الجمعة، 16 سبتمبر، 2016

عندما تكلم غائب طعمة فرمان بقلم : ا.د.ابراهيم خليل العلاف


عندما تكلم غائب طعمة فرمان
ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ متمرس – جامعة الموصل
وأنا في جولتي مع الصحف والمجلات القديمة .. أتصفحها ، بلذة وشوق ورغبة في اكتشاف الجديد بعد مرور  سنوات عديدة على تصفحها ،  أعثر على موضوعات غاية في الاهمية لا أرى مثلها في صحف زماننا هذا الذي غلبت عليه السطحية ، والهشاشة ، والضعة ، والضعف المعرفي بدرجة باتت مخجلة لأمة القراءة أبرز ملامحها التي عرفها عنها العالم .
اليوم وفي عدد مجلة (العربي ) الكويتية الصادر في  آب –اغسطس سنة 1985 ، كان ثمة حوار (وجها لوجه ) مع الروائي العراقي الرائد الاستاذ غائب طعمة فرمان أجراه الكاتب الاستاذ سليمان الشيخ .
في هذا اللقاء كتب غائب طعمة فرمان سيرته الذاتية بقلمه وقال :" أنا من مواليد بغداد سنة 1927 ، وبعض الكتاب العراقيين المعروفين والمشهورين ولدوا في هذا العام أيضا أو في العام الذي سبقه أو تلاه . بدر شاكر السياب ولد سنة 1926 و عبد الوهاب البياتي ولد ايضا في العام نفسه وفؤاد التكرلي ولد في العام الذي ولدت فيه وغيرهم ايضا ...صدر لي حتى الان  تشرين الاول –اكتوبر 1984 الكتب التالية :
-        حصيد الرحى – مجموعة قصص صدرت سنة 1954
-        مولود آخر - مجموعة قصص صدرت سنة 1959
-        النخلة والجيران – رواية صدرت سنة 1966
-        خمسة اصوات –رواية صدرت سنة 1967
-        المخاض – رواية صدرت سنة 1975
-        ظلال على النافذة – رواية صدرت سنة 1979
-        آلام السيد معروف- رواية صدرت سنة 1980
-        المرتجى والمؤجل – رواية
-        كما ترجمتُ حوالي 40 كتابا معظمها قصص وروايات عن الروسية الى العربية منها :
-        أعمال تورجنيف في خمسة مجلدات
-        15 قصة في كتاب لمكسيم غوركي
-        القوزاق لتولستوي
-         مجموعة قصص لدستوفسكي
-        المعلم الاول ومنديل أحمر لايتمانوف
-        مجموعة اعمال لبوشكين ..وغيرها
تكلم غائب طعمة فرمان عن  بغداد التي غادرها سنة 1954 منزوع الجنسية من قبل نوري السعيد . وقال انه مكث في القاهرة ، ثم عمل في الترجمة بالصين منذ سنة 1957 الى سنة 1959 و" أذكر انني ترجمت بعض اعمال كاتب صيني تشبه كتاباته كتاب غوركي إسمه (لوشين ) من الانكليزية الى العربية .ثم عاد الى العراق سنة 1959 ، بعد قيام الثورة في 14 تموز 1958  وبقي حوالي سنة ثم تم التعاقد معه كمترجم للعمل في موسكو وبعدها تم سحب جنسيته ثانية سنة 1963 مع الجواهري وعبد الوهاب البياتي ومحمود صبري ثم اعيدت الجنسية اليه سنة 1969 ، وعاد الى العراق لفترة قصيرة وتابع عمله في الترجمة بموسكو وكان في الكثير من السنوات يلبي الدعوة لحضور مهرجانات المربد في البصرة .
 يقول الاستاذ سليمان الشيخ المحرر والكاتب في مجلة (العربي ) :" يدهشك غائب طعمة فرمان في حضور تفصيلات دقيقة عن معالم الحارة البغدادية وأحيائها في روايته مع انها تركها منذ ثلاثين عاما ، ويدهشك الرصد المتأني الدقيق لنمط العلاقات والتسجيل للعلامات الفارقة بين المراحل والنقلات في حياة تلك الحارة . بغداد حاضرة ابدا في اغلب ما كتب ، سكنت فيه وتوغلت بناسها ونخيلها ودروبها وطرز بنائها القديم وعلاقات وانماط البشر فيها ولم يكن نقلا (فوتوغرافيا ) ما سجله راوية بغداد كما يقال عنه ، وليس تصويرا تسجيليا هو ما ضمته قصصه ورواياته الكثيرة بل كان نوعا من الرصد الفني للحياة والناس وللعلاقات والمواقف " .
وفي جواب على سؤال يتعلق بتأثره بما يقرأ قال الاستاذ غائب طعمة فرمان :" نعم أنا اتأثر بما أقرأ واعيش واتعايش واستفيد وأوظف ذلك ضمن اجتهاداتي وتوجهاتي وأسلوبي والقاسم المشترك الذي أثر في جيلي من الادباء العرب هم : ارسكين مالدويل ،ارنست همنغواي ، فوكنر ، شتاينبك ، تولستوي ،ديستوفسكي ، تورجينيف ، تأثرنا بأساليبهم وحتى في رسم الشخصيات حسب ما وردت في اعمالهم وشخصيا تأثرت بنجيب محفوظ  بناحيتي السرد والمعالجة القصصية " .اقرأ للكتاب العرب :يوسف ادريس ، وحنا مينة ، وجبرا ابراهيم جبرا .
وأضاف يقول :" واذا كان السياب ، ونازك ، والبياتي وغيرهم قد جددوا في مجال الشعر في الخمسينات ، فإن جيلنا من الروائيين والقصاصين قد دخل معترك التجريب ، والتجديد في البناء القصصي والروائي في الخمسينات ايضا .
"واجد ان الاجيال قد واصلت التجريب ، والتجديد واستطاعت تقديم منجزات جديدة على صعيدي القصة والرواية مثل محاولات محمد خضير ، وزكريا تامر وبعض محاولات عبد الرحمن مجيد الربيعي ثم تلا ذلك اجيال شابة اضافت ونوعت ولونت كمحاولات جمال الغيطاني ، وصنع الله ابراهيم ، وادوارد الخراط ، وصبري موسى ،وغسان كنفاني الذي اثر في تأثيرا كبيرا – ان في أدبه حرارة ، ودفقا ، وتواصلا مع قضيته وأعجبني يحيى خلف في "نجران تحت الصفر " ورشاد ابو شاور في "العشاق " ، واعجبتني كذلك سحر خليفة التي تبشر بظاهرة مميزة صريحة فيها شمولية وافق واسع ، ويعجبني أميل حبيبي ، والطاهر وطار الذي اعتبر ادبه ظاهرة جديدة تستحق الدراسة والتنويه ويعجبني ايضا رشيد بوجدرة ، واجد في ادبه اجواء واقعية تشبه اجواء الكاتب الكولمبي ماركيز كما يعجبني الدكتور عبد الرحمن منيف ..انه يكتب تجربة البحث عن بلد بإسلوب روائي مقتدر .
ينساب غائب طعمة فرمان في كلامه كالنهر ، ويتدفق ليؤشر بضعة محطات مهمة في حياته ، وتجربته القصصية والروائية فيقول ان " ذخيرة الكاتب التي لاتنضب حسب ما أرى هي طفولته ومرحلة تحسسه للاشياء والعالم " .. وعن الغربة ومدى تأثيرها في حياته وكتاباته ورؤاه التي سجلها في روايته :" المؤجل والمرتجى " قال :"ان الغربة لاتتيح لك تعمق علاقاتك بالناس وبالواقع بشكل حميم وانتمائي ..انها تبقيك على الهامش ..كما ان الغربة بالنسبة لي استمرت ومن الصعب الكتابة بشكل روائي عن شيء  مستمر .يقول همنغواي :اذا اردت الكتابة عن مشيغان فإنني انتقل الى باريس ..." اننا - كروائيين – كخيول السباق علينا ان نعرف من يقف في صفنا أو وراءنا أو أمامنا ، لذلك من الطبيعي ان اتابع نتاجات شتى الاجيال .واضيف على ذلك :" بأننا يجب ان نكون كأبناء القرى الصغيرة ايضا ..علينا ان نعرف كل الناس في كل بيوت القرية وما يحصل لهم وما يدخل على البيوت من تطورات وتغيرات " .
ويعترف غائب طعمة فرمان في انه  يفتقر في حياته الى معرفة النساء ، وغربته اسهمت في عدم اتاحة الفرصة له لاقامة علاقات حقيقية وكل ذخيرته عن النساء من حكايات وتجارب سمعها من امه وجدته ونساء الحي عندما كان صغيرا ، وفي هذا فهو يشبه ماركيز الذي قال إن جدته اثرت عليه كثيرا ومنحته الكثير من الصور والاحداث التي بنى عليها بعض قصصه .
ويميل غائب طعمة فرمان الى أيام الطفولة ، ونمط الحياة البسيط ، والعلاقات المترابطة ويستعيد في اعماله القصصية والروائية زقاقات الحي وعلاقاته مع امه وعجائز الحي وما كن يغلف السكان في الاحياء القديمة من شظف العيش والفقر الموزع او المتساوي في المصائب ...ان تسجيل انماط الحياة والعلاقات مع الاحياء القديمة ماهو الا محاولة لاعطاء المعمار الروائي نكهة الحياة الحقيقية وثمة حقيقة وهي انه ليس كل ما في الماضي سيئا ومذموما ...قد يكون في بعض الكتابة عن تجربة حياة حدثت في الماضي نوع من الحنين لافضل ما حواه الماضي ،لكن هذا لايعني ابدا وخاصة في ادبي – يقول غائب طعمة فرمان – إنحيازا لسيئات الماضي على حساب افضل ما يحويه الحاضر او ما هو مأمول في المستقبل ...ان عبد الواحد في رواية (ظلال على النافذة ) يبقى مشدودا روحيا الى حبه القديم بالرغم من انتقاله الى حي جديد ..انه يصور حالة التناقض بين الحيين الشعبي القديم والجديد فيقول : جو الحي الشعبي يشعرني بثقلي على الارض ، في حين أنني أشعر في الحي الجديد كأني تائه .ان ذلك كما ارى ليس انحيازا  الى الماضي وتفضيلا له على الجديد بل هو تصوير لنمط من الناس لايمكنه ان يتعايش بسهولة مع حالة البتر التي حدثت بين الجديد والقديم .ان الجديد ليس جيدا او جميلا في كلياته والقديم ليس سيئا ومذموما في كلياته ...في قصة ( ايفان إيليتش ) تصوير لموظف عادي ،تدرج حتى وصل الى مركز مرموق وعندما تحين ساعة موته يحاول ان يتذكر أجمل ما في حياته فلا يجد فيها إلا طفولته ،صور الطفولة تستعاد وتطغى على ما عداها بما فيها من إحساسات عفوية وصفاء وتطلع وتشوق الى مستقبل أفضل .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق