الأربعاء، 4 أبريل 2018

الحج العراقي ............بقلم : اللواء الركن المتقاعد الاستاذ أزهر سعد الله العبيدي















الحج العراقي 
بقلم : اللواء الركن المتقاعد الاستاذ أزهر  سعد الله العبيدي
فريضة الحج من أركان الإسلام الخمسة التي يحرص المسلمون على أدائها ويتشوقون إلى القيام بها على الرغم من أن الحجاج في الزمن الماضي كانوا يعانون المشاق والعناء من مخاطر الطريق والأحوال الجوية فضلاً عن غارات الأعراب على قوافل الحجيج. وكان للحاج مكانة سامية في قلوب أقربائه وأصدقائه وجيرانه، فهم يلاقونه بالقبلات والعناق ويتمسحون بثيابه ويقبلون يده التي لمست الكعبة المشرفة والحجر الأسود تبركاً.
ولم يكن بناء المسجد الحرام كما هو عليه الآن من فخامة البناء وتزويده بوسائل الراحة والخدمات التي تكفل للحاج أداء المناسك براحة تامة، إذ كان بمساحة ضيقة لا يتسع أعداد الحجاج التي أخذت تزداد عاماً بعد آخر، وكانت الطرق الموصلة إلى المسجد ترابية وعرة، وكذلك طريق السعي بين الصفا والمروة الذي كان ترابياً يمر وسط أسواق المدينة.
وكانت وسائط النقل للحجاج هي الجمال والبغال والخيل والمراكب الشراعية في البحر، وكان المحمل الذي يحمل كسوة الكعبة يرافق قافلتي الشام ومصر. وكان يقود قوافل الحجيج في كل بلد رجل على درجة كبيرة من الرأي والشجاعة والهيبة والهداية يسمى (أمير الحج) يتولى تنظيم ركب الحجيج ومواجهة الإشكالات التي تواجه قافلة الحج بما يوفر للحجاج الأمن والسلامة، وكانت أمارة الحج من اجل المناصب الإسلامية وأعظم الوظائف الدينية. وكان أول أمير للحج هو أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) في السنة التاسعة للهجرة إذ انتدبه رسول الله (ص) في السنة العاشرة للهجرة التي كانت الفيصل قي تعلم المسلمين مناسك حجهم التي يعول عليها الآن في إقامة شعائر الحج[1].
وحرص الخلفاء الراشدون (رضي الله عنهم) على تولي إمارة الحج وإقامته في مكة المكرمة بأنفسهم، كما أولى الأمويون الحج جانباً كبيراً من اهتمامهم كمعاوية بن أبي سفيان وعبدالملك بن مروان والوليد وسليمان وهشام أبناء عبدالملك. وفي العراق تولت بغداد زعامة العالم الإسلامي في إقامة الحج وصارت إمرة الحج فيها، ومن الخلفاء الذين تولوا هذه الإمارة في العهد العباسي الذهبي: أبو جعفر المنصور والمهدي والرشيد وابنه المأمون. وفي فترة تعاصر الخلافة العباسية والخلافة الفاطمية في مصر كانت إمارة الحج للركب الذي ينطلق من بغداد وللركب الذي ينطلق من القاهرة، وعندما يتعذر تسيير الركب بسبب مخاوف الطريق فان إمارة الحج تصبح قاصرة على إقامة الشعائر بمكة المكرمة، أما في الظروف الاعتيادية فكان أمير الحج يفوض من عاصمة الخلافة بالقيام بمهام الإمارة كاملة[2].
وفي العهد العباسي الثاني أسندت إمارة الحج إلى أمراء أقوياء في البيت العباسي، إذ امتنع الأتراك عن الخروج مع ركب الحج خوفاً على سلطانهم أن يقضى عليه في بغداد من جهة، وخوفاً من تعرض الأعراب الذين نقموا لخروج الخلافة والسلطة من أيدي العرب إلى الأتراك، وفقدانهم العطاءات التي كانت تقدم لهم يوم عز الخلافة الأموية ومن بعدها الخلافة العباسية من جهة أخرى. واستمر ذلك إلى منتصف العقد الثاني من القرن الرابع للهجرة، مما يشعر برغبة الدولة العباسية في الاحتفاظ بقوة سيطرتها على مكة، وبالتالي الظهور أمام العالم الإسلامي بأنها صاحبة الحق الشرعي في هذا المنصب الروحي، وأنه يجب أن يبقى في البيت العباسي[3].
وعندما سيطر البويهيون وهم شيعة على مقاليد الخلافة العباسية واستشرى خطر القبائل المسيطرة على طريق الحج العراقي، أسندت إمارة الحج إلى البيت العلوي لما يتمتعون به من تأثير أدبي وروحي واحترام من جميع الأطراف. وخلال حكم السلاجقة الأتراك أصبح بالامكان الحد من تعديات القبائل على ركب الحج بما تملكه بغداد حينئذ من قوة عسكرية وقدرة على كسب ولاء أمير مكة، فأسندت إمارة الحج إلى أمراء أقوياء لم يعرفوا غير لغة السلاح والمال ومنهم (ختلع الطويل) الذي تولى أمرة الحج من سنة 468هـ إلى سنة 479هـ على ما كان من توليه هذه الإمارة من معارضين. وكان الحجاج المصريون ومن يسير في قافلتهم من أقطار المغرب العربي يؤدون فريضة الحج تحت زعامة الركب العراقي. وبعد أن قويت شوكة الفاطميين بمصر أصبح أمر إمارة الحج إليهم مع احتفاظ المراكز الإسلامية الأخرى بإرسال قوافل تكون تابعة لأمير الحج المصري في مكة المكرمة مثل قوافل الحج العراقي والحج الشامي والحج اليمني[4].
وفي خلال حكم المماليك لمصر استمرت زعامة ركب الحج في مصر حتى استخلص العثمانيون بلاد الشام من سيطرتهم بعد معركة مرج دابق عام (922هـ/ 1516م)، وأوكلت الدولة العثمانية أمر ركب الحج الشامي إلى ولاة دمشق بعد فشل الأمراء المحليين والانكشاريين اليرلية والموظفين العثمانيين في حماية قوافل الحج من تعديات الأعراب التي أضرت بهيبة الدولة لدى المسلمين حتى أنها مدّت في ولاية أسعد باشا العظم أربعة عشر عاماً لنجاحه بالقيام في مهمة أمرة الحج على خير وجه[5].
كان الحجاج ينقلون على وسائل بدائية تعتمد على الحيوانات وبخاصة الجمال التي لها القابلية على التنقل في الأراضي الصحراوية، وكان الحجاج يستصحبون معهم البضائع والأموال فيبيعون في مكة المكرمة ويشترون بضائع أخرى، فالحج كما نعلم عبادة وتجارة. وتوضع فوق الجمال محفّات من الخشب لركوب شخصين على جانبي الجمل أو شخص واحد في جانب وعفشه في الجانب الثاني، وهوادج للنساء الموسرات تغطى بأستار من القماش الملون الزاهي. وكان يتوسط الركب لدى سير القافلة تختروان يتخذه أمير الحج، وهو على هيئة غرفة صغيرة مربعة ترتكز على بغلين، ويفرش داخل التختروان بالفرش الثمينة والمخدات، وقد يتخذ التختروان كبار موظفي القافلة أو المرافقين والموسرين من الحجاج.
وترافق أمير الحج قوة عسكرية واجبها حماية القافلة من هجمات الأعراب، وتؤمن نفقات هذه القوة من جمال وطعام وعلف من الرسوم والضرائب التي تفرضها الحكومة العثمانية بحق وبغير حق على التجار والصنّاع، وأموال البدل من الفرسان السباهية، وأموال المقاطعات والقرى التي تحت سيطرتها[6]. كما يرافق القافلة أناس مهمتهم خدمة الحجاج وتوفير الراحة لهم وهم: المتعهدون الذين يلتزم كل واحد منهم مجموعة من الحجاج، والجمّالة وهم أصحاب الجمال الذين يعنون بإطعامها وإراحتها،  والعكامة كما يسمّون في بغداد وهم رجال أشداء مهمتهم قيادة الجمال أثناء سيرها، والجادرجية الذين يؤمنون نصب ورفع الخيم أثناء توقف القافلة ورحيلها، والحمالون الذين يرفعون الأحمال ويثبتونها على الجمال، وكذلك الحلاقون والسقاؤون ومهن أخرى قد يحتاجها الحاج خلال سفره الطويل. ويعتمد أمير القافلة على عدد من الأدلاء البدو الذين يعرفون الطريق والمنازل أي المحطات التي تتوقف فيها قافلة الحج، أو من العاملين في القوافل التجارية التي تسلك طريق الحج[7].
وكانت رحلة الحاج إلى الديار المقدسة قطعة من التعب والعذاب، ويعد الحاج مفقوداً لدى مغادرته أهله، ومولوداً لدى أوبته إليهم. وقد تمثلت معاناة الحجيج في أشكال عدة منها ما كان بسبب تعرضه لظروف الطبيعة من حر وقر ورياح وهطول أمطار أو ثلوج، وما قد يعقب ذلك من فيضانات أو سيول جارفة. ومنها تعديات القبائل النازلة في طريق الركب الذين كانت السلطات تسترضيهم بتوزيع الأموال والعطايا عليهم، وكانت أعنف الهجمات التي تقوم بها قبائل بنو سليم قرب المدينة المنورة التي عصت على الخلافة العباسية، وكذلك القرامطة الذين تصاعدت غاراتهم بين عامي (300 - 314هـ) وحصلت ذروتها عام 317هـ عندما سار القرامطة بقيادة أبو طاهر الجنابي في موسم الحج إلى مكة لانتزاعها من سلطان العباسيين زمن خلافة المعتضد، فوضعوا السيف في الطائفين والمصلّين والناس في مكة وشعابها، وطرحوا جثامين القتلى في بئر زمزم، ونهبوا أموال الحجاج وأموال أهل مكة، كما اقتلعوا باب الكعبة وكان مصفحاً بالذهب، وأخذوا ما كان داخل الكعبة من محاريب ومعاليق وما زينت به الكعبة من ذهب وفضة. واقتلعوا الحجر الأسود وجردوا الكعبة مما كان عليها من الكسوة، وبقوا في مكة أحد عشر يوماً ينهبون أموال الناس ويسفكون دماء الأبرياء[8].
ومن أشد ما تعرض له ركب الحج سنة 302هـ يوم خرج الأعراب على الحجاج من الحاجز وقطعوا الطريق عليهم، وسلبوا ما معهم من الأموال والمتاع والجمال، فضلاً عن سبي مائتين وخمسين امرأة. فخرج عليهم ورقاء بن محمد في السنة التالية واستطاع أن يوقع بهم في (الأجفر)، فقتل منهم جماعة وأسر جماعة أخرى قدم بها إلى بغداد، فوثبت عليهم العامة وقتلتهم. وفي سنة 384هـ رجع الحجاج العراقيون دون أن يؤدوا فريضة الحج لأن الأصيفر اعترض الحجاج ومنعهم من المرور وحجته في ذلك أن الدنانير التي أعطيت له في العام المنصرم كانت مزيفة، وأنه لن يفتح الطريق للحجاج إلاّ بعد أن يعطوه رسمه لسنتين. وشن بنو خفاجة سلسلة من الاعتداءات على قافلة الحج في مطلع القرن الخامس للهجرة، ففي سنة 402هـ نزحوا مياه آبار واقصة وألقوا فيها الحنظل، واعترضوا الحجاج ومنعوا عنهم الماء وقاتلوهم، فأكثروا فيهم القتل وأخذوا الأموال، ولم يسلم من الحجاج إلاّ اليسير. وقد سببت صعوبة الطريق وأخطار التعرض للحجاج انقطاع الحج عن العراق خمسة وعشرين سنة متصلة من (431- 455هـ)[9].
وفي سنة 405هـ أصيب الحجاج بعطش شديد في طريق الحج العراقي تسبب في هلاك الكثير منهم، وكانوا عشرين ألفاً فسلم ستة آلاف فقط. وقد اشتد بهم هذا العطش حتى شربوا أبوال الجمال وأكلوا لحومها[10]. وفي حادثة أخرى عام 489هـ أن الحجاج العراقيين نزلوا بواد بعد نخلة، فأتاهم سيل عظيم أغرق أكثرهم، ونجا من تعلق بالجبال وذهب المال والدواب وغير ذلك. ونتيجة لتلك الصعوبات والأخطار التي كان يلاقيها الحاج وهو في طريقه إلى مكة المكرمة أخذ المسلمون في بعض الأقطار الإسلامية يعزّون أنفسهم بزيارة أماكن ومساجد لم تلبث أن اكتسبت قداسة في نفوسهم وأصبحت الزيارة إليها في نظرهم تعادل حجة، وقد استشرت هذه البدع في القرنين الرابع والخامس الهجريين.
وكان من شأن تلك الأماكن أن فازت بنصيب كبير من مجموع الحجاج الذين يقصدون مكة المكرمة، مثل زيارة العتبات المقدسة في كربلاء والنجف وسامراء، وكان هناك من يزعم أن سبع زيارات لمسجد النبي يونس قرب نينوى القديمة (وهو المسجد الذي جددته جميلة بنت ناصر الدولة) يعدلن حجة، وكذلك مدينة بيت المقدس[11]. وقدمت جميلة بنت ناصر الدولة كثيراً من أفعال الخير والبر بمكة عندما حجت إليها سنة 366هـ، فقد أعتقت بمكة ثلاثمائة عبد ومائتي جارية، وأطعمت أهل عرفة السويق والسكر، وأحضرت معها عدداً كبيراً من الجمال والعجول للذبح، وخلعت على كبار الناس بمكة خمسين ثوباً[12].
تجتاز قوافل الحجيج مسافات شاسعة في صحراء تندر أو تنعدم فيها مناهل المياه، فكان لا بد وأن تبذل الجهود لتذليل هذه المشكلة بإقامة الخزانات التي تجمع فيها مياه الأمطار وحفر الآبار وإنشاء البرك الخاصة بذلك. ولقد اهتم الخلفاء والحكام قديماً بالطرق التي يسلكها الحجاج للوصول إلى مكة المكرمة، فضلاً عن ذلك فقد أنفقوا الأموال الطائلة لاسترضاء القبائل المتربصة بالحجيج على طول الطرق المؤدية إلى مكة المكرمة[13]. واهتمت الخلاقة العباسية في مختلف عصورها بطريق الحج العراقي، وكانت السيدة زبيدة ابنة أبي جعفر المنصور وزوج هارون الرشيد الخليفة العباسي قد أقامت في الطريق الموصلة بين بغداد ومكة المكرمة بركاً ومنازل وحفرت آبار، وإليها نسب اسم هذا الطريق فسمّي (درب زبيدة). وأنشأت على طريق الحج العراقي عدداً من المرافق، وجلبت الماء إلى (عين زبيدة) في مكة المكرمة من وادي نعمان، وأقامت الأقنية حتى أبلغت الماء إلى مكة. وتوالت الإصلاحات بطريق الحج العراقي وتزايدت الأموال التي تدفع للقبائل، وكانت هذه الدفعات على كاهل الدولة، وساهم بقدر منها بعض ذوي اليسار ورجالات الدولة[14]. وكان المحمل العباسي يرسل من بغداد مرصعاً بالذهب واللؤلؤ مما تبلغ قيمته (1250) ديناراً ذهبياً، وانقطع إرساله في القرن التاسع الهجري.
(قافلة الحجيج في طريقها إلى مكة المكرمة)
بعد أن يستطلع أمير الحج مع جنده ودليل القافلة طريق الانطلاق يتقدم الركب مع الجند الخاص بالحماية ليشق الطريق أمام الحجاج، فإن كان الوقت شتاء مضوا في سيرهم نهاراً واستراحوا ليلاً، أما إذا كان الوقت صيفاً آثروا المسير ليلاً والراحة نهاراً. وكان الركب يتوقف في المنازل (المحطات) للراحة والاستجمام والتزود بالماء والحاجات الأخرى، فضلاً عن تقديم الأعلاف للحيوانات التي يعتمد عليها الركب في سفره. وعندما يحط الركب في المنزل توضع الأحمال عن الجمال والدواب، وترفع القدور على الأثافي لإعداد الطعام، وتنصب الخيم وتبسط البسط وتمد الفرش. فإذا نادى المنادي للرحيل طويت الخيام ولفّت البسط وشدّت الأحمال، وانطلق الركب في رعاية الرحمن[15].
يعقب ركب الحجيج الطريق الصحراوي بغداد – الكوفة – القادسية – المغيثية – القرعاء – واقصة – العقبة – القاع – زبالة – الشقوق – بطان – الثعلبية – زرود – الأجفر – فيد (وفيها يودع الحجاج ما ثقل من حاجياتهم لحين عودتهم) – النقرة – مغيثة – الزبدة – ذات عرق (التي يهلّون بالإحرام فيها) ثم يواصلون السير إلى بستان أم عامر فإلى مكة المكرمة[16]. ويصل الحجاج مكة في مطلع ذي الحجة حيث يمر موكب أمير الحج في شوارع المدينة، ويكون في استقباله أمير مكة وأشرافها والقاضي وكبار المسؤولين. ويكون الحجيج في ذروة الفرحة والسعادة بتكحيل العيون برؤية الكعبة المشرفة ولثم الحجر الأسود والقيام بشعائر حجهم في المواقيت والأماكن المحددة من طواف وسعي ووقوف بعرفات ورمي الحجارة[17].
(حانوت لبيع الهدايا التي يشتريها الحاج من مكة المكرمة)
تعود قافلة الحج بعد أداء المناسك إلى المدينة المنورة معقبة طريق مكة – رابغ – بدر – المدينة[18] للسلام على رسول الله (ص) وصاحبيه أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما)، والصلاة في مسجد رسول الله (ص) وزيارة مقبرة البقيع في المدينة وقبور الشهداء الأوائل والمساجد التاريخية، وهي مسجد الفسح في جبل أحد وهو الذي نزلت فيه الآية القرآنية الكريمة: (يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم) ومساجد: الوادي، الفتح، الأحزاب، أبي بكر الصديق، علي بن أبي طالب، سلمان الفارسي، القبلتين ، عائشة، فاطمة، قباء، الجمعة، الفضيخ[19]. ثم تتهيأ القافلة للعودة إلى العراق محملة بالبضائع والنفائس التي اشتراها التجار لتجارتهم والحجاج لذويهم وأهلهم. وبعد رحلة طويلة شاقة يصل الحجاج كل إلى مدينته ليجدوا في استقبالهم الأهل والأقارب والأصدقاء.
وفي الموصل كانت تقام معالم الزينة في بيت الحاج وتطلى جدرانه بالكلس الأبيض (البياض)، وتفرش الفرش لاستقبال الزوار والمهنئين، ويتوافد الجيران للسلام على الحاج حال وصوله وتهنئته بسلامة العودة، ويعانقونه ويمرغون وجوههم في ثيابه البيضاء الطاهرة تبركاً، ويقبل الصغار يديه اللتان لمستا الكعبة المشرفة والحجر الأسود، ويبارك الجميع له بقولهم: حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وتجارة لن تبور.
ويستقبل الحاج ضيوفه بعد صلاة العصر من كل يوم بالعناق والقبلات، ويقص عليهم ما لاقاه من مشاق السفر وعنائه، وما تمتع به من مشاهد ومواقف تأخذ بمجامع القلوب وتأسر الألباب في ربوع الحرمين الشريفين بمكة المكرمة والمدينة المنورة. وتستمر هذه التهاني مدة ثلاثة أيام تقدم خلالها العصائر (عصير البرتقال) والحلويات من بقلاوة وشكرلمة وحجي بادم وتمر المدينة المنورة مع ماء زمزم، ويرش على الحاج والزوار ماء الورد. ويقدم الأقارب والأصدقاء الهدايا للحاج من رز وسمن وسكر وشاي ورؤوس أغنام يحرص أهل الحاج على تسجيلها إذ تبقى ديناً في رقبتهم يوفونها في مناسبة مماثلة.
وبعد انقضاء أيام الاستقبال والزيارات تخرج الهدايا التي حملها الحاج من أقمشة وحناء وسجاجيد للصلاة ومسابح وقلائد بناتية وطاسات نحاسية وكاسات نقشت عليها آيات قرآنية، فيوزعها الحاج على أهله وأولاده وأقاربه وأصدقائه وجيرانه ومن أهدى له. ويكنى (الحاج) منذ ذلك الوقت بهذا اللقب في أوراقه الرسمية إذ كان عدد الحجاج محدوداً، وعند مناداته من قبل أصدقائه وأقاربه يقرنون اسمه بلقب (حاج/ حجي) و(حاجة/ حجيي) للأنثى. وقد كان عدد من الحجاج العراقيين يرافقون قافلة الحج الشامي أو يسلكون الطريق البحري في الذهاب أو في العودة حسب رغبتهم أو لتجنب مخاطر طريق الحج العراقي.
(مقطع من رسالة الحاج توفيق الفخري في 13 ذي الحجة 1321هـ إلى ذويه يخبرهم عن نيته العودة مع قافلة الحج الشامي أو عن طريق البحر إلى لبنان)


[1] أحمد عمر زيلعي، مكة وعلاقاتها الخارجية، عمادة شؤون المكتبات، جامعة الرياض، الرياض، 1981، ص 84.
[2] منير كيال، محمل الحج الشامي، وزارة الثقافة، مديرية إحياء ونشر التراث العربي، دمشق، 2006، ص 34.
[3] أحمد عمر زيلعي، المصدر السابق، ص 85.
[4] المصدر نفسه، ص 86- 89.
[5] منير كيال،المصدر السابق، ص 42.
[6] المصدر نفسه، ص 58.
[7] المصدر نفسه، ص 74.
[8] المصدر نفسه، ص 81.
[9] أحمد عمر زيلعي، مصدر سابق، ص 106.
[10] المصدر نفسه، ص 109.
[11] المصدر نفسه، ص 110.
[12] المصدر نفسه، ص 133.
[13] المصدر نفسه، ص 114.
[14] منير كيال، مصدر سابق، ص 94.
[15] المصدر نفسه، ص 139.
[16] المصدر نفسه، ص 100.
[17] المصدر نفسه، ص 160.
[18] طريق الحج الحلبي في العصر المملوكي، مجلة العاديات السورية، عدد ربيع 2005، حلب، 2005، ص 134.
[19] الشيخ محمد الفقي، الحج، مطبعة الاستقامة، القاهرة، 1966، ص 191.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق