الأحد، 1 أبريل 2018

إسحاق موسى الحسيني : نصف قرن من الكتابة في الأدب والثقافة العربية


   إسحاق موسى الحسيني :
          نصف قرن من الكتابة في الأدب والثقافة العربية
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس –جامعة الموصل
   اسحاق موسى الحسيني ، كاتب وباحث ومفكر واديب عربي فلسطيني كان له دوره في الساحة الثقافية العربية المعاصرة وذلك من خلال مؤلفاته ودراساته ونشاطاته التربوية والتعليمية . فضلا عن اسهاماته في عضوية مؤسسات علمية وبحثية عديدة منتشرة في طول الوطن العربي الكبير وعرضه ونستطيع القول ، وبكل ثقة ، ان الرجل كان موسوعة ثقافية قائمة بذاتها ، وطوال خمسون عاما ، قدم الاستاذ الدكتور اسحاق موسى الحسيني صورة ناصعة للمثقف العربي المتسلح بثقافة التراث والمنفتح على الثقافة الغربية المعاصرة ، لذلك اعتمدت آراءه بخصوص تجديد اللغة العربية وتطوير قواعد نحوها وابتكار السبل الكفيلة بتسيير تدريس مادة الادب العربي بروح عصرية . وفوق هذا وذاك كان الحسيني كاتب قصة معروف فضلا عن كونه كاتب مقالة متنور وباختصار فان الحسيني ملأ الدنيا وشغل الناس ولم يقتصر انتاجه على الجانب الأدبي ، بل اتسع ليشمل الجانبين الديني الإسلامي والأدبي ـ اللغوي حتى انه لم يترك قضية أدبية او فكرية او ثقافية برزت في عصره الا وتناولها . ولم يبخل ابدا بتقديم الجهد والتشجيع والتوجيه لتلاميذه وزملائه .. وبهدف إلقاء الضوء على دوره في تنمية حركة الفكر العربي المعاصر لابد من الوقوف قليلا عند سيرته الذاتية والعلمية .
      ولد الاستاذ الدكتور اسحق موسى الحسيني في مدينة القدس سنة 1904 وثمة من يقول انه ولد سنة 1908 وانتقل رحمه الله يوم الاثنين السابع عشر من شهر كانون الاول / ديسمبر سنة 1990 وبذلك يكون قد عاش قرابة (86) سنة . وكان والده موسى بن صالح بن عمر الحسيني الكبير نقيبا لاشراف القدس ، وقد بدأ حياته الدراسية في الكتاتيب ، ثم انتقل الى المدارس الرسـمية
 (الحكومية) ، وانهى دراسته الثانوية في ما كانت تسمى آنذاك المدرسة الرشيدية ، وفيها تتلمذ في علوم اللغة العربية وآدابها على يد الاستاذ محمد اسعاف النشاشيبي رحمه الله . وفي سنة 1923 التحق بالجامعة الامريكية في القاهرة وحصل فيها على شهادة الدبلوم في الصحافة سنة 1926 وبدأ العمل ، على اثر تخرجه ، معلما في المدرسة الرشيدية نفسها .. لكنه لم يمكث في وظيفة التعليم طويلا اذ سرعان ما التحق بالجامعة المصرية وحصل على ليسانس الاداب منها سنة 1930 .
     ويقول الدكتور تيسير الناشف في كتابه الموسوم : (( مفكرون فلسطينيون في القرن العشرين )) الذي نشره مركز الدراسات الفلسطينية بجامعة بغداد سنة 1981 : ان الدكتور طه حسين كان من ابرز اساتذة الحسيني في هذه المرحلة . ولم يقنع الحسيني بما حصله من علوم وآداب ، اذا قرر السفر الى انكلترا والالتحاق بمعهد الدراسات الشرقية التابع لجامعة لندن ليدرس الآداب واللغات السامية على يد استاذه المستشرق الانكليزي المشهور هاملتون كب  Gibb  وقد تخـرج في هذا المعهد سنة 1932 كما حصل على دبـلوم فـي الفلسـفة سنة 1934 .
    وبعد عودته الى موطنه فلسطين ، عين مدرسا للغة العربية والادب العربي في الكلية العربية . وفي مطلع سنة 1946 تألفت في فلسطين ((لجنة الثقافة العربية للتأليف والترجمة والنشر ..)) واختير الحسيني سكرتيرا (امينا عاما) لها وكان يشغل آنذاك منصب المفتش الأول للغة العربية في ما كان يسمى آنذاك ((ادارة المعارف العامة في فلسطين)) ، واستمر في هذا العمل حتى سنة 1948 . وقد انتدبته الادارة هذه ليمثلها في المؤتمر الثقافي العربي الذي عقد في مصيف بيت مرى بلبنان اوائل ايلول / سبتمبر سنة 1947 . وقبيل حرب فلسطين في سنة 1948 ، غادر الحسيني بلاده فلسطين الى لبنان وأقام في بيروت ، حيث عين في هذه السنة استاذا للغة العربية والأدب العربي في جامعتها الامريكية .. وفي سنة 1952 سافر الى كندا بناء على دعوة تلقاها من جامعة من جامعة ماكجيل في مونتريال وذلك لتدريس مادة الادب العربي وفي أواخر سنة 1955 عاد الى القاهرة بناء على دعوة تلقاها من الاستاذ والمربي الكبير ساطع الحصري  عميد معهد الدراسات العربية العالمية التابع لجامعة الدول العربية للتدريس في المعهد . وقد كلف آنذاك من مجلس العلوم والفنون والاداب المصري لتأليف كتاب عن الادب العربي المعاصر . وفي المعهد اشرف على الكثير من رسائل الماجستير واطروحات الدكتوراه فضلا عن عمله الاخر رئيسا لقسم اللغة العربية وآدابها في الجامعة الامريكية وبقى كذلك الى أن أحال نفسه على التقاعد في سنة 1967 .
      كان الحسيني عضوا في العديد من المجامع والمؤسسات العلمية العربية ، فمنذ سنة 1960 اختاره المجمع العلمي العراقي عضوا فيه وبعد سنة من ذلك اصبح عضوا في مجمع اللغة العربية في القاهرة ثم عين عضوا في مجمع البحوث الاسلامية في الازهر الشريف سنة 1962 وفوق ذلك اختاره المجمع الملكي لبحوث الحضارة الاسلامية في الاردن عضوا فيه .   كما  عين سنة 1982 عضوا في مجلس امناء كلية العلوم والتكنلوجيا التابعة لجامعة القدس وفي الوقت ذاته كان عميدا لكلية الاداب للبنات في الجامعة ذاتها .. وقد حصل على اوسمة وتكريمات كثيرة لعل من ابرزها حصوله على وسام العلوم والفنون من مصر سنة 1963 ولقب عميد الادب الفلسطيني سنة 1986 .
     وفي 20 آب / اغسطس سنة 1978 ارسل اليه الدكتور تيسير الناشف رسالة يخبره فيها عزمه تأليف كتاب عن عدد من المفكرين الفلسطينيين . وقد اجاب الحسيني على الرسالة بكتاب مؤرخ في 12 ايلول / سبتمبر 1978 جاء فيه انه فقد مكتبته ابان العدوان الاسرائيلي على فلسطين سنة 1948 وليس من السهولة عليه تقديم كشف بنشاطاته العلمية لكنه استدرك وقال انه اعتمادا على الذاكرة يستطيع القول ان جوانب نشاطه قد تبلورت في اربعة اتجاهات اولاها الجانب الديني وابرز ما قدمه في هذا الجانب كتابيه ((الاخوان المسلمون)) و ((المسلمون بين الماضي والحاضر)) . اما الجانب الثاني فهو الجانب العلمي وينحصر في تأليفه واصداره عددا من الكتب ابرزها كتابيه ((ابن قتيبة حياته واثاره بالانكليزية )) و ((ازمة الفكر العربي )) فضلا عن ابحاثه ودراساته المقدمة الى مجمع اللغة العربية في القاهرة .. اما الجانب الادبي فقدم فيه الدكتور الحسيني عددا من الكتب أبرزها كتبه ((المدخل الى تاريخ الادب المعاصر )) و((النقد الادبي المعاصر)) و((وهل الادباء بشر)) و((مذكرات دجاجة)) .
    ويبقى الجانب الاخير وهو الجانب السياسي وفيه ألف الدكتور الحسيني عددا من الكتب التي تناولت التأكيد على عروبة بيت المقدس ، فضلا عن مجاميع من الدراسات التي تركزت حول القضية الفلسطينية .
   من مؤلفات الأستاذ الدكتور الحسيني المنشورة اطروحته للدكتوراه التي قدمها سنة 1934 الى معهد الدراسات الشرقية التابع لجامعة لندن وكانت بعنوان ((ابن قتيبة :حياته وآثاره))  وقد اشرف عليها كما سبق ان قدمنا المستشرق الانكليزي هاملتون كب صاحب كتابي (المحمدية) و((المجتمع الاسلامي والغرب)) ويعد من ابرز المستشرقين واكثرهم رصانة علمية وحيادية وموضوعية . وللحسيني كتاب بعنوان ((رأي في تدريس اللغة العربية ))نشره في القدس سنة 1937 ، وكذلك كتاب ((علماء المشرقيات في انكلترا)) ونشره في القدس سنة 1940 وكتاب (مذكرات دجاجة) وهو يحمل فكرة فلسفية في قالب قصصي وطبع في القاهرة سنة 1943 وكتاب ((فن انشاء الشعر العربي)) بالفرنسية ونشره سنة 1945 وكتاب ((عودة السفينة )) وهو معالجة لقضايا اجتماعية وفكرية ونشر في القدس سنة 1945 وسلسلة تربوية بعنوان سلسلة الطرائف للاطفال باربعة اجزاء ونشرت في القدس سنة 1947 وكتاب مترجم عن الانكليزية بعنوان ((الاسلام في نظر الغرب )) ونشر في بيروت سنة 1953 وكتاب ((أزمة الفكر العربي)) ونشره في بيروت سنة 1954 وكتاب ((ابحاث في ماضي المسلمين وحاضرهم )) ونشر سنة 1966 .
   ليس من السهولة في مثل هذا الحيز المقتضب حصر مؤلفات الدكتور الحسيني ، فثمة دراسات اخرى له منها ان دائرة المعارف البريطانية نشرت في عدد كانون الثاني سنة 1948 نتاجا للحسيني عن ((التأليف في البلاد العربية ، خلال سنة 1947 كما ظهر له مقال بعنوان ((أظهر في فلسطين ادب وادباء )) في مجلة الثقافة ..كما ان له كتابا ألفه بالاشتراك مع فايز الغول بعنوان ((العروض السهل)) وطبع في القدس سنة 1945 .. كما اشترك مع الأب اسطيفان سالم في ترجمة كتاب عن اللغة الفرنسية بعنوان ((فن انشاء الشعر الغربي )) طبع في القدس سنة 1945 واشترك مع عيسى عطا الله في تأليف كتاب مدرسي بعنوان ((الأساس في قواعد اللغة العربية)) وطبعته دار المعارف بمصر سنة 1948 وفيه ، كما يقول الدكتور الناشف ، ينحو المؤلفان منحى جديدا في تقويم القواعد وربط ابوابها وتيسير صعابها ويقولان بانه ليست كل القواعد ضرورية ومن المفيد تجريد اللغة العربية من القواعد الزائدة . وقد توسع في هذا وألف كتاب بعنوان ((اساليب تدريس اللغة العربية )) طبعته دار الكتب في بيروت سنة 1955 . ويقينا ان للحسيني مؤلفات مخطوطة تضمها مكتبته ومخلفاته في القدس المحتلة لعل من أبرزها مخطوطـة عن ادباء فلسـطين .  
    يعتقد الدكتور الحسيني ان الفكر العربي المعاصر يعاني من أزمة خانقة ، والذين يجولون بأبصارهم في المجتمع العربي ، ويتحسسون ما يجري فيه يرون مظاهر هذه الازمة بوضوح ، لكنه يعود فيقول ان ذلك ليس مدعاة لليأس والتشاؤم ، فالأزمات الفكرية ظواهر طبيعية في حياة الأمم والمجتمع العربي ، شأنه كشأن سائر المجتمعات ، يمر الآن في دور انتقال من حياة قديمة الى حياة حديثة تحاول ان تنسجم مع حيوات سائر الأمم القريبة والبعيدة )) ويعد الحسيني الاحداث التي واجهتها الامة العربية بعد الحرب الاولى وكانت لها آثارها في جميع مرافق الحياة وأبرزها تحرر البلاد العربية وازدياد الإقبال على العلم ، وانتشار الصحف ووسائل الاعلام المختلفة ، وظهور مذاهب وآراء جديدة بعد الحربين العالميتين ، واصطدام هذه المذاهب والآراء بالمذاهب والآراء القديمة وما نجم عن ذلك من متغيرات فكرية وثقافية أثرت في حياة الناس ودفعتهم لان يكون لهم دور حقيقي في بناء مجتمعاتهم المتحضرة .  
    وفي رأيه ان كل تلك التحولات أثارت مشكلات جمة أمام المجتمع العربي مما استدعى ايجاد حلول لذلك ، واستدعاء الحلول ، كما يعتقد ، يولد أزمة واذا ما عالج المفكرون هذه الأزمة بأناة وتجرد وجرأة انفرج الحل عن خير عميم لهم ولمجتمعاتهم . ويضيف الحسيني الى ذلك قوله انه ليس في الحياة حل ابدي لان الحل ينصب على نوع من المشكلات والحياة النامية المتطورة تولد المشكلات الواحدة تلو الاخرى والعقول المدبرة المفكرة لابد ان تعتمل لتبدع حلا بعد حل ، وهكذا يرافق الحل المشكلة ويسير الاثنان في خطين متوازين .
     ان هذا هو تاريخ الحضارة البشرية منذ بدايتها وحتى عصرنا الراهن .. وقد يكون من المناسب الاشارة هنا الى ان الحسيني وضع يده منذ زمن مبكر على حقيقة المستشرق برنارد لويس وكتاباته التي يطعن فيها اصالة الفكر العربي ويقلل من دور العرب في التاريخ ، ففي اوائل الخمسينات من القرن الماضي الف برنارد لويس كتابه ((العرب في التاريخ)) وادعى فيه بانه لاوجود لامة عربية ويرد الحسيني على ذلك ويثبت خطأ حجج لويس هذه ويقرر ان لأزمة الفكر خمسة مظاهر ، فالمظهر الاول هو الحيرة ، فالعرب حائرون لايريدون اين يتجهون والمظهر الثاني هو الارتجال والحائر لايمكن الا ان يكون مرتجلا .. والمشاكل عند العرب تدنو دنوا كبيرا يحول دون رؤيتها رؤية واضحة ، وحين يفاجأ العرب بها يرتجلون حلولا فيصيبون مرة ويخطئون مرات ، والمظـهر الثالـث للازمة الفكـرية هو السـير وراء ما اسـماه بـ (الشعورية وفقدان العقلانية) أي التفكير الصحيح القائم على المنطق والدرس والتأمل . ويشير الحسيني ان المفكرين العرب لم يشتركوا في بناء الحاضر العربي اشتراكا فعليا ، لابل لم يفسح لهم مجال العمل .
   والمظهر الرابع فقدان الجرأة وغياب الحرية الفكرية وعدم نقد الذات ، ويرى الحسيني انه لم يتكامل عند العرب الإحساس بالمسؤولية الجماعية حتى ينشأ عنه قول الحق ، وصاحب الفكر عند العرب موضع شبهة واذا خرج عن المأمون انهم بالمروق وهكذا يظل الفكر الحر حبيسا في الصدور . ويقف الحسيني عند المظهر الخامس للازمة الفكرية وهو تركيز البصر في القديم بدلا من النظر الى المستقبل واحترام سنن القدامى الى حد التقديس فالعرب يرددون باستمرار عبارة مفادها انه لايصلح هذا الزمن الا بما صلح به اوله ، ومعنى هذه العبارة لايعني الركون عند الماضي ورفض نزعة التقدم وترك خيرات الارض في باطنها وعدم الاقدام على عمرانها ن بل لابد من تحقيق مقاصد وجود الانسان على هذه الارض والتي تتلخص بالعبادة والخلافة والعمران .
     وينتقل الحسيني بعد ذلك الى ذكر الذريعة التي لايفتأ يرددها العرب من أنهم مروا في تاريخهم بمراحل من القوة والسيادة وتألق الفكر والسيادة والعناية بالعلم والتجريب وخدمة الحضارة الانسانية وانهم تركوا تراثا علميا وانسانيا يحق لهم ان يباهوا به الامم ، غير انه لايلبث ان يستدرك على ذلك بقوله : ولكن تلك المراحل قد مضت ولغرض استعادتها لابد من توفر شرطين الاول البحث عن عوامل النهوض والثاني العزم والتصميم علة وصل القديم بالحديث .. ولاينسى الحسيني الاشارة الى انظمة الحكم العربية وتخلفها عن مواكبة عصر التقدم ويدعو الى وضع أسس علمية قويمة للتقدم المادي من خلال التصنيع واصلاح الريف واستثمار الثروات الطبيعية والإقبال على العلوم الحديثة فلا تردد ولا إحجام مع ضرورة التركيز على نشر أساليب التفكير العلمي والتفاعل مع الحياة ونبذ النزعات العشائرية والطائفية والأخذ بالنظم الدستورية التي تساوي بين جميع المواطنين مساواة كافة في الحقوق والواجبات مع مراعاة حقوق المرأة وضمان مشاركتها في صنع المجتمع الجديد خاصة وان الاسلام ، كدين وكعقيدة وشريعة ، قد أكرمها واعزها وأخيرا فان الحسيني يدعو العرب لان يكونوا بمستوى التحدي الذي يواجهونه سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ..
   رحم الله الحسيني ، فقد كان مخلصا لوطنه وأمته وجزاه خيرا على ما قدم وقمين بنا جميعا ان نذكره ونراجع سيرته ونقف عند منجزاته المفيدة لحاضرنا ومستقبلنا ..    

هناك تعليق واحد: