الأربعاء، 3 مايو، 2017

الصحراء " الغربية " كتاب الاستاذ الدكتور محمد علي داهش ا.د. ابراهيم خليل العلاف



الصحراء " الغربية " كتاب الاستاذ الدكتور محمد علي داهش
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس جامعة الموصل
من المؤكد تاريخيا انه تكن هناك مشكلة صحراوية للمغرب عبر التاريخ حتى سنة 18844 إذ إحتلت إسبانيا الأقاليم الجنوبية للمغرب سنة 1889 والتي عرفت لاحقا ب (الصحراء الغربية) . وعلى الرغم من إسترجاع إقليمي طرفاية 1958 وإفني 1969 ، إلا أن الإحتلال الإسباني ظل جاثماً على إقليمي الساقية الحمراء ووادي الذهب، وإستغل إقتصاد المنطقة بشكل بشع ومارس سياسة قائمة على التمهيد لإقتطاع الصحراء المغربية ومحاولة تكوين كيانية سياسية تحت الحماية الإسبانية. وكان للكفاح المغربي في أقاليمه الجنوبية أثره في كبح جماح النزعة الإستعمارية الإسبانية، والتي أجبرت الحكومة الإسبانية على الخضوع لمطالب المغرب الشرعية في إسترجاع حقوقهم في الأقاليم الجنوبية.
وفي سنة 19755، وبموجب إتفاقية مدريد التي عقدت بين المغرب وموريتانيا وإسبانيا، إنسحبت إسبانيا من المنطقة وتم إقتسامها بين المغرب وموريتانيا، وانسحبت موريتانيا سنة 1979 من إقليم وادي الذهب الذي عاد إلى حظيرة الوطن المغربي. ومنذ سنة 1973، ظهرت مجموعة من أبناء الصحراء المغربية ذات نزوع إنفصالي تشكلت من في أطر من السياسة الإسبانية، وانشأت ما عرف ب ( الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب ) ، والتي عرفت إختصاراً بإسم (جبهة البوليساريو) بقيادة مصطفى السيد الولي حتى سنة 1976، ومن ثم قيادة محمد بن عبدالعزيز.
إن جبهة البولساريو تشكلت داخلياً ودعمت خارجياً من قبل ليبيا (حتى سنة 19844) والجزائر حتى الوقت الحاضر، دعمت بكل أشكال الدعم العسكري والمالي والسياسي والإعلامي والدبلوماسي، وحظيت بمكانة دولية وبموقع في منظمة الوحدة الأفريقية (الإتحاد الأفريقي لاحقاً). وكان مطلبها الرئيس ، وما زال ، التأكيد على (حق تقرير المصير) والإنفصال عن المغرب ، وبخاصة بعد تأسيس التنظيم السياسي المشكل باسم (الجمهورية العربية الصحراوية ... ). وإستطاعت من خلال الدعم الليبي والجزائري أن تكسب إعتراف أكثر من 70 دولة . وطوال السنوات 1976 – 1991 ، دخلت في نزاع عسكري مع المغرب، وكانت بداية التسعينات من القرن الماضي ، بداية للدخول إلى الحل السياسي الذي مازال قائماً.
 وفي مطلع القرن الحادي والعشرين بذلت جهودا دولية لحل النزاع، إلا أنها لم تثمر عن نتيجة مرضية للطرفين، لتصلب موقف الطرفين بين الضم التام والإنفصال التام. وفي سنة 2007 قدمت حكومة المغرب حلاً وسطاً يراعي خصوصية سكان الصحراء بتقديم (مشروع الحكم الذاتي الموسع) ودارت حوله مفاوضات مازالت مستمرة بسبب تعنت جبهة البولسياريو.
 هذه التفاصيل وغيرها مما يتصل بالصحراء الغربية وردت بشكل موسع في كتاب ثالث جديد صدر في الآونة الأخيرة عن الدار العربية للموسوعات ببيروت للصديق العزيز الاستاذ الدكتور محمد علي داهش بعنوان : (الصحراء " الغربية " حقائق الإنتماء والآفاق المستقبلية) وقد اهداني مشكورا نسخة منه .
 في هذا الكتاب يستعرض الاستاذ الدكتور محمد علي داهش الواقع الجغرافي والتاريخي والإجتماعي والإقتصادي والثقافي للصحراء الغربية وينتهي بالتأكيد على أن سكان الصحراء، كانوا ، ومازالوا ، يشكلون جزءاً عضوياً من النسيج الإجتماعي والحضاري العام للمغاربة، ولم تكن لهم شخصية مستقلة عبر التاريخ. وكان إستقلال المغرب سنة 1956 بدايةً لمطالبة المغرب لإسترجاع أقاليمه الجنوبية.
 وفي هذا الجانب فند المؤلف زيف مصطلح (الشعب الصحراوي) الذي أسهمت في إخراجه السياسة الإسبانية منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية وعلى الأخص في ستينات القرن الماضي ، وتلقفته جبهة البولساريو ودعمته ليبيا والجزائر وبخاصة بعد سنة 1976 .
 ويؤكد المؤلف أن مشكلة الصحراء أصبح لها صدى عربي وأفريقي وعالمي من خلال الدعم الجزائري خاصةً، حتى تسعينات القرن الماضي . وبعدها بدأت مسيرة التأييد العربي والأفريقي والدولي تتراجع وتنسحب تباعاً، ولم يبق َ من يؤيد الإنفصال الصحراوي إلا عدد قليل جدا من الدول لايعد الا على اصابع اليد الواحدة .
 منظمة الوحدة الأفريقية (الإتحاد الأفريقي حالياً) ومنظمة الأمم المتحدة، الوصول إلى حل معقول على الرغم من المشاريع المطروحة منذ نهاية القرن الماضي وحتى مطلع القرن الحادي والعشرين.
في سنة 20077 بادر المغرب بطرح مشروع الحكم الذاتي ، إذ تراجع المغرب عن هدف الضم التام في مقابل تراجع الجبهة عن مطلب الإنفصال. وبذلك يؤكد المؤلف أن حكومة المغرب أكدت الإعتراف بخصوصية أقاليمها الجنوبية والتي أكدها الملك الحسن الثاني منذ سنة 1975 . إن مشروع الحكم الذاتي الموسع الذي طرح في عهد الملك محمد السادس نال تأييداً عالميا واسعاً لأنه أعطى للسكان المغاربة في الصحراء وضعاً قانونياً متميزاً يراعي خصوصية المنطقة وسكانها.
 في الفصل الأخير من الكتاب، قدم المؤلف عرضاً لمسيرة المفاوضات المتعثرة بين الطرفين حتى الوقت الحاضر، وطرح بعض الآراء التي تسعف بتقديم رعاية أفضل للسكان المغاربة في صحراءهم ، ذلك انهم عانوا من التشرد والمنافي والحرمان.
 من محاسن هذا الكتاب وأهميته أنه يؤكد ضرورة العمل من أجل الحفاظ على الوحدة الوطنية والترابية والسيادية للمغاربة إنطلاقاً من الهوية الجامعة المضمونة بحقوق تاريخية وإجتماعية وإقتصادية وسياسية وحتى كفاحية، وعليه بات من الضروري عودة الوعي المهاجر للزعامة الجديدة بعد رحيل الزعامة التاريخية التي كانت ممثلة بالراحل محمد بن عبدالعزيز سنة 2016، ومجيء قيادة جديدة بزعامة ابراهيم غالي، والتبصر بعمق بحقيقة الإندماج الكبير والجهود التنموية للمجالات البشرية والإقتصادية والحضارية العامة التي بذلتها حكومة المغرب وعبرها غيرت معالم الحياة والواقع الصحراويين، كما انه لابد من مراعاة حقيقة التراجع الدولي عن التأييد لهذه الجبهة وجمهوريتها الهشة، بإعتبار أنها أصبحت تغرد بعيداً عن الوطن المغربي وخارج الزمن الذي يسير بالإتجاه المعاكس لأهدافها.
ابارك جهود صديقي وأخي الاستاذ الدكتور محمد علي داهش  في تكوين مكتبة تاريخية عراقية معاصرة ببعدها المغربي والذي سبق ان كتبت عنه من خلال متابعتي لسيرة ومؤلفا الاستاذ الدكتور محمد علي داهش عبر عقود طويلة ابتدأت منذ ان اشرفت على رسالته للماجستير في الجامعة المستنصرية وكانت عن (جمهورية الريف في مراكش ) .اتمنى له دوام التألق والابداع .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق