السبت، 8 أبريل، 2017

البعد التجاري في العلاقات العراقية – التركية د. عبد الله فاضل الحيالي مركز الدراسات الإقليمية/ جامعة الموصل البحث أعد سنة 2012

البعد التجاري في العلاقات العراقية – التركية

د. عبد الله فاضل الحيالي
مركز الدراسات الإقليمية/ جامعة الموصل
البحث أعد سنة 2012
تبنت تركيا في مستهل العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين ما يُطلق عليه في الأدب الاقتصادي بـ " الدولة التجارية"- Trading State وتعاظم تأثير هذا النمط في إدارة الدولة وتحديد طبيعة السياسة الداخلية والخارجية ومساراتها . وتتجلى أهداف هذا النمط في رفع معدلات التنمية الاقتصادية والرفاهية الاجتماعية بالتخلي عن سياسة الاكتفاء الذاتي، وتبني مبدأ تقسيم العمل الدولي،  والإقرار بأهمية العولمة الاقتصادية، وتعتمد "الدولة التجارية" في تنفيذ ستراتيجيتها وسائل معينة في مقدمتها تفضيل الدبلوماسية الوقائية، والتنازل عن استخدام الوسائل العسكرية في التعامل مع الدول، والاحتكام إلى المعايير الاقتصادية بعد التوازن بين التكلفة والعائد عند إجراء أية مفاضلة للبدائل في اتخاذ القرارات الاقتصادية، وساند هذا التوجه في الانفتاح الاقتصادي والتجاري تخلي تركيا عن سياسة التصنيع القائم على تعويض الاستيراد، وتبني سياسة التصنيع الموجه نحو التصدير.
 إن انفتاح الاقتصاد التركي واندماجه في التجارة الدولية، أدى إلى أن ترتفع نسبة التجارة الخارجية إلى الناتج المحلي الإجمالي من 17،50% في عام 1995 إلى 26،1% في عام 2008 ، أي إن أكثر ربع الناتج المحلي الإجمالي يأتي من التجارة الخارجية، ودعم هذا النمط من التحّول صوب "الدولة التجارية"، تلكم التحّولات في البنى الاقتصادية، وفي عقلية صنع السياسة الاقتصادية باتجاه اقتصاد السوق، والبحث عن أسواق جديدة لتوسيع حجم التجارة الخارجية التي حققت لتركيا معدلات نمو اقتصادي غير مسبوقة وفريدة من نوعها. وقد أسهم الاتحاد الكمركي بين تركيا والاتحاد الأوروبي في تحرير الاقتصاد التركي أكثر من أي شيء آخر، وقد اجتازت العديد من قطاعات الاقتصاد التركي مواصفات الاتحاد الأوروبي في الجودة، وجذبت منتجاتها شركاء تجاريين جدد وبخاصة من دول الجوار.
وفي الوقت الذي كانت قيمة الصادرات التركية 3,621 مليار دولار في عام1980، ارتفعت إلى 11,119 مليار دولار في عام1985، وتضاعفت إلى 21,042 مليار دولار عام1990، وارتفعت إلى 36,581 مليار دولار في عام1995، وارتفعت إلى 50,353 مليار دولار في عام 2000، وتضاعفت إلى 105،013، مليار دولار في عام 2005، ووصلت إلى 113,900 مليار دولار في عام 2010، ورافق هذا الارتفاع الكبير في قيمة الصادرات التركية تغيراً نوعياً هائلاً في بنية الصادرات، ففي  حين شكلت الصادرات من السلع المصنعة27% من قيمة إجمالي الصادرات في عام 1980، ارتفعت هذه النسبة لتصل إلى 81% من قيمة إجمالي الصادرات في عام 2008.
كما حصل تغير كبير في التوزيع الجغرافي للتجارة الخارجية التركية، مع احتفاظ دول الاتحاد الأوروبي المرتبة الأولى، إذ بلغت نسبة الصادرات 46% من إجمالي التجارة الخارجية التركية عام 2009(بعد ما كانت النسبة56% في عام 1999).كما تعاظمت أهمية التبادل التجاري مع دول الجوار التركي وبخاصة روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق الأخرى، ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبلغت قيمة التبادل التجاري التركي مع العراق941 مليون دولار في عام2003، تضاعفت إلى أكثر من خمس مرات لتصبح5،238 مليار دولار في عام 2008، وارتفعت إلى 6,077 مليار دولار في عام2009، ارتفعت الى7,398 مليار دولار في عام2010، ووصلت إلى 12 مليار دولار في عام2011.
 وتشير التوقعات إلى أنها ستتجاوز20,9 مليار دولار في عام2012 ، مما دعا وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية التركي" ظافر جالغليان" خلال حضوره فعاليات المنتدى الاقتصادي لرجال الأعمال والشركات التركية ونظيرتها في إقليم كوردستان العراق الذي عُقد في مدينة اربيل مطلع العام الحالي، دعا إلى المطالبة بإنشاء بوابات جديدة بين العراق وتركيا لتسهيل مرور السلع، وأضاف أن اتساع نطاق التبادل التجاري والعلاقات الاقتصادية مع العراق، لن يخدمه وجود بوابة حدودية وحيدة، بل يتطلب الحال افتتاح المزيد منها، لكي لا تتوقف عند الحدود طوابير الشاحنات لأكثر من أسبوع لكي تتمكن من اجتياز الحدود.
ومنذ عام 2003 حقق الميزان التجاري التركي مع العراق فائضاً وبشكل متنامي، فبعدما بلغ الفائض717 مليون دولار في عام2003، ارتفع الفائض إلى 2,596 مليار دولار في عام2008، وارتفع الفائض إلى 4,173 مليار دولار في عام 2009، ووصل الفائض إلى 4,688 مليار دولار في عام 2010.
كما تفصح البيانات عن أن نسبة الصادرات التركية إلى العراق إلى إجمالي الصادرات التركية بلغت 1,177% في عام2003، ارتفعت النسبة إلى 2,229% في عام 2008، وتضاعفت إلى 5,019% في عام 2009، ووصلت النسبة إلى 5,305% في عام 2010 وبمقابل ذلك بلغت نسبة الاستيرادات التركية من العراق إلى إجمالي الاستيرادات التركية 0,153% في عام 2003، ارتفعت النسبة إلى 0,625 في عام 2008، وارتفعت إلى 0،676% في عام 2009، ووصلت النسبة إلى 0,730% في عام 2010.
وهكذا يمكننا الخلوص بنتيجة فحواها، انه بالرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها تركيا في مطلع الثمانينات من القرن العشرين على اثر اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية، ودخول العراق إلى الكويت، وما ترتب عليها من عقوبات اقتصادية على العراق، بيد أن تركيا استطاعت أن تجد لها حلولاً مناسبة لإعادة التوازن إلى اقتصادها من خلال فتح أسواق جديدة لها وبخاصة في العراق وإيران، ودول الخليج العربية، وبالرغم من توتر العلاقات العراقية – التركية طوال المدة1980-2003 استمرت تركيا بالتركيز على السوق العراقية، مما جعل الخبراء الاقتصاديون يعّدون سر نجاح تركيا الاقتصادي وتبوئها المرتبة السادسة عشر عالمياً في عام 2010 من حيث المستوى الاقتصادي يعود ذلك إلى كفاءة السياسيين  الأتراك الذين أسهموا بشكل فّعال في إعادة الازدهار الاقتصادي لتركيا الذي تميز بمعدل نمو اقتصادي سنوي بلغ 7% للمدة 2004-2010.
أن تبني تركيا لسياسة التصنيع الموجه نحو التصدير من جهة والالتزام بسياسة عدم التدخل في شؤون دول الجوار من جهة أخرى، شكّلتا الإطار الشامل لسياسة تركيا الخارجية خلال العقود الثلاثة الماضية، وكان ذلك احد أهم مرتكزات الأداء الاقتصادي الجيد في المرحلة السابقة حسبما وكدّته منظمة التعاون والتنمية الاقتصاديةOECD  في تقاريرها التي أشارت فيها إلى تمكن تركيا من تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة فاقت الدول الأعضاء في المنظمة خلال المدة2004-2011 إذ وصل معدل النمو الاقتصادي إلى 8,9% في عام2011، مما جعل تركيا تحتل المرتبة الثالثة عالمياً بعد  الصين وسنغافورة .

خاتمـــة
·   ثمة عوامل عدة أسهمت في توسيع تجارة تركيا الخارجية بخاصة مع دول الجوار ، تمحورت حول سياسة التحرير الاقتصادي في الثمانينات، وما اتخذته حكومة توركوت اوزال من إجراءات التخلي عن سياسة التصنيع القائمة على تعويض الاستيرادات والتركيز على تطوير القطاع الزراعي والاقتصاد شبه المغلق، والتحول نحو سياسة التصنيع القائم على تشجيع الصادرات، والتركيز على تطوير القطاع الصناعي والاقتصاد المفتوح.
·   أعطى قرار اتفاقية الاتحاد الكمركي مع الاتحاد الأوروبي الذي تم توقيعه عام1995 زخماً مهماً في مسيرة التحولات الحاصلة في الاقتصاد التركي. إذ أن عملية التكيف مع متضمنات الاتحاد الكمركي ساعدت على تصعيد القدرات التنافسية للصناعة التركية وتحسين إمكانيات نفاذها إلى اقتصادات دول الجوار، فضلاً عن انخفاض تكاليف النقل، والجودة العالية للمنتجات، ناهيك عن التقارب الحضاري والثقافي.
·   إن تعاظم حالات الإحباط للشركات التركية في ممارسة أعمالها في أسواق دول الاتحاد الأوروبي على اثر تنفيذ بنود الاتحاد الكمركي مع الاتحاد الأوروبي، زد على ذلك الإحباط الكبير لنظام تأشيرات الإقامة والتنقل لرعايا الدولة التركية شكّلا قوة دفع إضافية لسياسة      " الدولة التجارية" لعهد حكومة حزب العدالة والتنمية، فالحكومة على إدراك تام بأهمية وحقيقة الاندماج الاقتصادي والتجاري مع دول الجوار وفي طليعتها العراق وإيران والمملكة العربية السعودية، الذي لعب دوراً مهماً في عملية النمو والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في تركيا.
·   إن توجهات تركيا الاقتصادية والتجارية نحو جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتحقيقها نجاحات كبيرة في مضمار التبادل التجاري والاستثمارات في الخارج، وانتعاش حركة السياحة، حقّقا لتركيا معدلات نمو اقتصادي فريد وبخاصة خلال المدة2004-2012.
·   تواجه السياسة الخارجية التركية لحكومة حزب العدالة والتنمية اليوم تحديات، بل أنها تمر بأزمة كبيرة نجمت عن تقويض مبدأ " الدولة التجارية" من جهة، والتراجع بل إهمال ما أطلق عليه بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار من جهة أخرى.
·   يجدر بالحكومة التركية الاستمرار في توكيد حقيقة الانسجام والتناغم بين مصالحها الاقتصادية والتجارية، والعمل الجاد على تحسين أوضاعها بوصفها "دولة تجارية"، والتركيز على تفعيل نشاطات الأعمال والعلاقات التجارية والاقتصادية مع دول الجوار وفي طليعتها العراق وإيران ودول الخليج العربية، إذ شّكل ذلك احد أهم مرتكزات الأداء الاقتصادي الجيد وتحقيق تركيا لمعدل نمو اقتصادي فريد من نوعه وصل إلى 9.1% في عام 2011.
·   إن إثارة الأزمات في العلاقات لن يفيد العراق وتركيا معاً، فسوق العراق اليوم ارض بكر تتوافر فيه فرص استثمارية واعدة للمستثمرين الأتراك، كما أن للجوار الجغرافي مزياته في مضمار التعاون الاقتصادي والتجاري من حيث انخفاض تكاليف النقل التي تشّكل مزية مقارنة للدولتين.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق