السبت، 7 أبريل 2018

نجيب الريحاني الفيلسوف الفنان



نجيب الريحاني الفيلسوف الفنان
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس -جامعة الموصل
نجيب الريحاني ممثل مصري من مدينة الموصل . أُسرة الريحاني أُسرة موصلية مسيحية عريقة .. كتب عنها الاستاذ بهنام حبابة في كتابه (الاسر المسيحية في الموصل ) وقال في الصفحة 139 ان هذه الاسرة معروفة في محلة الجولاق اي محلة الساعة حاليا او محلة الاوس كما تسمى رسميا ،وهي من رعاية السريان الكاثوليك في مار توما اشتهر منهم القس جرجس الريحاني (توفي 1954 ) ومنهم جميل الريحاني وكان موظفا في المعارف بالموصل ومنهم الدكتورة سيرانوش جميل الريحاني ، وقد اشتهر من هذه الاسرة الممثل الكوميدي نجيب الريحاني الذي عاش بمصر وتوفي سنة 1949.
كرست جريدة (المدى ) البغدادية عددا من ملحقها (منارات ) العدد الصادر يوم 3 نيسان 2010 لإستذكار الفنان الكبير نجيب الريحاني . وكان ممن كتب عنه الاستاذ كريم مروة ، والاستاذ محمد صالح ، والاستاذ يوسف العاني ، والاستاذ مشكور الاسدي ، والاستاذ علي مزاحم عباس ، والاستاذ احمد فاضل والاستاذ مهدي عباس وغيرهم .
شبهه البعض بشارلي شابلن وقال انه ( شارلي شابلن العرب ) وتحدث البعض عن مسرحياته الكوميدية وافلامه ومنها فيلم (غزل البنات ) وفيلم (سلامه في خير ) .وعده اخرون " نابغة المسرح العربي " ، ووقف احد الكتاب عند تجربته السينمائية ومسرحياته الكوميدية .
إبنته (جينا نجيب الريحاني) بحثت عن جذور والدها في الموصل خاصة بعد ان تم تكريمه في مهرجان القاهرة السينمائي سنة 2008 ، وظهرت في المهرجان لتعلن عن اصدار كتاب عن والدها بعنوان : ( نجيب الريحاني .. شارلي شابلن العرب ) وقالت أنها ستعمل على انشاء متحف ومركز فنون بإسمه ، واطلاق جائزة سنوية لفناني المسرح تحمل إسمه ، واخيرا إنتاج فيلم سينمائي عن حياته ، وقالت ان الفنان السكندري حمدي الكيال رسم (90 ) لوحة لوالدها وبحثت عنه ووجدته وقالت ان أُمها ( لوسي دي برناي ) كانت راقصة في فرقة فرنسية وجاءت مصر وعمرها ( 18 ) سنة واشتركت مع والدها نجيب الريحاني في مسرحية (كشكش بك ) سنة 1918 ، وتزوجها لكنها سافرت بعد ثلاث سنوات الى فرنسا سنة 1921 بعدما شاهدت نجيب الريحاني مع فاطمة رشدي في حديقة الازبكية ولم تعد الى مصر فقام نجيب الريحاني بالزواج من الفنانة الكبيرة بديعة مصابني وسافر معها الى امريكا سنة 1924 والتقى بزوجته الاولى وعادا الى بعضهما وانجبا هذه الابنة (جينا ) سنة 1938 وقد التقت جريدة الشرق الاوسط بها وحاورتها في عدد من تشرين الثاني 2008 .
ثم قالت ابنة نجيب الريحاني ان جدها الموصلي كان يعمل في تجارة الخيول الرائجة في الموصل .
قبل وفاته سنة 1949 ، كتب نجيب الريحاني مذكراته التي روى فيها سيرة حياته وبدايات إهتمامه بالفن . وقال ان اول رواية اشترك في تمثيلها كانت بعنوان : ( الملك يلهو ) من ترجمة الاستاذ احمد كمال رياض يكن ، وكان تلميذا في مدرسة الفرير في الخرنفش بالقاهرة ، وقد درس اداب اللغة العربية على يد الشيخ بحر ، وقال انه ولد سنة 1892 من اب عراقي وام مصرية قبطية ، وامضى حياته في باب الشعرية بالقاهرة وقال ان ابوه مات ، وهو طالب وقد عمل موظفا في البنك الزراعي ، واكمل تعليمه وحصل على البكالوريا وتعرف على عزيز عيد المخرج السوري وعمل معه في فرقة أسسها سنة 1907 واضاف انه بين سنتي 1919 و1920 قدم عدة مسرحيات وبلغ مسرح الريحاني منذ ذلك الوقت اوجه ومن مسرحياته التي اشتهرت مسرحية (العشرة الطيبة ) . وقد احب المصريون مسرحه .اصيب بالتيفوئيد وتوفي سنة 1949 واسمه لايزال يرن في ذاكرة المصريين والعرب .
الاستاذ يوسف العاني الفنان المسرحي العراقي الكبير ، كتب عن تجربة نجيب الريحاني السينمائية . وقال انه كان قمة من قمم المسرح وعلامة مضيئة في تاريخ السينما المصرية ظل يؤكد حقيقة لايمكن اغفالها او انكارها وهي انه كان يهتم بالانسان وقد قدم منذ سنة 1916 وحتى وفاته (81 ) عملا مسرحيا كما تألق في السينما . ومن افلامه ( لعبة الست ) انتج سنة 1946 وفيلم (احمر شفايف ) وكلا الفيلمين اخرجهما ولي الدين سامح، تلاهما فيلم (ابو حلموس ) ثم (غزل البنات ) عرض سنة 1949 ومن قبله 1939 فيلم ( سي عمر ) الذي عرض سنة 1940 واخرجه نيازي مصطفى .
من منا لم يحب أُستاذ حمام المدرس الغلبان الذي يلازمه الحظ السيء طوال حياته وعندما تبتسم له الحياة ليصبح مدرسا خصوصيا لابنة الباشا لتعليمها اللغة العربية يكتشف ان الخدم العاملين في القصر يتقاضون اضعاف مرتبه الهزيل فيصاب بالذهول وتتواصل الاحداث لتنتهي والموع تسيل على خديه تأثرا وهو يستمع الى اغنية (عاشق الروح ) التي تعبر عن حبه البائس لإبنة الباشا وعندما تشعر بحبه تعتذر له فيضحي في سبيل اسعادها مع من تحب .
الاستاذ مشكور الاسدي كتب عن نجيب الريحاني مقالة في جريدة (الايام ) في عددها الصادر في 27-9-1962 ، وقال انه في سنة 1959 ، صدرت من سلسلة كتاب الهلال (مذكرات نجيب الريحاني ) بقلمه بمناسبة مرور عشر سنوات على وفاته ، وقدم لها صديقه الاستاذ بديع خيري بمقدمة حفل بها شخصيته الفذة ومع ان الرجل لم يقف طويلا عند اصله وفصله واسرته واصلها ونسبها الا انه ينحدر من اسرة عراقية في الموصل ، وله اقارب يعملون في انحاء متعددة من العراق وبعض الاقطار العربية. وقد اشار الاستاذ عبد الحميد الرشودي في جريدة ( الايام ) البغدادية انه من الموصل وهاجر ابواه به وبأخيه الاكبر الى مصر وهما صغيران .
وقال الاستاذ مشكور الاسدي أن والد الفنان نجيب الريحاني مولود في الموصل ، ومن اسرة الريحاني المعروفة وذهب الاستاذ خالص عزمي الى ان نجيب الريحاني نفسه مولود في الموصل ، وقد ولد سنة 1890 في مدينة الموصل ، وان بعضا من اسرته حاولوا التحري عن ما خلفه من ثروة في مصر وجاءهم الجواب ان من ورثه اخيه يوسف وتركته كانت عبارة عن بيت شيده ومات قبل ان يسكنه وكان يريد ان يخصصه ليكون ملجأ للممثلين المتقاعدين كما يذكر ذلك صديقه بديع خيري في مقدمة مذكرات نجيب الريحاني وكان ممن يعلم هذه الحقيقة السيد سليم الريحاني الذي كان يعمل في الاعمال الحرة .
وقال ان الاستاذ يوسف الريحاني مدير قسم الترجمة في مصلحة الكهرباء الوطنية ، وعمل لفترة في الصحافة واصدر مجلة اسبوعية بإسم ( الاخبار المصورة ) عاشت بين سنتي 1940- 1942 ، وله معجم ضخم بإصطلاحات العلوم والفنون والصناعة والزراعة والكيمياء والفيزياء وما يقابلها باللغة العربية .
وقد زاره الاستاذ الاسدي في بيته ، وقال انه اطلعه على شجرة العائلة وقال ان نجيب هو ابن الياس بن قسطنطين بن بهنام بن يعقوب بن عبد الرحيم وعبد الرحيم هذا هو الجد الاعلى للاسرة هاجر الى الموصل تاركا مسكنه في خربوط الواقعة غربي ديار بكر ومعه ابنه يعقوب وكان عبد الرحيم يعرف بالصباغ للاقمشة والثياب وزركشتها وتنميقها بالالوان وهو عمل يدخل فيه عنصر الفن من باب جميلة .
وقد حل لقب الريحاني محل لقب الصباغ في الاسرة حين وصف معاصر وأحد احفاد عبد الرحيم بالريحان لرقته وهدوءه وقد تفرقت الاسرة فهناك من يعيش اليوم في الموصل ، وهناك من يعيش في الاردن وفي مصر أما الاصل ؛ ففي العراق ومنه وكان الاتصال بالمراسلة مستمرا الى وقت قريب بين فرع الاردن وبعض افراد الاسرة في الموصل .
كما كان يوسف شقيق نجيب ، يكاتب من مصر المرحوم القس جرجس الريحاني وكان مضمون الرسائل المتبادلة ينحصر في السؤال عن احوال الاسرة ، وما الى ذلك من المجالات وإزجاء العواطف . ويقينا ان هذه الرسائل محفوظة عند احد ما من ابناء الاسرة في الموصل ، ولاتزال دار اسرة الريحاني قائمة تحمل على بابها او على أحد حيطانها تاريخ بنائها الذي يعود الى ماقبل حوال 200 عام الى جانب بيت او بيتين من الشعر المناسبين حسب ذوق الذي شيد الدار وهذه الدار واقعة في محلة الساعة (الجولاق او الجولاغ ).
يقول السيد يوسف الريحاني للاستاذ مشكور الاسدي ان نجيبا حين توفي كتبت عنه بعض الصحف في سياق نعيه بأنه ابن الياس الموصلي ومن المعروفين من هذه الاسرة المرحوم داؤد بن نعمان وهو والد سليم المار ذكره ، وكان اديبا له كتاب بعنوان (بلوغ الارب في امثال العرب ) جمع فيه من الامثال العربية بمقدار ما استطاع وشرحها ، والكتاب لم يطبع ولايزال مخطوطا .
وتولى بعض افراد الاسرة مناصب ذات أهمية اجتماعية في حينه فقد كان جد الاسرة يوسف الريحاني عضوا في مجلس ادارة ولاية الموصل في العهد العثماني ، وأكبر افراد الاسرة في الستينات من القرن الماضي (جريدة البلد 1961 ) هو بهنام شقيق يوسف ديسكي في البصرة ، ومن افرادها الدكتورة سيرانوش الريحاني الطبيبة المتخصصة بالامراض النسائية المعروفة في الموصل وبغداد بعد ذلك .
كانت ام نجيب غير موافقة على ان يعمل ابنها في التمثيل اول الامر، وقد توفيت سنة 1922 وكان اباه قد توفي قبل وفاة امه وكان له اخ اصغر منه اي الثالث بين اولاد الياس اسمه جورج ولد في القاهرة بعد نزوح العائلة اليها ، وقد اختفى وحزن عليه نجيب وتفجع عليه في مذكراته ، وهناك من قال انه اسلم وصار يعمل مع الصوفية ، وهناك من قال انه ترهب والتحق بأحد الاديرة .
كان نجيب الريحاني على صلة بأسرته في الموصل ، وعن نصيبه من ثروتها ، وكانت ثروتها ارض لانفع فيها وعندما كتب مذكراته قال انه سيقتصر على حياته العامة ، ولايتوقف عند حياته الشخصية ، وقد قفز في مذكراته من مولده الى سن السادسة عشرة من عمره حين غادر مدرسة الفرير بعد ان تزود - كما قال - بالمؤونة الكافية من تعليم وخبرة . أما قبل ذلك فلا شيء ولانعرف لماذا اهمل الريحاني الحديث عن اسرته ، وهل ان مذكراته وصلت الناشر ناقصة حيث انها نشرت بعد موته.
واخيرا كان نجيب الريحاني فيلسوفا فنانا ، وكانت الفكاهة والسخرية في دمه ، وكانت حياته عبارة عن ضجة صاخبة ويعتبر من بناة المسرح العربي الحديث .. زامل جورج ابيض ، وعزيز عيد ، وروز اليوسف ، وسيد درويش رحم الله نجيب الريحاني وجزاه خيرا على ماقدم .


هناك تعليق واحد: