السبت، 10 فبراير 2018

مجانين الموصل



                                                                 المجنون سعد ديسكو 
مجانين الموصل 
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس –جامعة الموصل 
ومجانين الموصل - كما ادركتهم انا وابناء جيلي جيل مابعد انتهاء الحرب العالمية الثانية - لم يكونوا مجانين بالمعنى العلمي بل كان قسم منهم من الظرفاء . وقد يكون قسما منهم من (المجذوبين ) .. ويقينا انهم مرضى نفسيين كان لابد من معالجتهم ونحن في مدينة الموصل وهي مدينة عريقة ومتمدنة فيها كغيرها من المدن الكبرى في العالم مجانين كما ان فيها مفكرين وادباء وفنانين وهذه مسألة طبيعية .
يقول الاستاذ الدكتور يحيى الرخاوي في كتابه الذي نشره سنة 1974 بعنوان : (حكمة المجانين ) :" وقديما‏ ‏قالوا‏ “‏خذو‏ ‏الحكمة‏ ‏من‏ ‏أفواه‏ ‏المجانين‏”، واستلهمته‏ ‏وأنا‏ ‏أكتب‏ ‏تجربتى ‏الأولى ‏فى ‏العمل‏ ‏شبه‏ ‏القصصى “‏عندما‏ ‏يتعرى ‏الانسان‏” .. ‏ثم‏ ‏عدت‏ ‏إليه‏ –‏أو‏ ‏عاد‏ ‏إلى – ‏هذه‏ ‏المرة‏ ‏يتحداني‏: ‏أنى ‏لم‏ ‏أوصلها‏ ‏لأصحابها‏ ‏بالقدر‏ ‏الكافى ..، ‏وعدت‏ ‏أتأمل‏ ‏هذا‏ ‏القول‏ ‏وتعجبت‏ ‏لدقته‏ ‏وحكمته‏ ‏أيضا‏: فهو‏ ‏قول‏ ‏لم‏ ‏يشر‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏المجنون‏ ‏حكيم‏ ‏أبدا‏ .‏فهو‏ ‏لم‏ ‏يعل‏ ‏من‏ ‏قدر‏ ‏الجنون‏ ‏ذاته‏، ‏وإنما‏ ‏حملنا‏ ‏مسئولية‏ ‏عدم‏ ‏الاستهانة‏
‏بما‏ ‏يقول‏ ‏المجنون‏، ‏فكأنه‏ ‏يدمغ‏ ‏الجنون‏ ‏فى ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏الذى ‏يحرص‏ ‏فيه‏ ‏على ‏الاستفادة‏ ‏من‏ “‏المعني‏” ‏الذى ‏يكمن‏ ‏وراءه‏ .‏ وإذا‏ ‏كان‏ ‏المجنون‏ ‏يقول‏ ‏أحيانا‏ “‏كلاما‏” ‏هو‏ ‏الصدق‏ ‏ذاته‏، ‏إلا‏ ‏أنه‏ ‏لايتحمل‏ ‏مسئولية‏ ‏صدقه‏ ‏هذا‏ … ‏ولا‏ ‏هو‏ ‏يلتزم‏ ‏بتحقيقه‏، ‏كما‏ ‏أنه‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏المجنون‏ ‏يعلن‏ ‏بتناثره‏ ‏الذى ‏يحتج‏ ‏به‏ ‏فشل‏ ‏الحياة‏ ‏العادية‏ ‏أو‏ ‏عجز‏ ‏التنويم‏ ‏الشائع‏ ‏الخادع‏، ‏فهو‏ ‏لايعطى ‏بديلا‏، ‏ولا‏ ‏مثلا‏ ‏يحتذى، ‏بل‏ ‏بالعكس‏ ‏إنه‏ ‏يشوه‏ ‏الصدق‏ ‏ويخيف‏ ‏من‏ ‏الحقيقة‏ .‏
وإذا‏ ‏كان‏ ‏الطبيب‏ ‏النفسى ‏يرى ‏هذا‏ ‏التناقض‏ ‏الصارخ‏ ‏بين‏ ‏ما‏ ‏يخرج‏ ‏من‏ “‏أفواه‏ ‏المجانين‏” ‏من‏ ‏حكمة‏ ‏وصدق‏، ‏وبين‏ ‏ما‏ ‏يؤكده‏ ‏سلوكهم‏ ‏اليومى العاجز‏ ‏من‏ ‏فشل‏ ‏وعبث‏، ‏فهو‏ ‏فى ‏تصورى ‏مسئول‏ ‏بشكل‏ ‏ما‏ ‏عن‏ ‏القيام‏ ‏بترجمة‏ ‏هذا‏ ‏الجنون‏ ‏المخيف‏ ‏إلى “‏معنى” ‏حكيم‏ ‏يفيد‏ ‏المجنون‏ ‏فى ‏تجربته‏ ‏المرعبة‏، (‏فى ‏إطار‏ ‏حدود‏ ‏مهنته‏ ‏الضيق‏) ‏ثم‏ ‏يفيد‏ ‏الناس‏ (‏من‏ ‏خلال‏ ‏التزامه‏ ‏بوجود‏ ‏اجتماعى ‏أوسع‏، ‏ووجود‏ ‏إنسانى ‏أعمق‏)، ‏
والطبيب‏ ‏النفسى ‏عادة‏ ‏ما‏ ‏يقوم‏ ‏للمجنون‏ ‏بعمل‏ “‏المترجم‏” ‏فى ‏أزمة‏ ‏وحدته‏ ، ‏وعزلته‏، وعجزه عن فهم واقعه
كان الناس في ايام زمان وحتى في يومنا هذا يتندرون بقصص المجانين ويتداولونها ويضحكون عليها ويقضون الساعات الطوال في سرد تفاصيل ما فعله اولئك المجال وما تصرفوا به ازاء هذه المسألة او ذلك الموقف .
احد الاصدقاء مرة جمع اسماء المجانين في الموصل وكتب سيرهم الذاتية وللاسف توفي هذا الصديق ولااعلم مصير ما قام به وضاعت جهودي في الحصول على ذلك سدى .
على اية حال المجتمع الموصلي وخاصة في الاربعينات وما بعدها كان يتندر على افعال واقوال المجانين وكثير مما كانوا يقولونه يثير الاستغراب وتصدق عليه المقولة الشهيرة : ( خذ الحكمة من أفواه المجانين) .
جره ، وشللا وكان شللا من اهالي محلة السرجخانة وكثيرا ما كان يتواجد في شارع الفاروق وفي محلة الشفاء مابين دورة قاسم الخياط والمستشفى الجمهوري ) ، وسالم ، وعبد البرجس ، وحامد برم ، وإبن حمش و(صليلكع ) وممود وسعيد افندي وجلال المجنون وقاسم المجنون وحولي والعم حمزة وذنون المجنون وسعدون المجنون في رأس الجادة وعبد الرحمن العربنجي في باب سنجار وحازم أبو الانكليز وهاشم الاحمر وأخرين  ، اسماء لمجانين عرفتهم في الاربعينات والخمسينات وما بعد ذلك وما بعدها كانوا يشغلون الناس بما يقولونه وما يفعلونه ..هل هم ظرفاء الناس في زماننا كانوا يبحثون عن الضحكة ويدفعون الفلوس من اجلها الى درجة ان احد هؤلاء الظرفاء واسمه شهاب توفي وكان معروفا بإفتعال المقالب كما يقولون وصاحب طرفة توفي فحمله اصحابه الى المقبرة وهم يرددون : (قربانك جل شانك واشون ترس جبنالك ) وكما هو معروف فإن كلمة ترس تقال للطفل الذكي كثير الحركة كما يقول ذلك الدكتور حازم البكري في كتابه عن (الالفاظ الموصلية ) . 
(
ممود )واسمه بالاصل محمود كما يقول الاستاذ مثري العاني وحيد والديه وكان بيتهم مقابل جامع ام التسعة قرب المشاهدة كان انيقا ونظيفا وكان وحيد امه ولم يكن يستجدي واذا اعطيته مثلا عشرة فلوس واردت ان تزيد عليها يرفض كان يجمع الفلوس وامه عندما يعود تأخذها من جيبه وعندما يسأل عليها تقول له : "لقد اكلتها الفارة " .كان انسانا هادئا ومرتبا حتى في بيته .
(
سعيد افندي ) كان ايضا هادئا وكان يتحدث والسيكارة في فمه وهو بالاصل مدرس لغة عربية وكان يتواجد في محلة حظيرة السادة وكان يردد : (دحق دحق كل امزحلقة ) والمزحلقة هي الرشته يتكلم باللغة الفصحى ويجيب عن اي سؤال باللغة الفصحى وكأنه قاموس او منجد كما يقال .
(
جلال المجنون) كان يقف قرب جامع الصفار مقابل الساعة –محلة الاوس وبيده حصاة ويتقافز من رصيف الى رصيف واذا تورط احدهم بمزاحه ضربه بالحصاة التي بيده لذلك كان الناس يتجنبونه .
(
ذنون المجنون ) كان هادئا طويل القامة ملابسه متسخة جدا ورجله أهله بمحلة اليهود ويتواجد في شارع الفاروق 
(
قاسم المجنون ) كان مهندما وله لحية وهو من اهل محلة الخاتونية . وكان يجن اذا مسك احدهم لحيته في سنة 1959 وعندما شاهد السحل والقتل بعد فشل حركة الشواف حلق لحيته فسأله الناس لماذا قال كنت انا المجنون الوحيد والموصل اليوم صاروا كلهم مجانين.
(
حولي ) : كان في محلة المكاوي والده يبيع (الفشافيش ) وكان يعمل مع والده وعندما يمازحه احدهم قائلا : (لا حولي ) يلقي بالصحون وهي مليئة بالفشافيش على الارض فيقول له والده سأزوجك ياحولي فيرد على اباه بكلمات بذيئة .
(
العم حمزة ): رجل له بضع شعرات في وجهه كان عاقلا لكن اتضح فيما بعد انه إمرأة ..كان بيتها قرب محلة الشيخ حنش .
(
سعيد المجنون ) كان يلتقط قصف السيكاير من الارض ويضعها في حضنه وكان وسخا يمشي زحفا ..في نهاية النهار يضع كل ما جمعه في احدى البالوعات القريبة منه .
(
جره )كان دائما مفرطا في الشرب وكان يتحدث بطلاقة ويتمازح مع الناس وقد اعتدى عليه احدهم بأن صبغ شعر رأسه بالصبغ العادي فسدت المسامات ومات على اثرها رحمه الله .وهناك سعد ديسكو المجنون ويقف دوما في المجموعة الثقافية  وهكذا شللا وحامد برم وغيرهم كثير .
كان لكل مجنون في الموصل قصة وقصة طويلة تحتاج الى ساعات وساعات لكي نرويها مما لايتسع له هذا الحيز المقتضب .
مرة قرأت تحقيقا صحفيا في جريدة (المدى ) البغدادية وقبل خمس سنوات تقريبا تحدث عن مجانين الموصل ومشرديها جاء فيه ان احد هؤلاء المجانين واسمه على الاغلب ( يونس ) كان معروفا بجلوسه في شارع الدواسة ..كان يبدو اكثر التصاقا بالرصيف وكان يبدو وكأنه كتلة لامعالم واضحة لها فهو يقضي معظم ساعات النهار في مراقبة العابرين متخشبا في مشهد إعتاد عليه أصحاب المحال ويمكن له ان يظل بتلك الصورة ساعات عديدة، فلا يتحرك منه سوى عينيه، وفي بعض الاحيان يد مسرعة لابعاد الذباب، او التلويح باصبعين طلباً للدخان، واذا حاول احد ان يحاوره، فلن يصل إلى شيء، لانه يجيب باجوبة لاعلاقة لها بالاسئلة ، مع انه يصغي جيدا لمن يسأله .
في هذا التحقيق يتحدث الباحث الاجتماعي الاستاذ سلوان عبد العزيز فيقول ان "المؤسسات الحكومية المعنية، عجزت عن إيواء بعض المشردين او المجانين، بسبب هروبهم المستمر، او الظروف التي مرت بنينوى والعراق من حروب وحصارات وإنفلات امني، فكانت الشوارع مسرحاً لتنقلاتهم، وكانوا في الغالب مسالمين وطيبين، كسبوا عطف الناس، وأسعدوهم في كثير من الاحيان بعروضهم العفوية المجانية المضحكة".ويستدرك الاستاذ سلوان ليقول : " بعد الاحتلال الاميركي سنة 2003 سقط العديد من مجانين ومشردي المدينة ضحاياً للانفجارات، وحرب الشوارع التي ما توقفت حتى بعد رحيل القوات الأميركية"، مضيفا "القوات الأميركية وبعدها العراقية من جيش وشرطة، نظرت باستمرار الى المجانين والمشردين بعين الريبة، خصوصاً أن هنالك من تقمص شخصياتهم لتنفيذ العمليات ضد هذه القوات، او استخدموا المتشردين بالفعل، كما ان الجهات والمجاميع المسلحة أيضا، كانت لديها شكوك حيال المجانين والمشردين، وحتى المتسولين العاديين، وبالمحصلة، فان الجهتين قتلتا، وفي حوادث عديدة الكثير من مشردي الموصل ومجانينها، حتى باتت الشوارع خالية منهم" . 
ويعلق الصحفي والباحث الاجتماعي الاستاذ حمزة حسان على هذا الرجل المجنون الذي اشرنا اليه وهو يجلس في احد شوارع الدواسة وهو يمد للمتشرد جريدة محلية قديمة ويقول : "انه شخص نادر بالفعل " وهو غير معروف الاسم وقد إتخذ شكل من يقرأ باندهاش شيئا ما في الجريدة، التي كان يمسكها بشكل صحيح، قائلا "إنه يحمل الصفتين، ويجب ان نحافظ على تمدننا من خلال مساعدته والعطف عليه"، ويضيف "لم يعد في الموصل سينما، ولا مسرح، ولا معرض، ولا حتى مجانين".ويضيف حسان أن "شخصيات كاريكاتيرية عديدة مرت بالموصل منذ عقود، بعضها خلد في قصص وروايات وقصائد الادباء، وكتب المؤرخين، أو تقارير أمنية أو تلفزيونية، ومن بين تلك الشخصيات المجانين شهاب وسالم وأبو طيط وكثير غيرهم، إعتاد السكان على ظهورهم الاحتفالي في أسواق الدواسة وشارع حلب وباب الطوب والنبي يونس والمجموعة في كلا جانبي المدينة".
أما الطبيب الدكتور محمد عبد الله فيقول :" أن العديد من المصابين بتخلف عقلي، محجورون الآن في منازلهم، بسبب خوف ذويهم عليهم مما يجري في الموصل من حوادث قتل لاتفرق بين معافى أو مريض، خصوصاً ان الكثيرين لقوا حتفهم بالفعل، لوجودهم في مناطق حدثت فيها أعمال عنف كما ان الكثيرين يحجرون اولادهم خشية ان يتم اعتقالهم من قبل الاجهزة الأمنية".ويقول الشاب معتز نجيب، وهو طالب جامعي، أن "المجانين أكثر صدقاً وحباً وإخلاصاً للوطن من عدد من السياسيين ، وانا وضعت في مرات عدة صوراً لسالم المجنون الذي يعرفه سكان مدينة الموصل، على صفحتي في الفيس بوك، وهو يرتدي ثياباً عسكرية واكتافه موشحة بالنجوم، وحتى دون إشارة مني، كانت معظم التعليقات تجري مقارنات بينه وبين الفاسدين وتسخر منهم وليس منه " .
كان الشباب في زماننا يتمازحون مع المجانين وكان هؤلاء يردون عليهم وتجري الضحكات ولم يكن احدا ممن عرفتهم من المجانين مؤذيا ...كان احدهم يمسك بيده السوط ويلبس في قدمه قبقابا ويذرع الشوارع جيئة وذهابا وكأنه يقود عربة وينقل اناسا من مكان الى آخر . وكان البعض منهم يفرط في السكر وشرب الخمر ويبدأ بالهذيان والناس من حوله يتضاحكون وكان الاخر يمسك بيده درهما ويظل يضرب على الدرهم بطرف إصبعه وكان الاخر بشواربه التي يتعلق بها الصقر ينظر الى الناس بتعجب وسخرية .
وكان حسن المجنون يمسك بيده (استيرن ) سيارة قديمة ويقف امام مدرسة الغزالي الابتدائية للبنات في الغزلاني ويصيح امام بنات المرسة (بيب بيب
وكانت ثمة نساء مجنونات منهن ( اسيا بنت جكومي )ووالدها يعمل حمالا والنساء يهربن من امامها وهي تلحق بهن وتخيفهن .
هذه هي بعض من قصص مجانين الموصل هؤلا اناس مظلومون بسبب مرضهم النفسي ولابد لنا من رعايتهم ومعالجتهم وسوف تبقى مقولة (خذ الحكمة من أفواه المجانين ) شاخصة ما دام هناك في مجتمعنا مجنون واحد .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق