العراقيين بصرف النظر عن دينهم وقوميتهم ومذهبهم ، وهذا هو سر التفاف الناس حوله وازدياد شعبيته .
بعد انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية في آب سنة 1988 بذلت الجهود من قبل الطرفين لإزالة بعض المشاكل العالقة وفي مقدمتها قضية الأسرى والمفقودين والتعويضات ومسؤولية الحرب ، وإزاء التهديدات الأميركية للعراق بالغزو واحتمال احتلاله له ظلّت الحكومة الإيرانية تعرب عن معارضتها لذلك .
        ومن خلال مراجعتنا لوثائق تلك المرحلة نجد أن إيران كانت تعد الشعب العراقي شعباً مظلوماً وهي تسعى للتضامن معه وتقف ضد أية محاولات لتقسيم العراق وقد قامت أجهزة الإعلام الإيرانية بالتأكيد على كشف كذب الادعاءات الأميركية بتحرير العراق ، وقد أكدت الحكومة الإيرانية أنها ترى بأن الحرب تشكل الفصل الأول من المشروع الأميركي للسيطرة على ثروات وسد الطريق أمام قوى أخرى وابقاء المنطقة تحت تبعيتها وتحدي أوربا كقوة ومنعها من القيام بدور متميز وترى إيران أن من بين أهداف الولايات المتحدة " اعادة ترتيب الخارطة الجغرافية والسياسية للمنطقة وفقاً لمصالحها وتمكين اسرائيل منها وتصفية القضية الفلسطينية " .
وقد بحث السيد كمال خرازي وزير الخارجية الإيراني مع ( يوشكا فيشر ) وزير الخارجية الأماني الحرب على العراق ، وقال : " أن الخرب تزعزع الاستقرار في المنطقة وهي نتيجة للسياسات الخاطئة للولايات المتحدة " وتساءل قائلاً : " كيف يريدون الحـرية والديموقراطية للعراقيين وهـم يسقطون عليهـم كل يـوم آلاف القنابل !! " . 
حذر دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي في 28 من آذار 2003 ايران " من استغلال الوضع وزج المعارضة الإيرانية في الأراضي العراقية " . ورد السيد خرازي قائـلاً : " ان إيـران لن تدعم أية حكومة تنصبها الولايات المتحدة الأميركية في العراق " . 
كما شجّعت الحوزة الدينية في قم على تنظيم مظاهرات عارمة في إيران ضد الحرب على العراق ومن خلالها " أعرب الإيرانيون عن قلقهم لما تتعرض له العتبات المقدسة من تدنيس !! " . وقد عقدت الجماعات الشيعية العراقية في طهران يوم 6 آذار 2003 مؤتمراً أعلنوا فيه معارضتهم لأي غزو أميركي وطالبوا في الوقت نفسه ، بإلغاء الطائفية في العراق و " اعطاء الشيعة حقوقهم المهضومة " . وقال السيد محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراقي في مدينة قم بإيران : ان ما يجري في العراق غزو عسكري تجب مقاومته " وأضاف متألماً " أن بعض الـدول العربية تساعد في الخفاء الولايات المتحدة الأميركية وفي العلن تدافع عن العراق ". وقد أكد السيد الحكيم على ضرورة اسقاط النظام أولاً ثم مقاومة الغزاة ثانياً . وبعد ذلك بيوم واحد أي في الرابع من نيسان 2003 قال السيد علي أكبر هاشمي رافسنجاني رئيس مصلحة تشخيص النظام " ان إيـران لن تقف مكتوفـة الأيدي تجاه المجازر التي يتعرض لها شعب العراق " ، وبعد يومين قال السيد كمال خرازي " أن إيران ترفض فكرة تنصيب حكومة في العراق من قبل واشنطن !! " ، لكنه وعشية سقوط النظام في التاسع من نيسان 2003 قال خرازي : " أن الحرب على وشك الإنتهاء ، وأن إيران تنتظر لكي تعرف من سيتولى الحكم في بغداد حتى نقرر موقفها من ذلك " . لكنه دعا الأمم المتحدة للإشراف على ادارة العراق بعد الحرب ، وقال " ان بلاده سوف لن تسمح بتقسيم العراق " وانهم قد   يخضعون لدكتاتورية أكبر من دكتاتورية صدام " ودعا العراقيين إلى التصدي للفوضى ، وفي 13 نيسان 2003 وجّه السيد محمد باقر الحكيم نداءًا إلى العراقيين ودعاهم إلى الوحدة وقال " ان القوات المحتلة تتحمل مسؤولية حفظ النظام " .
بعد تشكيل مجلس الحكم في 14 تموز 2003 اضطرت الحكومة الإيرانية إلى الإعتراف به وزار السيد عبد العزيز الحكيم الرئيس الدوري للمجلس ايران وصرّح بما يشير إلى أن من حق الحكومة الإيرانية مطالبة العراق بالتعويضات عن الحرب معه . وقد أثار هذا التصريح ردود فعل شديدة في العراق ، خاصةً بعد أن أعربت دولاً كثيرة وضمن نادي باريس عن رغبتها في اسقاط 80./. من ديون العراق ومساعدته على تخطي محنته وإعادة اعماره ، وسرعان ما بدأت الأصوات الرسمية والشعبية في العراق تتعالى وتحذر من التدخلات الإيرانية في شؤون العراق والتي أخذت خلال السنتين الماضيتين 2003 و 2004 أشكالاً متعددة وكما يلي :

1 ـ  استغلال أفواج الزوار الإيرانيين إلى النجف الأشرف وكربلاء المقدسة ودفع عناصر أمنية ايرانية للعمل بين هذه الأفواج بهدف " تجنيد العراقيين " و " جمع معلومات حساسة عن العراق ودول الجوار الأقليمية " .
2 ـ  تشكيل مؤسسات مخابراتية تحت مسميات مختلفة كهيئة مبين التابعة لقوة القدس ودفعها باتجاه انشاء مراكز ثقافية وواجهات لمختلف أجهزة النظام في إيران. 

3 ـ  تقديم دعم مادي لبعض الأحزاب والقوى السياسية العراقية الموالية لإيران .

4 ـ  هناك ما يقارب ( 30 ) وسيلة اعلام في العراق تدار بأموال تتدفق من النظام الإيراني.
5 ـ  مساعدة العراقيين في بناء مساجد وحسينيات ودفع رواتب للمسؤولين عنها .
6 ـ  توجيه قنوات فضائية تبث باللغتين العربية والفارسية . وقد أشار السيد أياد جمال الدين ، وهو من علماء الشيعة المعروفين بنزعتهم التحررية إلى بعض هذه.
7 ـ  قال السيد أياد جمال الدين في مقابلة مع قناة العربية الفضائية يوم 4 يناير -  كانون الثاني 2005 أن هناك قوى  سياسية عراقية لها علاقات وثيقة مع إيران وما زال نظامهم الداخلي ينص على تقليد المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران. 
8  ـ  هناك شركات إيرانية تعمل في العراق وتضم عناصر أمنية ومخابراتية إيرانية ، بل وتدار من قبلهم منها شركة شهر بار الدولية للنقل واريا لقمان الدولية للإنشاء والإعمار. 
9 ـ  السعي لتهريب مخدرات إلى العراق ونشرها بين الشباب ، وقد عبّر عن مخاطر ذلك ومنهم من يحمـل الحشيش وأهالي المدينتين يصـرخون مطالبيـن بضبط الأمور " .
10 ـ  ظهور حالات اختطاف ( أساتذة ) و ( علماء في الذرة والأسلحة الكيمياوية   و( طيارين عراقيين ) و ( قادة عسكريين سابقين ) أسهموا في الحرب على إيران ونقلهم إلى خارج القطر ، كما أن الكثير من مخلفات الجيش العراقي السابق قد تسربت إلى إيران .

لقد تطور الإدراك والإحساس بالتدخلات الإيرانية وأساليبها المختلفة في العراق . ولا ننكر بأن لوجود جماعة مجاهدي خلق المناوئة لإيران في الأراضي العراقية ، وسماح القوات الأميركية لهم بالبقاء وتنظيم اتفاق خاص معهم ، أثر في تأجيج المشاعر ضد الحكومة الإيرانية ، لكن هذا لا يعني عدم وجود نشاط إيراني فاعل داهل العراق . وقد أشارت ( صحيفة تلغراف ) البريطانية في عددها الصادر يوم22 كانون الأول/ ديسمبر 2004 إلى أن " النظام الإيراني يزيد من توغله في العراق يوماً بعد يوم " . وأضافت الصحيفة تقول : " بأن قـوات النظام الإيراني متواجدة في جنوبي العراق وتأخذ شكل قوى استخبارية " . كما قالت الصحيفة " أن الحكومة العراقية المؤقتة ترى أن العديد من الإيرانيين يدخلون العراق بحجة زيارة العتبات المقدسة ، ولكنهم ينضمون إلى صفوف المعارضين للوجود الأميركي فيتسببون في اشتداد حالة انعدام التوازن الموجودة في العراق " . وختمت الصحيفة قولها : " انه وفي الوقت نفسه أعلنت الحكومة العراقية أن النظام الإيراني ينوي احداث قاعدة قوية أو موطئ قدم صلب له … في العراق " للتأثير على مستقبل السياسة العراقية " . 
لقد انطلق التحذير من النشاط الإيراني من أعلى القيادات السياسية المسؤولة في العراق .. ولم يقتصر الأمر عليهم فحسب ، بل انضم اليهم العاهل الأردني الملك عبد الله حينما اتهم في أواخر سنة 2004 طهران بالتدخل في الشأن العراقي ودعم مجموعات معينة   . وحذّر من قيام ما أسماه ( هلال شيعي ) تحت نفوذ ايران يشمل سوريا والعراق ولبنان ) ،وقد أيد الشيخ غازي مشعل الياور رئيس جمهورية العراق المؤقت ذلك عندما حذّر " من توغل إيران في الساحة السياسية العراقية " .
كما أن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش ، والمسؤولون الأميركيون الكبار في ادارته ومنذ احتلال العراق يحذرون إيران من التدخل في شؤون العراق و " عرقلة المشروع الأميركي بنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط انطلاقاً من العراق " . وتقول السلطات الأميركية " إن هذه التحذيرات لم يتم إكمالها باتخاذ اجراءات حازمة ، فان الأموال تدفق من النظام الايراني نحو العراق ، فضلاً عن العملاء والمخططات للتوغل والاختراق " كما ان هناك قلقاً من أن ينجح التطرف الديني الذي مازال يحكم إيران من السيطرة على العراق الجديد " ، وقد قال استاذ في جامعة جورج تاون الأميركية " إن النظام الإيـراني يتغلغل في جميع أنحاء العراق ويقوم بشراء ذمم [ بعض ] السياسيين العراقيين !! " .
لقد كشفت مؤسسة آل البيت للنشر والتحقيق والتوزيع في مصر سنة 1991 عن وثيقة سرية هي عبارة عن رسالة سرية موجهة من مجلس شورى الثورة الثقافية الإيرانية إلى المحافظين في الولايات الإيرانية وإلى ( الشيعة في دول الجوار ) ومنها العراق والسعودية وتركيا ودول الخليج العربي ، نشرتها ( رابطة أهل السنة في إيران ـ مكتب لندن ) . وفي هذه الرسالة ـ الوثيقة المعنونة " الخطة السرية لآيات الشيعة في إيران " تتراجع " فكرة تصدير الثورة " بصيغتها التقليدية السابقة التي سادت في عهد الإمام الخميني ، وتقترح رسائل أخرى أكثر حيوية لعل من أبرزها : العمل عهلى " تحسين العلاقات مع العراق بعد الحرب وسقوط صدام حسين " ، وامكانية " الاستفادة من الإيرانيين الذين يسافـرون إلى العراق وإلى دول الجوار الأخـرى كعملاء وتمديد وظائفهم من حيث الخدمة والارسال " و " العمل على التغلغل في مؤسسات تلك الدول ومرافقها الرئيسة ، فضلاً عن شـراء الأراضي والعقارات وإيجاد صلات مع أصحاب رؤوس الأموال وكبار الموظفين والإداريين والمثقفين والأفراد الذين يتمتعون بنفوذ وافر في المجتمع ، وحث الشيعة في تلك البلدان على احترام القوانين واستحصال الاجازات الأصولية عند بناء المساجد والحسينيات،لأن هذه التراخيص الرسمية سوف تعد مستقبلاً وئائق رسمية ، والعمل على ابراز التشيع كمذهب لا خطر فيه ، وأخيراً المشاركة في الانتخابات البرلمانية والحوز على معظم كراسي المجالس النيابية ، وتتألف الخطة من ثلاثة مراحل يستغرق تنفيذها قرابة ( 50 ) سنة . ومع أننا لا نمتلك الأدلة على صحة الخطة السرية هذه من عدمها ، لكن ما يجري في العراق من ازدياد للنفوذ الإيراني وتعاظـم الخشية منه تجعلنا نقف ازاءهـا بشيء من الاهتمام الذي نتمنى أن لا يكون في محله . ومما يؤيد الاتهامات التي قيلت وتقال بشأن التدخل الإيراني في العراق ما أكده مديـر جهاز المخابرات العراقية الجديد اللـواء محمد المشهداني والذي اتهم فيه ( 27 ) شخصاً من طاقـم السفارة الإيرانية في العـراق بالتجسس ، وبتجنيد عناصر نمن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية ومنظمة بدر لتنفيذ حملة اغتيالات أودت بحياة ( 18 ) من عناصر جهازه منذ أيلول الماضي ( 2004 ) . وقال المشهداني " أن سلسلة من عمليات دهم لأماكن إيرانية في بغداد سمحت بالعثور على وثائق تربط بين إيران وقتل عناصر من الجهاز " . وقد رفض المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق هذه الاتهامات قائلاً : بأن المخابرات العراقية الجديدة تعج بأنصار النظام السابق من العسكريين الذين يريدون الانتقام من المجموعات الشيعية التي سبق لها أن اتخذت من إيران مقراً بها في الثمانينات " من القرن الماضي .
كما أذاعت قناة الجزيرة يوم 13 أيلول 2004 أخباراً تشير إلى أن استخبارات ايران جندت ثلاثة آلاف عنصر لها في العراق  
..  وقد وصف وزير الدفاع العراقي المؤقت السيد حازم الشعلان إيران بأنها العدو رقم ( 1 ) ، وقال : أن السلطات العراقية اعتقلت عدداً من العناصر الإيرانية وكشفت وثائق تدل على أن النظام الإيراني حاول السيطرة على الأوضاع في العراق . وقد أشارت أحدى الوثائق الى قيام ايران بتقديم ميزانية لمنظمة بدر بلغت 45 مليون دولار لإبقاء السيطرة عليها ودعم تشكيل جهاز أمني يضم عدة مديريات لتنفيذ العديد من المخططات التخريبية . 
أما صحيفة ( بوسطون كلوب ) الأميركية فحذرت في افتتاحية عددها الصادر يوم 22 كانون الأول -  ديسمبر 2004 من ما أسمته " خطر تغلغل النظام الإيراني على المستقبل السياسي العراقي " ….. وقالت الصحيفة " قد يكون من الظواهر الإيجابية لأنه وتزامناً مع بدء الحملات الانتخابية كانت الموضوع الأول الذي قرع السياسيون العراقيون جرس الانذار حوله هو تغلغل النظام الإيراني ، أن هؤلاء السياسيين قلقون من طهران لأسباب جيوبوليتكية ، ولا يرغبون في مد نظام الحكم الديني على النمط الإيراني إلى خارج الحدود الإيرانية " .. وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لصحيفة شيكاغو تربيون ( العدد الصادر يوم 2 كالنون الثاني/ يناير 2005 ) : " ان النظام الإيراني وبدفعه ملايين الدولارات يدعم أحزاباً عراقية بهدف التأثير على الانتخابات التي ستجري قريباً في العراق " ويقصد الانتخابات التي جرت في الثلاثين من كانون الثاني / يناير 2005 وقد حذّر الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش ايران وسوريا من مواجهة ما أسماه " زخم الحرية " . وقال أن التغييرات الديموقراطية التي ابتدأت في العراق سوف تجعل الشرق الأوسط أكثر أمنا .. واتهم ايران وسوريا بإثارة عدم الاستقرار في العراق والمنطقة كلها .
قال السيد حازم الشعلان وزير الدفاع العراقي أن " التوغل الإيراني واسع وغير مسبوق منذ تأسيس الدولة العراقية ... وأن الإيرانيين ، دخلوا مفاصل الدولة عموماً ، وأسسوا مراكز استخبارية وأمنية عديدة في العراق " وأضاف " أن اعترافات المسلحين الذين تم القبض عليهم تؤيد صحة الاتهامات التي كانت تحمل ايران وسوريا جزءاً كبيراً من أسباب سوء الأوضاع الأمنية " . وختم كلامه بالقول " ان كل ما قلته عن الخروقات الأمنية في التي كانت ايران وسوريا وراءهما بدأ يتدعم باعتراف المسلحين الذين قبضنا عليهم ، وهذه اجابتي لكل من كان يلومني لأنني كنت أحمّل ايران وسوريا جزءاً كبيراً من أسباب سوء الأوضاع الأمنية " .
وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز الأميركية قال المحلل الأستراتيجي الإيراني المعارض ( علي رضا جعفر زاده ) " بأن النظام الإيراني وطيلة عام مضى ونصف العام قد تدخل في شؤون العراق على نطاق واسع ، ويهدف النظام الإيراني من هذه التدخلات إلى اقامة نظام الحكم في العراق على نمط نظام حكمه القائم في ايران .. ولهذا السبب يتدخل في العراق على نطاق واسع عن طريق ارسال أسلحة وأموال   وعناصر استخبارية إلى العراق " .
خلاصـة :
          بعد تشكيل الدولة العراقية الحديثة سنة 1921 ، تجددت المطامع الإيرانية والتركية ، واتخذت أشكالاً عديدة . وتؤكد الأيـام والوقائع أن هاتيـن الجارتين كانت  تستغلان ظروف مواجهة العراق للتحديـات والمشاكل فتجـددان مطامحهما في أرض ومياهه ، فحين بدأت حرب الخليج الثالثة 2003 ، اتخذت تركيا وايران تدابير مختلفة ، وعملتا على تنسيق سياستهما ومواقفهما السياسية والأمنية بحجة أن الطرفين يحترمان وحدة العراق وسلامة أراضيه .
       نحن لا ننكر أن يكون لإيران ( جارتنا الشرقية ) ولتركيا ( جارتنا الشمالية ) ، دور اقليمي ينسجم مع موقفيهما الأستراتيجي ، وارثهما الحضاري ومصالحهما السياسية والاقتصادية وعلاقاتهما الدولية ، كما لاننكر بأن تركيا وإيران تعدان من أقرب الشعوب الإسلامية إلى العراق ، بسبب التداخل الديني والقومي والمذهبي ، لكن ذلك ينبغي أن لا يكون على حساب العراق ، وفي الوقت نفسه لابد لهما من مراعاة ثوابت الجغرافية وخصائص التاريخ ، وقواعد ومبادئ القانون الدولي وقواعد حسن الجوار وهذا يتطلب الإسهام ليس في ( اقلاق المنطقة ) ، بل حمايتها وتحقيق الأمن والاستقرار فيها .
       تقول الحكومة العراقية اليـوم أنها تحرص على اقامة علاقات متينة مع كل من تركيا وايران ، بالرغم من كدمات ومشاكل ماضي الحرب العالمية الأولى وما قبلها وما بعدها . ويؤكد بعض المسؤولين العراقيين سعي العراق المستمر لإزالة من من شأنه الحيلولة دون أن تستمر التدخلات التركية والإيرانية في شؤون بلدهم ، ومن ذلك مثلاً ما أشار إليه السيد حازم الشعلان وزير الدفاع في آذار 2005 من أن هناك ثمة اشارات تدل على تعاون أيراني وسوري مع العراق لضبط الحدود ومنع تسلل المسلحين . كما أكد بأن الحكومة العراقية بدأت بمتابعة المتسللين عبر تخصيص ( 14) طائرة استطلاع عراقية باشرت بالعمل مؤخراً على الحدود مع سوريا والحدود مع إيران .
أما وزيرة المهجرين والمهاجرين في العراق السيدة باسكال وردة فقالت ( 7 آذار 2005 ) أن العراق سعى إلى تفعيل اتفاقية مخمور الضامنة لأكراد تركيا من دون تعرضهم لخطر في حقوقهم وحياتهم ، وكذلك مع ايران فيما يخص مجاهدي خلق . وأضافت أن الحكومة العراقية تبذل جهوداً لدى إيران وتركيا للتعاون مع العراق بصدد العفو عن كل من حزب العمال الكردستاني التركي ، ومجاهدي خلق الإيرانية الموجودتين على الأرض العراقية .

نأمل في أن الرغبة في تحسين العلاقات ومنع التدخلات في شؤون العراق تتسع ومن الطبيعي أن هذا مرتبط بما يمكن أن تقرره الجارتين الشمالية والشرقية تركيا وايران . ويقينا أننا في أملنا هذا نضع في الاعتبار مخاوف إيران وتركيا من استمرار وجود القوات الأميركية والبريطانية في العراق وطبيعة المشروع الذي ابتدأته الولايات المتحدة بالعراق وحقيقة أهداف ذلك المشروع ، وخطـورة القرارات والاجراءات التي اتخذتها سلطة الائتلاف المؤقتة وفي مقدمتها حـل الجيش العراقي والشرطة والأجهزة الأمنية والاستخبارية ، وترك حدود العراق مع جيرانه مفتوحة ومباحة من قبل أي كان يريد التجاوز على تلك الحدود أو استباحتها لمقتضيات مشاريع وأهداف تلك الدول ، وما نجم عن ذلك من انفلات أمني ، وفوضى ادارية واجتماعية وتدهور واضح في الخدمات ، إلاّ أن العراقيين بوحدتهم ووعيهم وعمق حضارتهم وكفاءة كوادرهم قادرون على مواجهة ذلك ، وهذا لا يأتي إلاّ برص صفوفهم وإيجاد السبل الكفيلة التي تعيد إليهم استقلالهم وسيادتهم ووحدة أراضيهم وضمان الحفاظ  على ثوابتهم الوطنية وأهدافهم العليا .
______________________________
*حجبنا الهوامش لاغراض تتعلق بالامن العلمي .







خلاصـة :
          بعد تشكيل الدولة العراقية الحديثة سنة 1921 ، تجددت المطامع  التركية ، واتخذت أشكالاً عديدة . وتؤكد الأيـام والوقائع أن تركيا استغلت  ظروف مواجهة العراق للتحديـات والمشاكل فتجـددت مطامحها  في أرضه ومياهه ، فحين بدأت حرب الخليج الثالثة 2003 ، اتخذت تركيا   تدابير مختلفة ، وعملت  على تنسيق سياستها   ومواقفها السياسية والأمنية  مع ايران بحجة أن الطرفين يحترمان وحدة العراق وسلامة أراضيه .
       نحن لا ننكر أن يكون لإيران ( جارتنا الشرقية ) ولتركيا ( جارتنا الشمالية ) ، دور اقليمي ينسجم مع موقفيهما الأستراتيجي ، وارثهما الحضاري ومصالحهما السياسية والاقتصادية وعلاقاتهما الدولية ، كما لاننكر بأن تركيا وإيران تعدان من أقرب الشعوب الإسلامية إلى العراق ، بسبب التداخل الديني والقومي والمذهبي ، لكن ذلك ينبغي أن لا يكون على حساب العراق ، وفي الوقت نفسه لابد لهما من مراعاة ثوابت الجغرافية وخصائص التاريخ ، وقواعد ومبادئ القانون الدولي وقواعد حسن الجوار وهذا يتطلب الإسهام ليس في ( اقلاق المنطقة ) ، بل حمايتها وتحقيق الأمن والاستقرار فيها .
       تقول الحكومة العراقية اليـوم أنها تحرص على اقامة علاقات متينة مع كل من تركيا وايران ، بالرغم من كدمات ومشاكل ماضي الحرب العالمية الأولى وما قبلها وما بعدها . ويؤكد بعض المسؤولين العراقيين سعي العراق المستمر لإزالة من من شأنه الحيلولة دون أن تستمر التدخلات التركية والإيرانية في شؤون بلدهم ، ومن ذلك مثلاً ما أشار إليه السيد حازم الشعلان وزير الدفاع في آذار 2005 من أن هناك ثمة اشارات تدل على تعاون أيراني وسوري مع العراق لضبط الحدود ومنع تسلل المسلحين . كما أكد بأن الحكومة العراقية بدأت بمتابعة المتسللين عبر تخصيص ( 14) طائرة استطلاع عراقية باشرت بالعمل مؤخراً على الحدود مع سوريا والحدود مع إيران .
أما وزيرة المهجرين والمهاجرين في العراق السيدة باسكال وردة فقالت ( 7 آذار 2005 ) أن العراق سعى إلى تفعيل اتفاقية مخمور الضامنة لأكراد تركيا من دون تعرضهم لخطر في حقوقهم وحياتهم ، وكذلك مع ايران فيما يخص مجاهدي خلق . وأضافت أن الحكومة العراقية تبذل جهوداً لدى إيران وتركيا للتعاون مع العراق بصدد العفو عن كل من حزب العمال الكردستاني التركي ، ومجاهدي خلق الإيرانية الموجودتين على الأرض العراقية .

نأمل في أن الرغبة في تحسين العلاقات ومنع التدخلات في شؤون العراق تتسع ومن الطبيعي أن هذا مرتبط بما يمكن أن تقرره الجارتين الشمالية والشرقية تركيا وايران . ويقينا أننا في أملنا هذا نضع في الاعتبار مخاوف إيران وتركيا من استمرار وجود القوات الأميركية والبريطانية في العراق وطبيعة المشروع الذي ابتدأته الولايات المتحدة بالعراق وحقيقة أهداف ذلك المشروع ، وخطـورة القرارات والاجراءات التي اتخذتها سلطة الائتلاف المؤقتة وفي مقدمتها حـل الجيش العراقي والشرطة والأجهزة الأمنية والاستخبارية ، وترك حدود العراق مع جيرانه مفتوحة ومباحة من قبل أي كان يريد التجاوز على تلك الحدود أو استباحتها لمقتضيات مشاريع وأهداف تلك الدول ، وما نجم عن ذلك من انفلات أمني ، وفوضى ادارية واجتماعية وتدهور واضح في الخدمات ، إلاّ أن العراقيين بوحدتهم ووعيهم وعمق حضارتهم وكفاءة كوادرهم قادرون على مواجهة ذلك ، وهذا لا يأتي إلاّ برص صفوفهم وإيجاد السبل الكفيلة التي تعيد إليهم استقلالهم وسيادتهم ووحدة أراضيهم وضمان الحفاظ  على ثوابتهم الوطنية وأهدافهم العليا .



_________________________________
*البحث فيه هوامش وقد حجبت عن النشر لاغراض تتعلق بالامن العلمي 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق