الخميس، 24 ديسمبر، 2015

المؤسسة العسكرية الآشورية في العصر الامبراطوري* د.عبد العزيز الياس سلطان*

المؤسسة العسكرية الآشورية في العصر الامبراطوري*
د.عبد العزيز الياس سلطان*

قسم الحضارة - كلية الآثار-جامعة الموصل
المقدمة
        كان لقيام الامبراطورية الآشورية ونهضتها خلال العصر الآشوري الحديث عوامل عدة هيأت الظروف اللازمة لنموها وتعاظمها وازدهار حضارتها اذ ان ما حققه الآشوريين من انتصارات عسكرية متلاحقة ونمو متزايد في القوة لم يكن طارئاً او مفاجئاً املته احداث عابرة او قوة عسكرية مؤقتة بل لابد وان كانت وراء ذلك عوامل عدة ساهمت جميعها في نهضة الآشوريين، ولعل قوة الجيش الاشوري وحسن تنظيمه وتدريبه وتسليحه من بين اهم العوامل التي كانت وراء قوة الدولة الاشورية وتعاظم نفوذها وتوسعها حتى اصبحت واحدة من اعظم الامبراطوريات في تاريخ الشرق الادنى القديم.
قوة الجيش الآشوري وتنظيمه واسلحته
        يعد هذا العامل الاهم من بين عوامل نهضة الآشوريين، فقد كان لحجم التحديات الكثيرة والكبيرة لزاما على الآشوريين ان يعملوا جاهدين من اجل تثبيت اركان امبراطوريتهم وحماية حدودهم لمواجهة التحديات والقضاء على الاخطار التي تهدد كيانهم السياسي، وذلك من خلال تجريد وتجهيز الحملات الحربية المتتالية على مختلف الجبهات ومواجهة الاخطار حتى لايكاد يخلو زمن أي ملك آشوري حكم خلال هذا العصر من قيامه بحملة عسكرية او اكثر الى الحدود الخارجية لاخضاع المتمردين واجهاض مكامن الخطر والتحديات الى درجة طغت الناحية العسكرية على حياة الدولة الآشورية عامة(1) غير ان مجرد القيام بالحملات العسكرية من دون الاعتماد على القادة الاكفاء وتنظيم قطعات الجيش واسلحته .
القطعات العسكرية
كان نظام الحرب والجيش محور المجتمع الآشوري ، حيث كان الجيش الآشوري يعد من الجيوش المشهورة في التاريخ القديم ، اذ كان يمتاز بنوعية جنده واعدادهم وعدتهم ونظام التدريب والضبط الصارم ، وكانت بداية تكوينه تعتمد على متطوعي طبقة الفلاحين الاشداء من بلاد آشور حصرا ، وبتنامي قوة الآشوريين واتساع رقعة بلادهم اصبح هذا المصدر بمرور الزمن لايكفي لتموين ورفد الجيش بالمحاربين ولاسيما منذ بداية الامبراطورية الآشورية الثانية ،  حيث بدأ الملوك الآشوريين يشكلون جيوشا من اهل الولايات والمقاطعات والاقاليم التابعة لهم ، اذ كان على كل وال او حاكم أن يجهز الجيش الآشوري بعدد من الجند مزودين بالسلاح ، واختصت كل ولاية او مقاطعة اواقليم بامداد الجيش الآشوري بصنف معين من المحاربين 0 اما الآشوريين من طبقة الاحرار فظلوا يدعون الى الخدمة العسكرية في الجيش الآشوري ، ولكن كانوا يرفدون قوات الملك بعبيدهم بعد أن يجهزونهم بالسلاح وعدة الحرب 0 وتشمل القطعات العسكرية التنظيم والتدريب : -
1 0 التنظيم
بلغ الجيش الآشوري من التنظيم والعدة شأنا كبيرا في العهد الآشوري الحديث ، فتمكن الآشوريون أن يبسطوا نفوذهم الى مناطق بعيدة كوادي النيل وارمينيا وبلاد عيلام وبصورة خاصة في زمن الملك آشور – بانيبال ، واصبح لديهم جيش دائم ( ثابت ) مهيء للقتال طيلة ايام السنة ، وقد بلغ تعداده اثناء التعبئة الكبرى عند القيام بعمليات حربية مايزيد على المائتي الف مقاتل ، سيما في الفترة السرجونية ، اما في اوقات السلم فان عدده كان اقل من ذلك بكثير ، ومن المحتمل أن يكون حوالي العشرين الف مقاتل من المشاة والنصف الاخر من صنف الخيالة والعربات (2)  0 كان الجيش الآشوري في عهده الحديث مكون من ثلاثة تنظيمات ، هي : -
آ 0 الجيش الدائم
اولا 0 تكوينه 
        كان الجيش الآشوري في بداية تكوينه عبارة عن جيش صغير العدد مقارنة بالجيوش الحالية ، ويتكون من القوات المختارة ( الصاعقة ) في الوسط وحولها الحرس الملكي وابناء الذوات ،  كان في بداية تكوينه ممثل بالحرس الملكي 0 الذي يسمى كصر شروتي (المجموعة الملكية )(3) 0 يتم تعيينهم من قبل الملك مباشرة ، وكان هذا الجيش يعتمد في تشكيله على الآشوريين حصرا ، ولكن بعد أن تطور وتوسع هذا الجيش تطلب أن تدخل فيه عناصر اخرى من غير الآشوريين ، وذلك لامتداد نفوذ الآشوريين وتوسع رقعتهم الجغرافية ، ولان هذا التوسع يحتاج الى جيش كبير وقوي 0 فبدأ هذا التوسع في الجيش الآشوري منذ زمن الملك الآشوري تجلات – بلاسر الثالث(4) 0
ثانيا 0 واجباته
كان هذا الجيش على اهبة الاستعداد للتحرك عند حدوث أي طاريء ، يستخدمه الملك لحمايته الشخصية وللقضاء على التمردات الداخلية عند حدوثها 0
ثالثا 0 ثكناته 
كانت لهذا الجيش معسكرات دائمية بالقرب من المدن الآشورية المهمة والرئيسية القديمة كمدن آشور ونينوى والنمرود وخرسباد 0 وعندما اهملت مدينة النمرود من بعد زمن آشور – ناصر بال الثاني اصبحت حصنا او مقرا للقوات الآشورية حيث كانت تخزن فيها الاسلحة والتجهيزات الخاصة بالجيش الآشوري كما كان مخزنا للغنائم التي يحصل عليها الملوك من خلال حملاتهم الحربية(5).
ب 0 الجيش الاحتياطي
اولا 0 تكوينه
           كان هذا الجيش المسمى ( كترو Kitrle /او خماتو hamatu) (6)0 من الجنود الذين ترسلهم الولايات والمقاطعات والاقاليم المختلفة والتابعة للدولة الآشورية حيث يقوم كل والي او حاكم مقاطعة او اقليم بارسال عددا من الجند المجندين يتناسب تعدادهم مع عدد سكان الولاية او المقاطعة او الاقليم ويزودهم الوالي او حاكم الاقليم او المقاطعة بالسلاح وعدة الحرب ، وكانت كل ولاية او اقليم او مقاطعة مختصة بارسال صنف معين من صنوف الجيش ، وربما كانت هذه القطعات تنظم وفق الاسس والقواعد القبلية والقومية 0 فالخيالة من ايران وبلاد ماذي والقبائل الارامية ، والجمالة من القبائل العربية ، والمشاة من بلاد الاناضول وبلاد الشام(7) 0
ثانيا 0 واجباته
        تكون الحاجة اليه والدعوة له في اوقات التعبئة العامة والنفير والتهيؤ  للقيام بحملات عسكرية ، او عند ورود معلومات بوجود خطر يهدد أمن البلاد ، اذ لايمكن الاحتفاظ بجيش كبير احتياطي مثل هذا في وقت السلم ، لان ذلك يتطلب نفقات كبيرة تقوم الدولة بانفاقها عليه من تهيئة ثكنات وارزاق وتجهيز الذي يضعف كاهلها ويخلق لها ازمات اقتصاديه يصعب حلها(8) 0
ج 0 المرتزقة
اولا 0 تكوينه
        كانت مصادر رفد هذا الجيش المسمى ( صب خفشي sab hupsi) 0 من الاسرى في الحروب السابقة ومن الاقوام التي يتم تهجيرها من منطقة الى اخرى جديده تحت نفوذ الامبراطورية الآشورية 0 ولذلك كان الكثير من سكان الولايات والمقاطعات والاقاليم التابعة يتطوعون في الجيش الآشوري بصفتهم جنودا مرتزقة(9) 0
ثانيا 0 واجباته 
        كانت الحاجة اليه عندما يتم تجهيز حملة كبيرة او اكثر من حملة واحدة في آن واحد ، وحسب قوة العدو اذا كان اكثر من عدو في آن واحد ومن اتجاهات مختلفة المزمع توجيه الحملة اليها ، ولكن لم يكن يزجوّ في المعارك التي تجري في بلادهم الاصلية التي هجروا منها ، الا أن الآشوريين نراهم قد خالفوا ذلك ، اذ استخدموا الاسرى ضد مواطنيهم احيانا(10).
2 0 القيادة والسيطرة
ان ارتباط قيادة الجيش الآشوري يكون بالملك شخصيا ، ومن خلاله اصدار الاوامر الى الجيش الدائم مباشرة ، وتولى قيادة الحملات الحربية بنفسه في معظم الاحيان والتي كان لها اهمية خاصة ، في حين كانت توكل مهمة قيادة الحملات الاقل اهمية الى احد القادة العسكريين او احد الولاة او حكام المقاطعات والاقاليم الآشورية التابعة (11)  0
3 0 الصنوف
كانت صنوف الجيش الآشوري في باكورة تكوينه مختصره على صنف المشاة (12) 0 وبعد تجهيز الخيل في زمن الملك الآشوري توكلتي – ننورتا الثاني ( 890 – 884 ) ق0م خلال حملته على بلاد نائيري ، اذ حمل ملكها مسؤولية تجهيز الخيل للجيش الآشوري(13) 0 وعند ذاك ادخل صنف الخيالة او الفرسان الى الجيش الآشوري ، وادخل الجيش الآشوري صنف  المركبات ، وادخل لاحقا صنف الكبائش (14)  0 وهذه الصنوف هي : - 
آ 0 صنف المشاة
كانت صنوف الجيش الآشوري تضم المشاة بالدرجه الاساس ، وهو على قسمين: -
اولا 0 المشاة بالاسلحة الخفيفة
وهم المشاة الذين يحملون بايديهم الاسلحة الخفيفة كالسهام والرماح والمقالع 0 ولباسهم الجلباب القصير(15) 0
ثانيا 0 المشاة بالاسلحة الثقيلية 
وهم المشاة الذين يحملون بايديهم سيوفا قصيره او فؤوسا او دبابيس ، ومنهم الرماحة الذين كانوا ينتعلون الجزمة النصفية التي تغطي اسفل الساق ويحمون انفسهم بارتداء الزرد ، ويحملون تروسا مستطيلة قد تكون اطول من الجندي في بعض الحالات ، بينما يلبس رماة السهام والرماحة على رؤوسهم قبعات مخروطية الشكل ذات عرف او ريشة على غرار خوذة المحارب الاغريقي(16) 0  ويحملون الرايات والملابس الملونة حسب القطعات او الصنوف 0   ب 0 صنف الخيالة
صنف الخيالة ( الفرسان ) يكون خفيف الحركة وسريع المناورة  ، الغرض منه لمعالجة أي طاريء قد يحدث اثناء المعركة كحركة الالتفاف او التطويق او الخرق او ضرب احد الاجنحة وغيرها ، ويكون سلاح الفرسان الرماح الطويلة والحراب والفؤوس 0 وكانوا موحدي اللباس ، يمتطون الخيول وهي عارية ( بدون سروج ) ، كما اصبحت الخيول تحمى بالزرد في عهد السلالة السرجونية (17)0 وصنف الخيالة في الجيش الآشوري يمثل صنف المشاة الالي في الجيوش الحالية 0

ج 0 صنف المركبات
ادخل الآشوريون الى جيشهم صنف المركبات ( العربات الحربية ) ذات العجلتين التي تجرها الخيول ، كان هذا الصنف يزج في المعارك التي تجري في الاراضي المفتوحة (المنبسطة ) ، الغرض منه لتفريق تشكيلات العدو القتالية اثناء احتدام المعركة ( تشكيلات معركة العدو ) وارباك صفوفهم ، وكان القتال منها بالسهام الى جميع الجهات ، وكانت كل مركبة تحمل ثلاثة او اربعة محاربين(18) 0 وصنف المركبات يضاهي الصنف المدرع في الجيوش الحالية 0
د 0 الكبائش
من الصنوف الاخرى التي ادخلها الآشوريون الى جيشهم لاحقا هي صنف ( الكبائش) او ماتسمى الات الحصار ودبابات النقض ، حيث تمكن الآشوريون من استغلال معدن الحديد في صنع الاتهم ومكائنهم الحربية خلال عهدهم الحديث 0 وهي الآلات الضخمة كالدبابات التي كانت تستعمل لدك الحصون والاسوار والقلاع المنيعة باحداث ثغرات فيها او التسلق اليها، والتي لايمكن للجيش من اختراقها من قبل المشاة اوالفرسان او العربات الحربية(19) 0
هـ 0 صنف الهندسة
كان يدير شؤون الآلات الكبائش صنف خاص في الجيش الآشوري هم المهندسون والفنيون الذين يعهد اليهم ايضا مهام ردم خنادق المياه المحيطة بالمدن لحمايتها ، وحفر الانفاق تحت الارض للدخول الى المدن المحاصرة التي لايمكن الدخول اليها في الوقت الذي يمطر الجند المهاجمون المحاصرون بوابل من القذائف وهم في ابراج ثابتة او متحركة لحمايتهم 0 وكذلك فتح الطرق الوعرة امام تقدم الجيش ، وتهيئة معدات عبور الانهر للجيش(20). وهي تماثل صنف الهندسة العسكرية في الجيوش الحالية 0
4 0 نظام المعركة
آ 0 تنظيم الوحدات
من المؤكد ان عدد القوات الآشورية كان ضخما في اوقات الحرب مما يستلزم تقسيمها الى اكثر من جيش واحد ، حيث يكون لكل جيش تقسيمات ادارية اخرى اصغر.
اولا 0 فاكر
ان اكبر هذه التقسيمات ضمن الجيش الآشوري الواحد سميت ( فاكر ) التي تقابل الفرقة او الفيلق في الجيش الحالي ، ولكن من الصعب تحديد عدد الجنود الذين يتضمنهم هذا المصطلح ، الا انه من الممكن أن يضم اكثر من عشرة الاف مقاتل (21)  0


ثانيا 0 كدودو
         ان رسائل ماري من القرن الثامن عشر قبل الميلاد تشير الى وحدات عسكرية تشمل عشرة الاف مقاتل وكذلك وجود وحدات اخرى مؤلفة من ثلاثة الاف او الفين او الف مقاتل ، وبالرغم من أن هذه الرسائل سبقت العهد الآشوري الحديث بعشرة قرون ، الا انه يجوز لنا الافتراض بان مصطلح ( كدودو ) الآشوري قد يعني وحدة عسكرية لايقل تعدادها عن الالف مقاتل ، أي مايقابل لواء في الجيش الحالي(22) 0
ثالثا 0 كصرو
تعني ( كصرو ) مجموعة من المقاتلين لايقل عددهم عن مائة جندي ولا يزيد على الالف ، وبذلك يكون هذا المصطلح يعني الفوج او السرية كما في الجيوش الحالية (23)  0
رابعا 0 خمشاتو
ينقسم ( الكصرو ) الى وحدات اصغر منه تسمى كل واحدة منها ( خمشاتو ) ، أي الخمسين ، وهو مايقابل الفصيل حاليا (24)  0
خامسا 0 عشرتو
 يقسم الخمشاتو بدوره الى مجموعات ، كل واحدة منها تسمى ( عشرتو ) ، أي عشرة مقاتلين وهي ماتقابل الحضيرة في تنظيم الجيوش الحالية (25)  0
سادسا 0 المفارز
هناك ذكر لثلة مؤلفة من خمسة اشخاص في احدى الرسائل الا انها لم تذكر ضمن النصوص المسمارية العسكرية ، وهذه ربما استخدمت كتسمية لمجموعات صغيرة كالمفارز في الجيوش الحالية تستخدم في اغراض خاصة كالاستطلاع او القيام بمهام الدوريات (26)  0
ب 0 الرتب العسكرية
        ذكرت في النصوص المسمارية القاب ورتب القادة العسكريين والامراء ، امثال (ترتانو ) و ( الرابشاقة ) وهي اعلى رتبة عسكرية في الجيش الآشوري ، وتعني القائد العام للجيش 0 كما وردت رتب بعض امراء المجموعات الصغيرة ، مثل ( الراب موكي ) و(الراب كصيري ) ، أي امر الخمسين وامر العشرة ، بما يماثل امر الفصيل وامر الحضيرة في تنظيم الجيوش الحالية (27)  0 
5 0 اساليب القتال
      ان من خلال عمل الجيش الآشوري في مختلف البيئات والظروف المناخية فقد مارس التدريب على مختلف اساليب القتال وفنون الحرب ، ومنها نصب الكمائن والاستطلاع والهجوم المباغت 0 والهجوم الاجهاضي كما فعل سرجون الثاني في حملته الثامنة على اورارتو (28)  0
ومن خلال رسائل ماري والمنحوتات الآشورية البارزة التي عثر عليها في القصور الملكية في مدن النمرود ونينوى وخرسباد 0 التي هي على قدر كبير من الاهمية ليس في دراسة فن الحرب فحسب بل انها كانت مصادر اساسية في فهم الحضاره الآشورية (29)  0 اذ استطاع من خلالها الباحثون التعرف على تنظيم الجيش الآشوري وصنوفه العاملة ونظام المعركة وتشكيلاته والرتب العسكرية فيه 0
6 0 التشكيلات
آ 0 تشكيلات القتال
اولا 0 في المناطق المفتوحة
يعتبر صنف جند المشاة من اهم الصنوف المقاتلة التي تشترك في قتال المناطق المفتوحة اضافة الى الخيالة والمركبات ، وكان تقدم القطعات في المناطق المفتوحة على جبهة واسعة ، حيث كان القتال على شكل صفوف متراصة تتقدمهم المركبات تليها الخيالة ، في حين كان يقوم جنود المشاة باسناد تقدمها بالنبال ، وعندما تكمل الخيالة والمركبات عملية الاقتحام للجبهات المعادية وفتح الثغرات في صفوف جبهات العدو ، يقوم المشاة عندئذ بالهجوم والاشتباك لاتمام عملية الاقتحام ، وبعد أن يتم ذلك تشترك بقية القوات في القتال ، وكان الآشوريين في مثل هذا النوع من القتال يركزون في هجومهم على قيادة العدو ( القلب)، اذ ان اندحار القياده يشل قدرة الاعداء في صد الهجوم واستسلامهم او هروبهم ، وان سنحاريب وجه همه في المعركة التي خاضها ضد الاحباش على ضرب قوتهم الضاربة من خلال المركبات مما اضطرهم الى الهرب ، واستطاع اقتحام مدنهم بواسطة الات الحصار المتعددة ، وكانت فلول القوة الهاربة تطارد من قبل الخيالة والمركبات في مثل تلك الساحات المفتوحة(30) 0   
ثانيا 0 في الاراضي الجبلية
                كانت تختلف تشكيلات القتال في الاراضي الجبلية عنها في المناطق                  المفتوحة ، فجند المشاة كانت مواقعهم في الامام لاقتحام قوة العدو ، ومن ثم تشترك الخيالة والمركبات فيما اذا ساعدت ارض المعركة على ذلك ، في حين يتقدم جند المشاة حملة الاتراس لحمايتهم من سهام العدو ، لكن المركبات تفقد الكثير من خواصها القتالية في الاراضي الجبلية حيث أن استخدامها يسبب ارهاقا وتاخيرا في حسم المعركة ، ويتجحفل مع القطعات العسكرية عندما تسير في المضايق والممرات والطرق الوعرة العمال والمهندسين العسكريين ( الهندسه العسكريه حاليا ) الذين يكون واجبهم تسهيل مرور القطعات واسلحتها الثقيلة ، فاذا تعذر على المركبات صعود المناطق المرتفعة او المسالك الوعرة او الخنادق ، فانها تجزأ وتحمل على الاكتاف او تسحب بواسطة الحبال ، واما اذا كان العائق نهرا فتجزأ ايضا وتحمل في قوارب ، ويعتمد هذا النوع من القتال على مبدأ المباغتة ، الذي يحتاج الى قوة قليلة العدد خفيفة المعدات والتجهيزات وراقية التدريب وسريعة الحركة والصفة المختارة من المحاربين ، والملاحظ أن الآشوريين عندما كانوا يتقدمون في اراضي جبلية لايزجون بكل قواتهم في القتال ، اذ غالبا مايكون ميدان القتال لايساعد على ذلك ، ولخوفهم من مباغتة العدو لهم ، لذلك فقد كانوا يعسكرون بالقرب من منحدرات الجبال متحصنين بالعوارض الطبيعية ، ويقومون بارسال قوات كافية الى مكامن القوات المعادية لتقوم بدحرها والقضاء عليها  ، وكانت قطعاتهم تسير خلال المسالك الوعرة في الجبال بالزكا المفرد او المزدوج لتقليل الخسائر في حالة هجوم معادي مباغت ، وكانت قطعاتهم تقاتل في الاراضي الجبلية بجماعات صغيرة متفرقة في ارض قتال واسعة ، وكان جند المشاة عادة يستخدمون في عملية تمشيط المنطقة الجبلية من الاعداء تسندهم في ذلك احيانا الخيالة اذا كانت المنطقة تساعد على ذلك ، ولاسيما اذا كانت المطاردة تتطلب سرعة الحركة (31)  0
ثالثا 0 في حصار المدن والقلاع
كان لتشكيلات القتال في حصار المدن والقلاع له خصائصة ، حيث انه قتال في اقتحام التحصينات والمنعات تعجز الصنوف عن تاديته ، لذلك ابتكر الآشوريون صنفا جديدا مزود بمعدات والات حصار لانجاز هذا الواجب ( الكبائش ) ، بفتح ثغرات في هذه التحصينات او تسلق القلاع والاسوار تمهيدا لدخول جند المشاة لاحتلالها ، واصبح هذا الصنف نفيضة ( مقدمة ) القطعات المتقدمة نحو اسوار المدن والقلاع ، يحتمي خلفها الرماة والمقلاعيون ، وقد يبلغ عدد كل نوع من الات الحصار المستخدمة في المعركة الواحدة بالعشرات ، ويحتمي خلف كل واحدة من الات الحصار جند المشاة على شكل صفوف ثلاثية، يكون حامل الترس في الوسط واحيانا بدونه ، وتتكون هذه المجموعة المحتمية بالة الحصار من خمسة الى عشرة صفوف ، وقد تضم وراءها مقلاعيون ، وبذلك يبلغ عدد الجند خلف كل الة حوالي خمسين جنديا ، تكون مهمتهم ايصال الة الحصار الى موضع عملها بتوفير نار ساتره ( اطلاق سهام متواصل ) لحمايتها اثناء التقدم نحو الهدف ( الاسوار ) ، ولاشك ان هذه المجموعة كانت تحمي نفسها بالاتراس اثناء التقدم ، وبعد وصول هذه الالات الى الاسوار تنتشر المجموعة اسفل الاسوار فتقوم بواجب الهدم والتسلق في حين تقوم الدبابات (الكبائش ) باحداث الثغرات والهدم في اسوار القلاع ، وهؤلاء المحاربين العاملين في تشغيل الات الحصار وفي الهدم محميين من سهام العدو من قبل رماة الجيش الآشوري الذين يشاغلون المدافعين ( المحاصرين ) بنبالهم وحجارتهم ، وليس لصنف الخيالة والمركبات  دور في هذه التحضيرات للاقتحام ، واحيانا تنجز عملية الاقتحام عن طريق التسلل(32) 0
رابعا 0 في الاهوار
ان القتال في الاهوار كان عبارة عن مطاردات نهرية محدودة حيث يعتبر رماة النبال العنصر الاساس فيها ، والآشوريون يلجأون الى مثل هذه المناوشات مضطرين بسبب فرار اعدائهم ، ويقوم حملة الاتراس بواجب الحماية للرماة والمساعدة في القتال عند الاشتباك القريب ، وكان القارب او القفة لايحمل اكثر من خمسة اشخاص وذلك لتأمين السرعة اثناء المطاردة ، والقوات المشتركة لاتكون على نسق معين اثناء القتال بل انها تكون منتشرة في اماكن عديده وبعدد قليل ، حيث ليس بمقدرة القاده الآشوريين أن يسمحوا لقواتهم بالتوغل بعيدا في مثل هذه المعارك في الاهوار وذلك :
1 0 لعدم امكانية قواتهم على الصمود في المطاردة النهرية البعيدة بسبب فقدان السيطرة 0
2 0 لم يتعودوا على مثل هذا النوع من القتال لانها ليست بيئتهم 0
3 0 كون المنطقة المحيطة بهم غير آمنة ، وبصوره خاصة اذا كانت فيها قوى معادية مثلما هو الحال في بلاد بابل ، فهذا الملك الآشوري سنحاريب يقول : ( ارسلت محاربي الى كوزمانو في وسط الاهوار والمستنقعات ، فتشوا عنه خمسة ايام ، الا أن مكان مخبأه لم يجدوه ) (33)  .  
ب 0 تشكيلات السلم
يقصد بتشكيلات السلم هو مسير الجيش في وقت السلم ، كان على نوعين : 
اولا : تشكيلات التقدم
هو المسير اثناء تقدم الجيش في منطقة امينة ومسالمة او عند العودة من القتال . 
ثانيا : تشكيلات الاستعراض
اما تشكيلات الاستعراض فيقصد به مسير القطعات العسكريه امام الشعب في وقت السلم لبيان القوه والتباهي ، حيث كانت تشكيلات القطعات الاستعراضيه الآشوريه تسير وفق اسلوب معين ، وان تشكيلات الاستعراض الآشورية لم تكن تختلف كثيرا عما كان مستخدما في السابق عند السومريين بل تكاد تكون واحدة مع بعض التغيرات البسيطة التي ادخلها الآشوريون بحكم التطور العسكري في عدد وتنوع التجهيزات والمعدات (34)  0 كان ترتيب مسير الاستعراض بالتسلسل وكما يلي :
 ( 1 ) الرايات
كانت الرايات ( الشارات ) الآشورية تتقدم مسير الاستعراض ، وبصورة عامة تنظم بحيث كانت ترفع على اعمدة يحملها الجند ويرافقها كاهن او عراف من صنف ( كالو ) يسير في مقدمة القطعات العسكرية المتقدمة ، وهذه الرايات تمثل او ترمز الى الهة الحرب (35) 
( 2) الموكب الملكي
من بعد الرايات ياتي الموكب الملكي اومايسمى الرتل الملكي ، ويتضمن (36)  : -
( آ )  الملك
       الذي يكون اما راجلا او راكبا في مركبته يحيط به الحرس الملكي ، ويصطحب معه :
( اولا ) ترگمانو
أي الترجمان الخاص بالملك 0
( ثانيا ) باروتي 0
العراف او المتنبيء بالغيب الخاص بالملك 0
( ثالثا ) دب – شرشري 0
الكاتب الخاص بالملك 0 
( ب ) كبار الضباط والموظفين
        يسير خلف الملك عادة كبار ضباط الجيش الآشوري وموظفي الدولة 0
( ج ) الموسيقيون 0
        يرافقون الموكب ( الرتل ) الملكي اثناء العزف والغناء 0 
( د ) الاسرى والغنائم
       كان موقع الاسرى والغنائم في مسير الاستعراض خلف الرتل الملكي لدى العودة من
       القتال عند دخول العاصمة 0
( هـ ) الخيلانو
    ثم كانت تاتي قوة من المقاتلين الاشداء سمّو بـ ( الخيلانو ) ( يمثلون الصاعقة في الجيوش الحالية) الذين يرافقون الملك عادة وهم من الخيالة وجنود المركبات الجاهزة لعمليات الاستطلاع 0
( 3 ) الجيش
    بعد هذا الرتل الملكي تاتي ارتال الجيش التي تشمل جميع القطعات العسكرية المشاركة في القتال والقوات المستعرضة ، وهي:-  
( آ ) القوات المقاتلة 
   هي القوة الاساسية المتمثلة بالقوات المقاتلة من الخيالة والمركبات الذين من المحتمل انهم كانوا يسيرون مترجلين اثناء مسير الاستعراض كي لايرهقون حيواناتهم من ناحية ، ولتكون سرعة تقدمهم مناسبة لسرعة تقدم بقية القطعات المترجلة ، هذا باستثناء اوقات دخولهم الى المدن الآشورية (37)  0
( ب ) رماة النبال
ومن ثم يتقدم جند المشاة رماة النبال  ، وبجانب كل واحد منهم حامل ترس (38)  0
( ج ) المقلاعيون
وكذلك المقلاعيون من حملة المقاليع أن وجدوا متجحفلين مع القوات (39)  0
( د ) الهندسة العسكرية 
في مؤخرة القطعات تاتي جماعة المهندسين العسكريين ( الهندسة العسكرية في الجيوش الحالية ) الذين اذا مااصبح الطريق وعرا او معترضا بعائق مائي فيكون موقعهم في مقدمة القطعات العسكرية لتسهيل سيرها اثناء المسير خارج المدن وفي التقدم  (40)  0
( هـ) النقلية العسكرية
واخيرا تاتي النقلية العسكرية والتي تشمل الخدمة الادارية التي تؤمن متطلبات الجيش من مؤن وذخائر مع الاتباع والخدم محملة بالعربات ومكانها في مؤخرة الجيش (41)
الاحتفال بالنصر
اثناء العودة من القتال منتصرين كان يقوم الموسيقيون بعزف اناشيد النصر اثناء السير ، وحال وصول الجيش العاصمة يقومون بالعزف امام القطعات العسكرية التي تتوجه في موكب مهيب الى المعبد الرئيسي للمدينة ، يحضر الملك الى المعبد ليقوم بالطقوس الدينية وسط عزف الموسيقى احتفالا بالنصر ، ويجري بعد ذلك توزيع الاسرى والغنائم حيث يكون الملك واقفا ويكون في مقدمة الرتل كبار ضباط الجيش الآشوري ، وبعد ذلك تقام حفلة بمناسبة الانتصار يدعى اليها جميع المواطنين ويحضرها الملك ، وتتلى اثناء ذلك حوادث الحملة ( التي دائما تكتب في مسلاتهم او حولياتهم ) يصاحبها الغناء والموسيقى (42)0
7 0 التدريب
       تميز الجيش الآشوري بصلابة افراده وشجاعتهم ، وكان للمعارك الكثيره التي خاضها الجيش الآشوري في بيئات مختلفة وظروف متباينة الاثر الكبير في اكسابه الخبرة والقدرة القتالية العالية والتدريب الجيد في مختلف البيئات والظروف ، ويمتاز ايضا بسرعة الحركة والمناورة ، اما المعنويات في الجيش الآشوري فكان للشعور العام لدى الناس بان القيام باية حملة عسكرية هو في الواقع تنفيذ لارادة الاله ( آشور ) واوامرها التي اوصتها للملك الآشوري ، له الاثر الكبير في رفع معنويات الجيش الآشوري بصورة عامة والجندي المقاتل بصوره خاصة وذلك من اجل ارضاء الالهة 0
كان كل رجل قادر على حمل السلاح يكون خاضعا للتجنيد اذا ما اعلن الملك عن عزمه القيام بحملة عسكرية ، وهذا الاجراء يمثل تشكيل الجيش الاحتياطي في داخل بلاد آشور ، الا اذا تمكن احد من الحصول على اعفاء من الخدمة العسكرية لسبب ما ومن قبل لجنة مخصصة لهذا الغرض ، التي تبدأ اعمالها قبل تجهيز الحملة ، وبالتالي يجب أن يكون السبب مشروعا ومقبولا من قبل اللجنة (43)
*يقدم الدكتور عبد العزيز الياس سلطان الشكر والتقدير  للباحث علي شحيلات على جهوده وتقديمه المساعدة وبارك الله به . 

هوامش البحث
1- سليمان، عامر، الجيش والسلاح في العصر الآشوري، الجيش والسلاح ج1، بغداد، 1988، ص237.
 2- عبد الله، يوسف خلف، الجيش والسلاح في العهد الاشوري الحديث 911-612 ق.م، رسالة ماجستير منشورة، بغداد، 1977، ص93.
3- عبد الله، يوسف خلف، المصدر السابق، ص94.
4- باقر، طه، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، ج1، ط2، بغداد، 1986، ص503.
5- cad.h.p.61, k, p.467
6- رو، جورج، العراق القديم، ترجمة حسين علوان حسين، ط2، بغداد، 1986، ص463.
7- عبد الله، يوسف خلف، المصدر السابق، ص96.
8- Wilson J.K.The Nimrud wine lists. London 1972, P.58
9- باقر، طه، المصدر السابق، ص537.
10- عامر، علي عون، الهيكل التنظيمي للجيش الاشوري، مجلة امرو الحضائر، العدد 22، بغداد، 1993، ص131.
11- الجادر، وليد، المناصب والازياء العسكرية الاشورية، الجيش والسلاح، ج2، ص227.
12- باقر، طه، المصدر السابق، ص538.
13- ساكز، هاري، عظمة بابل، ط3 لندن ترجمة عامر سليمان ، موصل، 1979، ص111
14- الكبائش او الكبش الحربي الة حربية قديمة استخدمها العراقيون القدماء في بداية الالف الثاني ق.م حيث وردت بعض النصوص المسمارية من مدينة ماري ذكرت فيها الكبائش كما ورد اسم الكبائش في ملحمة الطوفان ايضا انظر CAD.A, part.11, -.428
15- باقر، طه، المصدر السابق، ص538
16- علي، فاضل عبد الواحد وآخرون، العراق في التاريخ، بغداد، 1983، ص140.
17- باقر، طه، المصدر السابق، ص538.
18- عبد الله يوسف خلف، المصدر السابق، ص238-239.
19- مظلوم، طارق عبد الوهاب، الاسلحة الاشورية الثقيلة، العربات وآلات الحصار في الجيش الاشوري، الجيش والسلاح ، ج2، بغداد، 1988، ص80.
20- عامر، علي عون، المصدر السابق، ص132.
21- الجادر، وليد، المصدر السابق، ص221.
22- عامر، علي عون، المصدر السابق، ص121.
23- عبد الله، يوسف خلف، المصدر السابق، ص39.
24- عامر، علي عون، المصدر السابق، ص128.
25- عبد الله، يوسف خلف، المصدر السابق.
26- عامر، علي عون، المصدر السابق، ص129.
27- وردت مجموعة اسماء حسب تسلسل الرتب في قوائم الايبونم الخاصة بسني حكم الملك وكالاتي : الملك، الترتانو، الناكرايكالي، الرب شاقة، الايركو ....
انظر CAD,A part 1 p.33
28- ساكز، هاري، المصدر السابق ص148.
29- باقر ، طه، المصدر السابق، ص539.
30- Luckenbill, D.D. The annals of sennacherib Chigago, 1924, p.47
31- Layard. A.H The Monmonts of Nineveh. London. 1853. vol.1.p.69
32- عبد الله ، يوسف، خلف، المصدر السابق، ص107-108.
33-Luckenbill, D.D. op.cit.p.38
34- عامر، علي عون، المصدر السابق، ص131.
35-Olmsterad, A.T. History of Assayria London and New York. 1923.p.113.
36-Saags. H.W.F. Everyday life in Babylonia and Assyria.London.1963.p.117.
37- عامر، علي عون، المصدر السابق، ص132.
38- عامر، علي عون، المصدر السابق، ص132.
39- عامر، علي عون، المصدر السابق، ص131.
40- عامر، علي عون، المصدر السابق، ص132.
41- باقر، طه، المصدر السابق، ص538.
42- لقد تم العثور على الكثير من القطع الفنية الاشورية التي يظهر فيها بعض العازفين على الات موسيقية في اوضاع مختلفة منها منحوتة لاشور بانيبال تجسد احتفاليته بانتصاره على العيلاميين يظهر فيها راس تيومان الملك العيلامي يتدلى من شجرة والى الاسفل منه نشاهد احد الاشخاص وهو يعزف على قيثارة ، انظر :
 Parrot.A.Nineveh and Babylon. 1964.p.312.
43- علي، فاضل عبد الواحد، المصدر السابق، ص139.
************************************************
*البحث منشور في :ابراهيم خليل العلاف (تحرير ) ، تاريخ الجيش العراقي في الموصل وتطور دوره الوطني ، دار ابن الاثير للطباعة والنشر ،جامعة الموصل ، (الموصل ، 2013 ) الصفحات 73-91


























ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق