الجمعة، 9 فبراير 2018

تاريخ مرقد الامام عون الدين في الموصل

                                             القسم العلوي من مدخل مرقد الامام عون الدين في الموصل 
                                                  صورة لقبة مرقد الامام عون الدين في الموصل 
                                                            زخارف قبة مرقد الامام عون الدين  
                                               مرقد الامام عون الدين لحظة التفجير تموز 2014 

                                                         قبة مرقد الامام عون الدين 
تاريخ مرقد الامام عون الدين في الموصل
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس – جامعة الموصل
من الأمور المعروفة في تاريخ مدينة الموصل وضواحيها ، أنها تضم عبر فترات التاريخ الطويلة الكثير من المراقد والمزارات الدينية المقدسة التي كان يزورها الناس ويتبركون بها . وللاسف فإن هذه المراقد والمزارات تعرضت  خلال سيطرة ( تنظيم داعش ) على الموصل  للتفجير  بحجة انها اماكن للكفر والشرك .
ومن الامور المعروفة ايضا ان هذه المراقد والمزارات قد ُبنيت في فترات تعود الى القرن الثالث عشر ومعظمها بني خلال  العهد الاتابكي أي عندما كانت الموصل مركزا للدولة الاتابكية  التي اسسها عماد الدين زنكي بعد تقلص نفوذ السلاجقة  .
وتنحصر فترة حكم الاتابكة بين سنتي 521-660 هجرية الموافق 1127-1262 ميلادية . وقد كتب عن هذه الفترة كثيرون لعل من اقدمهم المؤرخ الموصلي الكبير عز الدين بن الاثير في كتابه : (التاريخ الباهر في الدولة الاتابكية ) ، ومن المحدثين الاستاذ سعيد الديوه جي في كتابه (الموصل في العهد الاتابكي )  ،  والمطران سليمان صائغ في كتابه (تاريخ الموصل ) ويقع في ثلاثة أجزاء .وممن كتب عنها ايضا الاستاذ الدكتور رشيد الجميلي في كتابه (دولة الاتابكة في الموصل  بعد عماد الدين زنكي )   ،  والاستاذ الدكتور عماد الدين خليل في كتابه عن (عماد الدين زنكي ) ، والاستاذ الدكتور عبد المنعم رشاد في عدد من كتاباته  عن (الادارة الاتابكية في الموصل ) في (موسوعة  الموصل الحضارية ) .. والاستاذ عبد الوهاب النعيمي في   عدد من مقالاته عن الموصل .
ولااريد ان ادخل في تفاصيل نشأة الادارة الاتابكية للموصل في هكذا حيز مقتضب ، ولكن فقط اود الاشارة الى ان آخر من حكم الموصل من الاتابكيين ( بدر الدين لؤلؤ )  الذي ارسل اليه الخليفة المستنصر بالله سنة 631 هجرية -1233 ميلادية  خلعة السلطنة ولقبه  ب (الملك المسعود والملك الرحيم  ) ،  وأذن له بذكر اسمه على المنابر ببلده الموصل ونقشهُ على سكة العين والورق .وقد حاول ان  يكسب اهالي الموصل واتبع معهم سياسة لينة ،  وعمل على ان يقوي علاقات الموصل بمركز الخلافة العباسية : بغداد وفي الوقت نفسه كان -  كما قال احد المؤرخين  -  يداري التتار ،  وكانت علاقته ايضا جيدة مع معارضيه .وقد سعى الى ايجاد نوع من التوازن وايجاد حل سياسي للفوضى التي كانت تعيشها المنطقة من تجزئة وضعف وتخاذل تجاه الاعداء الخطرين على الاسلام ، المغول والصليبيين .
والاهم من كل ذلك انه عمل على  التقرب  من العلويين ، وكسب رضى المسؤولين في بغداد كالدويدار الكبير ابي شجاع الطبرسي وهو من المقربين للخليفة العباسي المستنصر بالله ، وقد تصاهر معه من خلال تزويج احدى بناته للدويدار ومن مظاهر هذه السياسة قيامه بتجديد او انشاء اضرحة بعض المشاهد التي بنيت في القرن الثاني عشر والتي تعود لال البيت واقام قبورا لبعضهم في بنايات عدد من المدارس التي شيدها الاتابكة في الموصل .كما بنى بعض المشاهد الفخمة في الموصل وزوقها واتخذها مركزا للدعوة الى حب ال البيت عليهم السلام .وقد حظيت هذه المراقد بإهتمام الموصليين وزيارتهم لها كما كانت هذه المراقد تزار من قبل الكثيرين من العراقيين تبركا وتيمنا بآل البيت الكرام .  
ويقع مرقد الامام عون الدين ويسمى ايضا مرقد(إبن الحسن ) في محلة الامام عون الدين في جنوب شرقي مدينة الموصل  ومحلة الامام عون الدين قريبة من محلة باب لكش  والمرقد  يشبه الى حد كبير مرقد الامام يحيى بن القاسم .
ويتكون المرقد من قاعة أو غرفة  مربعة منخفضة تعلوها قبة داخلية مقرنصة ولم اجد في كتاب الاستاذ سعيد الديوه جي معلومات عنه في حين كتب عنه المرحوم الاستاذ احمد علي الصوفي المؤرخ والاثاري الموصلي الكبير في كتابه ( الاثار والمباني الاسلامية في الموصل ) ، واعتمد على ماكتب الحاج الاستاذ عبد الجبار محمد الجرجيس في كتابه (دليل الموصل العام )الذي اصدره سنة 1975 ، و( القبة )  التي في مرقد الامام عون الدين مقرنصة ، ومزخرفة بزخارف هندسية متناظرة  وهي آية في الجمال ، القبة   مخروطية الشكل مضلعة الاوجه .. وهي هرمية مسننة ذات اخاديد طولية يأخذ مقطعها العرضي شكل نجمة اثنتي عشرية الرؤوس كناية عن الائمة الاثني عشرية عليها آثار من الآجر المزلج الاخضر اللون ويبلغ ارتفاع القبة  عن مستوى فناء المرقد  أو الضريح بحدود (30 ) مترا وتعد قبة الامام عون الدين أعلى قبة في الموصل .
المرقد موجود في  قاعة او غرفة  وللقاعة مدخل من المرمر وتعلو المدخل كتابا تشير الى انه قد بني في عهد الملك الرحيم  بدر الدين لؤلؤ ملك الموصل سنة 640 هجرية " 1243 ميلادية. وفي المدخل نقوش مؤطرة مضفورة على شكل هيئة المحاريب الصغيرة وللمرقد باب نحاسي مزخرف بالزخارف الهندسية وعلى هيئة الاطباق النجمية الاسلامية .
يقول المطران سليمان صايغ في  الصفحة 159 من الجزء الثالث من كتابه (تاريخ الموصل ) ان باب قاعة او غرفة المرقد مزين بزخارف هي عبارة عن أفعيين ملتفتين على بعضهما وتشكلان لوحات على اطار الباب وفي اللوحات نقوش متنوعة  وعلى جوانب القاعة من داخلها الواح رخامية عليها كتابات مطعمة بالمرمر لابيض والعقد مزخرف بنقشة خلية النحل وهي عبارة عن تقاسيم وتقاطيع هندسية من القاشاني الملون وثمة محراب رخامي وعليه الاية الكريمة :" بسم الله الرحمن الرحيم :انا نزلنا عليك القران تنزيلا فإصبر لحكم ربك ولاتطع منهم آثما او كفورا واذكر اسم ربك بكرة واصيلا من الليل فإسجد له وسبحه ليلا طويلا " .
وعلى صندوق الضريح مكتوب :" وانما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة وبؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون " .
وفي اعلى الصندوق :"بسم الله الرحمن الرحيم : الله لااله الا هو الحي القيوم لاتأخذه سنة ولانووال ابراهيم وال عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم .اللهم صل على محمد وعلى ال محمد .تقبل من عبدك الراجي عفوك " .
وفي آخره :" ان الله اصطفى آدم ونوحا وال ابراهيم وال عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم " . اللهم صل على محمد وعلى ال محمد ..تقبل من عبدك الراجي عفوك ...ثم تتواصل الى الجانب الايمن الكتابات لتشير الى اسم من شيد الضريح وهو :( ركن الاسلام والمسلمين ابو الفضائل لؤلؤ بن عبد الله ) . وعلى افريزمن الصندوق عبارة :  ( ابو الفضائل لؤلؤ نصير امير المؤمنين تقبل الله صالح اعماله ) ..وعلى افريز الباب المرمري آية الكرسي وفي اعلاه كتابة محفورة ومطعمة برخام ابيض وفيها : (السلطان الملك الرحيم بدر الدنيا والدين ) .
وعلى باب المرقد مكتوب : " أمر بعمله تقربا الى الله تعالى الملك الرحيم بدر الدنيا والدين ابو الفضائل عز الدين ) .
هناك في وسط قاعة  المرقد قبر مغطى بصندوق مصنوع من خشب الصاج مدون عليه آيات قرآنية واسم من شيده وهو بدر الدين لؤلؤ او لولو . ويحيط بجدران الغرفة شريط من الرخام الازرق المطعم بكتبة من خط الثلث شكلت من المرمر الابيض فيها آيات من القرآن الكريم منها : "بسم الله الرحمن الرحيم :ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لانضيع أجر من أحسن عملا " أمر بعمله تطوعا وانشأه تبرعا  طلبا لما عند الله واعتصاما بحبل الله وبقوله تعالى :"قل لااسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " العبد الفقير الراجي عفو الله الملك الرحيم العالم العادل المؤيد المظفر المنصور المجاهد ...قاهر  المرتدين قاتل الكفرة والمشركين حامي حوزة الدين ناصر الحق بالبراهين منصف المظلومين من الظالمين جامع كلمة الموحدين قاهر الطغاة الماردين كاشف المظالم الاخذ للمظلوم من الظالم حامي البلاد ماحي البغي والعناد ناصر الملك تاج الامة ذخر الخلافة قيم الدولة في المشرق والمغرب جهان خسر ايران غازي اتابك الاعظم ابو الفضائل لؤلؤ بن عبد الله نصير امير المؤمنين .تقبل الله منه واثابه وجعل الجنة متقبله ومآبه بمحمد وآله الطاهرين وذلك في شهور سنة 640 هجرية " 1243 ميلادية  .
وفي الغرفة ايوان جميل متصل بها  يتصدره مدخل من الرخام مدون عليه ايضا كتابات قرآنية بخط الثلث واخرى مطعمة تحمل اسم بدر الدين لؤلؤ .
تعرض المرقد خلال السنين السابقة الى تجديدات كثيرة منها التجديدات التي اجريت سنة 1187 هجرية -1774 ميلادية والتجديدات التي جرت سنة 1191 هجرية – 1777 ميلادية الا انه يعاني من مشكلة المياه الجوفية التي دمرت اجزاء من المرقد الذي يعد من انفس العمائر الاتابكية في الموصل والتي وصلتنا عن العهد الاتابكي .
في كتاب (منهل الاولياء ومشرب الاصفياء من سادات الموصل الحدباء ) للمؤرخ الموصلي الكبير محمد امين العمري معلومات قيمة عن نسب الامام عون الدين فهو من اولاد الامام الشهيد الحميد الحسن  بن علي  بن ابي طالب عليهم السلام ورضي الله عنهم  ..  وكان الامام عون الدين كما يقول المطران المؤرخ الكبير  سليمان صائغ في الجزء الثالث من كتابه (تاريخ الموصل ) "كبير القدر ، عظيم الجد ،وافر الزهد والورع والعلم " .
 واخيرا فإن مرقد  او مشهد او مزار أو ضريح  الامام عون الدين الذي شيده  السلطان بدر الدين لؤلؤ سنة 640 هجرية " 1243 ميلادية  كان  يُعد من نفائس الفن العربي الاسلامي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق