الاثنين، 20 مارس، 2017

طاهلر البكاء يكتب عن الدراسات العليا في العراق



الدراسات العليا  في العراق بين الكم والنوع
 ا.د. طاهر البكاء
مؤرخ ووزير سابق للتعليم العالي والبحث العلمي 
حزيران 2016
تعد الدراسات العليا المحطة الأكاديمية الأخيرة في سلم التحصيل العلمي الجامعي ، لكنها ليست آخر المحطات في البحث العلمي ، إذ تعقبها مراحل التطبيق و تطوير الخبرات ميدانيا أو عن طريق البحث ، لذا فإن الدول المتقدمة  والجامعات الرصينة ترصد مبالغ طائلة لحقلي الدراسات النظرية والتطبيقة ، ونراها تستقطب الطلبة والباحثين المتميزين من مختلف أنحاء العالم ، وتوفر لهم سبل البحث العلمي ، لترتقي بهم وببحوثهم ، ويرتقوا من خلالها والفرص الثمينة التي توفرت لهم .
أقول هذا وقد هالني ماقرأت في التقرير السنوي لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي لسنة 2014 ، عن التوسع المهول في الدراسات العليا ، وفي كل المستويات والحقول العلمية ، وقد ذكرها معدو التقرير مفاخرين ومتباهيين . في حين أن الأرقام تدعو الى عكس ذلك ، بل تبعث على الحزن والقلق .
ومن أجل إعطاء صورة واضحة عن الدراسات العليا داخل الوطن لابد من لمحة تاريخية عن نشأتها والمراحل التي مرت بها.
استعنت بالاخ الأستاذ الدكتور إبراهيم العلاف الذي أوضح أن الدراسات العليا ابتدأت عندما وافق مجلس جامعة بغداد في  18 تشرين الثاني سنة 1959 على الصيغة النهائية للائحة نظام منح درجة ماجستير، علوم ، وأقربتاريخ 13 نيسان 1960 لائحة نظام منح درجة ماجستير في الآداب وبدأ القبول والتسجيل لمرحلة الدراسات العليا في العام الدراسي 1960-1961 في أقسام التاريخ ، الزراعة، الطب ، الكيمياء ، الهندسة المدنية ، وتم في العام الدراسي 1961-1962 قبول طلبة دراسات عليا في أقسام أخرى هي ، الآثار ، الجغرافية ، طب الأسنان ، اللغة العربية ، البايولوجي  وعلوم الحياة . و أسست في ايار 1962 (عمادة الدراسات العليا ).
وبعد أن استقرت دراسات الماجستير فُتَحَ المجال لدراسات الدكتوراه سبعينات القرن الماضي وكان  قسما التاريخ  والجغرافية في كلية الآداب في مقدمة الآقسام التي اتجهت لمنح شهادة الدكتوراه لكن قسم الجغرافية كان السباق في إنجاز أول أطروحة دكتوراه سنة 1976 في حين كانت أول رسالة ماجستير في الجغرافية قد أنجزت سنة 1967 ، أي بفارق قدره 9 سنوات.
وقبل استحداث الدراسات العليا في جامعة بغداد كان العراق يعتمد في إعداد الكوادر العليا من حملة شهادتي الماجستير والدكتوراه على المبتعثين.
شهدت سبعينات القرن الماضي ، وبشكل خاص النصف الثاني منها ، توسعاً مدروساً في برامج الدراسات العليا ، إذ سُمِحَ للكليات والأقسام العلمية استحداث دراسات عليا ، وفق شروط صارمة من حيث توفر الكادر التدريسي المؤهل ، من ذوي الألقاب العلمية المتقدمة ، وتوافر المستلزمات العلمية مثل المصادر والأجهزة المختبرية ، ترافق ذلك مع ابتعاث آلاف الطلبة للحصول على الشهادات العليا من مختلف جامعات العالم ، وشكل هؤلاء بعد تخرجهم وعودتهم إلى الوطن مع زملائهم الذين تخرجوا من جامعة بغداد ذخيرة وطنية حافظت على ديمومة وتوسع الجامعات العراقية وتزويد أجهزة الدولة بالكفاءات العليا في زمني الحرب والحصار.
أثرت الحرب العراقية – الإيرانية 1980 – 1988 على برنامج البعثات ، فاضطرت الدولة  في البداية إلى تقليص إرسال المبتعثين في بعض الاختصاصات ، وإيقافها لاحقا ، وذلك لتوجيه موارد البلد لتلبية متطلبات الحرب. وإستعاضت عنها بالتوسع في برامج الدراسات العليا في الجامعات العراقية ، الأمر الذي استوجب إجراء تخفيفٍ بسيطا في الشروط الواجب توفرها في الكليات والأقسام العلمية لاستحداث تلك البرامج.
جاء الحصار الاقتصادي الظالم 1990 – 2003 ليقضي تماماً على برنامج البعثات ، وكانت الزمالات الممنوحة من بعض الدول ، على محدوديتها جدا ، القناة الوحيدة المتوفرة للدراسة في الخارج . ومن أجل توفير كوادر متخصصة من حملة الشهادات العليا ، اضطر العراق ، مرة آخرى ، في تلك المدة إلى توسيع القبول في برامج الدراسات العليا القائمة ، واستحداث اخرى جديدة ، وقد شمل ذلك التوسع أغلب الجامعات العراقية ، مما أنشء جيلاً من حملة الشهادات العليا لم تتح لهم الفرصة لتعلم لغة أجنبية والإطلاع على برامج الجامعات العالمية ، تزامن ذلك مع حرمان الجامعات العراقية من استيراد الأجهزة المخبرية والمصادر العلمية ، بحجة الاستخدام المزدوج لها. وللتاريخ فقد اعترض وزير التعليم العالي والبحث العلمي ، حينئذ ، الدكتور عبد الرزاق الهاشمي على ذلك التوسع وقال مامعناه ” إن الجامعات العراقية ستخرج لنا أنصاف دكاتره ، وهؤلاء سيخرجون لنا أرباع دكاترة” لكن رأيه لم يحظ بالقبول “[1]“.
اختلف الأمر بعد الاحتلال الأمريكي للعراق نيسان 2003 اختلافا كبيراً ، إذ عمت الفوضى ، واضطربت الأمور ، وخسرت الجامعات عدداً هائلاً من حملة الشهادات العليا والألقاب العلمية المتقدمة ، وذلك إثر قرار الاجتثاث سيئ الصيت ، لكن في الوقت ذاته فتحت الأبواب مشرعة أمام العراقيين للسفر ، وتمتعت الجامعات باستقلالية لم تألفها من قبل ، وعاد عدد كبير من الأساتذة الذين اضطرتهم ظروف الحصار القاسية إلى (الهروب)”[2]” للعمل في جامعات عدد الدول العربية .
ومن أجل النهوض بمستوى الأستاذ الجامعي العراقي ، أعادت وزراة التعليم العالي والبحث العلمي 2004 – 2005 فتح برنامج البعثات ، وفي الوقت ذاته وبهدف تقوية وترصين ورفع مستوى مخرجات الجامعات العراقية تم إيقاف برامج الدرسات العليا في 153 قسماً وحقلاً علمياً لعدم توفر الشروط العلمية “[3]” ، من حيث الأجهزة المختبرية والمستلزمات العلمية الأخرى ، خاصة بعد شمول عدد كبير من الأساتذة من حملة الألقاب العلمية بالاجتثاث “[4]” ، وللدمار الذي أصاب الجامعات نتيجة للعمليات العسكرية ، والفرهود الذي رافق سقوط النظام “[5]“.
لم تستمر السياسة التي رسمتها الوزارة في 2004 – 2005 طويلا ، إذ تولى وزراء متحزبون مقاليدها بعد 2006 ، وفتحوا باب القبول في الدراسات العليا بشكل واسع ، وخاصة في مدة استيزار السيد علي الأديب 2010 – 2014 ” ، من غير أن يأخذوا بنظر الاعتبار حاجة البلد والجامعات للأختصاصات العليا ، وتوفر الشروط اللازمة لفتح دراسات عليا في عدد كبير من الأقسام العلمية ، واستحدثوا عدة قنوات للقبول ، لم تكن مألوفة من قبل ، مثل ، قناة السجناء السياسيين ، وقناة ذوي الشهداء ، وقناة النفقة الخاصة “[6]“، وبموجب هذه القنوات جرى قبول أعدادٍ كبيرة ، قسم غير قليل منهم غير مؤهلين أكاديميا للدراسات العليا ، كل ذلك جرى لأسباب سياسية  ضيقة ، أو لمجاملات شخصية ، والجدول التالي يبين أعداد طلاب الدراسات العاليا في سنتين فقط ، بمن فيهم المقبولون وفق القنوات أعلاه  “[7]“.
السنة الدراسيةطلبة الدكتوراهطلبة الماجستيرطلبة الدبلوم
2009 – 20106,30310,051898
2012 – 20139’43818,1021,815
من المفيد أن نشير هنا إلى أن الوزراة في الوقت الذي توسعت ببرامج الدراسات العليا ، توسعت أيضا ببرنامج البعثات ، والأخير يبعث على التفاؤل ، وفتحت الباب على مصراعيه للدراسة على النفقة الخاصة في الخارج ، مما أدى إلى التحاق أعداد كبيرة في ذلك البرنامج ، لكن مما يؤسف له أن أغلبهم فضل الدراسة في بلدان وجامعات لايمكن اعتبارها متطورة ، وبعضها يفتقد إلى الرصانة العلمية.
تفاجأ عدد كبير من المتخرجين ، حملة  الشهادات العليا أن سوق العمل لا يحتاج الى تخصصاتهم ، مما حدا بهم إلى تنظيم تظاهرة احتجاج أمام مقر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في 12 نيسان 2015 ، أحرق خلالها بعضهم شهاداتهم الجامعية “[8]“، وكأنهم يحملون الوزارة والجامعات مسؤولية عدم توفير درجات وظيفية لهم ، مع أن ذلك ألأمر لم يكن كذلك. وفي تقديري أن مرد ذلك إلى الأثر الاجتماعي ، إذ أن الشخص الحاصل على شهادة عليا غالبا مايمتنع عن القيام بأي عمل حر ويظل ينظر إلى العمل في الجامعات والوزارت ومراكز البحوث.
قد يقول قائل ، إن التوسع في برامج الدراسات العليا ليس الهدف منه تلبية حاجة مؤسسات الدولة بالكفاءات وإنما الهدف منه إشباع حاجات الأفراد الراغبين بالحصول على ألقاب علمية متقدمة . هذا الكلام فيه من وجاهة مقبولة. لكن هذا يتطلب الأخذ بنظر الاعتبار حسابات الكلفة ، كما أننا لم نصل بنظامنا التربوي إلى مستوى إشباع حاجات الأفراد وتلبية رغباتهم “[9]” ، إذ أن مسؤولية الدولة ، حسب الدستور، تنحصر في إلزامية ومجانية التعليم الابتدائي “[10]” ، أما التعليم الثانوي فإنه غير إلزامي لكنه مجاني. أما الدراسة الجامعية فهي اختيارية ، والدرسات العليا  للمؤهلين والمتميزين ، ووفق الحاجة في كل اختصاص علمي.
مما تقدم يستوجب على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العمل بشكل جاد وسريع إلى إيقاف القبول فوراً ببرامج الدراسات العليا في كل الأقسام العلمية التي لا تتوافر فيها المتطلبات الأكاديمة ، من ألقاب علمية متقدمة ، أجهزة مختبرية ، مصادر علمية كافية ، إلخ. ودراسة حاجة الجامعات ومؤسسات الدولة الأخرى والقطاع الخاص من حملة الشهادات العليا وبمختلف االختصاصات وفتح القبول وفق الحاجة العامة.
وإذا ما ارتأت الوزارة أن الوقتَ مناسبُ للتوسع بالدراسات العليا بما يلبي ويشبع طموحات الأفراد فيجب عليها أن تأخذ بنظر الاعتبار حسابات الكلفة أولاً بحيث لاتتحمل الجامعات نفقات هذا النوع من الدراسات ، بل يجب أن يكون أحد مصادر التمويل الذاتي للجامعات.
وأود أن أختم هنا مذكراً بمقالين نشرا لي في جريدة الصباح قبل ثمان سنوات تحت عنوان “سياسة وزير لافلسفة وزارة” الذي حذرت فيه من تسلط سياسة وزير على مقاليد الوزارة والجامعات ، وفي المقال الآخر الذي كان بعنوان “استقلال الجامعات ضرورة وطنية ملحة” ، طالبت فيه بإلغاء الوزارة ، لكن المقالين لم يحدثا أي صدى لدى المسؤولين. فشهدت السنوات العشر الماضية غياباً كاملاً لفسلفة تعليمية ، وطغيان أمراض المحاصصة اللعينة ، واجتهادات وزراء وميولهم السياسية والطائفية مما أثر سلباً على العملية التعليمية ، التي بدأنا نتلمس آثارها بشكل واضح على كل المستويات ، ولا نستثني منها بعض مخرجات الدراسات العليا.
[1] – ينظر ، طاهر البكاء ، العقل العراقي في محيط مضطرب ، بغداد  ، ص 23 .
[2] –  أقول الهروب لأن النظام في تلك المدة منع سفر الأساتذة خوفاً من إفراغ الجامعات من الكفاءات.
[3] – طاهر البكاء ، مصدر سابق ، ص 48.
[4] -المصدر نفسه ، ص 41.
[5] – المصدر نفسه ، ص 39.
[6]  – المصدر نفسه ، ص 61.
[7]  – وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، التعليم العالي والبحث العلمي ، أرقام وحقائق … ، ص 22.  ص 36.
[9] – من المؤسف ان يتحول الحصول على “لقب دكتور” باي طريقة كانت ، ودون محتوى علمي حقيقي الى هدف لكثير من السياسيين ، ومارسوا ضغوطاً كبيرة للحصول على إستثناءات من شروط القبول ،


[10] – يتظر دستور العراق الدائم 2008 ، الفقرة أولاً ، المادة 34 ، ص 18.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق