الأربعاء، 8 يونيو، 2016

رواية «الفتنة» لكنعان مكية.. ما لها وما عليه* د. لقاء موسى الساعدي



رواية «الفتنة» لكنعان مكية.. ما لها وما عليه*

د. لقاء موسى الساعدي

لكل ناقد فلسفة ينطلق منها في فحصه النقدي للنصوص ومعايير لا يقدر ان يتجاهلها، وهو يقرأ او يكتب عن نص ما, وكنت قد اليت على نفسي ان اضع مسافة بيني وبين كاتب النص. وان لا اقحم في النصوص ما ليس منها, لكن نص مثل (رواية الفتنة لكنعان مكية) ، اربك علاقتي المحايدة بالنصوص، فكان من الصعب ان اضبط ايقاع الكتابة بالاسلوب النقدي الذي اعتدته في كتاباتي.
الرواية تتناول احداثا قريبة وحساسة من تاريخنا المعاصر. لم تغادر الذاكرة بعد وهذا يضع الناقد في منطقة رخوة وعاطفية اكثر منها علمية ومنطقية, لذا سابذل جهدي للوقوف على اهم ما في هذا النص.. وفي ظني ان ثمة ما يجب الوقوف عليه ومنه ان هذا النص أعاد للأدب مكانته في قراءة الواقع السياسي وتقديمه بأسلوب خلا من الشعرية والاسراف القولي الذي اتسمت به الرواية العربية منذ أواخر الستينيات. وأعاد الحوار الايديولوجي بصيغه الفنية غير المثقلة بالادعاءات الدعوية والتبشيرية بل القائمة على الحوار وتبادل الأفكار مع عرض مقدمة لكل فكرة، تمهد السبيل للدخول فيها. وتضع القارئ أمام صراع نعيشه يوميا، ولا يستقيم دون مراجعة يومية له, فقد عرض النص جغرافيا فكرية متكاملة للاتجاهات السياسية والثقافية للعراقيين وصراعاتهم الايديولوجية؛ فالبطل الذي ظل مجهول الاسم كما ابيه وجده، ينحدر من اسرة نجفية .. كان الجد شيوعيا والابن شيوعيا، لكنه قاتل الى جانب الجيش العراقي ضد ايران، وحصل على نوط للشجاعة، كما انه قتل وهو يفتدي صديقه مجيد الخوئي، ابن المرجع الاعلى للطائفة الشيعية في العراق. بينما الحفيد ينتمي لجيش الامام بمساعدة عمه الذي كان قياديا فيه.
يبدو النص في بعض مقاطعه، يمجد صدام حسين، فقد وصف صبره وكبرياءه وهو يواجه اعدامه (حينما كان احدهم يقرأ عليه ما كتب في الاوراق ظل الطاغية واقفا باعتداد يشبه تماثيله التي كانت منتشرة في كل مكان, متغاضيا عن النظر اليهم وكأنهم غير موجودين اصلا) ص13. تحوك هذه المقاطع معادلة الرواية برمتها حيث تحمل (الشيعة) مسؤولية تمسكهم بخطاب المظلومية وتشرذمهم لفئات متناثرة ساعية للسلطة والنفوذ على جناح من خيانات ومؤامرات كبرى, بلا اي مشروع لبناء امة أو وطن.. كما تدين (السنة) لتعلقهم بوهم القائد الذي يتشدق بعنتريات خطاب شوفيني اقصائي، يناغي اوهام جمعية لامة تعتاش على ماض مفارق وغائم ومليء بالاكاذيب، فلم تفكر بقيمة حروب قادها هذا القائد كان يمكن ان تستثمر في البناء بدل خلق الاعداء الوهميين. الجانب الآخر يتمثل في دورنا نحن كقراء ومثقفين في وضع نص يتجرأ على تقديم خيانة ثلة من عراقيي الاحتلال ممن يحكمون الآن، وسببوا الدمار للعراق وسمموا حياتنا وشردونا في بقاع الأرض، فاقدين معنى انسانيتنا وانتماءنا لارضنا واهلنا. 
ومن الجيد الاشارة الى وعي الكاتب للجنس الذي يكتب فيه، لذلك نوه في آخر الكتاب إلى المصادر التي استقى منها روايته، حتى يحافظ هذا الجنس على الخيالي والواقعي فيه في الوقت ذاته حيث امتيازه وقوته. اخيرأ، نقف عند عتبة نصية مهمة هي الاعتذار الذي قدمه كنعان مكية للشعب العراقي، والذي وضعنا في حوار مباشر معه، وليس مع نصه.. مبدئيا كل اعتراف بالخطأ مقبول، وليس من النبل ان لا نسامح من اعترف بغلطه وندم عليه, لكن ما حدث ليس خطأ شخصيا وعابرا, بل كان كارثة دمرت تاريخ بلد وقيم وكرامة شعب, كان خطيئة كبرى لا يمكن ان تمحيها الكلمات. كما ان مكية لم يعتذر عن تأييده لجريمة الاحتلال التي كان منظرا لها، لانه لا يجرؤ على هذا. لذا قدم اعتذارا عن النتيجة وليس السبب. ولم يعتذر ايضا عن عمله في مؤسسة الذاكرة العراقية التي حصلت على تمويل هائل، كان الهدف منه جمع وثائق الدولة العراقية لكن ما حدث ان هذه المؤسسة انتهت الى لا شيء، بل ان الوثائق العراقية غادرت العراق بطائرات امريكية. كل ما فعله انه دان طبقة الحاكمين من المعارضة العراقية التي لم تشركه في كعكة المناصب والمنافع.. لذا فهذا الاعتذار غير مقبول وهو اسوأ ما في نص "الفتنة".
رواية الفتنة, كنعان مكية, دار الجمل, 2016. 
________________________________________
*http://www.alaalem.com/?aa=news&id22=380

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق