الأربعاء، 28 فبراير 2018

عبو المحمد علي أ.د. إبراهيم خليل العلاف استاذ التاريخ الحديث المتمرس - جامعة الموصل








عبو المحمد علي

أ.د. إبراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس  - جامعة الموصل

زخرت الموصل  عبر تاريخها الحديث بالشعراء الشعبيين ، وشعراء العامية والزجل.  واشتهر بعضهم . ومن هؤلاء  الشاعر الذي اريد ان اتحدث عنه اليوم (عبو المحمد علي ) .ومن الطريف  ان اقول ان شعراء العامية في الموصل ، لم ينظموا شعرهم في لهجة الموصل الدارجة،  وان كانوا من  اهلها  ، وانما نظموه بلهجة اهل الموصل في اطراف المدينة ولهجة هذه الاطراف ، وهي خزرح ، ورأس الجادة ، والمشاهدة ، والشيخ فتحي ، وباب البيض ، والنبي شيت ، والعكيدات،  وباب الطوب ،  وباب سنجار ، ريفية  أقرب الى لهجة ابناء جنوب العراق ، فهم عرب أقحاح يرجعون الى قبائل عربية معروفة وعريقة .
وقبل أن أتحدث عن الشاعر الشعبي الكبير عبو المحمد علي ، لابد ان اقول شيئا وهو ان الشعر الشعبي أقدر من الشعر العمودي على التعبير عن هموم الناس ، ومشكلاتهم ، وما يحسون به من ظلم ،  وكبد ،  ومعاناة .وليس معنى هذا ان الشعر الشعبي ليس له قواعده ، واوزانه ، وقافيته كما ان له جمهوره ايضا

عبو المحمد علي  ، شاعر شعبي موصلي ، ولد حوالي سنة 1862 في الموصل  وتوفي سنة 1959 اي انه عاش قرابة 97 سنة  .   عاش حياةَ أقرب إلى العبث والتشرد.. نقد عادات الناس السيئة، فهجروه ، لكن مايميزه انه كان صادقا مع نفسه ، يحترم جاره ..يكره الزيف ..ولايعرف التملق  والرياء . وقد استهوت شخصيته وشعره، شاعرنا المرحوم الأستاذ عبد الحليم اللاوند (1934_2000)، فكتب عنه كتابه الموسوم: (نظرات في زجل الموصل ودراسة تحليلية لزجل عبو ألمحمد علي) ونشره سنة 1969 ثم أضاف عليه وأعاد نشره ثانية سنة 1986 بعنوان : ( نظرات في الزجل والأدب الشعبي الموصلي). ويقول عن الكتاب انه أراد أن يقدمه كأطروحة ماجستير في جامعة القاهرة، لكن بعض الظروف حالت دون ذلك فضرب عن الدراسة صفحاً. جمع اللاوند شعر عبو ألمحمد علي من بعض حفظته أمثال المرحومين محمد حنتوش مختار محلة باب الطوب ، وعزيز مال الله الصفار  والذي كان يحفظ الكثير من ازجاله ، ورأى في هذا الشاعر (توجها يختلف كل الاختلاف عمن عاصره أو سبقوه سواء من حيث نظرته إلى الحياة أو من حيث ممارسته اياها). (كان لسانه ابرا حادة تنغرز في قلب كل من تصدى له.. غرق في حمأة التشرد.. جسور في قول الحق وان بلغ هذا حد الجرح، فلم يكن يرجو من حياته علوا ، ولا مجدا ، ولا يريد بها فخراً ولا مباهاة بجاه ... لم يأبه لما يقال فيه..). 
ومن حسن الحظ ايضا ان يتابع شعر عبو المحد علي ، صديق آخر ، وهو الاستاذ عبد الواحد اسماعيل ، فألف هو الاخر عنه كتابا جميلا بعنوان :  عن "عبو المحمد علي ..الشاعر والانسان"

يقول الشاعر الشعبي  عبو المحمد علي :
ما يوم نفسي على بعض الردايا تهم
احجي صدك ما اوجه للخلايك تهم
وأهل الروايات ما ارضى روايا تهم
لن الروايات بيها امن الفشر واخلاف
واتجنبت عن زواج أو عن ضنى واخلاف
ما صابني غير موتا ابها جدل واخلاف
تشفى الزمايل او عند اهل النجابا تهم

وهكذا يمضي ابو وحيد -  وبخط اليد - ليكمل مسيرته مع عبو المحمد علي في كتابه الجديد .. يكشف زهيريات جديدة تنم عن ان المحمد علي كان - بحق – شاعرا فيلسوفا  رائعا .

في شعرعبو المحمد علي  مسحة من الحزن .  ففي أحدى قصائده يردد:


جني مصايب شديداً بالزمان اعظام
والهم لا زكك بجبدي والضمير اعظام
وحينما يحس بوطاة الفقر وثقل الحياة يصرخ قائلاً:
حشيت كلبي من الحسرات مليته
واجتاب سعدي طلع منحوس مليته
ابن الثمانين كالوا من حياتا يمل
وآني حياتي من العشرين مليئه

ينتقد عبو المحمد علي النميمة فيقول :
لا تكون نمام ولاتشري نميماً بشر
وما مل  الخير منك لا تردا بشر
اليكصد إعليك لازم بالعطايا بشر
واحمي صديكك وحافظ جارتك والجار
وإذبح شجيجك عليهم لو ظلم والجار
ولجان دمك طفح فوكك الوطا والجار
إرضى على الموت او لاترضى يهينك بشر

و عبو المحمد علي عفيف النفس يكره الظلم، عاش طفولة صعبة وفي شبابه انغمس في اللهو، لكنه أحس أواخر أيامه بعظم ذنوبه فاتجه إلى الله سبحانه وتعالى طالبا العفو والغفران ..  لنسمعه يقول :

ياغافر الذنب لي بابك سعيت اخطاي
ومن المعاصي تبت وتركت درب اخطاي
ياربي اني تبت وانتا تحب العفو
تغفر ذنوبي أو تمحو لي أخطاي

وله قصيدة جميلة يؤكد فيها على من يعطي  ويبذل المال ، ان يكتم السر وان لايطلب الاجر الا من الله سبحانه وتعالى وان يتعاون الجار مع جاره خاصة ايام المحن .لنسمعه يقول :

إن عفيتْ لاتنثني تطري الجزا والجار
وان جدتْ  جودات لا تريد الجِزا والجار
حافظ على السر واحمي اللاذ بك والجار
وإياكْ تخلف ْ ما شددت يمناك
وانهي النفس لاتحث اعلَ الردى يمناك
امشي ابعفافا ولا تخون الذي يمناك
وانصف وبالك تعاون من ظلم والجار

ويعتب على اخيه الذي زعل منه وصد دون ان يعرف لذلك سببا فيقول :

يا خوي شنهو السبب صديت وإش مالكْ
وإخلاف خيك شلك بالحال واش مالك
إن جان صديت عني أش عاد واش مالك
ماني شجيجك او من لحمك او عظمك او دم
وان جان زليت سامح لي ذنوبي ودم
ترضى علي المذلا يا بن ابويا ودم
وآني يمينك على الشدات واشمالكْ
ومن الطريف القول ان اخاه كان مطلوبا من الحكومة في العهد العثماني وقد هرب واختفلى فأرسل اليه شاعرنا رسالة على شكل ابيات يحذره فيها ويطلب منه ان يكون يقظا ويقول له :
كرب حزومك ولاتامن صديق او هلك
كلمن ظفر بيك جرك للمنية او هلك



ويعاتب الزمان على ما اصاب الناس من هم وغم ، ويقول  - متشائما -  ان ما خرب لايمكن ان يعمر

يا صاحْ  صبت مصايب على الخلايك وهم
لوعات مع جور مع ضيم وعثاير وهم
الوكت ناوي على اهلا بالفضايح وهم

.......
مظهر بدايع ذميما موحشا مالها
غير الكبايح او تذهب للخلك مالها
اكصور جانت حصينا امشيها مالها
دنياك خربت او من كال عمرت وهم


قضي شيخوخته في دار العجزة وقد زاره أصدقائه  ومنهم الاستاذ محمد القبانجي وكانت هناك علاقة بين عبو المحمد علي والشاعر عبود الكرخي ومن الشعراء الذين زاروه في دار العجزة السيد حامد الراوي فاشفق عليه ونظم فيه هذا الزهيري :  

ياوسفتي اعليك عبدالله الِمحن تجره
                               واعليك ومع البيابي إمن الجفن تجره
ما انصفك يوم دهرك  وامنحك تجره
سلم امورك او دعها شما جرت تجره
وكما للشاعر البغدادي عبود الكرخي قصائد يمنعني الحياء من ذكرها فإن للشاعرنا عبو المحمد علي قصائد تخدش الحياة ومنها مثلا تلك القصيدة التي مطلعها :
كهوه علمزاد تدعي لذات باباني ...

قال محمد حنتوش ، وكان مختارا لمحلة باب الطوب وقد توفى سنة 1968 ، للمرحوم اللاوند : انه زار عبو ألمحمد علي في دار العجزة فسأله عن حاله فأجاب : (أجد نفسي من ناحية المأكل والمشرب والنظافة على أحسن حال، ولكني ينطبق علي قول  النبي سليمان في الهدهد (لاعذبنه عذابا شديدا أو لاذبحنه أو ليأتني بسلطان مبين) .
وأضاف : إن المفسرين يقولون ان الهدهد  وُضع مع أطيار ليسوا من جنسه ، وهذا هو العذاب الاليم.
 ولم تمض فترة طويلة عليه حتى توفى يوم 3 حزيران 1959 وحيدا دون أهل أو ولد يبكيه حيث لم يتزوج وقد دفن في إحدى مقابر السبيل.
 أما شعره فقد بقى يتداوله الناس جيلاً بعد جيل .
رحم الله عبو المحمد علي فقد كان شاعرا صادقا .




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق