الأحد، 18 فبراير 2018

عندما يكون التاريخ علما للتغيير، واداة للبناء ، والتعاون بين الشعوب ا.د. ابراهيم خليل العلاف

عندما يكون التاريخ علما للتغيير، واداة للبناء ، والتعاون بين الشعوب
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس - جامعة الموصل
التاريخ علم التغيير. ومعنى هذا ان الحياة في صيرورة دائمة ، ومستمرة . والتاريخ يسجل احداث هذه الحياة التي تتقدم الى الامام، ولايمكن بأي حال من الاحوال ان تعود الى الوراء .
الزمن يتقدم ، والانسان لابد له ان يتابع حركة الزمن . ومن هنا فالمؤرخ حتى ُيسجل حركة الانسان في الفضاء الزمني والمكاني ، عليه ان يكون واعيا بما يحدث ، أمينا على ما يسجل ، شجاعا في قول ما يجب ان يقال ، منصفا مع من يسجل لنشاطهم ، ذو مروءة وإنصاف .
ليس هذا فقط بل لابد للمؤرخ ان يكون مثقفا ثقافة رفيعة المستوى ، وملما بما يسمى العلوم المساعدة التي تنامت اليوم ، وكثرت عن ما كانت عليه قبل نصف قرن .
فالعلوم المساعدة أو العلوم المُوصلة اصبحت اليوم كثيرة يحتاجها المؤرخ ومنها الاحصاء ، وعلم الحاسبات ، والرياضيات ، والاثار ، والجغرافية ، وعلم الاجتماع ، وعلم النفس الاجتماعي ، والاقتصاد ، والالسنية، واللغات ، والدراسات الانثروبولوجية ، وعلم البيئة ، والفنون الشعبية ، والديموغرافيا ، والتحليل النفسي والاعلام ، والادب ، والفنون ، وتقنيات الصورة الفوتوغرافية ، واسرار اللوحات التشكيلية وغير ذلك .
واهم نقطة يجب ان يعرفها المؤرخ هي ان لا أحدا يساعده ، بل لابد له ان يباشر العمل لوحده ، وهو في هذا يختلف عن غيره ممن يمتهنون مهنة او حرفة ؛ فمن ادركته حرفة التاريخ عليه ان يعرف انه خلق وحيدا ، وعليه ان يعتمد على ذاته وقدراته في تسجيل الاحداث والتنقيب عن المصادر ومعرفة تحليلها وتفكيكها ومن ثم إعادة تركيبها ، وترتيبها ، ومن ثم عرضها بطريقة جميلة واسلوب سلس وسهل وبسيط وواضح .
التاريخ اليوم لم يعد تاريخا للحكام والسلاطين والملوك فقط ، بل هو تاريخ الشعب .. تاريخ البسطاء من الناس .. تاريخ العاملين النشيطين .. تاريخ المهمومين والمستضعفين .. ولم يعد التاريخ سياسيا فحسب بل بات تاريخا للاحداث الاجتماعية ، والمتغيرات الاقتصادية ، والتحولات الثقافية .
والاهم من هذا كله انني انتهج في كتاباتي التاريخية ، ومنذ زمن بعيد ( التأريخ للموضوع ) وليس ( للفترة الزمنية ) او( لعهد سياسي معين ) ومعنى هذا انا اوثق لنمط من الحياة في موضوع معين ، ولكن لاأغفل تحديده بفترة زمانية وبموقع مكاني .مثلا اكتب عن تاريخ ناد رياضي في مكان معين وزمان معين ، أو اكتب عن موضوع يتعلق بشريحة اجتماعية وبدورها ضمن الزمان والمكان .مثلا كتبت عن نادي الموصل الرياضي من يوم تأسيسه 1957 وحتى الوقت الحاضر وكتبت عن ( أرمن العراق ) و(يهود الموصل ) وهكذا .
المؤرخ الجديد واقول الجديد ، أي المؤرخ الذي يكون مستعدا دوما لان يتجدد، ويجدد منهجه ، واسلوبه في الكتابة التاريخية عليه ان يؤمن بأن هناك دوما تقدما علميا ، وتراكما معرفيا ، واسلوبا جديدا في طرح المفاهيم والافكار فليس من المعقول ان نكرر انفسنا ، ونرجع الى ستينات القرن الماضي لنقتبس افكارا ومفاهيم عفا عليها الدهر .قد نجد من لايزال يتشبث بمفاهيم الستينات مثلا ولكن علينا ان نعي ان هذا ليس هو الاسلوب الصحيح في معالجة قضايا الربع الاول من القرن الحادي والعشرين؛ فالمفاهيم تغيرت ، والفضاء الزماني والمكاني لم يعد كما كان عليه في الستينات وما قبلها .
إذن قضايا عصرنا تغيرت ، وموضوعات عصرنا تطورت، ومن هنا فأساليبنا في معالجة تلك القضايا وتلك الموضوعات يجب ان تتغير ، وتتطور وان نبحث عن اسلوب جديد أو اساليب جديدة لعرض منتوجنا التاريخي على الناس .
نعم ثمة مدارس دينية ، وقومية ، وماركسية ، وليبرالية في مجال الفلسفة ومفاهيم هذه المدارس لاتتغير ، وهي معروفة ويجب علينا ان نستفيد من كل تلك المدارس تبعا للموضوع الذي نكتب فيه ، والقضية التي نعالجها ، ولاضير في ذلك .
والمؤرخ الحصيف هو من لايعتمد على تفسير معين او تفسير واحد للقضايا وللموضوعات التي يتناولها ، بل لابد ان يأخذ بتعددية التفاسير ، والنظريات ؛ فالحياة معقدة، والاحداث متشابكة ، ولايمكن ان يكون وراءها تفسير واحد .لكن يمكن ان نرجح التفسير الديني عندما نعالج موضوعا يتعلق بالدين، ونرجح التفسير الماركسي اذا تناولنا موضوعا يتعلق بالحياة الاقتصادية ، ونرجح نظرية البطل في التاريخ عندما نعالج شخصية كان لها دورها في التاريخ .
ونقطة اخرى أود ان اتحدث عنها ، وهي أ، المؤرخ ينبغي أن لاينشغل بالقضايا الكبرى ، ويهمل القضايا الصغيرة في التاريخ ؛ فللقضايا الصغرى تاريخ ، كما للقضايا الكبرى ، وللاشياء الصغيرة في الحياة تاريخ ، كما للاشياء الكبرى وللشخصيات الهامشية تاريخ ، كما للشخصيات الرئيسة تاريخ.
ومن المؤكد اننا نتعلم من كتاب الرواية الادبية طريقة التعامل مع الشخوص، وطريقة فهم حركة اولئك الشخوص على المسرح فليس ثمة بطل واحد بل لابد ان يكون في المشهد عديد من الابطال .
ويجب ان نعرف ان هناك مشاكل تعترض التاريخ الاسلامي العربي ، ومشاكل تعترض التاريخ الحديث .. وانا اقول دوما ان الدين هو مشكلة التاريخ الاسلامي ، والايديولوجية مشكلة التاريخ الحديث ، وكثير منا كتب في التاريخ القومي فأنتج كتبا تصلح لان تدرس في مدارس الاطفال والناشئين ، لكنها لاترتقي الى ان تكون مؤلفات في التاريخ يُعتد بها ، وهذا يقودنا الى مسألة لابد ان نقف عندها وهي ان التاريخ في كل العالم يُكتب بمستويات متعددة ، فما يكتب لتلاميذ المدارس الابتدائية غير ما يكتب لطلبة الجامعة .
نعم لابد للمؤرخ ان يعي ان التاريخ هو علم التغيير ، وان يستند في كتاباته الى هذه المقولة ، والى ان يعتبر التاريخ كله ليس الا مسيرة الانسان نحو اقرار الحق ، واقرار العدالة ، واقرار الحرية .
والمؤرخ لايمكن ان يكون رجعيا ، بل لابد ان يكون المؤرخ تقدميا متنورا متحررا يؤمن بأن التاريخ مسيرة الى الامام وان هناك عوامل تدفع التاريخ الى الامام ومن هذه العوامل ( الحرب ) ونتائجها .
واخيرا - وليس آخرا - على المؤرخ لآن يكون ذو رسالة - عليه ان يجعل من (التاريخ ) درسا من اجل البناء ، والتنمية ، والتقدم ، والسلام ، والحب، والتعاون بين الشعوب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق