السبت، 2 يونيو 2018

الإسلاميون وحركات التغيير العربية الجديدة ..ما المطلوب ؟ ا.د.إبراهيم خليل العلاف

الإسلاميون وحركات التغيير العربية الجديدة ..ما المطلوب ؟
ا.د.إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ العربي الحديث –جامعة الموصل
    وابتداء أقول ، بأني اقصد ب "الإسلاميين "ممثلي "الحركات السياسية الإسلامية" بكل تياراتهم ..والأمر لاينسحب على "المسلمين" ..وهم جماهير العامة المنشغلة بتلبية متطلبات حياتها اليومية ،والتهيئة للحياة الآخرة بالعمل الصالح، وتأدية الفروض والتكاليف المعروفة  .
   والإسلاميون ، بشروا منذ سنوات بالتغيير، واخذوا يراجعون أفكارهم التي ترجع الى عقود ماضية. ومن المؤكد إن تأثير حزب العدالة والتنمية في تركيا،  ونجاح تجربته هناك ولسنوات طويلة ،كان واضحا على معظم الحركات الإسلامية العربية بأستثناء حزب التحرير الذي لايزال يدعو إلى الأخذ بنظرية الخلافة .فالإخوان المسلمون في مصر كانوا السباقين في المراجعة ،وقد أعلنوا حتى قبل تأسيسهم لحزب  الحرية والعدالة  في 6 حزيران –يونيو 2011 ،إنهم يطمحون إلى إقامة الدولة المدنية بمرجعية إسلامية . وبعد تأسيس الحزب قالوا في نظامهم الداخلي إن حزبهم مفتوح لجميع المصريين مسلمين ومسيحيين  وان مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع وبما يحقق العدل في سن القوانين وفى التطبيق وفى الأحكام مع الإقرار لغير المسلمين بحقهم في التحاكم إلى شرائعهم فيما يتعلق بالأحوال الشخصية.
وان الشورى هي جوهر الديمقراطية وهي السبيل لتحقيق مصالح الوطن حتى لا يستبد فرد أو فئة بالتصرف في الأمور العامة التي تتأثر بها مصالح الشعب.
وان الإصلاح الشامل مطلبٌ مصري والشعب هو المعنى أساسًا بأخذ المبادرة لتحقيق الإصلاح، الذي يهدف إلى إنجاز آماله في حياةٍ حرةٍ كريمةٍ ونهضةٍ شاملةٍ وحريَّة وعدلٍ ومساواةٍ وشورى.
كما أن الإصلاح السِّياسي والدستوري والإصلاح الأخلاقي هما نقطةُ الانطلاق لإصلاح بقيَّة مجالات الحياة كلها وان
المواطن هو هدف التَّنميَة الأول، وهذا البرنامج يستهدف بناء الإنسان المصري الذي يمتلك مُقَوِّمَات وأدوات التَّقدُّم. ولذلك فهو حجر الزاوية وأداة التغيير فبإصلاح الإنسان يتم الإصلاح.
وفوق هذا فأن الحرية والعدالة والمساواة  هي منح من الله للإنسان، لذا فهي حقوق أصيلة لكل مواطن بغير تمييز بسبب المعتقد أو الجنس أو اللون مع مراعاة ألا تجور حرية الفرد على حق من حقوق الآخرين أو حقوق الأمة، وأن تحقيق العدل والمساواة هو الهدف النهائي للديمقراطية في النظام السياسي الذي يطالب به الحزب، وان الحزب يكفل كفالة حقيقية كافة حقوق المواطن وخاصة حق المواطن في الحياة والصحة والعمل والتعليم والسكن وحرية الرأي والاعتقاد.
   أما حزب الله فقد أعلن صراحة انه يستهدف إقامة الدولة الديمقراطية المؤمنة بمبادئ العدالة والحرية وانه ضد الطائفية بكل ألوانها وأنماطها  .أما في إيران فقد عبرت القيادة الإيرانية عن ترحيبها بالثورات العربية  وأرادت  منها أن تكون موجهة ضد الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. ومع أنها تأخرت –بعض الشيئ - في إعلان موقفها مما يجري في سوريا إلا أنها عادت وطالبت الرئيس السوري بشار الأسد بأهمية النظر في مطالب شعبه والاستجابة لها . ووقفت القيادة التركية موقفا ليس ايجابيا من الثورات وحسب بل وموقفا مساندا .ومع أن ثمة من المفكرين كالأستاذ الدكتور رضوان السيد يرى أن الإسلاميين بصورة عامة لم يفجروا الثورات ولم يشاركوا فيها في البداية لكنهم بعد نشوبها وخاصة في مصر انضموا إليها ودليله في ذلك أن الشعارات التي رفعها الثوار لم يكن فيها ما يؤكد أنها من تأثيرات الخطاب الإسلامي المتداول وإنما هي تنادي بالحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة ومحاربة الاستبداد وتلك شعارات ومطالب ليبرالية . وهنا لابد من القول آن معظم الحركات الإسلامية ومنذ بروز دورها في أواخر السبعينات من القرن الماضي كان تدعو إلى التغيير ومقاومة السلطة حتى أن بعض تلك الحركات ذهبت إلى أن يكون الجهاد والذي هو بنظرهم "الفريضة الغائبة " موجها ضد الحكام الظالمين المستبدين الذي تسلحوا بكل أسلحة القمع  لإرهاب شعوبهم وخدمة المصالح الأجنبية .
  ليس من المعقول لا اليوم ولا أمس ولا غدا أن يقف الإسلاميون ضد الثورات لان الدين الإسلامي هو نفسه ثورة .. ثورة ضد الظلم، والاستبداد، والعنف ،والإرهاب، والتخريب ،والتدمير انه بطبيعته يدعو إلى العدالة والحرية ،ويؤكد كرامة الإنسان ويغضب عندما تنتهك حريات الناس ودماءهم وأموالهم وأعراضهم .لقد نظروا قبل عقود إلى أن الاستبداد ظلم واعتداء على الإنسان، وأكدوا في خطابهم السياسي على العدالة والاقتصاص من الظالمين وشددوا على مبدأ الشورى وتداول السلطة الذي يأخذ به الإسلام كدين وثقافة وكانوا يبشرون بالتغيير ويعدون شعوبهم بأن لحظة التغيير والفرج آتية لامحالة . ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك ليس هنا مجال ذكرها وإنما هي معروفة .لقد كانوا يقولون للناس أن الحكام متسلطين وظلمة وغير شرعية ومستبدة وان لابد من هدم تلك الأنظمة الفاسدة المرتشية الخانعة الخاضعة للأجنبي .
    لقد جاءت مع عصر الثورات العربية ، الفرصة لان يظهر الإسلاميون صدق دعواتهم ، وتجاوبهم مع متطلبات التغيير التي يمر بها العالم بتأثير عوامل عديدة منها ثورة المعلوماتية وتحول العالم إلى قرية كونية صغيرة.  وإظهار صدق الدعوة  يجب أن يتضح اليوم ليس من خلال الكلام وإنما بالفعل وهو أن يسهم الإسلاميون مع إخوانهم دعاة الدولة المدنية التي تحترم الإنسان وحقوقه وتعمل من اجل إقامة مجتمع ديموقرطي يرفض الطائفية والاستبداد والظلم ويكون قادرا على إرضاء الجميع وذلك من خلال التداول السلمي للسلطة ، واحترام صناديق الاقتراع، والإيمان بالتعددية ،واحترام الحريات العامة والخاصة، وإقامة المجتمع المرفه العادل الراشد .
    ويقينا انه ليس ثمة عاقل اليوم يؤمن بمبدأ "عبادة الحاكم " ،والتضحية بالروح والدم من اجله مهما كان هذا الحاكم  يمتلك من الكاريزما القيادية .انه عصر جديد يمر به العرب انه مرحلة جديدة في تاريخهم اذ لم يعد هناك مكان للتوريث والاستبداد والإرهاب والقسوة والعنف والإقصاء والتهميش والكبت  ..لم يعد هناك مجال للخوف لقد كسرت الشعوب الحواجز ،ووصلت الى نتيجة  بأن "الإمبراطور" المفروض عليها ،والذي خرج يتباهى بملابسه المصنوعة من الحرير ، لم يكن يلبس شيئا ، وان خياطيه ضحكوا عليه،وأوهموه بأنه يلبس أفخر الملابس .. لقد كان عاريا كما ولدته أمه.. عاريا من الإحساس،  وعاريا من الأخلاق،  وعاريا من الغيرة على شعبه ..لم يكن يرى إلا نفسه والطغمة الفاسدة المحيطة به ،والتي حولته بسبب خنوعها وضعفها وتهرئها الى "فرعون عصره " ..وها قد جاء اليوم ليعيد الشعب الحكم إليه من خلال نوابه وممثليه مع الاحتفاظ بحق قد نسيه البعض مع انه موجود في الإرث الإسلامي انه " حق الثورة " على الحاكم إذا فرط بحقوق شعبه وحقوق أمته .

      وأخيرا لااعتقد بأن مخاوف بعض المحللين الغربيين والإسرائيليين من الحركات الإسلامية التي انخرطت في أعمال ونشاطات التغيير العربية، في محلها . ويقينا أنها تعكس موقفهم من الإسلام كطاقة تغييرية بصورة عامة .كما أن الآراء التي قيلت بشأن انقضاض الإسلاميين على السلطة في الدول التي حدث فيها التغيير،  ليست صحيحة بسبب المزاج الشعبي والشبابي العربي العام الذي يذهب بأتجاه إقامة أنظمة حكم  مدنية عادلة وراشدة وقد اتضح هذا لحد كتابة هذه السطور في مصر وتونس  وحتى ليبيا .ومن المؤكد أن ما استهدفته حركة التغيير هو إقامة أنظمة ديمقراطية تراعي حقوق الإنسان وتؤمن بالحرية والعدالة وهذا التوجه ستظهر آثاره في البنية الاقتصادية الأمر الذي سيزيد من فرص العمل للعاطلين ويحل كثيرا من المشاكل الاقتصادية التي خلفتها أنظمة الحكم الاستبدادية السابقة .وكما يقول الأستاذ إميل حكيم الباحث في المؤسسة الدولية للدراسات الإستراتيجية في لندن انه من المستبعد أن تسعى الحركات الإسلامية العربية للاستيلاء على السلطة بمفردها لكنها سوف تشارك في الانتخابات بعد أن أعطت حركات التغيير  ، الدليل على أن التغيير ممكن وان العنف لايؤدي إلى نتيجة تذكر وان الفرصة قد أصبحت قائمة للدخول في عالم السياسة العربية الجديدة .أما الدكتورة سنية الحسيني فتقول أن ثمة احتمالات عديدة بشأن "موضوعة المشاركة السياسية " وأبرزها أن شروطا ينبغي أن تتحقق وتحديات ينبغي أن تواجه ولعل من أبرزها يتمثل في قدرة الحركات الإسلامية على التفاهم فيما بينها على أجندة أو برنامج يحدد طبيعة النظام السياسي الذي سيعيشون في ظله أو يشاركون فيه، وكذلك طبيعة المجتمع الجديد الذي سيشكلون فيه قوة أساسية وفاعلة..

ويكمن التحدي الثاني في مدى قدرة الإسلاميين بكافة اتجاهاتهم على التفاهم مع بقية الأحزاب والاتجاهات السياسية الأخرى أو في قدرتهم على الاتفاق معها على برنامج سياسي واجتماعي مشترك يحترم مبادئ التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، والحريات العامة والخاصة وما شابه ذلك.

ويتمثل التحدي الثالث في مدى قدرة جماعات الإسلام السياسي على التحول إلى حركات إسلامية عصرية مواكبة لروح العصر، ومقتضيات تطوير مجتمعاتها. وفي هذا السياق يتبادر إلى الذهن النموذج الإسلامي التركي الذي يقود نظام حكم علماني تشارك فيه كافة الأطياف السياسية والفكرية والثقافية. وحيث إن التجربة الإسلامية التركية تختلف عن مثيلاتها في دول الربيع العربي، فليس من المعروف إن كانت ثورات الربيع العربي ستنجح في التوفيق بين مقتضيات الحكم في دولة مدنية، والإبقاء على تمسكها بأيديولوجيتها الإسلامية.

وأما التحدي الرابع والأخير فيتمحور حول قدرة الإسلاميين في دول الربيع العربي على بلورة أو صياغة علاقة جديدة مع الغرب والولايات المتحدة لا تنزع عن الإسلاميين شرعيتهم. فالولايات المتحدة تريد من الإسلاميين مقابل التعامل معهم، تبني سياسات معتدلة تجاه إسرائيل، وتتوقع منهم أيضاً محاربة ما يسمى بالإرهاب.هذا فضلا عن اعتماد النظام الديمقراطي في بلدانهم من بين أمور أخرى..



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق