الاثنين، 2 أبريل 2018

العرب في القرن العشرين


العرب في القرن العشرين *
إ.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ  التاريخ الحديث المتمرس - جامعة الموصل
حين بدأ القرن العشرين ، كانت أجزاء واسعة من الوطن العربي تحت السيطرة العثمانية ؛ فالعراق ، والشام مثلا كانت تحت هيمنة الدولة العثمانية .
أما الخليج العربي ، فأصبح بحيرة بريطانية ، فلقد نجح الانكليز في ربط شيوخه وحكامه بسلسلة متلاحقة من المعاهدات غير المتكافئة وضمن أطر الحماية البريطانية .
وقد اعلنت بريطانيا حمايتها على مصر 1882 ، وقمع الانكليز الثورة المهدية في السودان ، واستمرت تونس والجزائر ترزحان تحت نير الاستعمار الفرنسي ، ووقعت ليبيا في قبضة الاحتلال الايطالي ، وتقاسم الاسبان والفرنسيون المغرب (مراكش ) ، وبدأت الصهيونية تتغلغل في ارض فلسطين تحت سمع وبصر الولاة العثمانيين .
وعندما اندلعت الحرب العالمية الاولى،  ودخلت الدولة العثمانية هذه الحرب في الرابع من تشرين الثاني سنة 1914 بجانب المانيا ودول الحلف المركزي ، خضع الوطن العربي لمساومات دولية سرية بين الحلفاء من أجل تقرير مصيره ومستقبله ؛ فكانت اتفاقية سايكس –بيكو 1916 ، ووعد بلفور 1917 ومفاوضات الشريف حسين –مكماهون 1916  .
وقد عرقلت الحرب العالمية الاولى النمو الطبيعي للاتجاه القومي العربي ، فتحمل مسؤوليات لم يكن مهيئا لها ألآمر الذي إضطره للدخول في تحالفات أضرت كثيرا بالحركة القومية العربية .
وشهد الوطن العربي  ، ظواهر اساسية أبرزها تزايد قبضة القوى الاستعمارية في البلدان العربية الرازحة تحت سيطرتها ، وما أحدثته من ردود فعل تمثلت بتعاظم حركة الثورة العربية ، وماتبع ذلك من تجزئة الوطن العربي ،ى ونشوء كيانات سياسية مستقلة ، وتحول الشعب العربي من متابعة جهوده من أجل البناء والتقدم المثمر الى مقاومة قوى الاحتلال والانتداب الاجنبيين .
وقد اندلعت ثورات عديدة إستهدفت طرد المحتلين من بريطانيين وايطاليين واسبان وفرنسيين والعمل على تحقيق الاستقلال ، واثبتت نلك الثورات وحدة النضال العربي وترابطه .
ومن ابرز  هذه الثورات : ثورة 1919 في مصر وثورة 1920 في العراق وثورة 1924 في السودان وثورة 1925 في سوريا وثورة 1933 في تونس وثورة 1936 في فلسطين .
كما ان الظاهرة البارزة التي شهدها الوطن العربي في أعقاب الحرب العالمية الاولى ، كانت تأسيس بعض الكيانات السياسية ؛ ومنها مملكة الحجاز 1916-1925 والمملكة السورية المتحدة 1918-1920  والمملكة العراقية 1921-1958  والمملكة الاردنية الهاشمية والمملكة اليمنية المتوكلية والمملكة العربية السعودية .
وإقترن النضال من أجل الاستقلال بالتوجه نحو الوحدة العربية .وأدرك العرب  بأن الاستعمار يمكن ان يسلب الاستقلال السياسي مضمونه الحقيقي .إذا بقيت له جيوب اقتصادية ، وثقافية خاصة بعد ان نجح الغرب في ربط الوطن العربي بعجلة السوق الرأسمالية ، وتعاظم الامتيازات النفطية الاجنبية وإتجاه الاقتصاد الى اقتصاد السوق القائم على الربح بعد ان كان اقتصادا  طبيعيا بسيطا  قائما على سد الحاجة المحلية .
وسرعان ما أدرك العرب في بلدانهم المختلفة أهمية التنظيم السياسي فأنشأوا الاحزاب السياسية وقامت القوى الاجتماعية الناشئة التي تشكلت في الثلاثينات ومطلع الاربعينات من القرن العشرين وحتى الخمسينات بدور مهم في قيادة الانتفاضات والثورات سواء كان ذلك من خلال الاحزاب السياسية الوطنية والقومية  التقدمية او من خلال تنظيمات الضباط الاحرار .ومن هذه الثورات التي شهدها القرن العشرين ثورة 23 تموز –يوليو 1952 في مصر  وثورة 1954 في الجزائر وثورة 14 تموز 1958 في العراق وثورة 1962 في اليمن والثورة الفلسطينية 1965 .
كما ان من الاحزاب التاريخية التي عرفها العرب في القرن العشرين " حزب الوفد "  في مصر ، و" حزب الاستقلال "  و" الحزب الوطني الديموقراطي في العراق"  و" الحزب الحر الدستوري "  في تونس و" حزب الاستقلال "  في المغرب وحزب جبهة التحرير في الجزائر وحزب الشعب  والكتلة الوطنية في سوريا .هذا فضلا عن بعض التنظيمات الحزبية الاخرى العابرة للحدود من قبيل تنظيمات " الحزب الشيوعي "  وتنظيمات "  الاخوان المسلمين "   و"حزب الدعوة الاسلامية " وتنظيمات "  حركة القوميين العرب " ، وتنظيمات "حزب البعث " ،  وتنظيمات" حزب التحرير"  والتي كانت لها فروع في عدد من الدول العربية .
ولايمكن أن ننسى تنظيمات الضباط الاحرار الذين تنصلوا من القسم الذي أدوه أمام ملوكهم عند تخرجهم من الكليات العسكرية واعتبروا انفسهم "أحرارا " واستطاعوا قلب أنظمة الحكم الملكية في بلدانهم كما حدث في مصر يوم 23 تموز –يولية 1952 و14 تموز 1958  في العراق وثورة 26 سبتمبر –ايلول 1962 في اليمن .
وكان من الطبيعي ان تترافق مع كل هذه التحولات السياسية تحولات في البنية الاقتصادية والبنية الثقافية  ؛ فعلى الصعيد الاقتصادي ، بدأت بعض الدول العربية تنتهج نهجا اشتراكيا موجها في إقتصادها . فضلا عن تأسيسها لتنظيمات سياسية بأسم "الاتحاد الاشتراكي " .
وعلى الصعيد الثقافي فقد شهدت بعض  الدول العربية  تحولات  ثقافية من قبيل ظهور الالتزام الفكري  وسيادة   نزعة الواقعية الاشتراكية ، وبروز ظاهرة الشعر الحر ، وتطور القصة  العربية شكلا ومضمونا ، وازدهار الرواية ، والفن التشكيلي ، وتنامي الاهتمام بالدراسات التاريخية والفلسفية والاقتصادية والاجتماعية  والسياسية .كما برزت ظاهرة الاهتمام بالاعلام . ومما ينبغي التأكيد عليه ايضا ان الجامعات العربية إزدادت وذلك بعد اهتمام الدول العربية المستقلة  بالتعليم والتعليم العالي بإعتبارهما الركيزة الاساسية في النهوض الحضاري .
كما برزت ظاهرة تصفية الاستعمار ، وأعلن إستقلال الكثير من البلدان العربية .. وكان وراء ذلك عوامل عديدة :  منها نضال الشعب  الحثيث من أجل الاستقلال ، واشتداد الوعي الوطني  وتعاظمه ، وعجز القوى الاستعمارية عن مواجهة متطلبات التطور الاقتصادي والاجتماعي .
ومن ابرز حركات الاستقلال استقلال ليبيا 1951 ، واستقلال السودان 1956 ، واستقلال المغرب وتونس والصومال وموريتانيا 1956 والبحرين وبلدان الخليج العربي الاخرى 1971 .
ومع ظهور الكيانات العربية المستقلة ..ظلت قضية الوحدة العربية تشغل بال العرب بإعتبارها نقيضا للتجزئة وظهرت مشاريع وحدوية أغلبها شكلي وسطحي وأقلها جاد وحقيقي وقد ارتبطت تلك المشاريع برغبة الحكام الموالين للغرب ك " مشروع الهلال الخصيب " الذي دعا اليه نوري السعيد و" مشروع سوريا الكبرى " الذي دعا اليه الملك عبد الله في الاردن .
وفي النهاية توصل العرب بمساعدة بريطانيا الى صيغة " جامعة الدول العربية " سنة 1945 التي كرست استقلال الدول العربية لكنها اوجدت نوعا من العمل المشترك وخاصة في القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية .
وخلال الخمسينات من القرن العشرين وما بعدها  ، تأججت المشاعر القومية العربية أو ما أصطلح عليه كذلك ب"المد القومي " ؛ فبرزت قيادة الرئيس جمال عبد الناصر  1952-1970 ، وكان من نتائج ذلك قيام الجمهورية العربية المتحدة بعد الوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا في 22 شباط –فبراير سنة 1958 . وكرد على قيام الجمهورية العربية المتحدة استجابت الاسرة الهاشمية الحاكمة في كل من العراق والاردن الى المطلب الوحدوي فـتأسس الاتحاد الهاشمي بين العراق والاردن في السنة ذاتها أي في سنة 1958 .
كما برزت تشكيلات وحدوية أو اتحادية منها على سبيل المثال ظهور " دولة الامارات العربية المتحدة"  وتأسيس" مجلس التعاون لدول الخليج العربية " وكذلك تأسيس " الاتحاد المغاربي " ، وكل هذه التشكيلات تستهدف ايجاد نوع من التنسيق بين البلدان المنضوية تحت لوائها وخاصة في المجالات السياسية ، والاقتصادية ، والامنية ، والثقافية .
ولم يتوقف الغرب وخاصة الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا عن دعم ومساندة الحركة الصهيونية العالمية وتسهيلها اغتصاب الارض العربية في فلسطين ، وتأسيس دولة اسرائيل في 15 أيار سنة 1948 ثم الحرب الضروس التي اندلعت في ايار 1948 بين الدول العربية السبع واسرائيل ، ولم تكن حرب 1948 هي الاخيرة في سلسلة الحروب التي خاضها العرب من اجل فلسطين بل كانت ثمة حروب في سنة 1967 و173 و1982 .. وكان من نتائج هذه الحروب ظهور "منظمة التحرير الفلسطينية"  وتطور الصراع العربي –الاسرائيلي واخراج مصر من ساحة الصراع إثر توقيع الرئيس المصري الاسبق أنور السادات على معاهدة السلام المصرية –الاسرائيلية سنة 1987 والتي سميت ب"معاهدة كامب ديفيد " .
لقد احدثت تلك المعاهدة والمعاهدة الاخرى التي وقعها الاردن مع اسرائيل ، وظهور انواع من العلاقات الاقتصادية بين بعض الدول العربية ومنها قطر والمملكة المغربية شرخا في الصف العربي لانزال نعاني من آثاره حتى الان ، وكان من نتائجه تعاظم المقاومة العربية واشتدادها وظهور قوى مقاومة جديدة في غزة وفي لبنان واقصد الحركة الاسلامية .. حماس و" حزب الله " ..وقد خاضت اطراف المقاومة هذه حروبا ومواجهات شرسة لاتزال تقوم بين فترة واخرى مما يدل على ان الصراع العربي-الاسرئيلي لايزال قائما ومتفاعلا في المنطقة حتى ونحن ندخل السنوات الاولى من القرن الجديد القرن الحادي والعشرين .
لقد شهد القرن العشرين محاولات لاحتواء الصراع ، والعمل على تطويره للصالح العربي فأنعقدت سلسلة من مؤتمرات القمة  العربية أولها مؤتمر القمة العربي سنة 1964  برعاية الرئيس جمال عبد الناصر ومؤتمر القمة التاسع  الذي انعقد ببغداد بين 2و5 من تشرين الاول –اكتوبر سنة 1979 ، والذي استهدف مواجهة معاهدة كامب ديفيد وكان من نتائجه محاصرة مصر ،  والتأكيد بأن قضية فلسطين لاتزال قضية عربية مصيرية وهي جوهر الصراع مع الصهيونية العالمية واسرائيل ولايحق لآي طرف إنهاءها أو التلاعب بحيثياتها او وضع الحلول لها وفقا لمصالحه الفردية .
لقد شهد القرن العشرين بين ما شهد محاولات الولايات المتحدة الحفاظ على تدفق النفط الى دول الغرب ، وضمان أمن اسرائيل .. لذلك وجدنا بأنها كانت – ولاتزال -  تعمل على تخريب وإعاقة العمل العربي المشترك ، والسعي بإستمرار لتكريس حالة الانقسام بين العرب والتلويح بتعميق هذا الانقسام ليس في الموقف العربي من القضايا المصيرية بل وحتى في القضايا المتعلقة بالتنمية الاقتصادية ، والمشاركة السياسية وهي تسعى من اجل منع الدول العربية من ان تمتلك ناصية التقدم والتكنولوجيا ، وإبقاء هذه الدول معتمدة عليها وعلى غيرها من الدول الغربية .
كما انها تحاول ان تخلق المشاكل بين الدول العربية والدول المجاورة للعرب ومنها تركيا وايران واثيوبيا وفي قضايا الحدود والمياه والتعاون الثقافي والاقتصادي .
ولم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن ماحدث لمصر إبًان العدوان الثلاثي البريطاني –الفرنسي-الاسرائيليلي سنة 1956 .. وكذلك لم تكن بعيدة عن ما وقع للعراق خلال حرب الخليج الاولى 1980-1988 وحرب الخليج الثانية 1990-1991 وحرب الخليج الثالثة 2003 واحتلال العراق في   9 نيسان 2003 واسقاط نظامه السياسي ، وحل جيشه وتدمير بنيته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والادارية والامنية والعسكرية والثقافية .
وعندما ابتدأ العرب بمواجهة القرن الحادي والعشرين وتحدياته أخذت الولايات المتحدة تتحدث عن ان الدول العربية تحتاج الى الاصلاح ، وتوكيد المشاركة السياسية ، وتمكين المرأة ، والثورة على الانماط الاجتماعية القديمة ، والاخذ باساليب العولمة في تحديث نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية .
وقد اعتمدت الدوائر الاميركية على تقارير التنمية البشرية التي تنتقد النظم العربية وتبين النواقص التي تعتري نظمها الاقتصادية والسياسية وان لابد من الاصلاح وإقرار النظم الدستورية وحقوق الانسان .. وعندما ظهرت في بعض الدول العربية ومنها تونس ومصر حركات للتغيير حاولت ركوب موجتها فأساءت اليها ودعمت ما سمته المراكز البحثية الغربية  حالة "الفوضى الخلاقة  " وكانت النتيجة ، بروز صراعات طائفية وعرقية ، ووقوع الاقتتال  بين القوى السياسية ، وظهور  الميليشيات،  والاستقواء بالاجنبي .. وهذا ما سوف ينذر بمستقبل غامض للدول العربية اصبحنا  اليوم - للاسف الشديد – نتلمس بوادره ومعالمه .
وهذا يجعلنا نستعيد تجارب العرب مع الاصلاح  السياسي ، وتدخل الغرب فيه ، والانتهاء بكوارث لها بدايات ولكن ليس لها نهايات ولنا في تجربة الدولة العثمانية في  الاصلاح خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر  ، وتجربة محمد علي  باشا في مصر 1804-1848 أكبر شاهد على ذلك .
...........................................
*المقالة نشرت لاول مرة في جريدة الثورة (البغدادية ) في عددها الصادر في 20 كانون الاول سنة 1999 .

هناك تعليق واحد: