الثلاثاء، 19 يناير، 2010

المؤرخ الدكتور عبد الله الفياض 1917-1983


المؤرخ الدكتور عبد الله الفياض ( 1917 ـ 1983 )


أ .د. إبراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل


مؤرخ عراقي دؤوب ، جمع أكثر من اختصاص ، فهو أستاذ في التاريخ الاسلامي كما أنه استاذ في التاريخ الحديث .. اهتم بمنهج البحث التاريخي عندما درّسنا في الستينات من القرن الماضي مادة ( تاريخ العراق المعاصر ) في قسم التاريخ بكلية التربية ـ جامعة بغداد . لم يكن يقبل الروايات التاريخية على علاتها ، بل كان يناقشها ويدقق مضامينها ويأتي في بعض الأحيان بآراء واجتهادات شخصية جعلته موضع نقد ليس فقط من زملائه الأساتذة المؤرخين بل وحتى من طلبته أنفسهم .. ومع هذا فقد كان مؤرخاً جاداً وصاحب رسالة علمية وتربوية .. ولد من أبويين علويين في قرية الضمينية بقضاء الرفاعي محافظة ذي قار ( الناصرية ) سنة 1917 .. وهو عبد الله ابن السيد دخيل بن طاهر ووالده من رجالات ثورة 1920 الكبرى وله اسهام فيها .

اكمل الفياض دراستاه الابتدائية والمتوسطة في قضاء الرفاعي ، ثـم سافر إلى النجف الأشرف ودخل المدرسة الثانوية وبعد تخرجه فيها التحق بدار المعلمين العالية ببغداد وحصل على الليسانس شرف بالعلوم الاجتماعية 1943 ـ 1944، وكانت العادة الجارية أن يقدم المتخرج ( أطروحة ) صغيرة وباشراف أحد الأساتذة وقد أنجز
( الفياض ) في حينه اطروحته حول ( نكبة البرامكة ) أتيح له فيما بعد نشرها( بغداد ، 1948 ) .

عيّن الفياض مدرساً لمادة العلوم الاجتماعية في ثانوية الناصرية ، وانتقل بعدها إلى بغداد ، وأصبح مدرساً في المتوسطة الغربية ، وخلال عمله مدرساً ، التحق بكلية الحقوق ( القانون ) المسائية ببغداد وحصل على ليسانس حقوق سنة 1950،وقد تيسرت له فرصة الدراسـة العالية عندما نال منحة فولبرايت التي خصصتها حكومة الولايات المتحدة آنذاك لجماعة من الطلبـة العراقيين وفي الجامعة الأميركية ببيروت درس التاريخ وحصل على شهادة الماجستير في الأول من حزيران / يونيو سنة 1954 وكانت رسالته بعنوان " الثورة العراقية الكبرى1920 " وبإشراف الأستاذ الدكتور نيقولا زيادة ، وعاد إلى العراق فعيّن مدرساً في دار المعلمين العالية ( كلية التربية فيما بعد ) واستمر كذلك حتى سنة 1956 ، وفي الأول من تشرين الأول حصل على بعثة علمية ، فدرس في جامعة مشيغان وحصل على الماجستير وبعد عودته إلى العراق ، أعيد سنة 1960 إلى العمل في قسم التاريخ بكلية التربية ، وفي 28 حزيران 1964 حصل على اجازة دراسية لمدة سنة ، ليلتحق بالجامعة الأميركية في بيروت ويكمل دراسته وحصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ الإسلامي سنة 1966 وكان عنوان أطروحته " تاريخ التربية عند الامامية بين عصري الامام الصادق والشيخ الطوسي " .

عاد إلى العراق ودرّس في كليتي التربية وأصول الدين ببغداد منذ سنة 1966 ، وقد رقي إلى مرتبة أستاذ مساعد في الأول من كانون الثاني 1966 ثم إلى الأستاذية في الثامن من تشرين الأول سنة 1972. وقد عيّن معاوناً لعميد كلية أصول الدين ببغداد وشغل كذلك منصب عميد الكلية وكالة حتى استقال في 31 آذار / مارس 1973 .

قال عنه الأستاذ محمد هادي الأمين في كتابه " معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام " المطبوع في النجف الأشرف سنة 1964 أن الدكتور الفياض
" كاتب قدير ، ومؤرخ جليل ... ومؤلف مكثر ... " .. ألف الدكتور الفياض كتباً كثيرة منها :

1 ـ تاريخ البرامكة ، ( بغداد ، 1948 ) .

2 ـ مشاهداتي في تركيا ، ( بغداد ، 1956 ) .

3 ـ الثورة العراقية الكبرى 1920 ، ( بغداد ، 1962 ) .

4 ـ مشاهداتي في ايران سنة 1967 ، ( بغداد ، 1967 ) .

5 ـ مشاهداتي في المانيا الديمقراطية ، ( بغداد ، 1972 ) .

6 ـ التاريخ فكرةً ومنهجاً : دراسة في التاريخ وأصول بحثه ،( بغداد ،1972 ) .

7 ـ تاريخ العرب ، ألفه بالاشتراك مع المرحوم محمد حسن العضاض ، وهو كتاب
مدرسي .

8 ـ الاجازات العلمية عند المسلمين ، ( بغداد ، 1967 ) .

9 ـ مشكلة الأراضي في لواء المنتفك ، ( بغداد ، 1956 ) .

10 ـ محاضرات في تاريخ صدر الاسلام والدولة الأموية ، ( بغداد ، 1967 ) .

11 ـ تاريخ الامامية وأسلافهم من الشيعة منذ نشأة التشيع حتى مطلع القرن الرابع
الهجري ، 1968 .

12 ـ تاريخ بلادك وأمتك ، ألفه بالاشتراك مع أحد زملائه ، وهو تاريخ مدرسي .

13 ـ تاريخ التربية عند الامامية وأسلافهم من الشيعة .

14 ـ الحركة الفدائية في الإسلام قديماً وحديثاً .

كما ترك بحوثاً ودراسات في عدد من المجلات ، كمجلة الأستاذ التي كانت تصدرها دار المعلمين العالية ، ومجلة رسالة الاسلام التي كانت تصدرها كلية أصول الدين ببغداد ، والمجلة التاريخية التي كانت تصدرها الجمعية العراقية للتاريخ والآثار . ومن دراساته :

1 ـ " تدوين التاريخ عند المسلمين " مجلة الأستاذ ، المجلد ( 4 ) ، 1955 .

2 ـ " التعليم في عهد الرسول والخلفاء الراشدين "، مجلة الأستاذ ،العدد ( 12 ) ،
1964 .

3 ـ " العقل عند الغزالي " ، مجلة رسالة الإسلام ، العدد ( 3 ) ، 1966 .

4 ـ " دور الإمام الصادق في التربية والتعلم عند الإمامية "، مجلة رسالة الإسلام ،
العددان ( 5 و 6 ) ، 1966 .

5 ـ " دور الإمامين الكاظم والرضا في التربية والتعليم عند الامامية " ، مجلة
رسالة الإسلام ، العددان ( 7 و 8 ) ، 1968 .

6 ـ " الغلو والغلاة وموقف الشيعة الامامية منهما "، مجلة رسالة الإسلام، العددان
( 3 و 4 ) ، 1970 .

7 ـ " دور العلم وخزائن الكتب في العصر البويهي " ، المجلة التاريخية ، العدد
( 1 ) ، 1970 .

8 ـ " الحالة الثقافية في الحجاز قبيل الإسلام " ، مجلة الأستاذ ، المجلد ( 10 ) ،
1962 .

9 ـ " الزراعة والتجارة في العراق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر " ،
العدد ( 11 ) ، 1963 .

10 ـ " التعليم في عهد الرسول والخلفاء الراشدين " ، مجلة الأستاذ ،العدد ( 12 ) ،
1964 .

11 ـ " الخلافة العباسية في العهد البويهي ، مجلة رسالة الإسلام، العددان (1 و2) ،
1967 .

12 ـ " الخلافة العباسية في عهد السلاجقة "، مجلة رسالة الإسلام، العددان (3 و4)،
1967 .

13 ـ " التعليم في المساجد عند الشيعة قبل ظهور المدارس "،مجلة رسالة الإسلام ،
الأعداد ( 3 و 4 و 5 و 6 ) ، 1969 .

14 ـ " الفدائيون من أهل الثغور وواجبنا نحوهم " ، مجلة رسالة الإسلام ، العددان
( 9 و 10 ) ، 1969 .

كما أسهم في مؤتمرات وندوات عديدة داخل العراق وخارجه . ومن المؤتمرات التي حضرها المؤتمر الثفافي لجمعية الرابطة الأدبية في النجف الأشرف ، والذي تعقد سنة 1966 ، وألقى في هذا المؤتمر بحثاً بعنوان " كتب الأمالي عند الشيعة " ، وفي المؤتمر الشعبي الذي عقد لمناقشة مشاكل الاصلاح الزراعي ، والذي انعقد بين 15 و 17 آب / اغسطس 1963 ألقى بحثاً بعنوان " أضواء على مشكلات الإصلاح الزراعي في لواء الناصرية " .

كان المرحوم الأستاذ الدكتور عبد الله الفياض حريصاً على مشاركة طلابه في لهوهم وجدهم .. كان قريباً منهم .. وقد اعتاد على مرافقتهم خـلال العطل الصيفية في سفرات ينظمها بالتعاون مع عمادة دار المعلمين العالية ، ثم عمادة كليـة التربية فيما بعد ، إلى خارج العراق .. ومن الطريف أنه عندما يعود من السفرة ، يقوم بتأليف كتاب يصف فيه السفرة وما حدث فيها وما رآه الطلبة من معالم وما زاروه من كليات ومتاحف ومناطق سياحية وبأسلوب يذكرنا بما دوّنه كل من ابن بطوطة وابن جبير في رحلتيهما المشهورتين . ولحد الآن احتفظ بنسخة من كتاب " مشاهداتي في تركيا " والذي طبع في مطبعة سلمان الأعظمي ببغداد سنة 1956 وفيه عنوان فرعي يشير إلى أنه " وصف شامل لسفرة طالبات وطلاب دار المعلمين إلى تركيا في شباط الماضي(1956 ) وقد أهداني الكتاب في العاشر من مايس / مايو 1966 وعليه عبارته " للطالب ابراهيم خليل أحمد اعترافاً باجتهاده بدرس التاريخ الإسلامي " . ومما يزيد في قيمة كتب ( رحلات الفياض ) أنها تسجل وقائع السفرة الطلابية بدقة وشمولية ، فضلاً عن أنها معززة بالصور التي كان يلتقطها الطلبة أنفسهم ويظهر فيها الدكتور الفياض مع الطلاب والطالبات أمام المتاحف والمكتبات القديمة ودور الطلبة والكليات ومؤسسات الدولة التي يقوم بزيارتها . ولاشك في أن كتبه هذه بالتفاصيل المدونة فيها تعد اليوم مصادر وثائقية عن أحوال البلاد والمدن التي قام الطلبة بزيارتها، فضلاً عن تسجيلاتها لحركات الطلبة وسكناتهم ومواقفهم ونفسياتهم وآرائهم حول مختلف شؤون الحياة في العالم آنذاك .

عندما طبع الفياض كتابه عن الثورة العراقية الكبرى 1920 طلب من سماحة العلامة الشيخ محمد رضا الشبيبي أن يكتب له تصديراً .. وقد استجاب الشبيبي ، رحمه الله ، للطلب فكتب عن ماضي الثورة وحاضرها وخصومها وعواملها ونتائجها ، وقال : " ان الثورة العراقية كانت وما زالت حادثاً خطيراً خليقاً بالدرس .. وآخر من تناولها بالبحث الأستاذ عبد الله الفياض في كتابه هـذا وهو يتضح لقارئه أي جهد مضني بذله المؤلف في تأليفه ، فلـم يفته مأخذ من المآخذ أو المظـان المحررة في هذا الموضوع باللغتين العربية والإنكليزية ، وعلاوة على ذلك فإنه ظفر بجملة من الوثائق والمستندات النادرة ، ولم يكتف السيد الفياض بهذا وإنما لاحظنا أنه قتل تلك الكتب بحثاً ونقداً ... فجاء ( كتابه ) بحثاً من البحوث المقارنة في تاريخ الثورة . لذلك لا يسعنا إلاّ إكبار الجهد الذي بذله " .

وبشأن منهج الفياض التاريخي ، يمكن القول بأنه من أفضل الأساتذة الذين تعلمت على أيديهم ،التزاماً بالمنهج العلمي الموضوعي التاريخي القائم على أساس أن من أبرز وظائف المؤرخ هو أن " يعيد تشكيل الحدث كما وقع بالضبط " . ويذهب الفياض مذهب أولئك الذين رأوا في التاريخ بأنه علم يبحث في جوهره " التغير" فالحادث لا يتكرر كما هو ، وان ظروفه لا يمكن أن تنطبق على ظروف حادث مماثل . ويؤيد الفياض ما ذهب إليه المؤرخ العربي اللبناني المرحوم أسد رستم في كتابه " مصطلح التاريخ " من أن أئمة الحديث النبوي قد طبقوا المنهج العلمي على الحديث قبل أن يكتشف الغربيون ذلك بعدة قرون وذلك من خلال اهتمامهم بدراسة رجال السند أو الرواة من حيث التعديل والتجريح،كما اهتموا بالمرويات وعدّوا كل نقص فيها موجب لضعف الحديث . وقد حدد الفياض المنهجية التاريخية Historical Methodology بأنها الوسيلة التي تمكننا من الوصول إلى الحقيقة التاريخية . ويقف الفياض عند النقد الداخلي والنقد الخارجي للرواية التاريخية ويأتي بأمثلة مستمدة من نقده لوثائق نسبت لأبي مخنف وخاصةً في الكتاب المنسوب إليه والموسوم " مقتل الحسين " .

وكان الفياض يعتقد بأن لأصول البحث التاريخي جانب عملي وجانب نظري ، والباحث لا يمكن أن يلم بأصول البحث التاريخي ما لم يجتهد في التطبيق العملي سواء في كتابة البحوث أو الدراسات او المقالات .. ومع أن الفياض قد اهتم بالمدرسة التاريخية الحديثة وبتقنياتها إلاّ أنه يرى بأنها اهتمت بالعوامل البشرية والطبيعية المسيرة للأحداث ،كما ركزت على العقل وأهملت العوامل الروحية وقال : " ان التفسير الديني للتاريخ أمر له أهميته ، كما أنه جزء مهم من تراثنا الحضاري ، ولا يصح والحالة هذه أن نهمله " . وأضاف أن اهتمامنا به ينبغي أن يستند على تأكيد القرآن الكريم والسنة النبوية على " دور العقل في تمحيص كل ما له علاقة في حياة البشر بما في ذلك موضوع التاريخ ... يضاف إلى ذلك أن طائفة من المذاهب الإسلامية جعلت للعقل سلطة كبرى في قول أو رفض الأخبار والروايات الضعيفة مهما كان مصدرها ".

لقد اهتم الدكتور الفياض بتمكين طلبته من " أصول البحث التاريخي ، لذلك وضع كتابه المتميز " التاريخ فكرةً ومنهجاً " والذي أصبح كتاباً منهجياً Text Book في أقسام التاريخ العراقية والتي اعتمدته في تدريس طلابها لسنوات عديدة ، وقد حرص في هذا الكتاب على أن يقدم لطلبة التاريخ المبتدئين ما يحتاجون إليه من مستلزمات البحث التاريخي وأبرزها طريقة اختيار الموضوع المناسب ووضع خطة البحث وكيفية جمع المادة من المصادر والمراجع وتنسيقها وكتابة البحث والأسلوب المتبع وعلامات الترقيم والتحليل والتنصيص والاشارة إلى المصادر والمراجع ومراعاة قواعد البحث وتنظيم الفهارس " وعرض المعلومات ، وأكد الفياض بأن على الطالب أو الباحث الالتزام بكل خطوات البحث التاريخي لكي يستطيع أن يقدم المادة التاريخية التي يريدها إلى الناس .. وأتذكر بأنه ، رحمه الله ، كان يلـح في تدريسه على الجانب العملي ويحرص على أن يتدرب الطالـب على استخدام المنهـج العلمي في قراءاته للتـاريخ ، وكذلك في فهمه ودراسته .. لقد ترك بحق علماً ينتفع به ، ولا نزال نحن طلبته نذكره بخير ومحبة ، توفي ، رحمه الله ، في 1983.

* نشرت هذه المقالة في( مجلة علوم انسانية) الالكترونية ضمن (موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين )التي اعدها منذ بضع سنوات .ومما يفرح ان كلية التربية بجامعة ذي قار اقامت ندوة حول الفكر التاريخي للاستاذ الدكتور عبد الله الفياض يوم الاحد 10 ايار 2009 .والفياض من مواليد ذي قار -الناصرية ويحق لابناءها الاحتفاء بهذا المؤرخ الفذ الذي نعتز يتتلمذنا على يديه رحمه الله .
*راجع مدونة الدكتور ابراهيم العلاف ورابطها

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق