الثلاثاء، 28 يونيو، 2016

الطربوش ابراهيم العلاف





الطربوش 
ابراهيم العلاف 
وكما قلنا أمس ، فإن من أغطية الرأس في عالمنا العربي والاسلامي (العمامة )، ووقفنا عندها واليوم نتحدث عن (الطربوش ) وقد كتب عنه كثيرون منهم صديقنا الحاج عبد الجبار محمد الجرجيس المؤرخ التراثي ومنهم اللواء ابراهيم محمد الفحام في مجلة (الدوحة ) القطرية عدد ايلول -سبتمبر 1982 وآخرون ليس ثمة مجال لذكرهم . والطربوش أو كما نسميه نحن في العراق (الفيس FEZ ) أو (الفينة ) من اغطية الرأس التي سادت في القرون الماضية خاصة في العهد العثماني .. ويقال ان والي بغداد الذي قضى على حكم المماليك علي رضا باشا فرضه كغطاء رسمي للرأس في العراق سنة 1834 وفي قصص الف ليلة وليلة ورد ذكر غطاء اسمه السربوش ولعل الكلمة فارسية حرفت الى شربوش وطربوش والسر الرأس ويوش غطاء وللطربوش الوان منه الاحمر الفاتح ومنه الاسود وفي كتاب "النجوم الزاهرة " للمقريزي ورد ذكره على انه شربوش مكلل مزين كما ورد في شعر ابن النبيه :
ترى قُندس الشربوشِ فوقَ جبينِهِ ***** كأهدابِ أحداقٍ بُهِتنَ من البدرِ
ومن خلال التداول صارت شربوش طربوش واهل المغرب هم اول من ارتداه والاوربيون وخاصة الانكليز يقولون عنه انه الفيس FEZ وكلمة الفيس هذه تعني مدينة فاس المغربية الشهيرة وارتداه اهل الاندلس واهل مصر والمغرب وتركيا ايام الدولة العثمانية وكثيرا ما شاهدنا ان هناك من يلبس الطربوش وقد لف عليه العمة وبعض الطرابيش تصنع من الصوف وبعضها من الجوخ وعلى شكل مخروط ناقص وتوجد في مصر وتونس محلات لصنع الطربوش ومن الطريف ان الطربوش مثلا في المغرب وخاصة في تونس يسمى الشاشية .لهذا تذكر الشاشية مع الطربوش لان الشاشية ليست سوى من حلقات التطور التاريخي للطربوش والشاشية هي طربوش احمر قصير يلبسه ايضا علماء الازهر لكن بدون الزر الذي يتدلى من المؤخرة كما يلبسه بعض شيوخ العشائر المصرية على الحدود مع ليبيا .
ويوثق الاستاذ جرجي زيدان في مقال له بعنوان :" تاريخ الازياء الشرقية " نشره في مجلته (الهلال ) عدد تشرين الثاني -نوفمبر سنة 1907 فيقول ان المصريين لبسوا الطربوش مجردا ثم تعمموا عليه بعد ذلك ، وكانوا يتعممون به بكساء من الخيوط الخضراء كالشراريب تعلق في قمته وترسل الى دائرة تغطيه لمجرد الزينة ونشر مع المقال صورة لقائد عثماني اسمه رشيد باشا يلبس طربوشا ذا شراريب من الخلف .
وثمة من يشير الى ان السلطان محمود الثاني 1809- 1839 اصدر اوامره بتعميم لبس الطربوش في الجيش بعدما شاهد جنودا تونسيين يلبسونه فأعجب به كما امر بإقامة مصنع للطرابيش في استنبول واتخذ الطربوش شكله النهائي في عهد السلطان عبد العزيز سنة 1861 وسمي الطربوش العزيزي والحقيقة انه ليس زيا للرأس عثمانيا بل زيا عربيا اصله من المغرب العربي .
ومصر رسميا هي اول دولة عربية استبدلت العمامة بالطربوش ويذكر الدكتور كلوت بك في كتابه ( لمحة عامة الى مصر ) ان ابراهيم باشا بن محمد علي باشا والي مصر كان اول من لبس الطربوش واقتدى به الموظفين والاعيان ثم جعل الزي الرسمي للجيش المصري واسس في سنة 1823 اول مصنع للطرابيش في بلدة فوة بشمال الدلتا واستعين بخبير تونسي اسمه محمد المغربي .
وفي سنة 1838 امر ابراهيم باشا بعد ضمه بلاد الشام الامير بشير الشهابي وافراد اسرته ان يلبسوا الطربوش وبعدها انتشر لبسه وفي السودان الزم موسى حمدي باشا الحكمدار الموظفين السودانيين بإرتداء الطربوش .
وقد تعرض استخدام العرب للطربوش الى نقد شديد بعد تنامي الوعي القومي العربي اواخر القرن 19 ومطلع القرن 20 وانصب النقد على انه زي عثماني وتصاعدت الرغبة في تركه؛ ففي العراق صدر تشريع بإلغائه سنة 1924 وحاول الملك فيصل الاول مؤسس الدولة العراقية الحديثة ان يجد للعراقيين غطاءا آخر للرأس فأمر بلبس (السيدارة ) الفيصلية للمدنيين والعسكريين وحتى في تركيا انطلقت الدعوات لالغاء الطربوش في عهد مصطفى كمال اتاتورك الذي امر بالقبعة بدلا من الطربوش .
ومن الطريف ان يتصدى عالم الصحافة المصري الكبير الاستاذ الدكتور خليل صابات لهذا الموضوع فعرض في كتابه :(موقف الصحافة المصرية من العمامة والطربوش ) تفاصيل المعارك الفكرية بين (المعممين ) والطربوشيين ) .وصل الامر بالجمعية الطبية المصرية ان اصدرت قرارا سنة 1926 قالت فيه ان ارتداء الطربوش مضر من الناحية الصحية وخاصة على الرأس والعينين .وفي هذه السنة ايضا عقد الفلسطينيون اجتماعا في القدس لبحث مصير الطربوش فأصدروا عقب الاجتماع قرارا يقول بإنه "ليس لباس الرأس الوطني ولااهمية دينية له " ومعنى هذا ان لباس الرأس العربي الاصيل هو الكوفية والعقال .
وفي مصر تم استبعاد لبس الطربوش اولا بأول ففي سنة 1939 استبعد من زي ضابط القوات الجوية ثم من زي سائر قوات الجيش والشرطة سنة 1947 غير ان ظل يحتفظ بمكانته كزي للمناسبات الرسمية حتى انتهى دوره واهمل تقريبا مع قيام ثورة 23 يوليو -تموز 1952 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق