الأحد، 10 يناير 2016

يفجيني يفتوشنكو شاعر روسيا في الستينات ابراهيم العلاف







يفجيني يفتوشنكو شاعر روسيا في الستينات 
ابراهيم العلاف
ونحن نعيش سنوات الستينات من القرن الماضي ، وكنا طلابا انذاك برز شاعر روسي إبتدأ يقول الشعر في نهاية الخمسينات.. زار القاهرة سنة 1963 هو ( يفجيني يفتوشنكو ) أعجبنا به وقرأنا شعره واستذوقناه في حينها ..سمعنا بأنه أحيا شعر بوشكين وما كدنا نقلب صحيفة او مجلة الا وثمة خبر أو قصيدة أو صورة ليفتشنكو. وامامي الان اعداد من مجلة "الهلال " المصرية ومجلة "الفكر العربي " الللبنانية وهي تزخر بشعر واخبار وصور يفتوشنكو (مواليد 1933 ) كان يقف على المنصة ويرتجل قصائده ..كان يسمى (الشاعر المنطلق ) .كانوا يقولون ان في روسيا اليوم تتجسد آمال الجيل الجديد المنعتق بشخصية شاعر ينطلق كالمارد من جبال الصقيع ليغني أناشيد الحرية .. لايقف بريقها عند حدود وطنه بل تغمر الانسان في كل وطن .
وكان الكتاب يربطون بين اساليب ستالين الوحشية ورقة الشاعر يفتو شنكو ..شاعر تُبعث فيه انطلاقة بوشكين من جديد ويتخطى وميضه بلاد السوفيات الى المحيط العالمي الطلق ..كان يمثل بالنسبة الى الفكر الروسي الجديد نقطة مضيئة ..كانوا يقولون انه يمثل ما سمي في روسيا آنذاك :"ادب الحقيقة " .
كان يفتو شنكو يلقي قصائده في ميادين موسكو العامة ، وامام مئات الشباب ..كان سباقا الى اعلان الحقيقة متمردا على الانغلاق والظلم كما كان بوشكين وباسترناك ...اصبح بفضل يفتوشنكو للشعراء صوت مسموع في الاتحاد الشوفياتي السابق .
في قصيدة ليفتو شنكو عنوانها " زيما " أي " الشتاء " وهو اسم بلدته ..كان من اوكرانيا .. يذكر الشاعر الحكمة القائلة :" ان الحقيقة جيدة لكن السعادة أفضل منها " ولكنه يتبعها بعبارة مكملة لها تقول :" ولكن لاسعادة بدون الحقيقة " .
كتب الشاعر يفتو شنكو سنة 1958 يقول : 
"الحدود تضايقني 
يا لشد ما أتضايق
لانني لاأعرف بوينس آيريس 
ولا نيو يورك
أريد التجوال 
بقدر ما أشتهي وسيا ويقول :"
في شوارع لندن 
وان أتكلم مهما كانت رطانتي 
مع أي كان ..." 
كان شعر يفتوشنكو ممتلئ بالحماسة وهو يقول :" انني من اصل سيبيري ...انا لااخشى أي لسان كان " .
من شعره قصيدته هذه الموسومة :"تغادرنا الامهات " ترجمها عن الروسية الاستاذ أيمن ابو الشعر يقول فيها :
بكلِّ هُدوء 
تغادِرُنا الأمهات
تغادِرُنا في المَهاجِع
وفي خَطوِهنَّ برِفقٍ تدوسُ رؤوسُ الأصابِع
ونحنُ ننامُ بكلِّ سَكينة
وقد أُطفِئَ الجوعُ لسنا نعيرُ انتباها 
لوقتٍ كهذا مُريع
تغادِرُنا الأمهاتُ شيئاً فشيئا 
وحيناً نَظُن 
ويَبدو لنا أنَّهُن 
يغادِرْنَ فجأة 
ولكنَّهُن 
رويداً رويداً ذَهبْن 
بِبُطئٍ بشكلٍ غريب 
خُطى ناعماتٌ خلالَ السنين 
وفجأة، وقد راعَنا أنَّنا ذاتَ عام
نعيرُ انتِباها لوقدِ الشُموع
ليومِ احتفالٍ بميلادِهن 
نحسُ الزمانَ العَبوس 
وندنو إليهنَّ صَحوا 
وننأى عنِ الحُلمِ لكنْ نَكُفْ 
فوسطَ الفراغِ ارتطامُ الأكُف 
كأنْ قد نَما من زجاجٍ جِدار 
هنا بيننا في الهواء 
تأخرتَ ياقلبُ
دقَّت لنا ساعةٌ مُستهابة
نُحملِقُ عبْرَ الدموعِ الدَفينة 
ويمضينَ في الموكبِ الجهمِ عنا بكل هدوء
وهذه القصيدة ايضا التي ترجمها عن الروسية الاستاذ أمين أبو الشعر وعنوانها :"الناس " ويقول فيها :
لا يوجدُ إنسانٌ في العالمِ غيرُ مُهِم
قدرُ الناسِ كتاريخِ كواكبِ هذي الدُنيا
والكوكبُ يزهو بِتَفرُّدِه وما مِن نَجم 
يُشبِهُ قدَرَه
وإذا حَدثَ وعاشَ المرءُ وحيدا 
مغموراً صادَقَ وِحدَتَهُ
يغدو عندَ الناسِ مُهِما باللامُمتِعِ هذا ذاتِه
كلٌّ يحمِلُ طيَّ الذات 
عالَمَهُ السريَّ الخاص 
وتمرُّ بعالَمِنا لحظة 
أروعُ من كلِّ اللحظات 
وتمرُّ بعالمِنا ساعَة 
أفجعُ من كلِّ الساعات
لكنَّ الناس 
تَمضي غافلةً عن هذا الإحساس
حينَ الإنسانُ يَموت
يَخبو مَعَهُ الحسُّ بفرحَةِ أولِ ثلج 
وبأولِ قُبلة 
وبأولِ نبضَة 
يأخذُ مَعَهُ هذي الاحساساتِ ويَمضي
ماذا يَبقى ؟
تَبقى الكتبُ، السياراتُ ، جسورٌ تبقى 
تبقى أقمشةُ اللوحات 
أدري أنَّ كثيراً مِنّا يَبقى 
لكنْ أدري أنَّ كثيراً مِنّا يَفنى 
ها كُم قانون اللعبة 
لعبةِ أقدارٍ لا تَرحَمْ 
ليسَ الناسُ همو الفانون 
لكنَّ عوالمَ تفنى ، تفنى وَتَموت
قد نَستذكِرُ حتى المُذنِبَ والأرضي 
لكنْ ماذا نعرِفُ في الجَوهَرِ عَنهُم ؟
ماذا نعرِفُ عن إخوَتِنا والأصحاب ؟
ماذا عمَّن نَعشقُ نعرِف ؟
معشوقَتِنا وليسَ سِواها ؟
ماذا نعرِفُ عن والِدِنا ؟
قد نعرفُ كلَّ الأشياء
لكنّا في الجوهرِ لا نعرفُ شيئا 
الناسُ تروحُ ولا عودَة
وعوالِمُهم تلكَ الرؤيا السرية 
لن تُرجِعهم أبداً للأرضِ الحيَّة 
والمرَّةُ تلوَ المرَّة تكبرُ فيَّ لماذا 
وأودُ لو أنّي أصرخُ أصرخُ 
من دربِ اللاعودةِ هذا
عرفه العرب وخاصة في مصر وكتبت الصحف والمجلات العربية عنه وكنت اتابع قصائده التي القاها في القاهرة وقد ترجمت قصائده الى اكثر من 16 لغة ...لم يكن حزبيا اي لم يكن شيوعيا ولكنه كان يحب روسيا ..كان يقول :" لوطني مني حياتي وموتي ...وانتقادي هو لكي أبني لا لكي أهدم " .
وفي واحدة من قصائده يقول :
" ان الراية غير مدنسة ولو تعثر حاملوها في الاوحال " .
ويضيف :" ان هذا الجيل ويقصد جيله الذي عاش مرحلة ما بعد ستالين يتطلع الى زمن فيه:
"ستذكر الاجيال 
وتتحرق بالخزي 
متذكرة هذه الايام الغريبة 
حيث الامانة العادية تعتبر عملا من أعمال البطولة "
ومن هنا يمكننا ان نقول ان الشاعر الروسي يفتوشنكو في الستينات تنبأ بما آل اليه وضع الاتحاد السوفيتي السابق من انهيار الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفيتي وتنامي قوة روسيا .
ولنتذكر جميعا ان هناك حكمة روسية تقول :" إن ما يُسجله القلمْ ليس من السهلِ على الفأسٍ إزالته " .اجل ذهب من ذهب من الحكام .. ولكن ظل شعر يفتوشنكو ومن قبله شعر بوشكين والمتنبي وكل شعراء العالم الشرفاء حيا .
• للتفاصيل انظر :"من اوكرانيا الى سدرة الشعر العالمي :بوشكين يبعث حيا في عبقرية يفتو شنكو " تحقيق مجلة الفكر العربي ، بيروت ، العدد 3 15 نوار –مايو 1962 ص ص 72 – 75 وانظر كذلك موقع "المسيرة "والرابط :http://www.al-maseera.com/2010/06/blog-post_8147.html#m
**صورة يفجيني يوفتوشنكو عندما كان شابا 1961 وصورته الان 2016

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق