الأحد، 8 أبريل 2018

الموصل والمغول


الموصل والمغول
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس –جامعة الموصل
قد لايعرف كثيرون ، أن المغول إحتاجوا الى خمسين سنة حتى يستطيعوا ان يصلوا الى بغداد عاصمة الدولة العربية الاسلامية أيام حكم العباسيين ، وان هجماتهم على العراق ابتدأت سنة 1221 م في حين انهم احتلوا بغداد سنة 1260 م واحتلوا الموصل سنة 1262م بعد حصار دام قرابة سنة .
وقد لايعرف كثيرون ان من كان يحكم الموصل يومها الملك الرحيم بدر الدين ابو الفضائل لؤلؤ الارمني الاصل النوري الاتابكي مملوك السلطان نور الدين زنكي بن ارسلان شاه وكان بدر الدين لؤلؤ مقربا من نور الدين زنكي حتى انه اختاره ليكون اتابكا لاولاده  وعندما توفي جاء من بعده ابنه القاهر وفي سنة وفاة الملك العادل عين القاهر عز الدين ولده ومات رحمه الله فتولى بدر الدين لؤلؤ مسؤولية المملكة ثم تسلطن في سنة 630 هجرية -1233 ميلادية    . 
 لقد انتزع الحكم  من احفاد عماد الدين زنكي بعد ان تولى الوصاية على آخرهم ردحا من الزمن دون ان يترك فرصة واحدة للتقرب من المغول والتذلل لهم حماية لعرشه  وايمانا منه بأن الموصل يجب ان تظل بعيدا عن الاحتلال والمحتلين  ، وكان يؤكد دوما انه يتبع بغداد ويتبع الخلافة العباسية في بغداد ،  لذلك حاول ان يبعد حصارهم واحتلالهم للموصل ، وقد  توفي سنة 657 هـجرية 1259 ميلادية  اي بعد ثلاث سنوات من احتلال المغول لبغداد واسقاطهم الخلافة العباسية.
سيطر الملك الرحيم بدر الدين  لؤلؤ على  الموصل وهي منطقة حساسة تقع وسط قوى تتصارع على السلطة بشكل مستمر. كانت الموصل "محط رحال الركبان"، كما قال ياقوت الحموي في تعريفه بها، "ومنها يُقصد إلى جميع البلدان، فهي باب العراق ومفتاح خراسان، ومنها يُقصد إلى أذربيجان" .ظل وصيا على ولدي الملك القاهر نور الدين ومحمود (24) سنة ثم تفرد بالحكم ( 26 ) سنة . وأقام  ، كما يقول الاستاذ محمود الزيباوي في مقال له ، علاقة قوية مع الخليفة العباسي المستنصر، ثم المستعصم، "وذكر اسم كل منهما على التوالي على نقوده الذهبية والفضية والنحاسية حتى سقوط بغداد عام 1285". من جهة أخرى، تحالف بدر الدين مع الملك الأيوبي الأشرف، ثم الكامل، وذلك خلال فترة وصايته على آخر الملوك الزنكيين.
وصف بدر الدين لؤلؤ على انه رجل شجاع حازم محبوبا من اهالي الموصل فيه كرم وزعامة وكان من احسن الناس شكلا يبذل الاموال ويداري وقد صانع المغول وسايسهم وكان عظيم الهيبة   كثير البحث عن احوال الناس من رعيته  .  

قيل الكثير عن حكمة بدر الدين لؤلؤ وحنكته  وقدرته على التصرف بالامور ومواجهة المشاكل والتحديات .ومما قيل انه سار إلى  بغداد ليقابل هولاكو وقدم اليه هدية هي عبارة عن جوهرة يتيمة، وطلب أن يضعها في أذن هولاكو فاتكأ ففرك أذنه، وأدخل الحلقة في أذنه ثم رجع إلى بلاده متوليًا من قبله،  ثم مات في ثالث شعبان بالموصل سنة سبع وخمسين وست مئة(1259 م ) .
   
الموصل  - كما سبق ان قلنا  -  تتمتع بموقع جغرافي واستراتيجي مهم  فضلا عن قيمتها الاقتصادية والبشرية والحضارية  ؛ فهي تربط الخليج العربي بالبحر المتوسط   وقد كان لها دورها في مواجهة الصليبيين  بل كانت هي اول مدينة تنبهت الى الخطر الصليبي منذ عهد حاكمها  قوام الدين ابو سعيد كربوغا  ( 1096-1101 م ) ومن بعده عماد الدين زنكي ونور الدين زنكي ومن ثم صلاح الدين الايوبي الذي  الف جبهة موحدة تبدأ من تكريت والموصل وحلب ودمشق وقد انتصر في معركة حطين على الصليبيين وحرر بيت المقدس يوم السبت 25 ربيع الثاني 583 هـ الموافق 4 تموز سنة  1187 م .
وفيما يتعلق بالمغول فقد حاولوا احتلال الموصل لكنهم فشلوا بسبب  حكمة   صاحبها  بدر الدين لؤلؤ وسياسته القائمة على حفظ التوازن  اولا ، وكسب اهالي الموصل ثانيا .
والمغول هم  قبائل تركية بدوية  كانت  تعيش في المنطقة الواقعة بين الصين والتبت جنوبا ، ومنشوريا شرقا ، وسيبيريا شمالا ونركستان وما وراء النهر اي نهر سيحون وجيحون غربا . وهذه المنطقة كانت تواجه ظروفا مناحية وبيئية قاسية اضطرتهم للتعرض للبلاد المتحضرة المجاورة لهم . كانوا يعانون من قلة الماء والغذاء ، وكان ما هو متوفر لديهم من مواد غذائية لايكفي سكانهم الذين كانوا يتزايدون بكثرة .
كما ان هذه القبائل ، حظيت بقائد كبير استطاع ان يجمعهم على كلمة واحدة ، ويوجههم نحو الغزو . وكانت الدول والامارات القريبة من بلادهم تواجه انقسامات ، وضعف كبيرين لهذا توجه قائدهم ( جنكيزخان ) بهم نحو الغرب حيث  الدولة الخوارزمية واحتلها واستطاع جنكيزخان وهو بطل قومي بنظر  المغول  ان يؤسس امبراطورية  عظيمة في فترة لاتزيد عن العشرين سنة 1207-1227م  كانت تمتد من الصين الى ايران .
وقد كان للمغول قوانين وتنظيمات ادراية وقضائية وعسكرية واقتصادية واجتماعية وسياسية تسمى :  (اليساق او  اليسق) ،  حكموا بموجبها انفسهم والمناطق التي احتلوها ومنها بغداد  والموصل .
ما يهمنا هو ان نتحدث عن علاقة المغول بالموصل . وكما قلت فإن بدر الدين لؤلؤ  كان يؤكد احترامه وتعلقه بالخلافة العباسية وبالامراء المسلمين . الا انه كان يدرك حجم الخلافات التي كانت  قائمة  بين القوى الاسلامية في العراق والجزيرة وبلاد الشام ، وضعف هذه القوى في مواجهة  التحديات التي كانت تواجهها الامة العربية انذاك سواء في جناحها الغربي حيث (الخطر الصليبي)  وفي جناحها الشرقي حيث ( الخطر المغولي  ) ، وقدر لهذه الامة ان تواجه دوما وعبر تاريخها (خطرين)  في آن واحد . فضلا عن ان هذه القوى ، ومنها الايوبيين والعباسيين كانت قد وصلت الى مراحل متقدمة من الضعف والتفكك والانهيار .
لقد حاول بدر الدين لؤلؤ ان يماليء المغول ، ويتظاهر بأنه في حلف معهم ، وكان يرسل الهدايا لملوكهم في مناسبات مختلفة وحتى بعد احتلالهم لبغداد ارسل  قوة عسكرية بقيادة ولده الملك الصالح ، لكن هذه القوة وصلت متأخرةَ مما اغضب هولاكو وقال للملك الصالح  كما نقل المؤرخ ابن العبري في كتابه (تاريخ مختصر الدول ) :" انتم بعدُ في شك من امرنا ،وماطلتم نفوسكم يوما بعد يوم ، وقدمتم رجلا واخرتم اخرى لتنظروا من الظافر بصاحبه فلو انتصر الخليفة وخذلنا لكان مجيئكم اليه لا الينا .قل لابيك : لقد عجبنا منك تعجبا كيف كيف ذهب عليك الصواب وعدل بك ذهنك عن سواء السبيل واتخذت اليقين ظنا وقد لاح لك الصبح فلم تستصبح " . 
كما وثق هذا كله ايضا مؤرخ المغول ( رشيد الدين)  في كتابه (جامع التواريخ )  وكان مواليا لهم  أي للمغول في كتابه (تاريخ النقود في نهاية العصر العباسي خلال فترة بدر الدين لولو ) .
لم يكتفِ الدكتور  هشام البساط – كما يقول الاستاذ محمود الزيباوي في مقالته الموسومة (صاحب الموصل )  بتحليل النقود التي ضُربت في عهد بدر الدين لؤلؤ.  بل نجد في  الكتاب  كشفًا بأهم الآثار المعمارية والكنوز الفنية التي ترتبط باسم صاحب الموصل. ويشمل هذا الكشف القصور والمساجد والمراقد والأضرحة والمدارس، وأشهر هذه الشواهد أطلال قصر لؤلؤ المعروف بإسم  ( قرة سراي) ، أي السراي الأسود، على نهر دجلة شمال شرق الموصل، وقد مرَّ الرحَّالة نيبور به في سنة  1766، ووجد فيه "حوالي ثمانين إلى مئة تمثال آدمي، غالبها مقطوعة الرؤوس، تقف متتالية على صف طويل، مشبوكة الأيدي على الصدر، وتتشابه كثيرًا، كأنما صُبَّت في قالب كلسي واحد".
 وفي ميدان الفنون، يحضر اسم لؤلؤ على خمس أوان نحاسية تُعتبر من آيات فن صناعة النحاس المطعَّم بالفضة، أهمها ( صينية كبيرة ) محفوظة في مكتبة ميونيخ تحمل على حافتها شريطًا زيِّن بكتابة عربية بخطِّ النسخ مع بعض المفردات العجمية، ونصها:(: (عز لمولانا السلطان/ الملك الرحيم/ العالم/ المجاهد/ المرابط/ المؤيد/ المظفر/ المنصور/ بدر الدنيا والدين/ سيد الملوك والسلاطين/ محي العدل في العالمين/ سلطان الإسلام والمسلمين/ منصف المظلومين من الظالمين/ ناصر الحق بالبراهين/ قاتل الكفرة والمشركين/ قاهر الخوارج والمتمردين/ حامي ثغور بلاد المسلمين/ معين الغزاة والمجاهدين/ أبو اليتامى والمساكين، فخر العباد/ ماحي البغي والعناد/ فلك المعالي/ قسيم الدولة/ ناصر الملة/ جلال الأمة/ صفوة الخلافة المعظمة/ بهلوان جهان خسرو إيران ألب غازي اينتاج قتلغ بك/ أجل ملوك الشرق والغرب/ أبو الفضائل/ لولو حسام أمير المؤمنين) .
وفي المقابل، يظهر اسم بدر الدين لؤلؤ في نسخة بديعة من كتاب  (  الأغاني  ) توزَّعت أجزاؤها بين "دار الكتب المصرية" و"خزانة فيض الله" باسطنبول والمكتبة الملكية في كوبنهاغن، وهي من إنتاج 1218-1219م . نجد في هذا المخطوط الاستثنائي "بورتريهًا" لصاحب الموصل بدر الدين لولو  يتجلى في منمنمات تصوُّر الأمير وحاشيته وفقًا للقوالب التشكيلية المتبعة في فن الكتاب العباسي.  ويبدو اسم "لولو" واضحًا في بعض من هذه المنمنمات، وهو هنا مطرَّز على كُمَّي لباس الأمير، وذلك "للتشديد على هويته". في الجزء السابع عشر من هذا المخطوط، نرى الأمير جالسًا في ثيابه الزرقاء الموشَّحة بالذهب، حاملاً بيده قوسًا، يحوطه بثمانية أشخاص، وفي الأعلى ملاكان يحملان وشاحًا يمتد كالخيمة فوق رأسه. "وحول ذراعيه شريطان يحملان اسم بدر الدين لولو بن عبد الله". يتكرر الاسم بالشكل نفسه في الجزء العشرين حيث يظهر الأمير في الزي نفسه ممتطيًا فرسًا تقفز فوق بحيرة تحتوي على أربع بطات. يحمل بدر الدين بيسراه طير الباز، ويحيط بهامته ملاكان يظللانه بوشاحهما الملكي، وفقا للتقليد الإيقونوغرافي المثبَّت.
توفي بدر الدين لؤلؤ سنة 1259 م وتوزع اولاده حكم امارته فخلفه ابنه الملك الصالح على الموصل ، وتولى ولده الثاني علاء الدين حكم سنجار ، في حين تولى ابنه الثالث سيف الدين اسحق الحكم في جزيرة ابن عمر والغريب ان هولاكو اقر ذلك .
لكن ثمة امر مهم حدث في المنطقة،  قلب الكثير من الموازين وهو أن  المماليك في مصر،  استطاعوا ان يتولوا مسؤولية مواجهة المغول ، وايقافهم عند حدهم ، وخاضوا معهم معركة طاحنة ، انهت حلمهم بالوصول الى البحر المتوسط وهي ( معركة عين جالوت  ) في فلسطين والتي وقعت في منتصف رمضان سنة 658 هجرية 1260 ميلادية .
واهمية هذه المعركة تأتي من انها كسرت شوكة المغول ، وحطمت اسطورة ان جيشهم لايقهر ؛ فلقد استطاع مظفر الدين قطز قائد الجيش المملوكي المصري من مواجهة الجيش المغولي وقتل قائدهم كُتبغا نويان .
ان من المؤكد تاريخيا ان معنويات (الملك الصالح بن بدر الدين لؤلؤ ) قويت واخذ يستبشر بالنصر على المغول  حتى ان الملك الصالح اتصل بالمماليك ودخل معهم في تحالف عسكري ضد المغول ، وشجع الثورة التي قامت ضدهم في الموصل والتي رفعت شعارات الثورة على المغول ومواجهتهم .
كما سافر الى مصر والتقى القائد المملوكي الظاهر بيبرس عندئذ احس المغول بأن الموصل ستخرج من ايديهم ، فسارعوا الى فرض حصار قاس عليها في كانون الاول سنة 1261 م .وهنا لابد ان نشير الى ان المغول ادركوا اهمية تحالف الملك الصالح مع المماليك وخطط المماليك لتحرير الجزيرة  وسنجار والموصل .
يقول الدكتور فؤاد عبد المعطي الصياد في كتابه (المغول في التاريخ )  والذي نشرته دار القلم بالقاهرة ضمن سلسلة المكتبة التاريخية  سنة 1960  :"ان الملك الصالح بن بدر الدين لؤلؤ انتفض على المغول ، وتحالف مع الظاهر بيبيرس الذي ارسل معه وهو يعود الى الموصل الف فارس ولما علم هولاكو بوصول الملك الصالح ارسل جيشا كبيرا لملاقاته وكان سنداغو يقود الجيش المغولي ...وانضم اهالي الموصل  ، وابلوا بلاء حسنا وانزلوا بالمغول خسائر فادحة ...لكن المغول استطاعوا ان يقفوا على الاخبار المتعلقة بخروج نجدة مصر والشام لمساعدة الملك الصالح فكمنوا لهم في الطريق وانقضوا عليهم فجأة وكانوا قد تزيوا بزيهم ومن ثم ذهبوا لى الموصل في ملابس جنود مصر والشام فإنخدع اتباع الملك الصالح وحسبوهم جنود السلطان بيبيرس أتوا لنجدتهم فخرجوا من المدينة ، وبتلك الحيلة اوقع المغول الاضطراب في صفوف جنود الملك الصالح وقتلوا منهم عددا كبيرا .ولكن على الرغم من هذا لم يوفق المغول في الاستيلاء على قلعة الموصل فحاصروها مدة طويلة حتى نفذت الاقوات ونزل البلاء بالمدينة فاضطر الملك الصالح على التسليم واستولى المغول على الموصل واعلنوا فيها القتل العام ..." .
حصار المغول للموصل استمر سنة من سنة 1261 حتى سنة 1262 .  وكان حصارا قاسيا استنفذ فيه اهل الموصل الاقوات والمؤن . كما ان الامدادات الي وعد بإرسالها الظاهر بيبرس لم تصل ؛ لان المغول تعرضوا اليها في الطريق وابادوها قرب سنجار كما قلنا آنفا .
وصف المؤرخ رشيد الدين مقاومة الموصليين للمغول فقال :  أ اهل المدينة  بادروا بالقتال استجابة لنداء الملك الصالح ، واطلقوا حجارة المنجنيق من كل جانب ...فخرج المقاتلون من ابناء الموصل " فدامت الحرب الحامية قرابة شهر، وذات يوم تسلق الاسوار ثمانون من شجعان المغول فقضى اهل الموصل عليهم جميعا ورموا برؤوسهم الى جيش المغول من اعلى الابراج وتشجعوا بهذا الانتصار كما تمكنوا من جرح احد قادة المغول (صدر الدين التبريزي) فتوجه الى تبريز بإذن من صندغون حيث التقى بهولاكو وابلغه صمود اهل الموصل فارسل جيشا آخر لإمداد صندغون".

التجأ القائد  سنداغو ( صندغون ) الى احداث نوع من التأثير النفسي على  جيش الموصل ووممارسة ما يسمى بحرب الاعصاب واطلاق الاشاعات  فطلب إرسال علاء الملك بن الملك الصالح واشاع انه قد وصل اليه كتاب من هولاكو “مضمونه ان علاء الملك ما له عندنا ذنب وقد وهبنا له ذنب ابيه فسيره الينا لنصلح امرك معه" . وقد اضطر الملك الصالح ان يرسل ولده الصغير وعمره ثلاث سنوات وكان قد شعر بأن نجدة حلفاءه المماليك لم تصل  لتعرض المغول اليها  كما سبق ان قدمنا ، وان الحصار طال والناس افتقدوا الطعام فقام  بارسال ولده الى معسكر الاعداء، فلما وصل اليهم احتجزوه اثني عشر يوما، ظن الملك الصالح انهم قد سيّروه خلالها الى هولاكو علّه يخفف من تشدده وينهي الحصار،

لكن القائد المغولي كتب اليه طالبا ان يسلم الموصل،  وان لم يفعل  فلا يلومن الا نفسه  ومما  جاء في الرسالة :" اذن  دخلنا البلد بالسيف وقتلنا من فيه " .
لقد واجهت الموصل المجاعة ، والحر ، والوباء ،  واضطر اهالي الموصل على اكل الميتة ولحوم الكلاب لكن صمودهم كان رائعا فعبء الدفاع عن الموصل وقع عليهم ، وعندما لم يجد الملك الصالح وسيلة لاستمرار المقاومة جمع اهالي المدينة ، وخطب فيهم وقال :  "  إنكم ستقتلون لامحالة واقتل انا معكم " عندئذ صمموا على الخروج من المدينة بعد ان  اخذ من المغول عهدا بأن لايتعرضوا لمن يخرج .
خرج الملك الصالح اولا  ملتفا بكفنه الابيض ، فاعتقله المغول وحملوه الى مقرهم ودخل الجيش المغولي الموصل ونادى بعد ذلك احد انصارهم وهو شمس الدين  محمد بن يونس البعشيقي بالامان فخرج الناس ، لكن المغول دخلوا المدينة وشرعوا في تخريب الاسوار  والقلعة  ، وقتل الناس واستمرت المذبحة تسعة ايام ويقول المؤرخ رشيد الدين يصف عملية استباحة الموصل بقوله  :" وقد فتح المغول مدينة الموصل في رمضان سنة 660 هجرية -1262 ميلادية ، وقتلوا بقية السكان بحد السيف واسروا بعضا من ارباب الحرف والصنائع بحيث لم يبق أحد في الموصل ، فلما  رحل المغول عن المدينة خرج ما يقرب الف شخص من بين الجبال والمغارات وتجمعوا وعادوا الى المدينة " .
اما المؤرخ  قطب الدين اليونيني (المتوفى سنة 1326 م ) 
فيقول في كتابه (مختصر مرآة الزمان )  فقال :" فلما اطمأن الناس. واشتروا وباعوا، دخل التتر البلد ، واجالوا السيف على من فيه تسعة ايام، وكان دخولهم في اليوم السادس والعشرين من شعبان” عام 660 هـ (1262م)، وقتلوا في المدينة عالما لا يحصي عدده الا الله تعالى… ونهبوا المدينة ، وقتلوا الرجال،  واسروا النساء ، والذرية وهدموا المباني ، وتركوها بلاقع" ،  كما قاموا بأسر عدد من ارباب الحرف والصنائع بحيث لم يبق في الموصل احد .وفي الوقت نفسه هرب عدد من الناس زادوا على اهالي المدينة  الى القرى والقصبات المحيطة بالموصل .  
اما الملك الصالح بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل فقد ُنقله المغول  الى عاصمتهم  مراغة في اذربيجان وامر هولاكو بأن يفعل به كما فعلوا بالخليفة المستنصر عندما احتلوا بغداد ، وهو ان يربط جسمه بالليه (الطرف او السمن ) ويربط عليه باللبد ويوضع في الشمس الى ان تأكله الديدان وتلتهم جسده وهذا منتهى القسوة في تعذيب الانسان الذي يموت ببطء شديد نتيجة التهام الديدان لجسده .
كما بعثوا بإبن الملك الصالح علاء الملك وكان في الثالثة من عمره ليقدوه نصفين ويعلقوا جثته على جانبي الجسر حتى تعفنت وتناثرت .
وهكذا اصبحت الموصل تابعة للامبراطورية المغولية الايلخانية وتميزت فترة حكمهم  التي امتدت من سنة 1266 الى مجيء الجلائريين وهم اسرة مغولية ايضا ومن ثم دولتي الخروف الاسود والخروف الابيض وهما من العشائر التركمانية ومن بعدهم الفرس الصفويين ثم العثمانيين ، بالاضطراب السياسي و الاداري والمالي وكان كل همهم هو الحصول على الاموال ، واضطهاد الناس مما ادى الى ظهور حركة مقاومة عنيفة كتب عنها مؤرخون كثيرون منهم استاذنا المرحوم الدكتور عبد المنعم رشاد في بعض دراساته عن الادارة المغولية في الموصل  ومنها دراساته في (موسوعة الموصل الحضارية ) .
ومن ولاة الموصل في عهد حكم المغول احمد تكودار ، ومسعود البرقوطي ، وابو سعيد بهادر وكان صاحب الشرطة في  المدينة يسمى (الشحنة ) ، وله صلاحيات واسعة  منها مقاومة التمردات وترسيخ الامن والحكم المغولي .
كان القائد الذي احتل الموصل من المغول إسمه  (سنداغو  نويان ) .وكان منصبه بمثابة نائب هولاكو على الموصل والجزيرة كلها .وكانت هناك مجموعة من الدوائر منها دوائر للشرطة وللقضاء وللاوقاف والواردات .
وكانت نقابة العلويين قد قامت بدور كبير في حفظ ارواح الناس،  والدفاع عنهم . ونقابة العلويين او نقابة الاشراف كانت موجودة في كثير من المدن الاسلامية ، وهي من تدير شؤون من ينتمي الى اسرة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم . وقد حظيت نقابة الاشراف بإحترام الحكام المغول لما كانت تتمتع به من نفوذ ديني واعتباري بين الناس .
وكان من يتولى نقابة الاشراف في الموصل عند سيطرة المغول مجد الدين ابو منصور محمد بن ضياء الدين زيد بن محمد العبيدلي او العبيدي المتوفى سنة 1263 . ومما هو جدير بالذكر ان المرحوم الاستاذ وليد النقيب الف موسوعة كبيرة عن  النقباء تتألف من عدة مجلدات .
تلك هي قصة العلاقة بين المغول والموصل رويتها لكم ،واكدت فيها ان الموصل واجهت  - عبر تاريخها الطويل - كثيرا من الغزوات ، والاحتلالات ،  والتدمير،  والتخريب ، والحصارات   مما جعلها تتمتع بقدر كبير من الحصانة والقوة  والمناعة       تجعلها قادرة على ان تنهض بسرعة من الركام بعد فترة قصيرة .
فقط لابد لي ان اذكر بأن  الموصل في الفترة الاتابكية  1127-1262 م السابقة للغزو والاحتلال المغولي شهدت تطورا عمرانيا ، وازدهارا حضاريا ، وتقدما علميا وانتعاشا في كل فروع الاقتصاد زراعة وتجارة وصناعة .
لكن الموصل في العهد المغولي واجهت تخريبا في ابنيتها في  القلعة والسور ودور العلم .كما تقلصت النشاطات الزراعية والتجارية ، وضعف النشاط الحرفي والصناعي  ،  وتقلصت اعداد المدارس وعانى المجتمع من تدخلات الجند المغول ولكنها ظلت تحافظ على لغتها ، وفنونها ، وشخصيتها الحضارية وهويتها العربية  الاسلامية وذلك من خلال مجموعة من الفعاليات الاجتماعية والثقافية ابرزها ( المدارس الدينية ) و(المجالس الادبية ) و( الاحتفالات الدينية ) .وقد وصف الرحالة المغربي ابن بطوطة وقد زارها في هذه  الفترة ما كان يفعله الموصليون عندما كانوا يخرجون  كل ليلة جمعة للتعبد في رباط النبي يونس عليه السلام ،  وكانت لهم كذلك مساطب على ضفاف نهر دجلة كانت  في النهاية من الحسن والاتقان  مما يثير التعجب  وهذا –كما يقول الدكتور احمد عبد الله الحسو في بحث له في موسوعة الموصل الحضارية – دليل على حب الموصليين لمدينتهم ،  وعشقهم لطبيعتها ، وتغنيهم بها ، وقدرتهم على التكيف للظروف مهما كانت سيئة .
كانت الموصل انذاك تزخر بالمجالس الادبية التي هي بمثابة منتديات ، ووسيلة للاجتماع  ومناقشة اوضاع الناس . وقد ظلت هذه المجالس قائمة . وكان في الموصل خلال سيطرة المغول ما يزيد عن  (114  )  كاتبا واديبا وشاعرا ومثقفا متخصصا في حقول المعرفة المعروفة انذاك ومنها الفقه ، والتفسير،  وعلوم اللغة العربية وادابها ، وعلم الحديث ،والعلوم الصرف .
وكان الاهتمام بمثل حقول المعرفة هذه  بمثابة رد فعل قوي على ما اصابهم من احتلال المغول لمدينتهم ، ومحاولتهم سلب دورها واضعاف موقعها في المنطقة .
لكن هذا لم يمنع من القول بأن  الموصل شهدت نسبة كبيرة من المهاجرين من المثقفين ، لكن هذه النسبة والتي كانت لاتزيد عن 52% لم تؤثر كثيرا على حيوية الموصل اذ آثر 48% من المثقفين ، البقاء في الموصل واتخاذها مستقرا لنشاطاتهم الابداعية ، مما  يشير الى قدر من الحيوية في النشاط  الثقافي والعلمي الذي تميزت به الموصل ، وترك بصمته الواضحة في حياتها الثقافية ، حتى عند كتابة هذه السطور .

هناك تعليقان (2):