الثلاثاء، 28 مارس، 2017

( حمدة.... بنت مروقة اعتذر) قصة : نجاة نايف سلطان *


( حمدة.... بنت مروقة  اعتذر)
قصة : نجاة نايف سلطان *

يروى ، والعهدة على  الراوي  كما يقولون  . ولكنه في الحقيقة ليس فقط على  الراوي   ؛  فقسم منه على اختي المرحومة  فقد  روت لي  تفاصيلها  ،  فوضحت لدي رؤية تداخلت مع  ضبابية  طفولة  عشتها في ذلك الحي  الذي يبعد قليلا عن سوق الميدان  في مدينتي الموصل  ما بين  (  شط الجومي ) و( شط الغحا ).
كانت حمدة امراة  فقيرة  زوجة ، وأم لبنتين وولدين . كانت تدور على بيوت المحلة  تساعد  فيما يطلبون تتسوق لهذه ، وتغسل الملابس لتلك على  صخور الشاطيء القريب أو تخبز لمن تريد في سطح دارها  وتساعدها ابنتها فوزية الصبية ابنة  الخامسة عشر. واحيانا تجد  هذه الجارة او تلك  ترفض إرضاع وليدها لانها غاضبة من زوجها أو لأي سبب قد جف حليبها  ،  فكانت  تتبرع بإرضاع الوليد  بكل  رحابة صدر  . و صار لها كثيرون أبناء وبنات  بالرضاعة . لا اعرف تماما من اين جاءت   كنيتها ( بنت مروقة )  فقد كان كثيرون ينادونها بذلك ولم تكن ابدا لتعترض. كان  زوج حمدة  عاطلا  معظم أيام  السنة   لا يكاد يراه احد  الا بعد ان يهل الربيع  ، فيبدا مشواره بين  الموصل وزاخو . يذهب برا ليعود أجيرا على  الكلك( العبرة) المحملة بالرقي والبطيخ والخيار  الريان.
سكن مؤخرا في الحي رجل ( زعرتي ) مع زوجتين وولدين . بعد مدة قصيرة  تزوج  إبن الزعرتي من إبنة حمدة   فرح لهما الحي فقد كانت   فوزية   صبية مؤدبة  ،  تعمل بصمت   في مساعدة الجارات  في اعمال البيوت .
صحا الحي  يوما  على صوت حمدة عاليا وهي   تقول   انها ذاهبة للمحكمة  لتطلب الطلاق من زوجها ! انها تجد انه لا فائدة  من  وجوده   فإنها وحدها من تعمل بشهادة أهل الحي من سنين لتربي أولادها  ولكن  الان   نفذ  صبرها ...ثم انها  بعد ذلك في الأربعين من عمرها ، وترى انها حرة فيما تفعل .جاءت أمها مع خمسة من الاخوة الرجال  يحاولون    إصلاح الأمر  الا  انها رفضت  تلك المحاولات باصرار .  طلقت حمدة  وعادت لعملها   وكنت اراها  وابنتها في بيتنا  أحيانا  ،  فقد كانت  امي  تعتمد عليهما في أمور البيت.
كانت عائلة  بغدادية   قد سكنت  جيرانا لنا. كان رب الاسرة معاون مدير الشرطة قد جاء للموصل مع امه الأرملة واخوة  اصغر منه . كانت  أم المعاون ، سيدة ودودة ،  ومحدثة  لطيفة سرعان ما توثقت علاقتها بامي فكانتا تقضيان  معا ساعات    تتحدثان قرب  ذلك السور المطل على دجلة . قالت أم المعاون وهي تنظر الى حمدة التي كانت  تغسل الملابس  على الشاطيء القريب من السور : (ان  ابني قال ان الشرطة قد وجدت حمدة هذه تتمشى مع  عم ابنتها (الزعرتي)  ابعد من قصر نجيب الجادر وتل العرق !! كان ذلك تلك الأيام شيئا غريبا.  فالناس لا تذهب هناك  غالبا  الا   بعض  العوائل المسيحية في اعيادها. دهشت أمي   . وفي اليوم التالي أرسلت في طلب حمدة وواجهتها بما سمعت  فانكرت المراة  ، ولطمت وجهها ، ومزقت ثوبها .انقطعت حمدة عن زيارتنا ..   بل ان امي لم تعد تطلبها وكانت تكتفي بمساعدة إبنتها  فوزية  .
بعد  اشهر قليلة  صحا الحي على نبا زواج  حمدة من عم ابنتها الزعرتي  !  وماذا في ذلك ؟ استنكر الناس  .. غضب كثيرون وتالموا لبكاء ابنتها التي شعرت  بالعار من فعل أمها  الذي كان  شيئا  غريبا  تلك الأيام  . الا ان الناس  ينسون  في كل زمان ما يحدث بعد مدة   كل الاحداث مهما كانت   وخاصة  وان كثيرون    قد  تفرقوا بعيدا عن الحي  ومن   فيه  ومنهم حمدة . الا ان اختي ، وقد بقيت في الموصل بعد ان غادرتها   انا بسنوات  ،  تقسم ان من بقي في الحي   كلما راؤا حدثا معيبا   يهزون رؤوسهم في أسى  و يقولون  عمن  يفعله  (  لقد رضع حليب  بنت مروقة!!).
الان وانا على هذا البعد من   حينا القديم  و أرى   واسمع عن تدني الاخلاق  بصورة  كبيرة حتى بين من كان يعرف  بالسمعة الحسنة  أتساءل أحيانا ( هل هو حليب بنت مروقة؟ ) . ولكني  أيضا   وانا   أتذكر بنت مروقة   ..  أتساءل ...هل كانت بنت مروقة فعلا  سيئة الاخلاق ؟؟ انها  لم تفعل اكثر من انها  طلقت وتزوجت.  من     منا  لم ير  اليوم  الاف  الحالات  مثل تلك  ؟ بل  أغرب كثيرا   فهذه   تتزوج زوج صديقتها  ، وتجهر بفعلها ولا تجد  فيها أي خيانة لصديقتها التي أدخلتها دارها  ووثقت بها  . وذلك   الاب   الصنديد  الذ ي  يرتب اليوم  لبناته الطريق  يلسهل لهن الانحراف  ، وقد كان لسنوات   يدعي الرجولة والشرف  ..  وتلك وهي جدة وزوجة رجل محترم  تدافع عن  الفواحش علنا   وكانها قد  نزعت هي الأخرى   الحياء   . إن ما اراه اليوم  من سوء في الاخلاق ،  وفساد للقيم   ، والمجاهرة بالمنكر وكانه معروف يجعلني  أعتذر باصرار  لبنت مروقة  وسلام عليها فقد ظلمناها .
......................
* كاتبة وقاصة وروائية عراقية موصلية تعيش الان في الولايات المتحدة



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق