الخميس، 24 ديسمبر، 2015

الجيش في الموصل ابان العصور القديمة*

الجيش في الموصل  إبان العصور القديمة*

د. عامر عبدالله الجميلي
استاذ مساعد –كلية الاثار –جامعة الموصل
الحرس الملكي نواة الجيش الاشوري الدائم:
اذا ما تجاوزنا الفترات الموغلة في القدم والتي سبقت مجيء الاشوريين الى منطقة الموصل ثم تتبعنا بدايات تشكيل وبناء القوات العسكرية الاشورية لاحظنا انه لم يكن للاشوريين في عصرهم المبكر، الذي يعرف عادة بالعصر الاشوري القديم، قوات نظامية دائمة بل ان ظهور الجيش النظامي جاء في فترة متأخرة نسبيا، ومع ذلك ومع قلة المصادر المتوفرة، يبدو انه لابد ان كانت هناك في العصر الاشوري القديم بعض القوات المدربة المستخدمة بصورة دائمية لحماية الملك وافراد اسرته المالكة، ثم تطورت هذه القوات وغدت تعرف باسم الحرس الملكي الذي كان نواة الجيش النظامي الاشوري فيما بعد، وفي الوقت نفسه، جندت بعض القطعات العسكرية لحماية النقاط والمدن الحدودية من الاعتداءات الخارجية المتوقعة ووضعت تحت إمرة قادة مرتبطين بالملك مباشرة، الا ان اتساع حدود الدولة الاشورية وامتداد نفوذها تطلب بناء قطعات عسكرية دائمة يمكن ارسالها عند الحاجة الى تلك الحدود البعيدة لحمايتها من غارات الاعداء وهجماتهم، وكان على المقاطعات الاشورية المختلفة تقديم اعداد مناسبة من الرجال القادرين على حمل السلاح للمساهمة في حملة الملك العسكرية التي كان يعلن عنها، وهكذا ازداد تدريجيا عدد افراد القوات المسلحة، وربما وصل في اواخر العصر الاشوري الوسيط (القرن العاشر قبل الميلاد) الى عشرات الالوف.
ومع ذلك تظل معلوماتنا عن تنظيم الجيش وتسليحه وتدريبه في العصور السابقة للعصر الاشوري الحديث قليلة ولا تتناسب واهمية المنجزات التي حققها، وتزداد معلوماتنا بتقديم الزمن حتى تصبح في غاية الدقة والغزارة في العصر الاشوري الحديث، حيث زودتنا التنقيبات الاثرية في منطقة الموصل باثار كثيرة ومتنوعة انطوت على معلومات وافية عن الجيش وتنظيمة وفضلا عن المنحوتات الاشورية التي حملت الينا مشاهد عسكرية متنوعة، هناك النصوص المسمارية الكثيرة التي حدثتنا عن الحملات العسكرية التي كان يقوم بها الملوك الاشوريون الى الجبهات المختلفة.
واحتل الجيش مكان الصدارة في تاريخ الاشوريين، ولاسيما في العصر الاشوري الوسيط والحديث حيث كان له الدور الاول في حماية امن واستقرار الدولة وتثبيت اركانها ومواجهة الاخطار والتحديات التي احدقت بها من كل جانب وكادت تقضي عليها لولا قوة جيشها وعزمه وصلابة قواته وحنكة قادته وحزمهم، والمتتبع للتاريخ الاشوري يلاحظ ان فترات الازدهار التي مرت على بلاد اشور كانت تتزامن دائما مع قوة الجيش واهتمام القادة والملوك بتدريبه وتسليحه واستخدامه لحماية حدود الدولة من الاعتداءات الخارجية، وهكذا كانت عهود الملوك الاقوياء والقادة الاشوريين مليئة بسلسلة من الحملات العسكرية التي كانت توجه الى الجبهات المختلفة للقضاء على الاقوام والقبائل المناوئة التي كانت تتحين الفرص للانقضاض على بلاد اشور والقضاء على دولتها المتنامية، ولم يكن القيام بالحملات العسكرية من وجهة نظر الملوك الاشوريين انفسهم من اجل حماية الحدود وتوفير الامن والاستقرار والرفاهية لرعاياهم فحسب، بل ظنوا انهم بعملهم هذا انما يقومون بتنفيذ رغبات آلهتهم القومية التي اوحت اليهم ارادتها بطرق شتى، وهذا ما تفصح عنه كتاباتهم الكثيرة التي دونوها تخليدا لذكرى انتصاراتهم العسكرية على المنطقة الجبلية في الجبهة الشرقية والشمالية الشرقية كما هو الحال مع الملك سرجون الآشوري الذي كتب خطابا على صيغة رسالة او تقرير موجه الى الاله اشور، اله الاشوريين القومي، وكأنه اراد بذلك ان يبين بانه قد قام بتنفيذ رغبات الهه القومي وقضى على الاقوام الجبلية المناوئة له.
ووصلت منطقة الموصل في العصور القديمة اوج ازدهارها الحضاري وذروة قوتها العسكرية في الفترة التي حكم فيها الاشوريون وذروة قوتها العسكرية في الفترة التي حكم فيها الاشورين المنطقة، ولاسيما في عصرهم الحديث الذي استمر ثلاثة قرون كامة (من حدود 911-612ق.م) وطبيعي ان الاشوريين لم يحققوا ذلك الازدهار الحضاري ويمتلكوا تلك القوة العسكرية التي ذاع صيتها على مر العصور في غفلة من الزمن ومن دون اسباب وعوامل عدة، بل ان المعلومات المتوافرة عن تاريخ الاشوريين تؤكد، كما سبق واسلفنا ان ذلك كان نتيجة حتمية لتطور الاشورين الحضاري في مختلف الميادين، وفي مقدمتها التقدم الذي حققوه في فنون الحرب وتنظيم الجيش وتدريبه وتسليحه حتى اصبح اقوى قوة ضاربة في الشرق القديم في العصر الاشوري الحديث.
ولقد كان الحملات العسكري الكثيرة التي خاضها الجيش في بيئات مختلفة وظروف مناخية متباينة مع اقوام مختلفة اكبر الاثر في زيادة خبرة قادة الجيش وضباطه وجنوده واكتسابهم قدرة قتالية عالية وتدريبا عمليا جيدا، فضلا عن تعرفهم على اساليب القتال وفنون الحرب التي تميزت بها الاقوام المختلفة التي دخلوا الحرب معها، ثم انه قد كان لصلابة الفرد الاشوري وصبره وقدرته على تحمل الصعاب وشعوره بانه في محاربته الاقوام التي تهدد حدود بلده انما يقوم بحماية وطنه تنفيذا لرغة الهته القومية التي اعتقد بانها اوحت الى الملك بالقيام بتلك الحملات، اكبر الاثر في زيادة قوة الجيش وقدرته على التفوق والانتصار.
واذا استعرضنا تاريخ الاشوريين خلال الالفين الثاني والاول قبل الميلاد وجدنا ان الاشوريين قد تعرضوا خلال ذلك الى الكثير من الاخطار والتحديات التي اضطرتهم الى شن الحروب واقتحام المخاطر باتجاه الشرق والغرب والشمال والجنوب وتأديب الطامعين في ارضهم ومياههم، وان ما حققته القوات المسلحة الاشورية في ضرب الاعداء في اقوى تحصيناتهم العسكرية ازال خطر الاعداء والطامعين، وبخاصة العيلاميون، في السيطرة على بلاد اشور والحد من نشاطها.
وهكذا فشلت كل المحاولات لتقويض الدولة الاشورية بل اصبحت دولة الاشوريين تتصدر القوى المعروفة انذاك وتتبوأ مركزا قياديا في الشرق القديم وانحصر زمام المبادرة في يدها على الصعيدين العسكري والدبلوماسي في العصر الاشوري الحديث.
وفيما يلي محاولة لالقاء الضوء على الجيش الاشوري واعطاء صورة موجزة عن تنظيماته وصنوفه وقادته وآمريه وكيفية تجنيد افراده وتسليحهم وعن الخطط والاساليب القتالية التي اتبعها والحملات العسكرية التي قام بها مستندين في كل ذلك على ما هو مقتبس من مصادر مسمارية ومشاهد عسكرية حملتها لنا المنحوتات الاشورية البازرة التي كانت تغلف جدران القصور الاشورية والمسلات والتماثيل والبوابات والاسوار.
صنوف الجيش الاشوري:
لما كان الطابع العسكري هو السمة الغالبة على الدولة الآشورية منذ إستقلالها فقد كان من الطبيعي أن تحظى القوات العسكرية بأهتمام خاص من لدن السلطة الآشورية الحاكمة.
لقد تكونت القوات الآشورية في عهدها المبكر من مجموعة من الجند كان يتم تدريبها وتسليحها على نحو خاص، وكانت تستخدم لحماية الملك والبلاط الآشوري، وتقوم أحياناً بتنفيذ واجبات معينة، وقد أطلق عليها اسم "الحرس الملكي" الذي أصبح فيما بعد نواة الجيش الدائم، وإلى جانب ذلك كانت هناك من القوات العسكرية في بعض المناطق الحدودية والمدن الرئيسية ما يقوم بحمايتها من خطر الأعداد، ثم أضيفت إليها جماعات أخرى من الرجال القادرين على حمل اللاح من الآشوريين، ونتيجة للمعارك الكثيرة التي خاضتها القوات الآشورية كانت الدولة تقوم بأستنفار قوات الأقاليم التابعة لها. وهذا الاجراء بقي متبعا إلى آخر الفترات التاريخية من حكم الدولة الآشورية.
حدث التطور الكبر للجيش الأشوري في الألف الأول ق. م. عندما إتسعت رقعة الدولة الآشورية مما دعا إلى وجود التخصص في المهمات العسكرية فظهرت صنوف أساسية للجيش.

أ‌-     الصنوف المقاتلة.
ب‌-الصنوف المساعدة.
ت‌-الخدمات الادارية.
أ‌-     الصنوف المقاتلة:
1-صنف المشاة:
وهو الصنوف المقاتلة المهمة، ويؤلف القسم الأعظم من القوات، كما هو الحال في أغلب الجيوش، ومهمته الأساسية في القتال الأصطدام المباشر مع العدو وتحطيم قوته الرئيسة. وكان من صفات هذا الصنف الصمود والثبات والسيطرة والحركة السريعة في القتال، ويتألف هذا الصنف من العيارين، أي حملة المقلاع، والرماحين، ورماة السهام، وكانوا يلاقون الأعداد تحت كل الظروف في المناطق الوعرة والمنبسطة، وكثيراً ما كانوا يجتازون الوديان ويصعدون إلى قمم الجبال ويجتازون البطائح حتى يتمكنوا من القضاء على الأعداء، كما يترتب على المشاة، ولاسيما رماة السهام وحملة المقاليع، توفير الحماية للقوات المهاجمة في أثناء الإشتباك والإختراق وذلك بأستمرار القذف المكثف على العدو لمشاغلته وشل فاعليته ويكلف المشاة (الرجال) بواجبات أخرى كالحراسات وإشعال النار في معدات العدو وآلاته وتأمين الحماية اللازمة للقطعات المتقدمة نحو العدو.
 










مقاتلون اشوريون
2-صنف المركبات:
ترجع أغلب المصادر إن أستخدام العربات في المعارك على نطاق واسع كان في العهد الآشوري الحديث (الألف الأول ق. م.)، وقد أثبت هذا الصنف فاعليته في حسم الكثير من المعارك، إذ أنه يشكل عنصر الأسناد القوي للصنوف الأخرى في ميادين المعارك وحصار المدن وقد أستخدمت العربات بقلة في المناطق الوعرة وبخاصة الجبلية منها، وذلك لصعوبة الحركة في هذه المناطق. وكان للمركبات أهميةخاصة لأنها تستخدم سلاحاً هجومياً، إذ هي في طليعة القطعات العسكرية وتقوم بالهجوم المفاجئ والخاطف على جبهة الخصوم. وقد اختلف عدد المركبات المستخدمة من معركة لأخرى، ويخبرنا الملك الآشوري سرجون (721-705 ق. م) "بأنه جهز خمسين مركبة، ومائتي خيال، وثلثمائة جندي مشاة" وأستخدامها في احدى حملاته التأديبيه. كما اختلف عدد عجلات العربات من فترة لأخرى ايضاً. ففي زمن الملك آشور ناصر بال الثاني (884-858 ق. م) كانت العربة ذات العجلتين التي يجرها زوج من الخيول وتحمل شخصين أو ثلاثة هي الشائعة وهؤلاء الأشخاص هم سائق العربة والرامي وحامل الترس.
وللمركبات فوائد اخرى عدا الاشتباك، منها نقل المقاتلين إلى جبهة القتال ومطاردة الهاربين من الأعداء، فضلا عن حماية صنف المشاة في أثناء المسيرة إلى ساحة القتال، كما ان بعض المركبات كانت تحمل العتاد والذخيرة الخاصة بالمقاتلين وتكون قريبة من الجهة.
 










عربة الملك اشور ناصر بال الثاني تخترق صفوف الاعداء

3-صنف الخيالة (للفرسان):
لقي هذا الصنف إهتماماً بالغاً من لدن الملوك، حيث عنوا بترويض الخيول وترشيقها لتكون شديدة التحمل وسريعة الحركة، وقد تصورت المنحوتات الجدارية جانباً من العناية بها واطعامها وتنظيفها. ان الواجب الأساس لهذا الصنف هو الهجوم المفاجئ وسرعة فائقة ثم القتال في اكثر من مكان واحد وتمشيط المنطقة من جيوب الأعداد، وكان يرافق الفارس أو الخيال شخص يركب جوادا ايضاً ومهمته قيادة جواد المقاتل في أثناء القتال.
وعندما أستخدمت السروج انتفت الحاجة إلى الشخص الذي كان يرافق الفارس. وقد شاع استخدام هذا الصنف وبكثرة في الألف الأول ق. م. أيضاً، أي العصر الأشوري الحديث، لأن الخيول لم تكن شائعة الإستخدام قبل هذهِ الفترة على الرغم من ذكر الحصان في النصوص المسمارية (العقود الإقتصادية) منذ عصر سلالة أور الثالثة (211-2003 ق. م) حيث ورد أسمه بالصيغة السومرية بالمصطلح ANÊE. KUR.RA "حمار الجبل" وباللغة الأكدية أطلق عليه لفظة (سيسُ) "sisu" وهذا يعني أن الخيول كانت معروفة منذ عصر السلالة المذكورة، وربما منذ فترة أقدم، ومن الواجبات الأخرى التي تقع على الفرسان الالتفاف على العدو من الخلف وشل حركته أو مطاردة العدو بعد إيقاع الهزيمة به لمنعه من إعادة تنظيم صفوفه.
خيالة (فرسان) اشوريون
 



4-صنف المهاجمين بالآت الحصار:
ويضم المهاجمين اللذين إستخدموا اسلحة الحصار للهدم والتسلق، وكان لهم دور فعّال في تحقيق النصر والسيطرة على المدن، وكانت أهم الآت الحصار الكباش والدبابات والأبراج والزحافات ومواد أخرى مساعدة كالسلالم والحبال التي تستخدم للتسلق وأدوات تستخدم للهدم واحداث ثغرات في الأسوار لكي يتمكن الجند المهاجمون من الدخول إلى المدن المحصنة.
كان القادة عند محاصرتهم للمدن والقلاع يسارعون إلى تهيئة أعداد كافية من الآت الحصار وبخاصة الدبابات وكان مقاتلو الدبابات يقتربون من الأسوار لهدمها أو فتح ثغرة فيها، لذلك عدّ هذا الصنف من الصنوف المهمة في الجيش، لأنه أول من يقترب من مواقع العدو وحصونه حيث كان رجاله يسبقون المشاة لتأمين الحماية لهم والوصول إلى أقرب نقطة في السور للقيام بواجبهم، ومن واجباتهم أيضاً تسلق الأسوار أو رمي النبال وكرات النار المشتعلة من داخل الدبابه على الأعداء.
وأستخدمت الأكباش فضلاً عن الدبابات، فيذكر الملك آشور ناصر بال الثاني ما يأتي: "تقدمت واقتحمت المدينة وبمساعدة الانفاق والآت الحصار والمقاليع والأكباش واستوليت عليها".
كانت الأكباش تضم برجين أحدهما مفتوح وعليه جنديان من رماة السهام والآخر مغطى بواقية للرأس يحتوي من الأعلى على عدد من المزاغل،  ويعتقد انه أستخدم للمراقبة وكان يدفع الاكباش عدد من الجند من الخلف. ويرافق الآت الحصار عدد من المهندسين والعمال يقومون باحداث الثغرات في جدران معاقل الأعداء وحصونهم ويزودون بالآت للثقب، وكانوا على اتصال دائم بقواد الجيش لكي يتلقوا منهم الاوامر والتعليمات اللازمة. ونشاهد على احدى المنحوتات الآشورية التي تعود بزمنها إلى عهد سرجون الأشوري ممثلة عليها صورة لأحد الجنود الأبطال وهو يتسلق الأسوار العائدة لمدينة موصاصير في اورارتو بواسطة الحبال ومنحوته اخرى ترينا الجنود يتسلقون الحصون بواسطة السلالم ام الآت الهدم فكانت عبارة عن قضيب من الحديد يثبت على العجلة من الجزء الأمامي لغرض احداث الثغرات في الأسوار.
ولايفوتنا ان نذكر ان الآشوريين استخدموا الاكلاك والقرب والقفف في عبور الأنهار. كما استخدموا الزوارق الصغيرة والكبيرة الحجم، وقد نقلت إلينا بعض الألواح الجدارية مشاهد خاصة بوسائط النقل النهرية والبحرية تعود إلى زمن سنحاريب وآشور بانيبال. وهذه الألواح معروضة حالياً في المتحف البريطاني في لندن، كما ورد ذكر لها في كتابات الملوك نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الملك شلمنصر الثالث (858- 824 ق. م.) حيث يقول: "لحقت فلول الأعداء في القوارب المصنوعة من الجلد واشتبكنا في نزال عنيف فالحقت الهزيمة بهم وصبغت البحر بدمائهم".
هذه هي الاصناف الرئيسة التي يتألف منها الجيش الاشوري، والى جانبها صنوف ملحقة او مساعدة، والتي كانت تهيء للصنوف المقاتلة كل ما تحتاج اليه من امور ادارية بعضها فني كالقيام باقامة الجسور وحفر الابار والخنادق، وشق الطرق وتهيئة الاطباء لاسعاف الجرحى ونقلهم والاستطلاع عن العدو.
 














مشاهد تبين اساليب حصار الجيوش الاشورية للمدن

5-القوة النهرية والبحرية:
كان النقل النهري من وسائط النقل القديمة والمهمة في حضارة وادي الرافدين، وقد استخدم في ذلك انواع عديدة من الزوارق الصغيرة والكبيرة وكذلك القرب والاكلاك والقفف، وفي العهد الاشوري الحديث اصطدم الاشوريون عسكريا مع اقوام تقطن مناطق تفصلها عنهم المياه، كما وان كثرة الروافد في نهر دجلة وتشبعها في المناطق الجبلية، حيث يسكن الاورارتو، وكثرة الاهوار والمستنقعات في جنوبي بلاد بابل، كل هذه الظواهر الطبيعية سببت صعوبات كثيرة للقطعات العسكرية المتقدمة اثناء التنقل، ولا سيما في مواسم الفيضان، لذا نجدهم يولون وسائط النقل النهرية اهتماما كبيرا، اذ غالبا ما يذكر الملوك الاشوريون بانهم استطاعوا عبور نهري دجلة والفرات في اوج فيضانهما، وفي القرنين الثامن والسابع ق.م، ظهر اسلوب جديد في مقاومة الاشوريين من قبل الاقوام المجاورة، الذي اتسم بطابع التحصن بالقلاع والاهوار وعدم مجابهة الاشوريين وجها لوجه وكانوا عادة يحصنون قلاعهم واسوار مدنهم بخنادق مائية، اضف الى ذلك ان الاشوريين في هذين القرنين امتدت سيطرتهم الى بلاد تجاور البحار، ولم يقتصر استخدام وسائط النقل النهري على العبور فقط، بل كانت تستخدم ايضا في مطاردة وقتال فلول الاعداء المنهزمة حيث جاء في كتابات الملك شلمنصر الثالث وصفا جميلا لمعركة بحرية نشبت في زمنه حيث يقول: "رموا انفسهم في البحر مستخدمين القوارب المملدة-البردي او المعمولة من الاغصان-خوفا من اسلحتي المرعبة، وتبعتهم في القوارب الجلدية، وجرت معركة عنيفة على البحر، حيث هزمتهم فيها وبدمائهم صبغت البحر مثلما يصبغ الصوف"، ونجد قاربا صور في منحوتة اشورية وجدت في نينوى تعود الى زمن الملك اشور بانيبال مثل فيها معركة نهرية اشتركت فيها قطعات عسكرية محمولة على قوارب صغيرة يتميز جنودها بخوذهم الاشورية المدببة وبعصابات الرأس، التي تكون عريضة من الامام ويتألف طاقم القارب الواحد من جنديين من حملة القوس مع حامل ترس واحد والملاح ma-lah وصور في منحوتة اخرى جنود يقومون بتهيئة قربهم استعدادا للعبور، والملاحظ ان هذه العملية تتم اثناء المسير نحو النهر وقبل ان يصلوا اليه، وهذه ربما تعطينا فكرة بان عملية العبور كانت تتم وفق نظام يتصف بالضبط والالتزام، حيث تتم بصفوف تسير بالزكاء المزدوج او الزكاء المفرد.
وقد استخدمت وسائط النقل النهرية في الخدمات العسكرية، اذ مثلت في منحوتات اشورية كثيرة، عمليات عبور للقوات الاشورية تحمل فيها المركبات، عرف القارب بالاشورية كبرو kibarru في حين كانت السفينة تعرف بـ الفو elippu، اما القربة فقد كانت تسمى خلزگو èalziggu او خصلو èaólu، وتعرف كابينة القائد خنو èinnu، في حين تعني خمو èummu المقعد، وتسمى جوانب القارب اتو itu.
ب‌- الصنوف المساعدة:
1-الاستخبارات:
لقد اولى الاشوريون جهاز المخابرات والتجسس اهمية كبيرة جدا اذ كانت شكبات التجسس والاستخبارات منتشرة في جميع انحاء الامبراطورية وفي مختلف المدن ومراكز الاعداء.
وكانت تتبع مختلف الوسائل لتحقيق اهدافها في ضمان سلامة وامن الامبراطورية ويعرف من يقوم بالاستطلاع والتجسس باسم دالي da-a-a-li ويعرف رئسيهم او امرهم برب دَاّلىِ rab daiyali ويسمى الملك سرجون الثاني المستطلعين (صاب تخازى آلي كوت ادييا óab taèazi ali kut idiya) والذين من الممكن تسميتهم بالجنود المستكشفين او قناصة الاستطلاع.
وهؤلاء العملاء منظمون في شبكات عديدة تناط ادارتها وتوجيهها في الغالب باحد حكام احدى الولايات او ممثلي الملك فيها والذين يقومون بدورهم في ارسال التقارير باستمرار الى الملك يعلمونه عن كل جديد في اخبار وتقارير هؤلاء المخبرين، ويعرف ان تحت امرة او باحربيل عامل الملك سرجون الثاني في منطقة ارمينيا عدد من الرجال المنشترين في هذه البلاد واجبنهم تزويد الملك بالاخبار والمعلومات وبيان راي وموقف الحكام المحليين من السلطة الاشورية، اذ جاء في احدى الرسائل التي ارسلها الى سرجون الثاني بانه مستمر في مراقبة الحكام من مدينة الى مدينة وحتى وصوله الى مدينة تورشبا وكذلك معرفته فحوى الرسالة التي ارسلها الملك الاورارتي الى احد الحكام يأمره فيها بالتوقف عن العمل المتفق عليه الى حين وصول رسالة اخرى منه وعليه ان يطعم الجياد جيدا اثناء ذلك، ومن اشهر عملاء سرجون الثاني ايضا المدعو اشور ريسوأ الذي يذكر في احدى رسائله للملك بان القائد الاعلى للجيش الاورارتي المدعو ككدانوا قد اعتقله الملك الاورارتي، اما في منطقة عيلام فقد كان فيها الكثير من العملاء الاشوريين وكانت الاخبار التي يرسلونها تتصف بالصراحة لدرجة كبيرة وبصورة خاصة مدى تأييد سكان المناطق المحتلة وكان بيل ابني مسؤولا عن جميع المنطقة الجنوبية لبلاد وادي الرافدين وبلاد عيلام وتحت امرته الكثير من الرجال المنتشرين داخل بلاد عيلام يزودونه دائما بتقارير مستمرة تعلمه باخر التطورات في تلك المنطقة والذي بدوره يرفعها الى الملك اشور بانيبال.
وجاء في احدى رسائل المخبر اشور ريسوأ بانه امر بارسال عدد من الجواسيس الى مدينة تورشبا، ويذكر له بان الملك الاورارتي كان السبب في حدوث اضطرابات في مدينة الخلديين الذين كانوا غير متعاطفين مع الاشوريين بل يضمرون لهم الكره، وان الملك الاورارتي اجتمع في زمن حكم سرجون الثاني بعدد من زعماء تلك المدن واغراهم بالانضمام اليه عن طريق اهدائهم الحقول والبيوت، وهذه الرسالة بلا شك بالاضافة الى انها تخبرنا بان اشور ريسوأ كان يرأس احدى شبكات التجسس داخل بلاد الاورارتو، فانها تلقي الضوء على ما كان يجري من صراع سياسي عنيف بين السلطة الاشورية واعدائها في سبيل كسب الاقوام المحايدة الى جانب منهم واعطاء صورة واضحة للقادة عن الوضع في تلك المنطقة وقد يكون من واجبات رجال التجسس مراقبة موظفي الدولة في البلاد فهذا احد عمال اشور بانيبال يخبره في رسالة بان حاكمن مدينة دورشروكين (خرساباد) سرق بيت المال.
وتتبع شبكات التجسس مختلف الوسائل لمعرفة الاخبار وقد لجأ الى خطف الرجال وتهديدهم بالقتل اذا امتنعوا عن اعطاء المعلومات المطلوبة منهم اذ جاء في احدى الرسائل من زمن اشور بانيبال بان عامل الملك في منطقة الوركاء اسر عددا من الجنود وامرهم واستجوبوهم سائلا اياهم من ارسلكم فاجابوا ارسلنا سخدوى اخ نابو اوشيزب مع هذا الامر.. اذهبوا واسروا الرجل الذي بالقرب من منطقة الوركاء لاتمكن من سؤاله عن عدد ومقدار القوة الاشورية التي هناك وما هي اهدافها.
ويستدل من هذه الرسالة على التقدم الذي بلغته الاستخبارات الاشورية في حذرها ويقظتها وتمكنها من ضرب تحركات الاعداء، وتدل ايضا على ما تفرضه من سرية على تحركات قواتها ومناطق تحشدها، كما ان لجوء الاعداء الى اسلوب الخطف ينم عن ضعف في استخباراتها وعجزها عن الحصول على معلومات عسكرية عن الاشوريين اذ ان مقدار القوة وكثرة عدههم تعطيهم بلا شك الهدف من وجودها حتى يتسنى لهم درء الخطر قبل وقوعه.
وكانت رسائل المخبرين ربما السبب في عدد من الحروب التي شبت بين الاشوريين واعدائهم اذ كثيرا ما كانوا يقومون بالهجوم عند سماعهم اخبار عن قيام ملك ما بالتحشد او التحرش باحدى الحاميات عن طريق التقارير التي يرسلها هؤلاء المخبرون.
اذ جاء في رسائل بيل ابني الى اشور بانيبال بانه علم من استخباراته بان الجيوش العيلامية اعتدت على مدينة نفر ويتعبر بيل ابني هذا الحادث بداية لشن حرب واسعة ضد الاشوريين، ويتوقع ايضا ان يعلن بعض سكان المناطق المعادية للسيطرة الاشورية العصيان تضامنا مع العيلاميين عند سماعه بهذا الهجوم.
وتساعد الاستخبارات ايضا القادة على التخطيط المدروس عند القيام بهجوم قوي على العدو اذ قبيل التقدم بحملة تقوم مجموعة من المستطلعين يعرفون باسم موطرء أو ديّالو mu÷ir او dajalu باستقصاء المعلومات عن جيش الاعداء وعدته وعدده واماكن تجمعه وتحركه وما سيلقاه الاشوريون من تأييد او معارضة من سكان القرى والمدن التي سيمر بها الجيش وينشر هؤلاء في مسالك الطرق وقمم التلال المشرفة عليها والتي سيمر الجيش من خلالها لاجل تأمين وحماية دخوله واشعاره بالخطر قبل حدوثه.
2-القادة:
ان المتتبع لتاريخ العراق القديم يجد في خضم مسيرته واحداثه عددا من القادة العسكريين الذين تركوا اثار سيرهم وبطولاتهم التي كانت مثار اعجاب واعتزاز تفخر وتحتذى به الاجيال على مر العصور، فقد امتازوا بشجاعتهم، وفروسيتهم، وعطائهم، وتضحياتهم من اجل الحفاظ على ارض الوطن ورفعة مكانته وادامة تواصل عطائه الحضاري ويأتي في مقدمة هؤلاء القادة الملك الذي كان يقود القطعات العسكرية الى ساحة القتال بصفته القائد الاعلى للجيوش، وقد ينيب عنه احد ابنائه او كبار قواده.
ان معلوماتنا عن القادة العسكريين تبدأ بالوضوح منذ منتصف الآلف الثاني ق. م. وما بعده حيث ضمت المنحوتات الجدارية والقطع الآثارية مشاهد من المعارك، فضلاً عن النصوص المسمارية التي تحكي لنا قصة المعارك الحربية المصورة على المنحوتات. وقد حظيت هذه المكتشفات الفريدة والنادرة والمهمه بالدراسات المختلفة سواء من الناحية الفنية او الأجتماعية أو اللغوية وأمدتنا بمعلومات يستطيع الباحث ان يستنتج منها اموراً كثيرة عن قيادة الجيش وبخاصة في الألف الأول ق. م.
يأتي الملك على رأس القادة العسكريين بصفته القائد العام للقوات المسلحة ويسير في طليعة القطعات العسكرية ويقود الجيش بنفسه، ان وجود القائد في المقدمة كان لهدفين اولهما توجيه القوات المقاتلة حسب اوامره بواسطة مركبته، حيث يصعب عليه توجيهها بغير هذه الطريقة، ويعتقد ان عربته كانت تتميز عن بقية العربات، وربما كانت عليها اشارة معينة او راية خاصة هذا فضلا عن ان العربة الملكية كانت لها مواصفات معينة تختلف عن باقي العربات، والهدف الثاني اثارة حماس المقاتلين ورفع معنوياتهم وحثهم على القتال بووده على رأس الجند.
كان الملك يتابع بنفسه تنظيم الجيش وحسن استعداده للمعركة ووضع الخطط العسكرية وتوزيع قطاعات الجيش والاسلحة المتوفرة بصورة تؤمن الاستفادة منها الى اقصى حد ممكن لكسب المعركة وكان يحشد جميع الطاقات المادية والمعنوية لتحقيق النصر، وكان يعمل على سيادة روح النظام والانضباط في جيشه لانه كان يعلم ان ذلك من مستلزمات النجاح والنصر، واعتمد في اتخاذ القرارات ومتابعة تنفيذها المقاتلين لها على ور القيادة.
وكان الملك يظهر في مقدمة الجيش حتى في الاستعراضات العسكرية لانه رأى نفسه بالدرجة الاولى قائد الجيش الاشوري وانه يقاتل من اجل نشر الحق الالهي، وقد وصلت الينا مجموعة من الملاحم الاشورية وهي قطع ادبية تتطرق الى موضوعات سياسية وتاريخية، اذ تصور لنا الملك الاشوري بطلا، وهو في مقدمة رجاله نقتطف من هذه القطعة الادبية بعض المقاطع:
"لقد قبل جنود اشور دعوة الملك الى الحرب، وتبعوا الملك القائد ليقاتلوا وهم يرون الموت في الاعين، انهم يتطلعون الى عشتار راجين رحمتها، ويمجدون السيدة في معمعة القتال، انهم يندفعون بضراوة في حومة الوغى، يلوحون بالحراب... رقص الرجال الاشداء الاقوياء في لعبة السلاح الفتاك، امام القائد البطل... انه الملك".
كان يحيط الملك عندما يصطحب الحملة مجموعة من الحراس الراكبين والراجلين ومهمتهم الدفاع عنه حتى الموت لانه كان يقوم برعايتهم والسهر عليهم، وقد كان لحب الجند للملك ابلغ الاثر في احراز النصر على العدو.
ولكثرة واجبات الملك وتنوعها فقد اضطر احيانا للاستعانة بالقادة في قيادة بعض السرايا العسكرية، لذلك اختار بعض القادة لمساعدته في قيادة الحملات وتحقيق اهدافها، وفي بعض الاحيان كان ينوب عن الملك في قيادة الجيش انبه وولي عهده وذلك في حالة غياب الملك او عندما يكون الملك كبير السن او في حالة عجزه او اصابته بمرض او عندما يكون مشغولا بادارة دفة الحكم وتسيير امور المملكة في الداخل، فعندئذ تناط مسؤولية قيادة الجيش يولي العهد لتدريبه على تحمل المسؤولية، فالملك اسرحدون امر بتلقين ابنه اشوربانيبال فنون الحرب والقتال وعهد اليه مهمات عسكرية وكذلك فعل الملك الاشوري سرجون عندما عين ابنه سنحاريب قائدا عاما للقوات المرابطة على الحدود الشمالية وكان يرافق ولي العهد في حملاته ضابط برتبة ضابط ركن ومجموعة من الجنود لحراسته.
وللتطور الذي اصاب الجيش فقد اهتمت الدولة باختيار القادة الذين تناط بهم مسؤولية العمليات العسكرية وهم "الترتانو" turtanu وكان هذا المنصب يمثل اعلى رتبة في الجيش الاشوري ويأتي بعد الملك وربما يقابل منصب رئيس اركان الجيش او رئيس اركان حرب القوات المسلحة الان.
واكن يقود الحرب نيابة عن الملك او بلاد عنه واحيانا كان ينوب عن الملك في ادارة شؤون الدولة، وهو المستشار الخاص للملك ايضا. ورد في النصوص المسمارية ذكر "ترتان ثان" ôanu turtanu وهذا المنصب يمثل مرتبة ادنى من مرتبة الترتان، ولكنه من المناصب العسكرية المهمة، ولربما كان بمثابة نائب رئيس اركان الجيش او معاون رئيس اركان الجيش وربما يكون المستشار الثاني للملك في الامور العسكرية، وكان يقود العمليات العسكرية ويشرف عليها.
ثم يليه منصب "الرابشاقة" rab ôaqe الذي كان ايضا يصاحب الحملات العسكرية ويقوم بقيادتها ويكللف ايضا بمهمات عسكرية خاصة، وقد تولى الرابشاقة ادارة احدى الولايات الاشورية في زمن الملك تجلا تبليزر الثالث.
ومن المناصب العسكرية الاخرى "رب موجي" rab mugi وهو مبعوث الملك للشؤون العسكرية الى البلدان الخارجية ولربما تقابل في الوقت الحاضر وظيفة ملحق عسكري ورتبة عسكرية اخرى عرفت باسم "رب شَ ريشِ" rab ôÿ reôi ويقابلها بالمصطلح العربي كبير الضباط، وكانت مهمته الاشراف على الشؤون الادارية والمالية لضباط الجيش وربما تقابل وظيفة المدير العام للشؤون العسكرية، ثم يلي هؤلاء ضابط برتبة رب كيصير rab kisir اليت تعني كبير او رئيس او آمر المجموعة وتضاهي منصب آمر السرية الان.
وهناك ضابط من ذوي الرتب الصغيرة مثل رئيس الخمسين "رب خمشي" rab èamôi اي آمر فصيل تحت امرته فصيل يتألف من خمسين جنديا ورئيس السبعين اي آمر فصيل يتكون من سبعين جنديا ورئيس العشرة اي آمر العشرة اي فصيل يضم عشرة جنود ثم آمر البوابات الذي يقوم بحراسة بوابات المدينة.
كان معظم القادة العسكريين البارزين من الطبقات العليا، وكان النظام العسكري يعتمد على وحدات من الجند يتبع حكام الاقاليم، ثم ادمجت هذه الوحدات في جيش منظم يخضع الى قيادات فرعية وعليا.
كان قادة الجيش الاشوري وعلى رأسهم الملك مخططين عسكريين ممتازين ولهذا فقد تأكد تفوق خططهم العسكرية على خطط الاعداء، هذا فضلا عن جودة معارفهم الحربية على معرفة الاعداء قادهم من نصر الى اخر، كما افادوا من معرفتهم بطبيعة ارض العدو فختاروا بانفسهم الموضع الملائم للمعركة.

3-البريد العسكري:
اعتمد الاشوريون في نقل الاوامر، والاخبار العسكرية من العاصمة الى مختلف انحاء الامبراطورية على نظام البريد الجيد والسريع، عبر طريق كان يطلق عليها خَرّان شَرّي èarran ôarri اي الطريق الملكي، التي كانت تربط العاصمة بمختلف انحاء الامبراطورية وتنتشر على هذه الطرق محطات او منازل البريد التي تعرف كليّو kalliu ويسمى المسؤول عنها رب كلي rab kallie وقد تكون تحت امرته مجموعة من الجند مهمتهم تامين وتوفير وسائل النقل من عربات وحيوانات بصورة مستمرة وارشاد السعاة الى مسالك الطرق التي لم يسبق للسعاة معرفتها، وهذا الواجب ربما كان يؤديه شخص يحمل لق راديؤ او رادى كبسي radiu radi (uô) kabsi بمعنى المرشد الذي من المرجح ان له علاقة بلقب الريدوم radum اي المرشد الذي جاء ذكره في شريعة حمورابي.
هذا وهناك مجموعة ثانية من الجند تعرف باسم كلافو kallab-pu اي الجند الممتازون او المختارون، واحيانا تأتي بشكل كلافني kallapani وهؤلاء يمثلون ربما المعتمدين العسكريين اي السعاة ويعرف مسؤلولهم المباشر برب كلافني rab kallapani اما اذا كانت الاوامر على درجة عالية من الاهمية والخطورة عندئذ يناط بنقلها بساعي البلاط الملكي الخاص الذي يعرف كلاف شفرتو kallap ôipirtu اي بمعنى الجندي الممتاز ساعي البلاط الذي من واجبه ايضا نقل المواد مثل الاخشاب، وكذلك تسلم وتسليم الاشخاص او مرافقتهم، فهو الساعي المؤتمن اما الموطو فوتو فيتعبر رسولا خاصا لكل رتبة قيادية، اذ انه يذكر عادة مرافقا لمعظم هذه الرتب، هذا وتناط مهمة الاشراف على البريد برب ريشي (rab reôi) اي رئيس الضباط الذي يتولى مسؤولية مراقبة عمل المجموعتين المذكورتين وتختلف واجبات المجموعة الاولى عن المجموعة الثانية، ان ان الاولى مسؤولة عن تأمين الطرق وحمايتها وتوفير ما تحتاج اليه المجموعة الثانية من تجيزات ومؤن وعتاد وخيول، وتكون مركز المجموعة الاولى ثابتة وقد تكون مهماتها ايضا حراسة طرق القوافل، في حين ان المجموعة الثانية تكون عادة متنقلة وتشمل واجباتها نقل البريد لمختلف انحاء الامبراطورية.
اما المرشدون فمن المحتمل ان وجودهم كان في العاصة او محطات البريد، وهذه الوظيفة يفضل ان يتولاها اشخاص من سكان المنطقة نفسها او انها كانت وظيفة وقتية توجد عندما تدعو الحاجة الى ذلك.
وقد استخدم الحصان والعربة وحيوانات اخرى لنقل الرسائل، اما الحمام الزاجل فليس لدينا دليل يؤكد او ينفي استخدامه لهذا الغرض، ومن الراجح ان البريد المدني كان يقوم به اشخاص يعرفون باسم ركسو raksu وهم سعاة خاصون ببيوتات المال والاعمال كالتجار الكبار، والراجح انهم كانوا يسلكون طرق البريد الحكومية، ويستخدمون المحطات الواقعى عليها، ومن المحتمل ان كان للشرطة بعض الاشراف عليهم.

4- صنف الهندسة العسكرية:
كان لهم دور فعال في سوح المعارك، وبخاصة في المناطق الجبلية، حيث كان المهندسون يقومون باصلاح الطرق التي تعوق تقدم الجيش وقطع الاشجار، وغلق المسالك الخطيرة، واقامة التحصينات ومد الجسور واحداث الثغرات في حصون الأعداء والمعاقل وأسوار المدن وغيرها من الأمور التي تتطلبها العمليات العسكرية.

ج-تجنيد وتدريب الجند:
كان الجيش الاشوري في عهده المبكر يجند من الرجال الاشداء القادرين على حمل السلاح من الاشوريين، وكان هؤلاء يستخدمون لحماية الملك وتنتخب تلك المجموعة من بين المقربين والذين يدينون بالولاء المطلق للملك، وقد اطلق عليهم اسم الحرس الملكي، وورد ذكره في النصوص المسمارية بصيغة (قربوت) qurbuti المضاهية للكلمة العربية القربى او "المقربون" وبمرور الزمن انضم اليهم افراد من غير الاشوريين من المعروفين بولائهم للملك ايضا، وكانوا يكلفون بمهمات خاصة عند الضرورة بالاضافة الى الحماية الدائمة للملك وللبلاط الاشوري.
ولما اتسع مسرح العمليات العسكرية باتساع رقعة الامبراطوية الاشورية اصبح القوام العددي للجيش لايفي بالمرام، لذلك تم تأليف جيش نظامي دائمي قوى من حيث الكم والنوع وكان مركز اقامته في العاصمة والمدن الرئيسة للامبراطورية الاشورية، وفضلا عن ذلك فان الدولة غالبا ما تلجأ الى عملية تجنيد اعداد اخرى من الجند اذا ما دعت الحاجة الى ارسال قوات كبيرة العدد حيث يفرض العدد المطلوب من الجند على كل مدينة او ولاية وهؤلاء يجندهم الحكام المحليون للمقاطعات الحدودية للامبراطورية، ويظهر ان الحكام الذي يعينهم الملك كانوا مسؤولين عن استدعاء المقاتلين وتهيئتهم عند الضرورة بعد ان يتم تدريبهم في مناطقهم وتهيئتهم للحرب ووضعهم في حالة استعداد تام للقتال، ثم ارسالهم الى الجهة التي يوصي بها الملك، وقد ورد في رسالة وجهها احد الامراء الى الملك اسرحدون العبارات الاتية:
"انحني اليك اجلالا، ياسيدي الملك، قمت بواجبي وفي ما امرتني به من اليوم السابع والعشرين الى اليوم الثامن والعشرين جمعت الجند في المدينة وانبأتهم بأوامركم وسوف نرسل لكم العدد المطلوب"
وكانت الدولة تستعين بفئات اخرى عند الحاجة، وقد اطلق عليهم اسم "دكوت" dikutu التي تعني "النفير" وفي نصوص اخرى dikut mati اي "جيش البلاد" وكانت عملية اعداد المقاتلين واستنفارهم تعلن في كل سنة تقريبا حتى اذا لم تكن هناك حملات عسكرية وانما للاستعراض العسكري، وعند قيام الحملات العسكرية كانوا يخرجون الى القتال تلبية لواجب مقدس، فلم يتخلف عنهم الا من له عذر مشروع، واذا ما نودى للحملات وتخلف عنهم احد تعرض الى عقاب شديد، فقد جاء في احدى الرسائل الموجهة من الملك الى احد الحكام "أنذر المتخلفين من الجند بالتعرض للعقوبة الشديدة وامرهم بالالتحاق بالجيش"، وربما كانت العقوبة المترتبة عليهم تصل الى الاعدام.
كان الملك يقوم بالحملات عادة في شهر تموز او بعده، واحيانا في الشتاء ويعود في ذلك الى انتهاء موسم الحصاد طالما كان الجيش يتألف بشكل رئيس من المزارعين القادرين على حمل السلاح، الذين كانوا يستنفرون في المدن والقوى والارياف للمشاركة في الحملات العسكرية حين تقتضي الحاجة ذلك، اما في حالات السلم فكان الرجال يعودون الى مزاولة اعمالهم الاعتيادية.
وفي زمن المك الاشوري سرجون اصبح التجنيد بالنسبة لسكان المدن الخاضعة للاشورين الزاميا واصبح التجنيد الالزامي من ابرز التنظيمات العسكرية للجيش الاشوري، فقد تم تجنيد فرق عسكرية من القبائل والاقاليم التابعة لها من الجنود المحترفين، فاصبح الجيش يتألف من الاشوريين، فضلا عن العناصر الاخرى، واصبحت لهؤلاء مكانة لاتقل عن مكانة الجيش الاشوري حتى ان بعض منهم انخرط في خدمة الجيش الملكي النظامي، وبهذه الطريقة تمكن الاشوريون من تجميع اكبر عدد من المقاتلين وتدريبهم وتسليحهم لمواجهة العدو والتغلب عليه، كما كان القادة يعملون على اعداد المقاتلين اعدادا معنويا عاليا ويغرسون روح التضحية والبطولة والشجاعة في نفوسهم.
ولابد لنا من الاشارة الى ان بعض الاشخاص كانوا يحصلون على عفو خاص من الخدمة العسكرية، لاسباب تتعلق بحاجة الدولة الى خدماتهم، وكان بوسع المطلوب للخدمة العسكرية تقديم شخص اخر يخدم عوضا عنه (البدل الشخصي) او دفع البدل بالمواد العينية كالزيوت والحبوب والمعادن، وربما يقابل الان (البدل النقدي) واكنت عملية التطوع معروفة ايضا وتشكل رافدا اخر لعملية تجنيد المقاتلين وتهيئة القوات اللازمة للدفاع عن الدولة وحماية امنها، وكان ينضم الى الجيش عند مسيرته الى ساحة القتال الكثير من المتطوعين واغلبهم من اهل القرى والارياف الذين تركوا قراهم وارضهم وعرضوا خدماتهم على الجيش.
لم تحدثنا المصادر عن حدود عمر المقاتلين الدنيا وعن سن الالتحاق بالخدمة العسكرية، ولكن يبدو ان الالتحاق بالخدمة العكسرية ربما كان يبدأ من سن الخامسة عشرة وتنهتي بانتهاء قابلية الجند على حمل السلاح والقتال دون التقيد بعمر معين وسن محدودة، اما عن عدد الجند فليس هناك ارقام واحصاءات ثابتة، غير ان هناك بعض الاشارات ترد في النصوص خاصة بكتابات الملوك يمكن من خلالها التعرف على عدد الجند لفترة من الفترات، فيذكر الملك آشورناصر بال الثاني (884-858ق.م) مثلا ان عدد الجنود المشاركين في معركة القرقار لغ خمسين الف مقاتل، ويذكر شلمنصر الثالث (858-824ق.م) بان عدد المقاتلين المشاركين في حملته العسكرية بلغ مائة وعشرين الف جمدي، وكان يتم تريب الشباب في ماركز تدريب خاصة ولربما في المعسكرات او الثكنات البعيدة عن اهلهم وكان عليهم ان يلبسوا ملابس لم يعتادوا عليها، ويلتزموا بالاوامر والتعليمات كما هو الحال في وقتنا الحاضر، حيث كان يوفد الشباب الى تلك المعسكرات لكي يتعلموا فنون القتال او كان يتم تدريبهم في مناطق سكناهم على يد الضباط المسؤولين في الجيش ويشرف عليهم ضابط برتبة آمر.
لم يقتصر تدريب الجند على الشباب الاشوريين فقط بل شمل سكان المدن الحدودية التابعة للامبراطورية الاشورية واسرى الحرب.
وبعد الانتهاء من الفترة المحددة للتدريب كان يتم توزيعهم على صنوف الجيش ويختار المسؤول المتميزين منهم للانضمام الىى صنف الخيالة (الفرسان).
-أساليب القتال:
ليس ليدنا معلومات وافية عن اساليب القتال التي عرفها الاشوريون، ولكن من خلال قراءة النصوص المسمارية ودراسة المنحوتات الجدارية الممثلة عليها مشاعد عسكرية مختلفة اتضح لنا ان الاشوريين اهتموا اهتماما بالغ ببناء جيش قوي يدرأ عنهم اطماع القوى الخارجية والحد من توسعها، فقد ساهم الجيش الاشوري مساهمة فعالة في ترسيخ وحدة العراق وحمايته من التجاوزات التي قام بها بعض من الاقوام والدول الاجنبية المجاورة خلال بعض الفترات التاريخية الضعيفة حينما كان العراق ينتابه ضعف سياسي وتفكك نتيجة لتعدد السلالات الحاكمة وبخاصة في اواخر الالف الثاني ق.م، قام الاشوريون بتشييد صرح اكبر امبراطورية معروفة في تاريخ الشرق القديم، واكن من اهدافها الاساسية تحرير الاجزاء التي تجاوزت عليها الاقوام الاجنبية ومنهم العيلاميون في الشرق وفي القسم الجنوبي، وكذلك الاوقام الغربية الاخرى التي حاولت ان تأخذ رقعا من الارض لتضمها الى حدودها مما اضطر الاشوريين الى الدفاع عن بلدهم وشن الحملات الحربية عليهم.
امتاز الاشوريون باستخدام اساليب متنوعة في القتال، وبرعوا فيها براعة ادهشت اعداءهم، ودلت على عبقريتهم وامكاناتهم القتالية العالية، وكان القداة عندما يهيؤن للحملات الحربية يؤكدون على التمسك بالحذر وكتمان امر الحملات ليفوتوا على العدو فرصة التهيؤ ويرسلوا مجموعة من الجند تستكشف الطريق وتتحقق من عدم وجود وكمائن او ارصاد للعدو وذلك لتأمين الحماية الضرورية للقطعات العسكرية اثناء سيرها.
واعتمد الجيش الاشوري في قتاله على مبدأ المباغتة لتوجيه ضربة قوية الى العدو ان يكون قد استعد الاستعداد الكافي لذلك، واكنوا ينفذون اعمالهم القتالية بهجمات سريعة، فكانت مفاجأة للعدو وكان ذلك من اسباب انتصارهم وبأقل التضحيات، واستخدموا الكمائن للانقضاض على جنود العدو المتقدمين واعاقتهم كما قوموا باستدراج العدو ومهاجمته، وجعلوا من ارضه مسرحا لعملياتهم العسكرية لكي يبعدوا الاذى عن ارضهم فيفاجيء الخصم خصمه في عقر داره من غير انذار او اخبار.
كان الجيش الاشوري يتألف من القوات الاشورية المختارة في الوسط وحولها القوات الخاصة والحرس الملكي وفي مقدمة المسيرة الملك او القائد الاعلى او من ينوب عنهما وذلك لضرورة احكام القيادة وتحقيق مبدأ السيطرة على المقاتلين مما يساعد على سهولة الاتصال بالجند وتوجيههم ومراقبتهم عن كثب، ويضعون وراء صفوفهم عند القتال الحيوانات والاثقال والمركبات الحربية الاحتياطية والمؤن وبعض التجهيزات الضرورية بغية تأمين الحماية واعاقة العدو من الالتفاف على مؤخرة الجيش.
ومن اساليب القتال الاخرى ايهام العدو بوجهة الحملة العسكرية، فكان القائد حريصا على توفير الحماية لقواته والعمل على حجب حقيقة توجه الحملة عن اعدائه، فاذا اراد ان يقوم بمعركة ورى بغيرها من اجل ان يفاجئ العدو، ان هذا التكتيك العسكري الرائع استخدمه الملك الاشوري سرجون واشوربانيبال في حملاتهم على العيلاميين.
وفي بعض الاحيان كانوا يسلكون طرقا وعرة وغير مطروقة سابقا للتمويه وحماية قطعاتهم، كما عرف الاشوريون اسلوب الهجوم الليلي الذي يعتمد على الخفة وسرعة الحركة والمباغتة مستغلين بذلك غفلة الاعداء كما كانوا يقومون بالاغارة الى جهات مختلفة حتى لايمكن العدو من اكتشافهم.
ومن الاعمال السوقية التي استخدمها العراقيونن القدماء التعبئة في الهجوم حيث برعوا في وضع الخطط الحربية الهجومية اذ كان لديهم مناطق تجمع للجيوش في مختلف ارجاء الامبراطورية الاشورية، وهذه المناطق تعد مناطق دفاعية وهجومية في الوقت ذاته فكانوا يهجمون على العدو ثم يعودون للاحتماء بها.
ومما زاد قدرة الاشوريين الدفاعية التحصينات العسكرية والاستحكامات المنيعة التي امتازت بها اسوار مدنهم واتخاذ الخنادق في كل الظروف تحسبا لكل امر مفاجيء وكانوا مستعدين ايضا لحصار من الاعداء المحصنة حيث استخدموا الات حصار مختلفة وقاموا بتهيئة الوسائل الكفيلة بذلك وبنوا تحصينات دفاعية على طريق العدو لاعاقته عن التحرك السريع وكسب الوقت لصالحهم.
هذه اهم مبادئ الحرب التي طبقها الاشوريون لحماية ارضهم من الاعتداءات، فضلا عن الروح المعنوية العالية التي كان يتحلى بها المقاتلون، والاستبسال في الدفاع عن الوطن والذي يعد من اهم العوامل في حسم الحرب لصالحهم، مع اعتقاد الاشوريون بان نصرهم على الاعداء كان بأمر الالهة وكان لهذا الاعتقاد تأثير كبير على رفع معنوياتهم، لان روح المقاتلين تشبعت بهذه الروحانية الدينية جعلت المواطن العراقي القديم يشعر بان الالهة معه وانه على حق في رد المعتدين والطامعين في ارضه.
-المعسكرات:
مثلما برعت القوات العسكرية الاشورية في اساليب الهجوم فقد برعت في الاساليب الدفاعية في صد هجمات الاعداء على الامبراطورية الاشورية والمناطق التابعة لها والدفاع عن المدن والاراضي وقد تمزيت الدولة الاشورية بحذرها واتخاذ الاحتياطات اللازمة، فقامت ببناء اسوار منيعة لمدنها مثل مدينة اشور التي كانت محصنة بسورين داخلي وخارجي وتلك الاسوار كانت مدعمة بابراج دفاعية، كما قامت بحفر خنادق مائية دفاعية، فضلا عن الاسوار، ونذكر منها على سبيل المثال مدينة خرصباد (دور شروكين) وكار توكلتي نينورتا (تلول العقر).
كما اهتمت الدولة بتأمين المواضع الدفاعية داخل الامبراطورية وخارجها، سواء أكان منها المواقع الثابتة او المتحركة، وقد زودتها اعمال المسح والتنقيب التي قامت بها الهيئات الاثارية بمعلومات عن بعض المباني كالقلاع والمخافر والقواعد العسكرية والثكنات التي كانت تستخدم لحماية الجيش ولغرض خزن المعدات والاسلحة لاغراض التجهيز عند الضرورة، كما كانت تستخدم ايضا قواعد لانطلاق الحملة العسكرية والعودة اليها في اثناء الليل لراحة الجيش ودليلنا على ذلك هو النص المقتبس من كتابات الملك اشورناصربال الثاني في احدى الحملات الحربية حيث يذكر: "استوليت على المدن التي تقع في جبل نصير واخذت ممتلكاتها وغنائمها وعدت الى معسكري وبقيت فيه طوال الليل، وفي الصباح الباكر تابعت سيري من معسكري وزحفت على الاعداء".
وهناك مشاهد لعدد من المعسكرات ممثلة على المنحوتات الجدارية، اعطتنا بعض المعلومات عن تلك المعسكرات منها الدائري والبيضوي والمستطيل، وهي عبارة عن معسكرات وقتية استخدمت للراحة وكانت مثل هذه المعسكرات تحاط باسوار فوقها ابراج وفي داخلها خيام، جلس في داخلها الملك سنحاريب يستقبل الوفود، اما الجند فكانوا يقومون بتهيئة الاسرة واعداد الطعام وغيرها من المسلتزمات الضرورية للراحة.









منحوتة تبين الحصون والمعسكرات الاشورية



-الاسلحة والازياء:
تحقق الانجاز السياسي والعسكري للدولة الاشورية في الالف الاول ق.م بعد استخدام معدن الحديد في تصنيع قطع السلاح اللازمة للحرب وبخاصة الات الحصار فتطورت الاسلحة وتنوعت، لذلك يعزى نجاح الجيوش الاشورية في الحروب الى استخدامهم الاسلحة المتنوعة والمتطورة واتقانهم فنون الحرب في تلك الفترة.
استعمل الاشوريون انواعا مختلفة من الاسلحة، ويمكننا ان نصنفها الى نوعين رئيسيين هما: الاسلحة الخفيفة والاسلحة الثقيلة.
فالاسلحة الخفيفة هي: الرمح، والحربة، والفأس، والبلطة، والقوس، والمقلاع، ومن الاسلحة الخفيفة الاخرى الهراوة، والمدية والخنجر والسيف، فقد استخدم الرمح للطعن في الاشتباك القريب وقد آلت الينا بعض الرماح القصار والطوال، ونشاهد ان بعضا منها كان مزينا بالذهب والفضة وباشكال بشرية او اسطورية، واختلفت اسنة الرماح من فترة لاخرى فتوجد اسنة اشبه بالورقة النباتية واخرى شكلها ميعيني وغيرها مثلث الشكل، وقد استخدمت هذه الرماح في الحروب صنوف المشاة والخيالة وجنود المركبات، اما الحربة فكانت من الاسلحة التي ترمى باليد، واما الفأس فقد استخدمها الجند المشاة لشق الطرق والمسالك في المناطق الوعرة وكسلاح ايضا وهناك فؤوس مزدوجة وذات نصل مثلث الشكل واشكال اخرى مختلفة، والبلطة كانت للضرب والقطع والرمي وتمشيط الارض من الادغال وكانت تصنع من المعادن القوية وسميت في النصوص المسمارية بصيغة بالطو paltu المضاهية للتسمية العربية، واستخدم صنف الخيالة (الفرسان)، القوس اذ يعد من الاسلحة المهمة وكان القوس يتألف من البدن والوتر، والاقواس اما ان تكون منحنية الشكل او مثلثة، وقسم منها مزين بزخارف ورأس حيوان كالاسد والبطة بدلا من العقدة.
استخدم العيارون المقلاع، واظهرت لنا التنقيبات الاثرية كثيرا من الكرات البيضوية الشكل المصنوعة قسم منها من الفخار والاخر من الحجر من فترات زمنية مختلفة ابتداء من الالف الخامس ق.م وظلت مستخدمة قذائف للمقلاع الى اخر الحقب الزمنية من تاريخ العراق القديم، ولم يقتصر استخدامها على بلاد الرافدين بل انتشرت الى الاقطار المجاورة شأنها شان بقية الاسلحة ويضم المتحف العراقي مجاميع كبيرة منها عرضت مجموعة منها في بعض قاعاته، ومن الاسلحة الخفيفة الاخرى هي المدك والمطرقة (القزمة) والكلاليب التي استعملت لثقب جدران الاسوار والمدن، والهراوة لتهشيم خوذ العدو وكانت تعمل من الحديد ورؤسها ذات اشكال مختلفة يحمل القسم منها كتابة مسمارية لللالة على منصب حاملها او رتبته.
وهناك اسلحة اخرى مثل الخنجر والسيف، فقد استخدما للطعن في الاشتباك القريب وقد حصلنا على مجاميع منها، قسم منها مؤطر ومزوق بالذهب والفضة والاحجار الكريمة، واشكال السيوف كانت تختلف من فترة لاخرى، واشكال السيوف كانت تختلف من فترة لاخرى، فضلا عن ان السيوف التي يحملها الملك وذوو الرتب العالية في الجيش تختلف من حيث الشكل عن ما يحلمه الضباط والجند.
وفضلا عن الاسلحة الخفيفة فان الجيش الاشوري استخدم انواعا اخرى من الاسلحة عرفت بالثقيلة ومنها العربة، وتعد من الاسلحة الهجومية المهمة، وكانت في بداية ظهورها بسيطة الشكل ثم طرأ عليها تحسين كبير في الحقبة الاشورية وبخاصة الحديثة منها، وتتميز العربات بسرعتها وخفتها في المناورة والحركة وخاصة العربات الحربية التي كانت خفيفة الشكل وتسحب بوساطة زوج من الخيول يركب عليها جنديان هما المقاتل والسائق، واصبحت في الفترة الاخيرة من عمر الدولة الاشورية اكبر ثقلا وحجما وتضم ثلاث ركاب فاكثر وجهزت بعجلات كبيرة ومثل هذه العربات كان لها دور فعال في حسم المعارك لانها كانت تسير في طليعة صفوف المقاتلين وتخترق صفوف العدو وتتوغل بين افراد جنده، ولابد لنا من الاشارة الى ان العربة استخدمت ايضا في حالات السلم، مثل الاستعراضات العسكرية والاحتفالات والاعياد والصيد.
لم يقتصر الاشوريون على اعتماد هذه الاسلحة فقط، وانما استعملوا اسلحة اخرى وهي الزحافة والكبش المسلح والبرج المتحرك في حصار المدن والقلاع وحلت محلها بمرور الزمن الدبابات التي كانت تتولى عملية احداث ثغرات في الاسوار لكي ينفذ منها الجنود داخل المدن المحاصرة، وتصنع الدبابة من مادة الخشب وتغطى بصفائح من المعدن او الجلد، واستخدم الاشوريون السلالم والحبال للتسلق على اسوار المدن والقلاع لاقتحامها.
ومن الاسلحة الدفاعية التي اهتم بها الاشوريون الدروع والتروس والبسة الرأس والواقيات لحماية الذراع والرقبة وكذلك الاسوار والخنادق والقلاع وغيرها.
تظهر المنحوتات التذكارية والاختام والمسلات، وكذلك الاشارات الكثيرة التي وردت في الكتابات التي خلفها لنا سكان العراق القدماء، ان للملك القائد ولجنده المحاربين، ازياء عسكرية خاصة خضعت لمواصفات تمليها طبيعة عملهم ورتبهم العسكرية.
ارتدى الملك زيا خاصا في اثناء الحرب وهو عبارة عن ثوب طويل ينتهي بحاشية وله كمان قصيران يتوسطه حزام عريض واحيانا حزامان، وتتدلى من الحزام قطعة قماش تنتهي بحافة مشرشبة ويعتمر بالتاج ويحتذي نعلا ذا واقية للكعب ترتفع قليلا في الخلف ويتمنطق بسيف واحيانا كان سلاحه القوس ايضا.
وما كان يلسبه ولي العهد فهو مشابه للباس الملك، ويرتدي رئيس الجيش بدلة طويلة نهايتها السلفى مطرزة وذات شرائب وفي وسطها حزام عريض ويلبس ايضا شالا مزخرفا يتألف من ضفائر طويلة اما كتفه اليسرى فكانت عارية وفوق رأسه عصابة مزخرفة من الامام، ويتدلى منها شريطان من الخلف ويلبس في قدمه حذاء مثل حذاء الملك، اما الرابشاقة فكان يرتدي لباسا مشابها للتوتانو ويمكن تمييزه عن الترتانو بكونه غير ملتحي لانه من المخصيين الذي يعملون في البلاط الاشوري، ولباس كبير الضباط (الربشاريش) الذي يقابل الامر في الوقت الحاضر كان يتألف من ثوب قصير في وسطه حزام وعصابة على الرأس، اما سلاحه فكان السيف، ومنادي القصر او المنذر بالحرب كان يرتدي زيا فيه بعض الاختلاف وهو الوردة البيضاء المطرزة على الكتف اليمنى.
يختلف لباس الضباط بعض الاختلاف عن لباس المراتب العسكرية التي اشرنا اليها، ويعزى الاختلاف الى طبيعة المهنة التي تفرض لباسا خاصا، فقد ارتدى الفاس زيا خاصا وهو عبارة عن ثوب قصير مفتوح من الامام ليسهل عليه ركوب الخيل وتوفر له حرية الحركة فوق ظهر جواده ويضع الفارس فوق رأسه الخوذة المدببة وكان حافي القدمين، اما لباس المشاة فكان عبارة عن ثوب قصير يصل الى الركبتين، وهو ذو اكمام قصيرة ضيقة ويضعون فوق رؤوسهم البيضة ويلبسون الجزم الطويلة وظهر بعض المشاة على المنحوتات وهم حفاة الاقدام.
والجند الذين يقومون باقتحام الاسوار كانوا يرتدون ثوبا قصيرا يصل الى  الركبتين في وسطه شال مزخرف يمتد بين الساقين، ولباس رماة النبال كان عبارة عن درع او زرد طويل يغطي معظم الجسم، ويرتدي العيارون ثوبا مشرشف الحافة وله اكمام ويعتمرون خوذا مخروطية الشكل ذات واقيات للاذن.
لم يقتصر الاشوريون على اعتماد هذه الملابس فقط، وانما استخدموا لباسا عسكريا واقيا باشكال واحجام مختلفة تبعا لغرض الذي استخدم من اجله، وارتدوا فوق رؤوسهم الخوذ المختلفة ايضا.
ويتضح لنا من مجمل ما ذكرناه اهتمام الاشوريون بالمعدات الحربية الضخمة والاسلحة الدفاعية لكونها ضرورة حتمية، والسبب يعود في ذلك الى طبيعة المهام التي اضطلع بها الجيش الاشوري وهي اعداد وتجهيز الحملات العسكرية المتتالية الى مناطق وجبهات مختلفة ليواجه اعداء من مناطق اجنبية مختلفة، وطبيعي ان تلك الحروب قد أملت على الاشوريين اساليب خاصة في القتال وانواعا متعددة من الاسلحة لتحقيق الانتصارات في مختلف الجبهات.
 










نماذج من الاسلحة الاشورية



-الاسرى:
زودتنا التسجيلات الكتابية وكذلك المشاهد الحربية المصورة على الالواح الجدارية والمسلات ببعض المعلومات عن كيفية معاملة الاشوريين لحكام الشعوب المغلوبة والاسرى، فاذا عدنا الى حوليات الملوك والكتابات الملكية فاننا نجد تسامح الاشوريين في كثير من الاحيان مع بعض الشعوب الخاضعة، وليس ادل على ذلك من اعادة تعيين الحكام الثائرين على عروشهم، كما حدث في زمن الملك سرجون الاشوري عندما اعاد مردوخ ابلا ادينا الى الحكم، وهكذا الحال بالنسبة الى الملك سنحاريب وتسامحه مع حكام مدن الساحل الفلسطيني ويحدثنا الملك اشورناصر بال الثاني عن حملته ضد بلاد نائيري ما يلي:
"أسرت كل ملوك بلاد نائيري، وبحضور سيدي الاله اشور جلبتهم اسرى ومقيدين، ولكني اطلقت سراحهم مقابل الولاء لسلطة الالهة".
ومن هذا يتضح لنا ان الاسرى الذين دانوا بالولاء للاشوريين كانوا يعفون من العقوبات، اما الذين يعصون ويتمردون ويتعاملون مع الاعداء فمصيرهم الموت، وهذا امر مألوف في الحروب عند جميع الشعوب في مختلف العهود والازمنة قديما وحديثا.
يذكر الملك الاشوري سرجون في احد انتصاراته بانه ترك ماتبقى من سكان الخصوم دون ان يأسرهم بل تركهم احرارا لكي يهربوا وينقذوا انفسهم تمجيدا لنصر سيده الاله اشور، ويتحدث لنا الملك المذكور عن حملته التأديبية على بلاد اورارتو عندما تحالفت مع قبائل الجبلية واخذت تضرب الحاميات العسكرية الموجودة على الحدود فيقول: "تركت الاسرى يهربون الى مخيمات الاعداء والى اهاليهم ليقصوا عليهم ما حل بهم من ويلات الحرب".
كان لسياسة هؤلاء الملوك وحسن معاملتهم للاسرى اكبر الاثر في استمالة عداد كبيرة منهم الى الجيش الاشوري، فكان كثيرا من الاسرى وقوات الدول المندحرة الموالين للسلطة الاشورية يدخلون في صفوف القوات المسلحة وبخاصة في القرنين الثامن والسابع ق.م وكانت حقوقهم وواجباتهم مماثلة للجيش الاشوري. واستخدم الاسرى ايضا في بعض الاعمال في البلاط الملكي الاشوري، وكذلك الاعمال الحرفية وذلك لتوفير مستلزمات الحياة لهم.
لقد اوضحت بعض المشاهد الممثلة على المنحوتات التي عثر عليها المنقبون في المواقع الاشورية اسلوب معاملة الاشوريين للاسرى، حيث صورت بعض المشاهد للاسرى وهم في حالة استراحة (نساء جالسات يرضعن اطفالهن، أسير يشرب ماء من جرة، اسرى جالسون بالقرب من النار للتدفئة، ومنظر اخر نشاهد فيه نساء واطفالا وشيوخ راكبين على العربات مع امتعتهم او على ظهور الدواب غير مكبلة ايديهم بالسلاسل في حين نجد الرجال الاسرى يسيرون خلفهم وايديهم مكبلة بالسلاسل والاغلال).
اما الاسرى من المقاتلين الاشوريين الذين تم اسرهم في اثناء الحروب من قبل العد فكانت الدولة تدفع الفدية عنهم لفكهم من الاسر وقد ورد بخصوص الاسرى الاشوريين الذين اسرهم العيلاميون في احدى الرسائل ما يأتي: "دفعنا عنهم الفدية وتمت تهيئة ملابس جديدة لهم ليكونوا على استعداد للمثول امام حضرة الملك"، كما حفظ القانون العراقي القديم للاسير حقوقه، منها استرجاع الارض المقطوعة له عند اطلاق سراحه، ان كانت قد اعطيت لغيره لاي سبب من الاسباب واذا كان للاسير ابن قادر على الايفاء بالخدمات والاعمال التي يجب اداءها للدولة مقابل التمتع بأرض مقطوعة له، عندئذ يحق له الاحتفاظ بها نيابة عن ابيه واعطى القانون لزوجة الاسير حق الاحتفاظ بالارض المقطوعة لزوجها، وكذلك وجوب افتداء الاسير من مال المعبد او القصر اذا لم يكن لديه ما يدفع من ماله الخاص، اذا صادف ان تزوجت امرأة الغائب او الاسير بآخر فعند عودة الغائب او الاسير ان يعيدها.
 








مشاهد من اسرى الحرب
د-صنوف الخدمات الادارية:
1-الجرايات (الاعاشة والرواتب):
أولا:- الرواتب:
لاتذكر المصادر المكتوبة شيئا وافيا عن رواتب القوات المسلحة ومقدار ما كان يتقاضاه كل جندي منهم، فالمعلومات عن ذلك قليلة جدا، ولكن من خلال دراسة بعض النصوص والقوائم يمكننا ان نعطي لمحة وجيزة عن مجمل الرواتب والاجور التي كان يتقاضاها الجند.
يبدو ان القوات المجندة من الاقاليم والمقاطعات كانت تتقاضى الجرايات من الارزاق مقابل خدمتها العسكرية، وكان يعطى للمقاتل من المواد العينية كالحبوب وقد كانت المادة الرئيسة التي يعتمد عليها الناس في حياتهم المعيشية بالاضافة الى المواد الاخرى كالسمن والتمر والفواكه، وكذلك بعض المواد الاخرى، وتدفع بعض الرواتب الى الجند المتطوعين الى جانب ذلك، اضافة الى ما يحصل عليه المقاتلون من غنائم، وبوسعهم شراء المواد الغذائية من عطائهم ومن الغنائم التي يحصل عليها الجيش في معاركه العسكرية.
وهناك اسلوب اخر وهو اقطاع اراضً زراعية للجند عوضا عن الرواتب، وقد عالج القانون حمورابي بعض الرتب الخاص وهم القناص والجندي اللذين كانا يمنحان اجرة عينية تتمثل بالاراضي عند تأدية الواجب العسكري.
اما الرواتب فكانت تعطى لذوي المناصب العالية في الجيش الاشوري اسبوعيا او شهريا او سنويا ولم تعط لهم نقود وانما قطع معدنية، لان النقود كانت غير معروفة انذاك، وتعطى القطع المعدنية ايضا للجند الذين يلتحقون بالحملات العسكرية عند النفير العام او دعوة الملك اليهم ولربما كانت تمنح للفرسان ايضا.
اما بالنسبة للتجهيزات العسكرية كالملابس والذخيرة والمؤونة فكانت الدولة مسؤولة عن توفيرها للقطعات العسكرية.
وهذه اما ان تكون دائمية تعطى اسبوعيا، او شهريا وعلى طوال ايام السنة، وتتمثل بالالكو للرتب القيادية وبالقطع النقدية في بعض الاحيان للجنود، وهؤلاء يشترط بهم ان يكونوا في الخدمة باستمرار، وعلى اهبة الاستعداد لتلبية الواجب في اي وقت، اي انهم من منتسبي الجيش الدائم، وقد تمنح كذلك للخيالة ولرجال المركبات من الجنود ايضا ليتمكنوا من العناية بخيلهم ومركباتهم وليكونوا على استعداد دائم، وهناك رواتب وقتية تعطى للجنود عند دعوتهم لشن حملة عسكرية، وهذه الرواتب تكون قطعا معدنية احيانا وتمنح بصورة خاصة للجنود الاحتياط والمرتزقة.

ثانيا:- الارزاق:
وهذه توزع يوميا اثناء الحركات، واسبوعيا او شهريا في اوقات السلم وتشمل هذه الارزاق الطعام والشراب، حيث ذكرت لنا بعض الرسائل مقادير من الشراب تتسلمها بعض الرتب القيادية في اوقات السلم، ان هذه المقادير من الشراب التي  سأذكرها غير ثابتة، اضافة الى انها تشمل رتبا دون غيرها، وذلك راجع الى عدم شمول الرسائل الخاصة بهذا الموضوع لجميع الرتب، وتوزع مقادير الشراب حسب ما جاءت في هذه الرسائل على الوجه التالي:
رب كلافي مسؤول المعتمدين (الرسل) ½ qa rabkallapi
شاشبيي الجنود 1 qa ôaôepe
رب خشني آمر الخمسين qa rab èaôôani
زمري الموسيقي = zammare
واحيانا يتسلم الموسيقى الارامي، (2 qa) وقد تكون المقادير اكثر، حتى انها تصل الى (qa) ويظهر ان ذلك بسبب ال هذا الموسيقي او ذاك او لبراعته.
آسو الطبيب 2 qa asu
طنبشر اشوري (الكاتب الاشوري) 2 qa tupsarra assuraju
ويظن ان الكاتب الارامي يتناول (3 qa) وكذلك الموسيقي المصري ؟ (muóuraju) في حين يتسلم كاتب القصر (10 qa).
(شاخان اوراتي) 2 qa sapan urate ربما يكون المسؤول عن حراسة الاسطبلات.
الشرطة (رادي كبساني) qa radi kibsani الكصر الخاص بالاله شمش.
(شاكصوت شمش) qa or 2½ sa kisir sa samas الحوذى الخاص بالمركبة موكرات.
(موكل افاتي شاموكراتي) qa mukil appate ôÿ mugirrate.
مسؤول العلف (رب كشيتي) qa or 3 qa rab kiôtie.
الحاجب (شافان ايكللي) qa ôÿ pan ekelli
نائب مسؤول الشراب (شارب كراني) qa ôaniu ôÿ rab karani.
الضابط (شاريشي) qa or 5 ôÿ reôi.
مسؤول الشراب (رب كراني) qa rab karani.
اما الارزاق الاخرى مثل الحنة والفواكه.. الخ فان مقاديرها غير معروفة لدينا وكانت هذه الارزاق توزع على الرتب القيادية من داخل العاصمة او من مراكز الولايات التابعة للامبراطورية ولاتشمل الازراق الشراب حسب، بل مواد اخرى عديدة يشرف على كل منها مسؤول او محاسب خاص يقوم بتحرير الرسائل لمسؤوله الاعلى واحيانا يحرر عقود القرض مباشرة، وسأذكر هنا الرتب والمواد التي يشرفون عليها:
مسؤول الحنطة: رب كرماني rab karmani
مسؤول البيرة: رب براقو rab barraqu
مسؤول الخبز: رب نيندا rab NiNDA. MEÊ
مسؤول الفواكه والحلويات: رب كركدني rab karadinni
مسؤول الخمر والشراب: رب كراني rab karani
مسؤول العسل والدبس: رب دشبي rab diôbe
مسؤول العلف: رب كشيتي rab kiôiti
مسؤول السمن بانواعه: rab ôamni

ثالثا:- الغنائم:
وتشمل نسبا معينة توزع على الجنود بعدما يسمح الملك بذلك اثناء الاحتفال بالنصر او بعده.
اما التجهيزات العسكرية فان معلوماتنا عن كيفية توفيرها وتوزيعها غير واضحة ولانعرف بالضبط ان كانت تزوع على الجنود بصورة منتظمة، هذا ومن المحتمل ان الحرس الملكي وذوي الرتب القيادية كان يشملهم توزيع التجهيزات العسكرية عموما، اما الجنود الدائميون منهم والاحتياطيون فقد كانت تشملهم التجهيزات العسكرية عدا الملابس والاسلحة الخفيفة في حين ان المرتزقة كان عليهم توفير مستلزمات القتال بانفسهم وكان يقع على حاكم الولاية او المقاطعة التي يمر بها الجيش اطعامه وتقديم كل ما يحتاجه اليه الجيش من التجهيزات ومثل ذلك يسري ايضا على حكام المدن الحليفة.

2-صنف التموين والنقل:
اعتاد الاشورين في تنظيم الخدمات الادارية على نظام فعال ودقيق في تجهيز جيوشهم بالمؤن والعتاد، والذي كان له بلا شك تأثير ملحوظ في قوة الجيش وفاعليه القتالية.
هذا ويقع على عاتق هذا الصنف تأمين وادخار وصرف مواد الاعاشة من ارزاق وعلف، والملاحظ ان الجيش يستصحب معه عادة ما يحتاج اليه من ارزاق الجنود الاساسية التي تكفيه لمدة معينة والتي تسمى صيدت كري (óadit girri) بمعنى مؤن الطريق، وكميتها تعتمد كثيرا على المنطقة التي سيمر الجيش فيها، اذ ان تموينه بالارزاق يقع على عاتق حكام الولايات، والمدن الواقعة على طريق تقدم الجيش، وتتألف ارزاق الجنود الاساسية من الحنطة او الذرة والدهن والتمر، في حين يخصص للحيوانات التبن والحشيش المجفف والحبوب في بعض الاحيان خاصة في المناطق التي لا تتوفر فيها المراعي الجيدة، مثل جنوب بابل، هذا ويتم توزيع هذه الارزاق يوميا على الجند وبنسب معينة، ولكنها احيانا غير ثابتة كأن يأمر الملك او القائد عند الاستيلاء على مناطق تموين الاعداء بعدم التقيد بهذه النسب، وتقع مهمة اعداد الطعام على الجنود انفسهم في حين تعرف وظيفة رب نوخاتمو (rab nuèatmmu) او رب نندا (rab NNDA MEÊ) بمعنى وكيل او مسؤول الخبز، وقد تولاها سن ابني في زمن سرجون الثاني فقد كان من المحتمل ان يقوم باعداد وتوزيع الخبز على ذوي المناصب القيادية، وكان المسؤول عن الفواكه والحلويات يدعى رب كركادني (rab karkadinni) والمسؤول عن اللحم اي الطاهي فيعرف باسم طبيخو (÷abièu) اما توزيع الشراب فمسؤوليته تقع على رب براقو (rabbarraqu) او رب كراني (rabkarani) والذي من المحتمل ان واجبه لا يقتصر على ذوي المناصب القيادية حسب، بل جميع منتسبي الجيش الاشوري الدائم، وهناك احتمال ان الجنود يقسمون الى مجموعات تقوم كل منها بطهي الطعام واعداده، اما الملك فيلاحظ في احدى منحوتات اشور بانيبال، مجموعة من الجنود الاشوريين يقومون باعداد الطعام له، ولاشك ان سكان المناطق التي يمر الجيش فيها يقدمون الطعام للجنود اذ كثيرا ما يذكر الملوك ذلك في كتاباتهم، ويبدو ان حاكم الولاية او ملوك الاقاليم التابعة للاشوريين، يعهد اليهم امر تموين الجيش من طعام وشراب وتجهيزه بالعدة الحربية اثناء الحملة، اذ كان ذلك بمقدوره واذا تواجد الجيش في ولاية، فقد جاء في نص من زمن سرجون الثاني (ومثلما يفعل الموظفون التابعون لي، حكام بلاد اشور، فقد منح اللوسونو مخازن الطحين والشراب التي لديه لاطعام جنودي)، وهو احد الحكام الموالين في منطقة الارارطو.
وكان المسؤول عن الملابس والتجهيزات الملكية شخص برتبة رب اشفر (rab iôparu) بمعنى كبير النساجين، وقد تولى هذا المنصب لسنة 683ق.م المدعو نبوتي (Na-bu-ti-i) الذي من المحتمل ان رتبته كانت رب كصر قبل سنتين من توليه هذا المنصب، وقد كانت التجهيزات العسكرية من الملابس والمعدات العسكرية تقدم الى منتسبي الجيش الدائم وتوزع عليهم الكميات الكافية لهم سنويا.
اهتم الاشوريون كثيرا بالتموين والتجهيزات لما لهما من اثر بالغ في ضمنا النصر في القتال وقد ذكروا لنا في كتاباتهم الاستعدادات التي كانوا يقومون بها قبل كل حملة لضمان التموين والتجهيز، وكانت لديهم مراكز تموين في شتى انحاء الامبراطورية يعولون عليها في امداد الجيش في طريقه وكذلك في ساحة المعركة وعند رجوعه.
وكان الملك يبلغ حكام المدن والقرى التي سيمر بها الجيش اثناء تقدمه بمدة معينة قبل رحيله ليكونوا على استعداد لضمان الامدادات، وقد لا يفعل ذلك الملك اذ اراد ان يكون هجومه مفاجئا لاعدائه.
وقد حرص الاشوريون كذلك على توفير مخزون احتياطي يفي بحاجة الجيش بصورة مستمرة فقد كانوا يحتمون على حكام الولايات والمدن عند حدوث نقص في الطعام وما يلاقيه من مشقة في تدبيره لدرجة اضطر الى شرائه من القرويين مقابل ثمن، ومن واجبات هذا الصنف ايضا نقل المواد وتأمين امدادها الى المناطق التي يوجد فيها الجيش عند الحاجة، وتأمين الوسائل الكافية لانجاز ذلك من عربات نقل وحيوانات نقل واحيانا على ظهور الاسرى او الجنود الاشوريين عند الضرورة ويوجد هذا الصنف مع الجيش في كل وحدة عسكرية مكانه في المؤخرة ويقوم بامداد الجيش بالارزاق والتجهيزات التي تفد اليه بصورة مستمرة.
وتستخدم القوارب ووسائط النقل النهرية الاخرى في نقل المؤن والاعتدة ايضا. اما بالنسبة للاشخاص الذين يشرفون على وظائف هذا الصنف هم رب عبري كرماني ورب اورّاتي ورب كيسيتي، ولكل واحد من هؤلاء الضباط نائب او مساعد يقوم مقامه عند تغيبه او لدى تراكم الاعمال عليه ويعرف بلفظة راب شاني تتقدم اسم الرتبة ôaniuôa rab  وكان لكل منهم كاتب واحد او اكثر خاصون به يقومون بتحرير الرسائل وضبط الحسابات، بالاضافة الى هؤلاء الكتبة يوجد اشخاص اخرون مسؤولون عن تجهيز الوحدات العسكرية والثكنات بما تحتاج اليه من الخيل، يعرف الواحد منهم مشر كيسو (muôar kisu) قد تولى هذا المنصب في سنة 695ق.م المدهعو فيشارمو، وهؤلاء يمثلون ضباط العقود العسكريين (الضباط الاداريين) يوزعون على مختلف تشكيلات القوات المسلحة للجيش، ويظهر ان تسلسل المشر كيسو في قائمة الرتب يأتي قبل الكتبة.

3-العينة:
لقد كان الجيش الدائم يعتمد على نظام دقيق وفعال في تجهيز الجيش بالمؤن والعتاد كما ذكرت سابقا، وهذا يدعونا الى الاعتقاد بان اهتمامهم كان مماثلا في اعداد وتأمين المستودعات الكافية لخزن وتوفير الاسلحة والتجهيزات العسكرية بطاقة تستطيع امداد الجيش الدائم باحتياجاته من العتاد والتجهيزات، التي تؤمن للقادة استمرار استعدادهم القتالي في وقت السلم، وكذلك اثناء الحرب، ومما لاشك فيه ان مواقع هذه المستودعات والمعامل العسكرية كانت تتأثر بعاملين: اولهما العامل الطبيعي، اذ من الافضل ان يكون موقعها بالقرب من مصادر المواد الاولية، مثل الاخشاب والمعادن، ومناطق انتاج الاسلحة، وثانيهما العامل العسكري الذي يستوجب تواجد مناطق التجهيزات بالعتاد والعدة قريبة من ساحات القتال، وبعيدة عن نظر وخطر الاعداء في نفس الوقت، وتنتشر في اكثر من مكان واحد في المنطقة الواحدة، وهذه المستودعات من الممكن تواجدها في معظم انحاء الامبراطورية، والمعروف ان الاشوريين كانوا يعتمدون في استراجيتهم العسكرية على الهجوم وليس الدفاع، مما كانت تتطلب غالبا ما يكون خارج حدودها، لذا فمن الممكن اعتبار البعض من القلاع والحصون التي كانت منتشرة في اماكن امنة على طول التخوم بمثابة مستودعات للذخيرة تمد الجيش الذي يمر بها بما يحتاج اليه من المؤن والعتاد، هذا وقد كان باب المسلح يمسى بيت كوتالي (bit kutalli) اي مخازن السلاح، والذي كان يقع في الاغلب في منطقة النبي يونس في الموصل من المستودعات المهمة التي توجد في داخل العاصمة نينوى، اذ جاء في كتابات سنحاريب بانه جلب الكثير من الواح الخشب (الساج) لعمل سقوفه، وقد غلف ابوابه الخشبية بصفائح من النحاس، ووضع على جانبي الباب الرئيسي ثورين مجنحين، ويذكر كذلك بانه خزن فيه مختلف المواد مثل ادوات الخيم وتجهيزات الجياد والبغال والحمير والمركبات وعربات النقل وجعب النبال والاقواس وغير ذلك من عدة الحرب، ولقد ساهمت في بنائه الاقوام التي كانت خاضعة للاشوريين غيرهم من سكان المناطق المجاورة ومن زعماء اليونان من جزيرة قبرص.
اما في العاصمة نمرود فقد شيد شلمنصر الثالث بناء اطلق عليه المنقبون (حصن شلمنصر الثالث) ومن الممكن اعتباره ثكنة عسكرية للخرس الملكي الموجود في العاصمة، وهذا الحصن يتألف من اربع وحدات بنائية، لكل منها فناء خاص بها تتصل ببعضها من الداخل باروقة، وقد كان الاشوريون يسمون هذا الحصن ايكال مشرتي (ekal maôarte) بمعنى بيت السلاح اي المستودع وسموه في ادوارهم المتاخرة بعد ان انتقلت العاصمة من كالح، ايكال مخرتو (ekal maèirtu) اي القصر السابق، وقد وجد في هذا الحصن بقايا كثيرة من قطع لالجمة الخيول والسروج وبعض الاسلحة، وقد كشفت في داخله طرق مبلطة عليها اثار سير المركباتـ مما يشير الى انها كانت كثيرا ما تدخل اليه، وكانت هذه المواد قد وجدت مخزونة في بيت كوتالي (bit katalli) وهو جزء من ايكال مشرتي.
وهناك جماعة من الاشخاص يعرفون باسم شابيت كوتالي (ôÿ bit kutalli) او باسم شابيت ققي (ôÿ bit quqi) وتتألف هذه الجماعة من 30-50 رجلا، وعلى الارجح انهم كانوا يشتغلون في ايكال مشرتي، وهذه المجموعة تضم مختلف المهن التي تحتاج اليها صناعة الاسلحة والتجهيزات مثل صناع السلاح شاخلبتي شونو (ôÿ èal upti-ôunu) والنجارين والنساجين الخ، هذا وثمة مستودع ثالث وجدت صورته على احدى المنحوتات الاشورية، وعلى شكل قلعة محاطة باسوار، وفي احد الاسوار باب ينطلق منه جنود يحملون نبالا وحرابا واثاثا خشبية، وهناك في نفس المشهد جنود يقومون بقطع الاشجار، واخرون يقومون بعمل النبال.
اما القلعة فموقعها ضمن غابة كثيفة الاشجار، وهذه المشاهد المرتبطة مع بعضها ضمن لوحة واحدة لا تدع مجالا للشك في ان هذا البناء هو مكان لعمل الاسلحة، وخزنها ومن ثم ارسالها الى مناطق احتياجها، او المستودعات القريبة من العواصم، ومما يجدر ذكره ان الذين يقومون بعملية نقل هذه المواد هم جنود يحملون سيوفا، ويرتدون خوذا مدببة وهم ذوي لحى مدببة وينتعلون جزما، وملابسهم زردية يتدلى منها شريط نحو الاسفل، وهذا ما يتميز به الجنود الاشوريون بصورة عامة مما يحملنا على التساؤل لماذا يشرف على ادارة مثل هذه الابنية جنود اشوريون؟ وهل ذلك ناتج عن ضرورة ضمان هذه المناطق لاهميتها في سير الالة العسكرية الاشورية؟ ومن المحتمل ان الاشوريون كانوا يستعينون بذوي المهن الصناعية مثل: النجارين والحدادين وصناع الاسلحة، بغض النظر عن الانتماء القومي نظرا لحاجتهم الملحة الى المزيد من الانتاج، كما وانهم كانوا ينظرون الى مثل هذه الصناعات باحتقار نوعا ما، لانها تقعدهم عن القتال، ومن ثم تحرمهم من الغنائم ومن تأدية الواجب القومي.

4-الكتبة والنحاتون والمترجمون:
-الكاتب والمترجم:
الكاتب العسكري :
ظهر الكاتب الآشوري في اكثر من 45 مشهدا على المنحوتات والرسوم الجدارية التي كانت تغلف جدران قصور الملوك الآشوريين. وتظهر هذه المشاهد الكتبة وهم يقومون بإحصاءالإتاوات التي تؤخذ من البلدان الخاضعة للنفوذ الآشوري، أو من المدن المتمردة. ويشاهد كذلك الكتبة وهم يقومون بتسجيل الغنائم وإحصاءأعداد رؤوس القتلى فضلا عن الاسرى المتمردين والعصاة والأقوام المندحرة مما يدل على أهمية دوره في السلم والحرب أيضا في تدوين وقائع الأحداث المختلفة ومنها العسكرية، اذ كان يرافق الحملات العسكرية. وغالبا ما يظهر في تلك المشاهد كاتبان يقفان جنبا إلى جنب، فالكاتب الأول ملتحٍ وهو كاتب آشوري وإليه يشار في النصوص المسمارية بصيغة (لو. آ. با. كور. آشورايو) (LÚ.A.BA.KUR.āšārāju)،أي: الكاتب الآشوري ويظهر وهو يمسك بيده اليسرى لوحا من الطين أو لوحا مفصليا من العاج المسيع بالشمع، وباليد اليمنى يمسك قلما مضلعا لكتابة اللغة الاكدية بالخط المسماري المقطعي. أما الكاتب الثاني، فيبدو حليق الذقن وهو كاتب آرامي بسبب إنتشار اللغة الآرامية في العصر الآشوري الحديث إلى جانب اللغة الاكدية وتغلغل الأراميين في الحياة اليومية في بلاد آشور، وإليه تنسب الإشارة في النصوص المسمارية بصيغة (لو. آ. با. كور. آرامايو) (LÚ.A.BA.KUR.ārāmaju) أي: الكاتب الآرامي، ويشاهد وهو يمسك بيده اليمنى قلما من القصب أو البوص، وباليسرى قطعة متهدلة إلى الأسفل، لعلها من الرّق (الجلد) أو من القرطاس (ورق البردي) لكتابة اللغة الآرامية بالخط الآرامي الأبجدي.

المترجم:
وكان المترجم الذي يطلق عليه باللغة الاكدية لفظة Turgumanu المضاهية للمصطلح العربي " ترجمان" يجيد التحدث بلغات اخرى غير لغته المحلية، وكان من بين المترجمين الرابشاقة، وهو أحد القادة العسكريين الآشوريين الذي يجيد التخاطب باللغتين العبرية والآرامية ودليلنا على ذلك هو الحوار الذي تم بينه وبين ممثل حزقيا، عندما أرسل الملك الآشوري سنحاريب الرابشاقة إلى حزقيا ليتفاوض معه بشأن المدينة التي حاصرها الجيش الآشوري وهي مدينة (اورشليم) القدس، فقد تحدث الرابشاقة الآشوري باللغة العبرية فتوسل إليه ممثل حزقيا ان يتكلم بالآرامية لكي لا يفهمه الناس الذين كانوا واقفين بالقرب من سور المدينة وهذا يوضح لنا ان الرابشاقة كان يتكلم بلغتين غير لغته الأصلية.

-النحّات و الفنان:
صاحب الفنان الآشوري الحملات العسكرية وكان يقوم برسم مسودات لتفاصيل المعارك وعند عودته إلى بلاده يبدأ بنحت تلك المشاهد على المنحوتات أو الألواح الجدارية في القصور الملكية، وقد وجدت مجاميع منها في مواقع آشورية مختلفة نذكر منها الألواح البرونزية التي تم العثور عليها في موقع بلوات من عصر الملك شيلمنصر الثالث يظهر فيها أحد النحاتين وهو ينحت على كتف جبل عند منابع نهر دجلة في جنوب شرقي تركيا الحالية.
الجيش والسلاح في الحضر:
ان الظروف السياسية والموقع السوقي (الاستراتيجي) المهم الذي تمتعت به مدينة الحضر في السيطرة على الطرق العسكرية والتجارية في منطقة الجزيرة وكذلك على الطرق المحاذية لنهري دجلة والفرات ادت الى اهتمام حكامها وساداتها وملوكها بتحصيناتها الدفاعية بالاضافة الى بناء قواتها العسكرية وتنمية قدراتها الذاتية استعدادا لخوض المعارك ولدرء خطر الغزو الاجنبي ومواجهة اعدائها والطامعين باموالها والحاسدين لا تتمتع به من مكانة مرموقة سواء الدينية منها او العسكرية او التجارية، بين مدن القبائل العربية في تلك الفترة الزمنية التي اتسمت بالصراع العسكري بين الرومان في الغرب والفرثيين في الشرق لغرض السيطرة على اراض ومناطق نفوذ جديدة واستقينا معلوماتنا عن التنظيمات العسكرية من اشارات متفرقة، فقسم منها ورد فيما كتبه المؤرخون الكلاسيكيون عن حصار الاباطرة الرومان للمدينة ومن خلال دراسة الاثار المكتشفة وخاصة اعمال النحت البارز والمدور، ومن بعض المفردات اللغوية التي ودرت في الكتابات الارامية اضافة الى بعض الاجتهادات التي تستند على قرائن من مدن اخرى معاصرة مثل دور ايوروبس وتدمر اللتين سكنتهما القبائل العربية لفترة من الزمن.
ان طبيعة البيئة وظروف الحياة القاسية فرضت على الحضري ان يجيد الحرب ويتقن اساليب القتال وصموده الرائع امام جيوش الرومان والفرس تعني الخرص على مواصلة التدريب على القتال ومعرفة طرق الحرب وما يتعلق بذلك من ممارسة للتدريب وتحمل المشاق منذ الصغر وان يكون مقاتلا جيداً فقد ورد في كتابات المؤرخين الكلاسيكين ما يشير الى ان الاباطرة الرومان، تراجان وسبتيموس سفيروس، قد اعادا جيوشهما اعدادا جيدا وجهزوه بمختلف انواع المجانيق والاسلحة الهجومية المختلفة الا ان تحصنات المدينة الدفاعية صمدت وان الحضريين استبسلوا في الدفاع عن مدينتهم فلم يجدا احسن من فك الحصار والرحيل بعيدا عنها بعد ان تحطمت معظم المجانيق وخسرا الكثير من الرجال والمعدات ويذكر ديوكاسيوس ان الحضريين كادوا ان يصيبوا تراجان الذي حاصر المدينة في حدود عام 116/117م عندما نزع لباسه الملكي وشاهدوا شعره الاشيب وشكله المحترم فرموا سهامهم عليه وقتلوا احد الخيالة المرافقين له، ويشير هيروديان الى ان استعدادات جيوش الرومان بقيادة سبتميوس سفيروس لحصار المدينة في 198/199 فاقت استعدادات سابقة تراجان ويذكر ان كل انواع المدفعية قد استعملت في ضرب التحصينات وكل وسائل الحصار قد جربت ولكن دفاع الحضريين ببسالة عن مدينتهم قد اوقف طموح سفيروس في الانتقام من سكان المدينة وملكها بسبب مساعدتهم لمناقشة نيگر على عرش روما، ويضيف ديوكاسيوس على مارواه هيروديان ويذكر بان مدفعية واليات حصار الجيش الروماني قد تحطمت معظمها وان الجنود الرومان قاموا بهجمات متلاحقة تكبدوا فيها افدح الخسائر قبل ان يفتحوا ثغرة في السور وكانوا مصممين على مواصلة هجومهم والدخول الى المدينة من خلالها ولكن سفيرون لم يسمح لهم بذلك فامرهم بالتراجع، معتقدا بان الحضريين سوف يجبرون على الاستسلام وعقد معاهدة ولكنهم اصلحوا الثغرة خلال الليل ورفضوا في الصباح عقد تلك المعاهدة واستطاعوا من صد كل هجمات الجنود الرومان فأدى هذا الحادث ال خلق جو من الفوضى بين الجنود وساد شعور بالتآمر وعدم اطاعة اوامر القادة بعد ان رفض الجنود الاوربيون القيام بهجوم على الحضر، فأمر الجنود السوريين في فرقة مهاجمة الاسوار وعندما ازدادت الخسائر في صفوفهم اوقف سفيروس عملياته الحربية وانسحب من ارض الحضر، هذا الصمود الرائع للحضريين امام الجيوش الرومان الممارسة لاساليب الحرب والمجهزة انذاك باحدث انواع الاسلحة الهجومية ومدفعية الحصار ودك الاسوار يشير الى معرفة القبائل العربية واهل الحضر فنون القتال وأدى ذلك الى اهتمامهم المتزايد بتطوير قدراتهم واستحداث وحدات قتالية جديدة تتطلبها طبيعة المعارك وخاصة الدفاعية منها.
ان رسم صورة واضحة للصنوف البارزة في الجيش الحضري امر صعب لافتقارنا الى الوثائق المدونة ذات العلاقة فالاعتماد ينصب بالدرجة الاولى على دراسة تماثيل القادة والمحاربين الحضريين اضافة الى ما كتبه المؤرخون الكلاسيكيون عن انجازات الحضريين البطولية في الدفاع عن مدنتهم، وقد توصلنا إلى أن الجيش الحضري، شأنه بذلك شأن القوات العربية في الجزيرة قبيل الإسلام تألف الأسلام تألف من الصنوف المعروفة وهي الفرسان والمشأة ورماة السهام (النشابون) ورجال المنجنيقات والمدفعية الثقيلة ورجال قذائف النار الحضرية اضافة إلى إحتمال وجود وحدات متخصصة
الفرسان:
ان المصادر العربية عن فترة قبيل الاسلام غنية بذكر اهتمام وحب العرب للخيل اهتماماً يفوق، في بعض الأحيان، إهتمامهم واعتناءهم بأبنائهم لأن فيها منافع شتى، وخلدوا ذكرها في قصائدهم وحافظوا على انسابها ووضعوا في دراستها رسائل واعتزوا بها أشد أعتزازاً وكان العربي يؤثر فرسه على نفسه وأهله وحرص على اقتناء السريعة الخفيفة الحركة التي كانت من اولى معدات الحرب وفي الكر والفر وعلى قواتها وصبرها وثباتها تتوقف نتائج المعارك. ولقد حتمت الظروف الطبيعية المتطرفة والسياسية الخاصة على الحضري ان يكون فارساً مقاتلاً حريصاً على ممارسة ركوب الخيل وعارفاً بفنون القتال، وقد سمي في الكتابات "أسففطا" وتعني الفارس. وكان لهذا الصنف اثر بالغ الاهمية في مهاجمة معسكرات الجيش الروماني المحاصر لمدينة الحضر حيث يذكر ديوكاسيوس انه في اثناء محاولة النيل من دفاعات المدينة تعرض الغزاة الرومان الى هجمات الفرسان العرب الدقيقة والقوية على معسكراتهم ومن جميع الاتجاهات وبالاسلحة كافة وخاصة المعدات التي تطلق السهام المتعددة ولمسافات بعيدة وتصيب اهدافها، هذه اشارة واضحة الى ان من اهم واجبات الفرسان الحضريين كانت مهاجمة القوات المتعدية، ولمعرفتهم بطبيعة الاراضي المحيطة بالمدينة كانت لهم حرية الحركة والمناورة في القتال ومهاجمة العدو من الخلف لارباك صفوفه والالتفاف عليه، وللفرسان مهمة اخرى هي الاستطلاع وتقدير المسافات لوصول الجيوش الغازية، وماذكره ديوكاسيوس يتضمن اشارات الى ان الفرسان الحضريين قد امتهنوا الهجوم بالكر والفر والاغارة على معسكرات العدو، كما كانت تقاتل القبائل العربية الاخرى.

الرماة:
كان للرماة حاملي القس رامين السهام دور مشهود في الدفاع مدينة الحضر وفي الذود عن عتباتها المقدسة وقد اطلق على الواحد منهم لقب (رمو) وتعني رامي السهام وقد ورد اسم احدهم وهو عبد شلما في الكتابة المرقمة (150) من كتابات الحضر ويذكر ديوكاسيوس وهيروديان ان الرمان المدافعين فوق اسوار وابراج المدينة كانوا باعداد هائلة وكانوا يرمون السهام على الجنود الرومان من كل صوب وحدب واحدثوا بهم اصابات بالغة وازدادت خطورتهم عندما تقربوا من الاسوار وافشلوا جميع هجماتهم ويشير ديوكاسيوس ايضا الى ان الرماة الحضريين كادوا يصيبون تراجان (عندما نزع لباسه الملكي وشاهدوا شعره الاشيب وشكله المحترم فرموا سهامهم عليه وقتلوا احد الخيالة المرافقين له).
واشتهر رماة السهام الحضريون بدقة الاصابة وجودة الرماة مما حدا بملكهم عبد سميا في عام 194م ان يرسل فرقة كاملة من الرماة الى سورية لمساعدة نيگر وكان من الطبيعي استخدام الرماة المختبيئن خلف شرفات الاسوار في مساعدة الفرسان في نصب الكمائن للاعداء وكان تأثيرهم في الدفاع اكبر منه في الهجوم وكان سلاحهم الرئيس الاقواس والسهام وقد حمل قسم منهم اقواسا ميكانيكية ترمي سهمين او عدة سهام في آن واحد.

المشاة (المحاربون):
لقد ورد ذكر المحاربين في كتابات المؤرخين ضمن الاعداد الهائلة من الحضريين والعرب المدافعين عن مدينتهم وقد كشفت التنقيبات عن تماثيل عدد من المحاربين وهم يقبضون على سيوفهم المستقيمة ذات الحدين والمنتهية نصالها بطرف مدبب مثلث الشكل وواجبات المشاة الرئيسة هي الالتحام مع العدو وترد بعض الاشارات عن ذلك في سياق دفاع المحاربين في رد المهاجمين الرومان والفرس عن اسوارهم وتحطيم قواتهم وانزال افدح الخسائر بهم نظرا لصمودهم وثباتهم ورباطة جأشهم وقوتهم العددية.

المنجنيقيون وقاذفو النار الحضرية:
ورد عند المؤرخين الكلاسيكيون ما يشير الى ان الحضريين قد استخدموا انواعا مختلفة من المنجنيقات لضرب وارباك الجيوش الرومانية حيث كان لها اثر فاعل في تحطيم العدد الاكبر من مدفعيتهم التي اعدت لحصار المدينة.
كشفت التنقيبات الاثرية عن منجنيق كبير يرمي الحجارة بالقرب من البوابة الشمالية اضافة الى اجزاء اخرى لمنجيقات اخرى اصغر حجما عثر عليها في مناطق مختلفة من المدينة اضافة الى العثور على اعداد هائلة من قذائف حجرية مختلفة الاوزان، وكان الحضريون يقذفون معسكرات الاعداء بقذائف النار، المكتونة من نفط وقار Bituminous Naphtha، والتي اشتهرت بقذائف النار الحضرية، واحدثت اضرارا بالغة في مدفعيتهم واشعلت الحرائق فيها وفي العاملين عليها ولجأ الحضريون ايضا الى قذف معسكرات الاعداء بجرار صغيرة مملوءة بحشرات سامة واقد استخدموا المنجنيقات في قذفها، لهذا، ودون شك كان يقوم على خدمة هذه المنجنيقات عدد من العاملين قد يكون من بينهم مهندسون وقادة عسكريون وعدد من الجنود الرماة الذين كانوا يشرفون على نصبها وتهيئتها لرمي القذائف الحجرية وضرورة توفيرها في اماكن قريبة وبالاعداد الوفيرة.

الاسلحة:
استعمل الحضريون انواعا مختلفة من الاسلحة وسنعتمد في استعراضنا هذا على المكتشفات الاثرية وعلى المصادر المدونة، ويمكن تقسيم الاسلحة، حسب طبيعة استعمالها، الى نوعين رئيسين، اسلحة خفيفة واسلحة ثقية، فالاسلحة الخفيفة تشتمل على السيف: وهو انبل واشهر اسلحة العرب والاقرب الى نفوسهم واستخدم الحضريون السيوف الطويلة المستقيمة ذات حدين والتي تنتهي تصالها بطرف مثلث الشكل ويظهر من تماثيلهم انهم اعتادوا تعليقها بواسطة احزمة خاصة تدور حول الخصر وتتدلى على الجانب الايسر وهم ممسكون بقبضاتها بايديهم اليسرى، اضافة الى ذلك، تظهر السيوف معلقة بحمائل تتدلى من الكتف.

مصادر منتخبة:
1-  يوسف خلف عبدالله: الجيش والسلاح في العهد الاشوري، ط1، بغداد، 1977.
2-  نخبة من اساتذة التاريخ: موسوعة الجيش والسلاح، ج1، 2، بغداد، 1988.
3-  بهيجة خليل اسماعيل: الجيش في العصر الاشوري، موسوعة الموصل الحضارية، مج1، دار الكتب للطباعة والنشر، جامعة الموصل، 1991.
4-  نخبة من المؤرخين والباحثين العسكريين: موسوعة تاريخ القوات المسلحة العراقية، ج1، ط1، مركز النهرين للطباعة المتخصصة، بغداد، 1991.
5-  عامر الجميلي: الكاتب في بلاد الرافدين القديمة، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2005.
6-    Munn, Rankin, "Assyrian military power", CAH, Vol, II, part2, Cambridge, 1978.
*************************************************
* البحث منشور في : ابراهيم خليل العلاف (تحرير ) ،تاريخ الجيش العراقي في الموصل وتطور دوره الوطني ،دار ابن الاثير للطباعة والنشر ، جامعة الموصل ،( الموصل ، 2013 ) 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق