الخميس، 2 يونيو، 2016

معاهدة سيفر 1920 ا.د. ابراهيم خليل العلاف






معاهدة سيفر 1920
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ متمرس -جامعة الموصل 


عندما إنعقد مؤتمر الحلفاء الاعلى في سان ريمو -فرنسا - في الفترة من 18-26 نيسان –ابريل 1920 نظر في شؤون (الامبراطورية العثمانية ) وممتلكاتها . وفي 26 نيسان 1920 أعلنت القرارات المتعلقة بتوزيع الانتدابات ، إذ اعطي الانتداب على العراق وفلسطين لبريطانيا ، وأعطيت فرنسا الانتداب على سوريا ولبنان .وكان هذا التوزيع مبنيا على اتفاقية سايكس –بيكو مع شيء من التحوير .
وفي 10 آب –اغسطس 1920 ، وقع الحلفاء مع الامبراطورية العثمانية معاهدة سيفر التي اعطت الصفة القانونية لاتفاقية سان ريمو ونظام الانتداب .كان الوفد العثماني الذي أرسله السلطان محمد الخامس رضا توفيق والصدر الاعظم أي رئيس الوزراء الداماد فريد والسفير رشيد مخلص وهادي باشا وزير المعارف –التربية .ووقعها عن بريطانيا السير جورج ديكسون غراهام ، وعن فرنسا الكسندر ميلران ، وعن ايطاليا وولو نجاري . 
وبموجب هذه المعاهدة تم سلخ البلدان العربية عن الامبراطورية العثمانية ، واتفق على إقامة دولة كردستان للاكراد ودولة ارمينيا للارمن ، واقتطعت جزر الدوديكانيز واعطيت لايطاليا ، واعطيت تراقيا الشرقية وازمير لليونان . وبُت في مصير ما تبقى للامبراطورية العثمانية من الحقوق التاريخية في مصر وليبيا وتونس والمغرب ، ووضعت المضايق تحت رقابة دولية وأبقيت (الامتيازات التي نالتها الدول الغربية من الامبراطورية العثمانية منذ القرن السادس عشر على حالها ) ، وقسمت الاناضول الى مناطق نفوذ لانكلترا وفرنسا وايطاليا ، وعهدت الشؤون المالية للامبراطورية العثمانية الى (لجنة مالية ) أعضائها من دول الحلفاء المنتصرة في الحرب العظمى بهدف تسوية الديون والمشاكل المالية .
كانت النقطة الاولى في معاهدة سيفر تتعلق بالاعتراف بالعراق كدولة مستقلة شرط تقديم بريطانيا المشورة والمساعدة له حتى يتمكن من الوقوف وحده .اما النقطة الثانية والتي شملتها المواد (62و63و64 ) من معاهدة سيفر تتضمن الاعتراف بحق تقرير المصير للاكراد والذين قدر عددهم انذاك ب( 3 ) ملايين نسمة يتوزعون على بلدان العراق (500 الف ) وتركيا (مليون ونصف المليون ) وايران وكانت تسمى فارس انذاك (700 الف نسمة ) .ويوجد قسم ايضا في سوريا .وكانت بريطانيا قد وجهت إهتماما خاصا بالاكراد ، واصر لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني اثناء مؤتمر السلام في باريس على ادخال كردستان ، التي كانت تقع بين ارمينيا وبلاد ما بين النهرين (العراق ) ، في قائمة المناطق التي يجب ان تنتزع من تركيا وقد اشرتُ الى ذلك في رسالتي للماجستير عن (ولاية الموصل ) منذ سنة 1975 ، وقلتُ ان لويد جورج اراد ان يخلق دولة حاجزة بين الموصل وتركيا .وفي الوقت نفسه كان الانكليز يقاومون مشروعا فرنسيا يتعلق بتقسيم مناطق النفوذ في كردستان لكن معاهدة سيفر كما قلت ولدت ميتة منذ بدايتها .فحكومة استانبول ( العثمانية ) التي وقعتها سرعان ما فقدت سيطرتها في اكثر مناطق الاناضول وحكومة مصطفى كمال في انقرة رفضت إبرام المعاهدة وكان هذا سببا من اسباب فشلها .
يقول المؤرخ العراقي الاستاذ الدكتور فاضل حسين في كتابه (مشكلة الموصل ) ان من اسباب فشل معاهدة سيفر ان الاكراد كانوا منقسمين فيما بينهم حول رغباتهم ، ولان اكراد العراق منفصلون عن اكراد تركيا جغرافيا واقتصاديا وسياسيا ولكونهم مرتبطون بعرب العراق اقتصاديا .
وجد الاتراك القوميون بزعامة الجنرال مصطفى كمال ان معاهدة سيفر قاسية ، فأخذوا يتذمرون منها ، وقرروا مواجهتها والحيلولة دون تنفيذها .
كان الجنرال مصطفى كمال ، وهو من عمل في نهاية الحرب مفتشا عاما للجيش العثماني في الاناضول قد استطاع تأليف حركة مقاومة ، والتف حوله الضباط الاتراك ، وبدأ بجمع شتات الجيش العثماني وخاصة من العناصر التركية حوله . ودعا الى عقد مؤتمر وطني في سيواس ، ثم انتقل الى انقرة ، ووضع (الميثاق الوطني ) وهو منهج حركة المقاومة الوطنية ونص على ان جميع المناطق التي تسكنها أكثرية تركية (وحدة ) لاتقبل التجزئة وتتألف منها دولة مستقلة استقلالا تاما ، وهكذا استطاع ان يخلق دولة – أمة ومما ساعده على ذلك المخاطر الجسيمة التي واجهها وتنامي الوعي القومي التركي والاصرار على الاستقلال .وفي 20 كانون الثاني سنة 1921 اقرت حكومة المجلس الوطني الكبير الدستور الجديد واعتبر المجلس الوطني الكبير أي البرلمان التركي هو السلطة التشريعية الوحيدة ومنه أي من المجلس يتم اختيار رئيس الوزراء ، وتفرغت حكومة انقرة الى مواجهة ما كان يحيق بالبلاد التركية من مخاطر ؛ فتوجه الجيش التركي الى ( اريفان ) عاصمة ارمينيا وانتهت مقاومة الارمن . 
وفي هذه الاثناء سقطت ( وزارة فنزيلوس ) في اليونان ، وعاد الملك قسطنطين الذي كان قد ترك العرش اثناء الحرب ، فكان هذا سببا في قيام الحلفاء بتغيير خططهم إزاء تركيا ؛ فإتجه نظر فرنسا وايطاليا الى وجوب تعديل معاهدة سيفر وذلك بعد ان شعرتا ان السياسة التي اتبعتها وزارة فنزيلوس قد سقطت بسقوطه ، وبعودة الملك قسطنطين ، وكذلك لان فرنسا وايطاليا رغبتا في مقاومة سياسة الانكليز التي اتخذت من حملة اليونان وسيلة للسيطرة على آسيا الصغرى .
من هنا تم الاتفاق على عقد مؤتمر في لندن سنة 1921 ، وقبل مصطفى كمال بتشكيل لجنة التحكيم التي أقرها الحلفاء للتحقيق في الامور المختلف عليها . فضلا ان اليونان فشلت في (معركة اينونو ) مع الاتراك والتي كانت حاسمة مما اضطر الانكليز الى الاعتراف بحكومة أنقرة . وعندما رفضت اليونان اجلاء جيوشها عن ازمير (سمارنا ) ، وتراقيا نشبت الحرب ثانية بين تركيا واليونان، وانتصر الاتراك ودخل الجيش التركي أزمير .. وفي الوقت نفسه نجح الاتراك في عقد معاهدة مع روسيا واخرى مع فرنسا لذلك إضطرت اليونان الى عقد معاهدة مودانيا في تشرين الاول 1922 مع تركيا .
وعندما انعقد مؤتمر لندن في 1922 لم تصل الاطراف الى حل للقضايا العالقة واصرار الطرفان البريطاني برئاسة اللورد كرزون والتركي برئاسة الجنرال عصمت باشا على وجهة نظرهما فتأجل المؤتمر ثلاثة شهور وحل ( السر هوراس رمبولد) سفير بريطانيا في انقرة محل اللورد كرزن فتم عقد معاهدة لوزان في 24 من تموز –يوليو سنة 1923 وبموجبها تم تجاهل بنود معاهدة سيفر الخاصة بتشكيل دولة للاكراد ، ودولة اخرى للارمن وتخلت تركيا عن حقوقها بإعتبارها وريثة الامبراطورية العثمانية عن العراق ومصر وقبرص وفلسطين وليبيا وجزر الدوديكانيز واحتفظت بأزمير وتراقيا الشرقية وارمينيا وكليكيا وجميع حقوقها في اسطنبول .كما تقرر إجراء أوسع مبادلة بين السكان الاتراك واليونانيين ، وأقر مبدأ إلغاء (الامتيازات الاجنبية ) في تركيا والذي سبق ان التزم به العثمانيون منذ قرون . 
وفيما يتعلق بالمضايق فقد تقرر السماح لكل السفن التجارية بالمرور الآمن وقت السلم والسفن المحايدة وقت الحرب على ان لاتسلح السواحل المحيطة بالمضايق أبدا . 
نعم لقد خلت معاهدة لوزان من اية اشارة الى الامال والمطالب الكردية والارمنية واقول في رسالتي (ولاية الموصل ) ان الحلفاء لم يكونوا جادين في الاعتراف بإستقلال كردستان ، وانما بالعكس اتخذوا قضية الاكراد مادة للمساومة فيما بينهم .ومما يدل على ذلك هو انه في اليوم ذاته الذي عقدت فيه معاهدة سيفر عقدت بريطانيا وفرنسا وايطاليا معاهدة ثلاثية لتقاسم مناطق النفوذ في كردستان الشمالية فيما بينها .وفضلا عن ذلك ما ان عرفت هذه الدول ان الحركة القومية التركية سائرة نحو الانتصار حتى تناست فورا - كما قال الاستاذ الدكتور كمال مظهر احمد – الشعب الكردي وكردستان الحرة المستقلة ، واعلنت بصراحة في اذار –مارس 1921 انها مستعدة لاتخاذ كل ما يلزم من تعديلات على بنود معاهدة سيفر الخاصة بالاكراد بحيث تنسجم مع الوضع والواقع وهذا طبعا لم يتحقق .
وهكذا كان الخاسر الاكبر في هذه المساومات الدولية هم الاكراد والارمن الذين لم يظفروا – كالعرب والاتراك – في انشاء دولتهم القومية .. هذا الحلم الذي يسعون الى تحقيقه ومنذ 100 سنة . ولكن الظروف الدولية والاقليمية والمحلية لاتزال قائمة بوجه تحقيق هذا الحلم .ولربما تتغير هذه الظروف لصالحهم أو قد لاتتغير .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق