السبت، 29 أبريل، 2017

حركات المقاومة الكردية بقيادة الشيخ محمود البرزنجي ا.د. ابراهيم خليل العلاف

حركات  المقاومة الكردية بقيادة الشيخ محمود البرزنجي
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس –جامعة الموصل
قامت في مناطق مختلفة من ولاية الموصل بين سنتي 1919 و 1922 ، حركات مقاومة للسلطة المركزية . وكانت هذه المقاومة نتيجةً طبيعية لتطور الحركة الوطنية للشعبين العربي والكـردي ، والتي دخلت مرحلة جديدة في أعقاب الحـرب العالمية الأولى . وقد لعبـت الجمعيات والأحزاب العربية والكردية ، دوراً بارزاً في هذا المجال ، ولكن نشـاط الجمعيات والأحزاب العربية ومنها حزب جمعية العهد كان أكثر وضوحاً وأشدّ فاعلية . تميزت حركات المقاومة بأنها ذات أهداف وطنية واضحة ، وبرامج سياسية متميزة . وأمثال ذلك حركات الشيخ محمود في السليمانية ، وحركة تلعفـر 4 حزيران 1920 . وقد ساهمت عوامل عديدة ، داخلية وخارجية ، في قيام هـذه الحركات. ولعلّ سوء الإدارة البريطانية، وما تعرض له السكان من الضغط السياسي والاقتصادي والفكري من أهمها . وكان لتعاظم الشعور المعـادي للانكليز والرغبة في الاستقلال دوره أيضاً. ولا شك لجهود العراقيين في سوريا ، والدعاية الكمالية ، وتأثير بعض الثـورات المعاصرة أمثال ثورة اكتوبـر الاشتراكية في روسيا سنة 1917 ، والثـورة المصرية سنة 1919 قد لعبـت دوراً في إثارة الشعور الوطني ، إلاّ أنّ العوامل الخارجية لم تكن العوامل الحاسمة في معارضة السياسة البريطانية في عهدي الاحتلال وأوائل الانتداب ، فقد كانت العوامل الداخلية نفسها تمهد الجو لقيام حركات مقاومة على نطاق واسع.وسنتقف هنا عند حركة المقاومة الكردية التي قادها الشيخ محمود الحفيد البرزنجي  1881-1956 .
المقاومة الكردية :

     حصلت في المناطق الكرديـة من ولاية الموصل بين سنتي 1919 و 1922 سلسلة من الانتفاضات والحركات . وقد يكون من المناسب أن نميز بين نوعين من هذه الحركات أولهما الحوادث المنعزلة التي نشأت في مناطق زاخو والعمادية وعقرة . وثانيهما ما وقع في السليمانية . إذ تميزت الأخيرة بوضوح أهدافها واتساع تأثيـرها ، واختلاف طبيعتها عن الحركات الأولى كما سنرى .

حركات المقاومة الكردية لسنة 1919 :

حكومة الشيخ محمود الأولى :

     أشرنا في فصل سابق ([i]) الى أنّ العثمانيين عرضوا على الشيخ محمود البرزنجي مشروع تأليف عصابات كردية لتهـديد خطوط مواصلات القوات البريطانية الزاحفة . وقد غادر الشيخ محمود مدينة الموصل في أواخر أيلول 1918 ، وبعد أن وصل السليمانية احتلـت القوات البريطانية مدينة كركوك مرة أخرى فصرف النظر حينذاك عن تنفيذ المشروع المذكور ([ii]) . وعندما أعلنت الهدنة في 31 تشرين الأول 1918 أوعز أمير اللـواء علي إحسان باشا إلى متصرف السليمانية علي رضا بك أن يترك ادارة لـواء السليمانية إلى الشيخ محمود ليحكم المنطقة بأسم الدولة العثمانية ([iii]) . غيـر أنّ الشيخ محمود عاود الاتصال بالسلطات البريطانية مرة أخرى ، إذ أرسل رسالة مع عزة المدفعي وأحمد فائق إلى القيادة البريطانية في كفري أكّـد فيها استعداده لتسليم السليمانية للانكليز ، على شرط ملزم وهـو ألاّ يسمحوا بعود الأتراك إلى كردستان الجنوبية ثانيةً ([iv]) .

    أرسلت رسالة الشيخ محمود إلى السر آرنولد ولسن وكيل الحاكم الملكي العام في بغداد ، فانتدب الميجر نويل لدراسة الأوضاع في السليمانية ، وتقديم تقرير بها إلى السلطات البريطانية.وكان نويل مزوّج بتعليمات تنصّ على أنه بوسع السـلطات العسكرية البريطانية تخصيص قطعة من الجيش تخصيصاً دائماً إلى السليمانية ، وأن يكون هدفه إجراء الترتيبات اللازمة مع الرؤساء المحليين لإعادة الأمن ، وأن يوضح لهؤلاء الرؤساء بأنه ليس هناك أية نية في أن تفرض عليهم إدارة غريبـة عن عاداتهم ورغباتهم . وأنّ أيّة ترتيبات يتخذها لابـد وأن تكون مؤقتة وخاضـعة لإعادة النظـر في أي وقـت من الأوقات ([v]) .

     وصل نويل السليمانية فقي 16 تشرين الثاني 1918 ، وفي يوم وصوله كتب برقية إلى ولسن ذكر فيها أنه استقبل في السليمانية بحفاوة ، وأنّ وفوداً من بعض القرى الكردية قد خرجت لاسـتقباله . وقال في برقيته أنّ الحامية التركية ( وكانت مؤلفة من فوج من الجنود ) والمتصرف قد استسلموا للشيخ محمود في13تشرين الثاني ، وسوف يرسلون إلى كركوك تحت حماية حرس من الفرسان.وقد وصف نويل السليمانية بأنها في حالة لا تصدق من الضعف والفقر و الفساد إذ هجر المدينة أكثر من (80./.) من الأهالي وأنّ حالة من الغلاء وارتفاع الأسعار تعمها ، فالقمح يباع بـ (1600) ربية للطن الواحد ، والرز (2400) ربية . بالإضافة إلى أنّ هناك أعداداً من اللاجئين ينتشرون في المدين  بشكل واسع ، وقد طلب في ختام برقيته تزويد السليمانية بالمواد الغذائية والبذور ([vi]) . وكان الشيخ محمود قد جمع الفوج التركي أمام سراي الحكومة وانتزع رتبـة قائد الفـوج وأوسمته وطرد ضباطـه ، وسلّم الفوج المذكور إلى نويل كأسرى ([vii]) .

     عقد نويل اجتماعاً عاماً في السليملاتنية ، حضرهع عدد من العغلماء واللأشراف والسشادات والتجار ورؤساء العشالئر ومن فئات أخرى من المكان . حيث ألقى فيه بأسم السلطات البريطانية خطاباً أعلن فيه : أنّ الشيخ محمود عيّن( حكمداراً لكردستان الجنوبية ) ([viii]) بأمر من السر آرنولد ولسن . وكان تعيينـه يرجع في الدرجة الأولى إلى الاسـتفادة من نفـوذه في تثبيت الاحتلال البريطاني في المنطقة دون إرسال أيـة قوة عسكرية . وفي اليوم ذاته ، جمع الأهالي ورؤساء القبائل في دار الشيخ محمود لإجـراء مراسيم البيعة الحكمدارية ([ix]) . وقد خصص للشيخ محمود راتب قدره (15000) ربية ، وأصبح نويل مستشاراً سياسياً له ، كما عيّن الميجر دانليس مستشاراً عسكرياً ([x]) .

     شرع نويل بإدخال جهاز حكومي مؤقت إلى السلطة ، فعيّن لكل منطقة ثانوية موظفين أكراداً يعملون بإرشاد الحكّام السياسيين البريطانيين([xi]). وكان الجهاز الجديـد قبلياً من الوجهة العملية ، فقد جعل كـل رئيس من رؤساء القبائل مسـؤولاً تجاه السـلطات البريطانية عن طريق الشيخ محمود بوجه عام ، بالنسبة لادارة قبيلته هو ([xii]). وقد أتخذت الاجراءات السريعة لاستبدال الموظفين العرب والأتـراك بموظفين أكـراد قدر الإمكان . وجرت بعض المحاولات لمعالجة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة ([xiii]) .

    زار ولسن السليمانية في أول كانون الأول 1918 ، وعقـد مؤتمراً فيها حضره ما يقارب الستين من الرؤساء البارزين في كردسـتان العراق بينهم ممثلون عن القبائل الكرديـة في فارس . وقـد أجرى مباحثات طويلة معهم شرح فيها الموقف السياسي على قدر متا يتعلق الأمر بهم ، ورأى ولسن من خلال ذلك أنّ هنـاك إجماعاً على الاعتراف بالحاجة إلى شـكل من أشكال الحماية البريطانية ، غير أنه لم يكن هنالك إجماع حـول الوسيلة التي يمكن أن تؤمن بها هذه الحماية ، فكان بعض الرؤساء مترددين في جـدوى وضع كردستان تحت الإدارة البريطانية الفعّالة ، بينما عارض آخرون هذه الفكرة . وكان بعضهم يلح على أن تكون كردستان خاضعة إلى لندن مباشـرةً وليس إلى بغداد ([xiv]) . وذكر ولسن أنّ عدداً قليلاً من الرؤساء أخبـروه ، بصورة سرية ، بأنهـم لا يمكن أن يقبلوا بالشـيخ محمود زعيماً للبلاد ، ولكنهم لم يقترحوا بديلاً عنه . وبعد كثير من البحث والمناقشة سلّم الشيخ محمود إلى ولسن وثيقة متفقاً عليها تحمل تواقيع ما يقرب من(40) رئيساً بالشكل التالي:

(( لمّا كانت حكومة صاحب الجلالة قد أعلنـت عزمنها على تحرير الأقوام الشرقية من الحكم العثماني وتمد لها يد المساعدة في تأسيس استقلالها ، كان الرؤساء الذين يمثلون أهالي كردستان يطالبون حكومة صاحب الجلالة بقبولهم تحت حمايتها وربطهم بالعراق لئلاّ يحرموا من منافع هذا الارتباط ويلتمسون الحاكم الملكي العام في العراق أن يرسل لهم ممثلاً عنه وقدّم لهم المساعدة الضرورية التي تمكن الشعب الكردي من التقدم في ظل الإشراف البريطاني تقدماً سلمياً على أسس مدنية . ويتعهدون إذا ما مدّت حكومة صاحب الجلالة يد المساعدة والحماية لهم بأن يقبلوا أوامرها ومشورتها ))([xv]) .

وطلب الشيخ محمود بالإضافة إلى ذلك ، ضباطاً بريطانيين للعمل في جميع الدوائر الحكومية. واشترط أن يكون الموظفون المرؤسون من الأكراد وليس من العرب على قدر الإمكان ([xvi]) . وقد وقّع ولسن على وثيقة نصّت على أن أية قبيلة كردية تقيم في المنطقة الممتدة من الـزاب الكبير إلى ديالى ـ عدا القبائل القاطنـة في داخل الحـدود الفارسية ـ تقبل بمحض إرادتها لزعامة الشيخ محمود سوف يسمح لها أن تفعل ذلك، وأنّ الشيخ محمود سوف يحظى بدعم بريطانيـا المعنوي في حكم المناطـق المذكورة بالنيابـة عن الحكومة البريطانية التي يتعهد بإطاعة أوامرها . هـذا ولم تكن قبائل منطقتي كفري وكركوك وسكان مدنها ، راغبـة في الخضوع لسيطرة الشيخ محمود ، وقد وافق هو على أن لا يصر على إدخالها ضمن سيطرته ([xvii]). ويبدو أنّ موافقة الشيخ محمود هذه كانت من أجل تثبيت أقدام حكمه في بداية الأمر ، خاصةً وأنه كـان يتمتع بسمعة طيبة بين القبائل حتى التي كانـت لا تعرف الشيخ محمود إلاّ قليلاً ، أو التي كانت أكثر ما تعرفه عنه كونه حفيـداً لكاكا أحمد الشيخ على حد تعبير المس بل ([xviii]) .

    قام نويل بزيارة إلى المناطق الكائنة في الجهة الغربية والشمالية إلى حد راوندوز في نهاية كانون الأول 1919 ، فوجد أنّ السكان هناك يميلون إلى الشيخ محمود بصورة واضحة.فقد ازداد الطلاب على الانضمام إلى الحكومة الجديدة التي يرأسها الشيخ محمود ، ممّا جعل السلطات البريطانية تنظر إلى هذا الأمر بارتياب شديد ([xix]) . وكان نويل في الوقت ذاته ، يعمل على إدخال جهاز الحكم الجديد الذي أدخل إلى السـليمانية إلى مناطق كويسنجق ورانيه وراوندوز. حيث تمَّ تعيين الحكّام السياسيين في هذه المناطق،وطرد الموظفين الأتراك ، وأعاد الأمن إلى نصابه ([xx]) .

   عمد الشيخ محمود إلى تعيين معظم أقربائه في وظائف الحكومة الحديدة ، فعيّن السيد عمر عمه الأول متصرفاً للسليمانية . كما عيّن عمه الثاني الحاج السيد حسن رئيساً للشرع . وعيّن أخاه الشيخ قادر قائداً عامًاً للجيش والقوات المسلحة، وعلى هذا النمط تمَّ تعيين معظم ذوي العلاقة بالشيخ محمود وأسرة الشيخ في الوظائف الحكومية ([xxi]). أما نويل مستشار الشيخ محمود السياسي ، فقد اتجه لمعالجة الحالة الاقتصادية المتدهـورة ، وسرعان ما أغرق أسواق السليمانية بالكثيـر من الربيات والأوراق النقديـة والليرات الذهبية التركية ووزع الكثيـر منها على رؤساء العشائر وذوي العلاقـة بالحكمدار . فعمّت السليمانية ، أثر ذلك ، موجة من الرخاء المؤقت مما أدّى بالشيخ وأتباعه إلى حالة من الترف وإهمال شؤون الحكم .كما أحيط الشيخ محمود بحاشية تتألف من أبناء العشائر المسلحين ومجموعة من الأميين . وعلى الرغم من عودة عـدد من الضباط الأكراد الذين كانوا يعملون في الجيش العثماني ، وعودة المثقفين الوطنيين إلى السليمانية إلاّ أنّ الشيخ لم يحاول الاستفادة منهم . ولم تكن طبيعـة حكومة الشـيخ محمود العشائرية تسـمح بالاستفادة من طبقة المثقفين الواعين ([xxii]) .

    حاول الشيخ محمود توسيع دائرة نفوذه لتشمل أماكن أخرى من بينها منطقتا كفري وكركوك ، إلاّ أنّ عشائر هاتين المنطقتين رفض ولا الخضوع إلى زعامته مرجحين عليها البقاء تحت الحكم البريطاني المباشر، عدا عشيرة الجباري ، وقبيلة شيخ بزيني على ضفة الزاب الصغيرة ، وكذلـك جماعة كريم بك من رؤساء الهماوند في منطقة جمجمال ([xxiii]) .

     لم يكتفِ الشيخ محمود بذلك القـدر من الحكم الذاتي المحـدود بل راح يمني نفسه بأن يكون ملكاً لدولة كردستانية ، الأمر الذي كـدّر العلاقات بينه وبين السلطات البريطانية . إذ طالب بتكوين دولة كردية مستقلة موحدة يكون هو رئيسها تحت الحماية البريطانية ، تكون متحررة من التزام الإدارة التي تشـير من بغداد مباشـرة ، وتضم جميع المناطق الممتـدة من خانقين إلى شمدينان ، ومن جبل حمريـن إلى داخل الحدود الفارسية ([xxiv]) . وقد أثارت هـذه المطالب السـلطات البريطاني التي رأت في مشـروع الشيخ محمود خروجاً عمّا رسمته له ، لذا فقد أصبحت تتخوف من ازدياد نفوذه ([xxv]) . وقد كتب ولسن بهذا الصدد يقول أنّ الشيخ محمود كـان في ثورة مستمرة ضد الأتراك ، وأنّ سـجله الماضي لا يُوحي بالثقـة والاطمئنان فعلينا مواجهة الحقيقة . ومما لا شكّ فيه أنّ نفوذ الشيخ محمود كـان موجوداً وربما أصبح الآن أكثر من السابق ، لذا فالشيخ محمود صعوبتنا الكبرى ([xxvi]) .

     عقد مؤتمر للحكـام السياسيين البريطانيين في ولايـة الموصل لدراسة الوضع ، اشترك فيه نويل ، وليجمن ، وصون، وكوردن ووكر ، وعدد آخر من كانت لهـم معلومات مباشـرة عن المنطقة . فقرر المجتمعون ، بموافقة نويل ، أن يتولى مكانه في السـليمانية الميجر صون الذي كانت لـه معرفة دقيقة بالمنطقة ([xxvii]) ـ كما سـبق أن قدّمنا ـ إذ أصبح هذا حاكماً سياسياً في السليمانية منذ منتصف آذار 1919 وان تعيينه يرمي إلى تقليص نفوذ الشيخ محمود ([xxviii]).إذ قام الميجر فعلاً باتخاذ عدة إجراءات لتلك الغاية منها: تخفيض الإعانات الماليـة المخصصة للشيخ محمـود ، ثم إغراق الأجهزة الإدارية بموظفين من الهنود والانكليز ، ثم تشكيل فرقة من الفرسـان والمشاة تحت الأمرة الظاهرية للشيخ قادر ، إلاّ أنّ رجلها الحقيقي هو الميجر دانليس . كما أتخذت السلطات البريطانية ثلاثة خطوات مهمة أخرى لتقليص نفـوذ الشيخ محمود والاجهاز على حكومته الأولى . وقد تمثلت هذه بما يأتي :

1 ـ  تنحية الشيخ أمين سندولان حاكم رانيه ، وكان هذا من الموالين للشيخ محمود ويمـت إليه بصلة القرابة . إذ عقد الكابتن بيل مساعد الحاكم السياسي في السليمانية اجتماعاً في رانيه حضره عدد من رؤساء العشائر في هذه المنطقة منهم : حسـن أغا بن بايز باشا رئيـس منكور ، وغفور خان رئيس ناودشت ، وغيرهما من رؤساء مامس وبلباس وبشـدر . وحاول بيل حمل الرؤساء المجتمعين ليتخذوا قراراًَ ويوقعوا على مضبطة توصي بعزل الشيخ أمين ، على اعتبار أنه ليس أهلاً لتولي منصب حاكم رانيه ([xxix]) ، لكن جهوده باءت بالفشل ورفض المجتمعون ذلك وقال أحدهم وهو غفور خان :

(( إننا حلفاء الشيخ محمود وقد عهدناه حكمداراً لنا ... لذلك لا نتمكن أبداً من اتخاذ قرار بتنحية الشيخ أمين سواء أكان ... جديراًَ أو غير جدير . وليس من المناسب أبداً أن نطلب تنجيته بمضبطة،إنّ عملنا هذا سيؤدي إلى إغضاب الحكمدار ، وعدا هذا فإنّ من الحق أن نقول أننا لم نتلقَ من الشيخ أمين عملاً غير مرضٍ ، ولو أنه قام بعمل غير مناسب وتعلمون به فاعلموا الحكمدار فإنه ـ لا محال ـ يقصيه بدون أن يصدر منّا عمل غير وجيه ))([xxx]) .

ومع هذا فقد استطاع الكابتن بيل ـ بواسطة الحاكم السياسي في السليمانية ـ أن يحمل الشيخ محمود على كتابة برقية إلى الرؤسـاء المذكورين يدعوهم فيها بالخضوع لرغبـات الانكليز ، وأن يتخـذوا القرار اللازم بعزل الشيخ أمين سندولان .

2 ـ استمال الانكليز عدداً من الوجهاء ورؤساء العشائر المعروفين بعدائهم للشيخ محمود أمثال بابكر سـليم أغا رئيس عشيرة بشـدر وقسم من عشـائر الجاف وأخذوا يغرونهـم بالمبالغ النقدية والمرتبات الضخمة ويحرضونهم على الشيخ محمود ([xxxi]) .

3 ـ  عمدت السلطات البريطانية إلى نقل عشيرة الجـاف من عهدة الشيخ محمود ووضعها في عهدة مسـاعد الحاكم السياسي في حلبجة الكائنة شرقي السليمانية ليدير شؤونها مباشرةً ([xxxii]) . وكانـت عادلة خانم ([xxxiii]) التي تتمتع بنفوذ كبير بين عشائر الجاف في حلبجة من مؤيدي الادارة البريطانية الفاعلين ([xxxiv]) .

الشيخ محمود يقوم بحركة مسلحة :

     أدرك الشيخ محمود طبيعة المحاولات البريطانية الموجهة ضده ، لهذا صمم على القيام بحركة مسلحة لطرد البريطانيين من المناطق الكردية، وأخذ يتصل برؤساء القبائل الموالين إليه والناقمين على سـلطات الاحتلال ، وتمَّ تحديد اليوم الثالث والعشرين من آيار موعداً لبدء الحركة ([xxxv]) .

    وضع الشيخ محمود خطة الحركة بدقة ([xxxvi]) إذ أعدّ بصورة سرية قوة عدتها(300) مقاتلاً من أفراد القبائل الكردية القاطنة في الجهات الفارسية من الحدود وكانت هذه القوة برئاسة محمود خان ديزلي أحد رؤساء هورمان في كردستان الشرقية وحليف الشيخ محمود . وبعد أن تجمعت هـذه القوة عبر الحدود اتجهت نحوز السليمانية فاحتلتها بعد مقاومة ضعيفة من قـوة الدرك المحلية ، وكانت هـذه الحركة إشـارة لقيام أتباع الشـيخ محمود بالحركة الانقلابية إذ ألقى القبض على الضباط البريطانيين ، وعلى الميجر كرينهاوس وكيل الحاكـم السياسي في السليمانية ([xxxvii]) وزجّوا في السـجن ([xxxviii]) . كما تمَّ الاستيلاء على الخزينـة وجميع سـجلات الحكومة ([xxxix]) . وقد نشرت جريدة الموصل في عددهـا الصادر في 30 آيـار 1919 بلاغاً رسمياً جاء فيه :
" ... أنّ الشيخ محمود الذي تعهد بحفظ الأمن في لواء السليمانية قـد عبث بالعهود وقبض على زمام الحكم هناك غدراً وخيانةً، ونهب خزينة الحكومة ، وأوقف الحكام السياسيين الذين كانوا في السليمانية ..."
([xl]) . وعلى أثر ذلك تحركت العشائر الموالية للانقلابيين حسـب الخطة المتفق عليها ، فاستولت على عدد من القرى والمدن الصغيرة بعـد مصادمات مع القوة البريطانية . وفي 26 آيار كان الصـدام الذي وقع بين المواليـن للشيخ محمود والحامية البريطانيـة في جوار حلبجـة قد أسفر عن سـقوط هذه البلدة بأيدي رجال الحركة ([xli]) . فقد كتب مساعد الحاكم السياسي هناك الكابتن جي إيم ليس في 25 آيار يقول : أنّ أفراد الدرك أخذوا ينفضون عنه . وفي 26 آيار حُوصر من قبل قوة موالية الشيخ محمود حامد بك ، ألاّ أنه تمكن من الهرب إلى خانقين ([xlii]) . وعليه فقد أعلن الشيخ محمود نفسه حاكماً عاماً على كردستان جميعها، فرفع علمه الوطني وهو عبارة عن هلال أحمر على قاعدة خضراء وأنزل العلم البريطاني الذي كان مرفوعاً على بناية المدرسـة الثانوية والتي كانت دائرة الحاكم السياسي ([xliii]) . كما أصدر طوابع بريد خاصة به ([xliv]) .

القضاء على حكومة الشيخ محمود :

     تلقت السلطات البريطانية في بغداد حوادث السـليمانية بمزيد من القلق والاهتمام ، فأصـدرت أوامرها إلى القيـادة العسكرية في كركـوك باتخاذ الاجراءات السريعة لمجابهة هـذه الحركة والقضاء عليها ([xlv]) . وقد نشرت جريدة الموصل في عددها الصادر بتاريخ 30 آيار 1919 تقول :



(( إنّ قوة من الجنود البريطانيين مجهزة بكل أنواع الأسلحة والمعدات الحربية تسير لإعادة الأمن والنظام في حدود كردستان . وإنّ رؤساء عشائر الجاف قد جمعوا قواتهم ، والآن يتأهبون بعزم ثابت لمنازلة الشيخ محمود ... وأنّ بابكر أغا رئيس عشيرة البشدر ، والسيد طه رئيس عشيرة الشمدينان أيضاً شرعوا بجمع قواتهم لقمع الفتنة التي تأجج نارها )) .

تحرك في 23 آيار العقيد يرد جس على رأس رتل سيار من حامية كركوك القليلة العدد والمؤلفة من رعيلين من رماحة /32 وسرية من الفوج الهندي ، وعدد من السيارات المصفحة و(650) جندياً من الليفي الأكراد بقيادة الرئيس ستيفن همسلي لونكريك مساعد الحاكم السياسي في كركوك . وقـد تقدم هذا الرتل بسرعة إلى مضيق طاسلوجه ([xlvi]) . دون أن يلقي مقاومة وقضى الليلة في هذا المكان . ولكن مع فجر يوم 25 آيار أصبح المعسكر محاطاً بالأكراد فأصلوه من مرتفعاتهم ناراً حامية من بنادقهم ، فازداد الموقف حرجاً وتمكن جنود الليفي بقيادة لونكريك من الهرب واضطر بريدجس إلى الانسحاب إلى ما وراء ربند ( مضيق ) بازيان باثني عشر ميلاً ([xlvii]) . وقد وصلت في هذه الآونة مفرزة قوية بقيادة العقيد كندي ، وكانـت تضم (64) مقاتلاً مع (16) سيارة مسلحة برشاشات لويس وقد وضع كندي خطة تمكن فيها من مساعدة رتل بريدجس من الانسحاب من دربند بازيـان ([xlviii]) . ومع ذلك فقد تعقبتهم القوات الكردية حتى جمجمال، وقد تكبدت القوات البريطانية في هذه المعركة خسائر جسيمة حيث فقدت أربع مصفحات وتسع عشرة سيارة مسلحة ([xlix]) . وقتل الملازم بول وجرح الرئيس جيشـو لم والملازم ديكسن وقتل (8) من ضباط الصف والجنود الانكليز و (12) جريحاً وفقد (14) انكليزياً آخر كان من بينهم العريف طومس ([l]) . وكان الشيخ محمود يقود القوات الكردية في هذه المعركة ، وقد أنضمّ إليه إبانها عـدد من العشائر وفي مقدمتها عشيرة اسماعيل عزيري إحدى فروع الجاف الذي وافاه من جهات جمجمال, وكريم بك فتاح بك من رؤساء الهماوند مع قسم من فرسان عشيرته ([li]) .

    تقدمت قوة كردية نحو جمجمال واستولت عليها ، وكان أول من دخلها كريم بك الهماونـدي على رأس خيالته .  قد أسر في الحـادث الكابتن بوند مساعد الحاكم السياسي في هذه البلدة . وقـد شجّعت هـذه الانتصارات في اتسـاع نطاق الحركة حيث شملت أماكن أخـرى أهمها منطقتي كويسنجق ورانيه . ففي كويسنجق حاول أنصار الشيخ محمود طرد الموظفين الانكليز من البلدة . ولكن حمه أغا أوقف الحركة وأصرّ على المحافظة على الوضع الراهن . أما في رانيه فقد تحرك كل من غفور خان ناودشت وسوار أغا بن محمد أغا رئيـس عشيرة بيران وغيرهمـا واضطر الكابتن باركر مساعد الحاكم السياسي في رانيه على مغادرة المدينة مع الحاميـة التي ترابط فيها إلى كويسنجق ([lii]) . وقد توجه أنصار الشـيخ محمود نحو كويسنتجق ، ولمّا علم أولئك المعادون للسلطات البريطانية وجّـه أحدهم وهو عبيد الله أغا من وجهاء البلدة مع أشخاص آخرين ، إنذاراً إلى الكابتن رنـدل مساعد الحاكم السياسي بوجوب التخلي عن البلدة ، وفي حالة عدم انصياعه لهذا الإنذار فإنّ الأهالي لن يتأخـروا عن إخراجه بالقوة . وقـد اضطر الكابتن المذكور مع الموظفين الانكليز إلى الخروج من البلدة . ولكن القيادة البريطانية في كركوك وجّهت قوة نحو كويسنجق فتم احتلالها في 10 حزيران 1919 بعد قصف جوي شديد ، وبذلك عادت البلدة إلى قبضة الانكليز بعد مضي عشرة أيـام على انسحابهم منها . وتحركت القـوة بعد ذلك نحو رانيه وتمكنت من احتلالها كذلك ([liii]) .

    وجدت القيادة العامة للقوةات البريطانية في العراق ، أنّ من الضروري تجريد حملة عسكرية واسعة للقضاء على حركة الشيخ محمود . وقد أُنيطت المهمـة بالجنرال تيودور فرايزر قائـد الفرقة الثامنة عشـرة المرابطة في الموصل ([liv]) ، وحشدت هذه القوة في كركوك بأسم " قوة كردستان الجنوبية " وتتألف من لوائي مشاة مع ثلّة من الخيالة وعدد من السيارات المصفحة([lv]). كما سيقت قوة صغيرة من المشاة والمدافع الجبلية من قرب خانقين بقيادة الكولونيل بودي . وقد أصبحت قوة برايزر في منتصف حزيران محتشدة في جمجمال ومتأهبة لتبدأ بحركاتها ([lvi]) .

   أما القوات الكردية بقيادة الشيخ محمود فقد تحصنت ، بعد هزيمة الانكليز في طاسلوجة ، في دربند بازيان ، بينما أرسـلت قوة قوامها (500) فارساً كردياً مسلحاً بقيادة الشيخ قادر إلى بنه الواقعة شـمال جمجمال لقطع طريق كركوك ـ جمجمال . وعندما حاولت قوة بريطانية في 29آيار الوصول إلى جمجمال تصـدت لها قوة كردية وأبادتهـا ([lvii]) . وعلى أثـر ذلك تقدم رتل بريطاني آخـر بقيادة الميجر فرزر . وقد تقـدم هذا الرتل قرية قره هنجير الواقعة على بعد (17) ميلاً من كركوك، ولكن قوة كردية بقيادة محمود خان ديزلي قامت بتطويق هـذا الرتل . واستمر الحصـار ثلاثة أيام في ظروف صعبة ، ولو لم تأتِ نجـدة بريطانية بقيادة الميجـر جارت لكانت الخسارة جسيمة ، فتمكن رتل فرزر من الانسحاب نحو قرية بنه حيث أكملت قوات النجدة . وحرّك الجنرال موريـس مقر اللواء المشـاة /55 إلى قرية قره هنجير ، وأسس معسكراً مستحكم الجوانب ثمّ أمر بإحراق القرية فـي اليوم الأول من حزيران ، وفي اليـوم ذاته ألقت الطائرات قنابلهـا على قرية بنه المقر الأمامي للشيخ محمود ، فسبّب خسائر جسيمة بين الأكراد . وقد اضطرت قوات الشـيخ محمود على الانسحاب من قره هنجير وشاع إذ ذاك أنّ محمود خان ديزولي سحب قواته وعاد بها إلى دياره في بلاد فارس([lviii]) .

    شرع الجنرال فرايزر بتقدمه ضد الشيخ محمود في 17 حزيران ، وكان الشيخ متمسكاً بدربند بازيان في سلسلة قره داغ الواقعة على بعد اثني عشر ميلاً شرقي جمجمال ، ويعتبر هذا المضيق بمثابة مفتاح طريق السليمانية ، والمضيق عبارة عن شق ضيّق في سلسلة قره داغ بشكل الرقم (7) ويتألف المضيق من جـدار صخري يرتفع إلى (4000) قـدم فوق سطح البحر و (1000) قدم فوق مستوى المضيق . وكانت فتحة المضيق موصولة الجهتين من أعلاها بسور جبلي من الحجر، وقد قامت مناوشات بين الطرفين أجبرت الشيخ محمود على أن يتحصّن وراء سور بازيان ([lix]) .

    قامت القوات البريطانية بهجومها على دربنـد بازيان في الساعة الرابعة  صباحاً من يوم 18 حزيـران حين توغلت قوة بريطانية بإرشاد أحدج قوات الهماونـد إلى ما وراء تحصينات الشـيخ محمود([lx]) . وقـد فوجئت القوات الكردية بذلك،وحدث الصدام الذي لم يدم أكثر من ساعتين. وقد خسر الأكراد حوالي (50) قتيلاً وجرح منهم عدد كبير وأسـر نحو (120) أسيراً ([lxi]) . وكان بين القتلى الحاج سيد حسن عم الشـيخ محمود ، وطاهر أفنـدي مدير الشرطة . أما الشيخ محمود فقد جرح أثناء المعركة فسقط على الأرض على أثر جرحه فاضطر إلى الالتجاء إلى صخرة على يمين المضيـق ، وغطّى وجهه بكم ردائـه ولكن أحد أبناء رؤسـاء العشائر الموالين للانكليز عرفه فأخبر الجنرال فرايزر عنه فتم أسره . وأسر كذلك محمد غريب زوج أخت الشيخ محمود ([lxii]) .

    تقدمت قوة بريطانية نحو السليمانية ليلة 18حزيران، وتمكنت من إطلاق سراح الأسرى الانكليز بعد أن قضت على مقاومة الحرس . وفي اليوم الثاني دخلت قوات فرايزر مدينة السليمانية دون مقاومة ([lxiii]) . وفي 25 حزيران أحاطت قوة بريطانية خاصة بقرية ( ويله در ) وصادرت كمية من السلاح . وفي 27 منه تقدمت نحو قرية دركلي ، وهي القرية التي كان يقيم فيها الشيخ محمود ، فاحتلتها وهي على مسافة (20) كيلو متراً من جنوبي غربي مدينة السليمانية . كما احتلت قريـة ( خيواتا ) وقيل أنّ الشـيخ قادر من عشيرة اسماعيل عزيري من الجاف كان مختبئاً فيها ولكنه تمكن من الفرار ([lxiv]) . كمما خرجت في 29 حزيران قـوة خاصة من السليمانية متجهة نحو حلبجة فاحتلتها ، بعد أن واجهـت مقاومة عنيفة من قبل أنصـار الشيخ محمود في قرية ( ويلاكه ) الواقعة على مسـافة (40) كيلو متراً من السليمانية . وكان نصيب هذه البلدة من التدميـر كنصيب غيرها من القرى التي دارت حولها المعارك ([lxv]) .

    نقل الشيخ محمود بعد أسره إلى بغداد ومعه الشيخ محمد غريب ، وأُحيلا إلى المحكمة بلين يدي مجلس عرفي عسكري لتهمة قيامهمـا بحركة مسلحة ضد السلطة ، فحكم على الشيخ محمود بالإعدام وعلى الشـيخ محمد غريب بالسجن لمدة خمس سنوات وبغرامة قدرها (10000) ربية ([lxvi]) . لكن القائد العام للقـوات البريطانية في العراق قـرر إبدال الحكم إلى النفي لمدة عشر سنوات من دون أشـغال شاقة وذلك " لأنّ الشـيخ محمود لم يسـلك طريق التهـور في معاملته للضباط والأنفـار الذين قبض عليهم " ([lxvii]) . وقُوبل هذا القرار بمعارضة ولسن الذي رأى بأنّ إعدام الشيخ محمود سيؤدي أكثر من أي شيء آخر إلى عودة الاستقرار والطمأنينة إلى البلاد ([lxviii]) . وقامت السلطات البريطانية بإبعـاد الشيخ محمود والشيخ محمد غريب إلى الهند ، فلبثـا في المنفى إلى أواخـر 1922 حين عفـي عنهما قبـل أن يكملا مدة محكوميتهما فجيء بهما إلى الكويت فمكثـا فيها حوالي الشـهر ثم أُعيدا إلى السليمانية ([lxix]) .
أشرنا في الفصل السابق إلى قرار المندوب السامي البريطاني السر برسي كوكس بسـحب جميع الموظفين البريطانيين والليفـي الآثوريين من السليمانية بعد ازدياد التحركات الكمالية . وقد تمَّ الانسحاب بنجاح بواسطة الطائرات في 5 أيلول سنة 1922 ، وأصدر المندوب السامي قراراً بأن يعهد زمام الحكومة إلى مجلس الإدارة وانتخب المجلس الشيخ قادر الحفيد رئيساً . وقد اعتقد المندوب السامي عند إصداره أمر الانسـحاب " بأنّ الأتراك ربما يعدلون عن متابعة حركاتهـم العدائية فيما لو كانـت الحكومة بالكلية كردية مسلمة مما لو كانت إدارة بريطانية " ([lxx]) .
     قررت السلطات البريطانية ـ بعد ازدياد النشاط الكمالي ـ إعادة الشيخ محمود ، وقد جاء هذا القرار بناءً على طلب مستعجل من مجلس إدارة السليمانية ([lxxi]) . وقد انتشرت الدعوة إلى إعادة الشيخ محمود بعد أن نقل من الهند إلى الكويت . وكان يدير هذه الحركة شيوخ أسرة البرزنجة الكثيرون المنتشرون في الأجزاء الوسطى والجنوبية من لواء السليمانية وفي المناطق المجاورة من لواء كركوك ويدعمهم في ذلك الناقمون على السـلطة . وكان المسـؤولون البريطانيون في هـذه المناطق مختلفين في أمـر إعادة الشيخ محمود ، فالحاكم السياسي في السليمانية كولد سمث أوصى بإعـادة  الشيخ محمود إلى منصبه . أما مساعده أدموندز فكان يرى أنّ الشيخ محمود لم يكن يُرجى التفاهـم معه بأي حال ، وأنّ من الأفضـل الاعتماد على سـيد طه الشمديناني ، وكان الميجر نويل ، بعد عودته من تركيا ، يؤيـد وجهة نظر أدموندز ، ومهما يكن فقد كان من الضروري الاختيار بين سياستين : إما أن يتخذ قرار من جانب واحد بدمج السليمانية وكركوك في الدولة العراقية شاء السكان أم أبوا ، وهذا سيكون على حد تعبير ادموندز ـ تخلياً عن الضمانات التي أعطيت في مجلس العموم البريطاني ـ ومؤداها أنّ الأكراد لن برغموا على الخضوع لأية حكومة عربية، وثانيهما استبدال الحكم البريطاني المباشر بحكم غير مباشـر عن طريق المجيء بشخصية كرديـة بارزة تستطيع نيل الثقة الشعبية والدعم العام وأن لا تكون بأي حال من الأحوال مستجيبة أو متأثرة بالدعاية الكمالية . وبذلت السلطات البريطانية جهدها للبحث عن هذه الشخصية فوقع اختيارها أول الأمر على عميد الأسرة البابانية، ولكنها وجدت أنه لا يعرف كلمة كردية واحدة ، وأنه مهتم بتاريخ أسرته الغابـر أكثر من اهتمامه بسياسة الحاضر العملية ، لذلك لم يكن بمستغرب أن تضطر إلى إعادة الشيخ محمود إلى منصبه ([lxxii]) . ويقول ادموندز في هذا الصدد :
(( لقد يئسنا من إبقاء الأتراك خارج الحدود بمواردنا وامكاناتنا الخاصة فعدنا إلى استخدام الشيخ محمود لترصين الشعور الوطني الكردي لكونه الوسيلة الوحيدة لدرء خطر الأتراك )) ([lxxiii])  .

وصل الشيخ محمود محلة كنكربان التي تبعد أميال عن كفري في 21 أيلول 1922 ، وقد وصف ادموندز استقبال الشيخ محمود في هذه المحطة فقال :

(( بدخول القطار المحطة اقتحم السياج مئات من فرسان القبائل المجاورة كانوا قد تجمعوا لاستقبال الشيخ وراحوا يهتفون ويلوحون بالأعلام وقذفوا بأنفسهم عليه وخطفوه خطفاً وساروا به مسيرة الفتاح المنتصر ... )) ([lxxiv])  .

وجاء قرار إعادة الشيخ محمود إلى السليمانية ليخلف أخـاه الشيخ قادر في رئاسة مجلـس إدارة السليمانية بعد تعهـد الشيخ محمود للبريطانيين بالعمل على منع الأتـراك من دخول السـليمانية وأن يتولـى طردهم مـن أجزاء كردستان الجنوبية . كما تعهد كذلك بعدم التدخل في شؤون كركـوك وأربيل وقد طلب أن يرافقه الميجر نويل مستشاراًً له وممثلاً للمندوب السامي([lxxv]) .

      أخبر سكرتير المندوب السامي البريطاني رئيس الوزراء العراقي بعودة الشيخ محمود إلى السليمانية في تقريره السري المؤرخ 6تشرين الأول1922 ومما جاء في التقرير أنّ الشيخ محمود وصل إلى السليمانية ولاقـى ترحيباً وحفاوة عند وصوله إليها ([lxxvi]) ، وهو يبذل جهـده الآن لتقوية الحزب المعاد للأتراك في ذلك اللواء ، والظاهر أنه يلاقي نجاحاً في مهمته ولو أنه لم يحن الوقت للتنبؤ عن كيفية نجاحـه في المستقبل في مقاومة نشر الدعوة التركية التي يقوم بها كريم بك فتاح بك أحد رؤساء عشائر الهماوند وذكـر سكرتير المنـدوب في تقريره السـري يقول أنه لا يوجـد في الوقت الحاضر لدى الحكومة البريطانية جنود تحت أمرتها في شرقي الحد الممتـد من اربيل ـ التون كوبري ـ كركوك ـ كفري ، ولو أنه كان قد ترك نحو (200) شبانه أكراد في السليمانية مع كمية من الأسلحة والذخيرة تحت أمر الشيخ محمود ، وفيما وراء ذلك الخط فالسـلطات البريطانية معتمـدة على الشـيخ محمود وأتباعه فيما يتعلق بالمحافظة على القانون والنظام ومقاومة حركات الموالين للأتراك ([lxxvii]) . وبذلك أصبح لواء السليمانية ومناطق كبيرة من لـواء أربيل الثانـوي وأجزاء من لواء كركـوك خارج السـيطرة العسكرية للسلطات البريطانية والحكومة العراقية ([lxxviii]) .

     لم يكن الشيخ محمود على استعداد لضمان الأمـن والقانون في المناطق الكردية لصالح بريطانيا ، بل كان اتفاقه وسيلة للوصول إلى السليمانية ومن ثم العمل على تأسيس دولة كردية بزعامته . وكان الشيخ محمود يحاول في الظاهر تبديد كل شـك لدى السـلطات البريطانية حول إخلاصه في التعاون معهم. ولم يلبث الشيخ محمود إلاّ مدة قليلة في السليمانية فبدأ اتصاله برؤساء القبائل الكردية خارج لواء السليمانية ([lxxix]) . وبعد مضي أقل من شهر على وصوله بدأ بمراسلة الكماليين ، وقد علمت السلطات البريطانية بذلك بعد أن عثرت على رسـالة سرية بعث بها اوزدميـر باشا من راوندوز إلى مركز القيادة العسكرية التركية في جزيرة ابن عمر ([lxxx]) .

تأليف وزارة كردية :

     وجد الشيخ محمود أنّ الفرصة مواتية له فحاول الاستفادة من الأوضاع التي كانـت تمر بها كردسـتان العراق . وأخـذ يكثر مطالبه من السلطات البريطانية يوماً بعد آخر ، وفي تشرين الأول سنة 1922 لقّب نفسه حكمدار كردستان ، وفي تشرين الثاني أعلن نفسه ملكاً على كردستان التي ضمَّ إليها المناطق الكردية في العراق ([lxxxi]) ، إلاّ أنه لم يكن يسيطر فعلاً عليها جميعاً ، فالأقضية الكردية من لواء الموصل كانت لا تزال تحـت السيطرة الحكومية وكذلك مدينتي اربيل وكركوك ([lxxxii]) . إلاّ أنّ القبائل الكردية المحيطة بمنطقتي كفري وكركوك كانت تؤيد الشيخ محمود ([lxxxiii]) .

     أصدر الشيخ محمود في 10 تشرين الأول " فرماناً حكمدارياً " بتشكيل وزارة برئاسة الشيخ قادر الحفيد على النحو التالي :

الشيخ محمد غريب
وزيراً للداخلية
أمير اللواء مصطفى باشا ياملكي
وزيراً للمعارف
عبد الكريم عكلة
وزيراً للمالية
الشيخ علي أفندي قره طاغي
وزيراً للشرع والعدل
أحمد بك فتاح بك
وزيراً للكمارك
حمه أغا عبد الرحمن
وزيراً للنافعة ( الأشغال العامة )
صالح وكي صاحبقران
وزيراً للدفاع

 كما عيّن اللواء صديق رسول القادري مفتشاً عاماً لحكومة كردستان، والسيد أحمد البرزنجي مديراً للأمن العام ([lxxxiv]) . وقد انصرف الشيخ محمود لإعادة التشكيلات الادارية السابقة واهتم بنشر المعارف وفتح مدرستين أوليتين في السليمانية وأصدرت حكومته جريدة روژي كوردستان أي شمس كردستان في 15 تشرين الثاني سنة1922لتكون صحيفة ناطقة باسمها وأصدر منشوراً إلى جميع الرؤسـاء الأكراد يخبرهم بعدم التعـرض إلى القوافل ويحذرهم بالعقوبات الصارمة لمن يتجاوز الأوامر ملقياً المسؤولية على عاتقهم ([lxxxv]) . ومع هذا فقد ظهرت بعض الاتجاهات السلبية في إدارة الحكومة الجديدة . إذ أبعد الضباط الأكراد الذين أعطاهم الجيـش العراقي إلى الحكومة الجديدة ، وفضّل عليهم الشيخ غير المثقفين.واغتيل ضابط سابق على مستوى كبير من الثقافة اسمه جمال بدران وكان سبب قتله هو انتقاد حكم الشيخ محمود ([lxxxvi]) . واستقال أمير اللواء صديق رسول القادري في 26 كانون الأول سنة 1922 من منصب المفتش العام مشيراً إلى أنّ " جهالة الشيخ محمود وإطلاق الحرية له بهذه الدرجة مع وضعية السياسة ... يؤديان بلا شك إلى نتائج سيئة " . وذكر  القادري أنّ الشيخ محمود لا يقبل النصح ، وأنه أي القادري ليس على استعداد لتحمل المسؤولية وهو يـرى بأم عينه الأخطار التي تواجه الحكومة الكردية ([lxxxvii]) . ويذكر ادموندز أنّ الشـيخ محمود وزّع معظم أموال الخزينة في الأسابيع الأولى من عودته إلى السليمانية كهدايا لشيوخ العشائر وكان أن ينضب مال الخزينة لولا أن وصلت أولى شـحنات تبوغ الموسم الجديد إلى مخازن كمرك السليمانية ، وهذا المحصول هو مصدر المال الأساسي، فتمكن الشيخ محمود من تمويل حركته بجباية العشـر الاعتيادي وفرض الضريبة حسب ما قررته القوانين ([lxxxviii]) ، وقد وصف التقريـر البريطاني عن إدارة العراق للفترة بين نيسان 1922 وآذار 1923 حكومة الشيخ محمود وأعمالها بما يلي :

(( مع وجود مجلس وزراء صوري ، ومجلس استشاري مؤلف من زعماء القبائل القاطنة على جانبي الحدود ، لم تَسِرْ الشؤون الإدارية على الأصول ، ولم تُجْبَ الضرائب والرسوم ولم تصدر تعليمات إجرائية ... )) ([lxxxix])  .

وقد سبق وأن أشرنا في الفصل السابق إلى تغير موقف بريطانيا من القضية الكردية بعد تقدم مفاوضات لوزان 1922 ووجدت أنه ليس ثمة أمل في خلق دولة كردية تضم إليها المناطق الكردية من ولاية الموصل. لذا لم يبقَ مناصٍ من إدخال هذه المناطق ضمن حدود الدولة العراقية، لهذا أصدرت الحكومتان البريطانية والعراقية بياناً مشتركاً في 24 كانون الأول 1922ـ كما سبق أن قدّمنا ـ .

     لقد أدى الموقف السـلبي للشيخ محمود من البيان المشترك السابق إلى تصميم كلٌ من السلطات البريطانية والعراقية على إزالـة حكومة السليمانية بالقوة . وقد تمـت تصفية حكومة الشـيخ محمود الثانية بعمليـات عسكرية استمرت من 4 آذار 1923 حتى 19 تموز 1924 .
لجأ الشيخ محمود البرزنجي  الى الجبال وابتدأ بحرب عصابات واستمر في نشاطه المسلح ضد الحكومة في بغداد حتى سنة 1926 عندما عقدت الحكومة اتفاقا معه سمحت له ان يترك العراق مع اسرته الى ايران وان يتوقف عن نشاطاته المسلحة وكان الملك فيصل الاول 1921-1933 على صلة ورأيت مراسلات بينه وبين الملك فيصل في دار الكتب والوثائق وكان الملك فيصل يقدره ويجله لمكانته الدينية والسياسية وقد بقي الشيخ محمود في ايران حتى صيف سنة 1930 حيث نظمت الحكومة انتخابات في المناطق الكردية رفضها االاكراد ووقعت اشتباكات مسلحة بين الاهالي والشرطة ورأى  الشيخ محمود البرزنجي ان الوقت قد حان للعودة الى السليمانية لمواصلة المقاومة فعاد الى السليمانية ومع عودته ساد الهدوء واستغل ذلك ليقدم سلسلة من المطالب الى الحكومة المركزية لكن الحكومة رفضت تلك المطالب ومنها انه اراد ان تترك له جميع مناطق كردستان من زاخو الى خانقين ليحكمها الاكراد بأنفسهم وان تتشكل حكومة كردية ريثما يقبل العراق عضوا في عصبة الامم ويعلن استقلاله .لكن الحكومة في بغداد وجهت ضده حملة عسكرية جديدة واستمر القتال حتى آذار سنة 1931 وتمكنت من قمع الحركة وسلم الشيخ محمود نفسه الى الحكومة في 13 مايس-ايار سنة 1931 ونقلته الى جنوب العراق ووضعته تحت الاقامة الجبرية وظل على هذا الوضع حتى ثورة مايس 1941 المعروفة بحركة رشيد عالي الكيلاني ونشبت الحرب بين الجيش العراقي والقوات البريطانية التي استطاعت من قمع الثورة واعادة احتلال العراق ثانية (الاحتلال البريطاني الثاني للعراق ) .وقد استفاد الشيخ محمود البرزنجي من ظروف الصدام بين الجيش العراقي والقوات البريطانية  ليعود الى السليمانية بموافقة حكومة الدفاع الوطني برئاسة رشيد عالي الكيلاني وقد اصيب بعدئذ بمرض عضال وتوفي رحمة الله عليه سنة 1956 .
العراقيون جميعا يجلون الشيخ محمود البرزنجي  ويعدونه بطلا من ابطال الجهاد والمقاومة ويستذكرون وقفته عندما نزلت القوات البريطانية على شواطئ البصرة في الحرب العالمية الاولى  لاحتلال البصرة ومن ثم العراق وقد قاد قوة مسلحة من اهلنا  الكورد مؤلفة من اكثر من ( 1000  ) مقاتل . لقد قاتل  مع اهله عرب الجنوب لذلك انتشرت الهوسة الشهيرة : ( ثلثين الجنة لهادينا..... وثلث لكاكا احمد وأكراده)...... والهادي المقصود...... هو الشيخ هادي المكوطر بطل الجهاد في السماوة...... رحمهما الله ...... ورحم المجاهدين العراقيين الافذاذ الذين دافعوا عن وطنهم...للشيخ محمود تمثال جميل في وسط مدينة السليمانية .
رحم الله الشيخ محمود الحفيد البرزنجي وجزاه خيرا على ماقدم .
.
 .
 .

نهاية حركة البرزنجي
لم تعجب هذه المطالب الحكومة العراقية فوجهت حملة عسكرية للقضاء على الثورة الكردية المسلحة واستمر القتال بينها وبين قوات الشيخ البرزنجي حتى مارس 1931، في هذا العام استطاعت القوات العراقية الانتصار على قوات البرزنجي فانتهت ثورته وسلم نفسه للحكومة في 13 مايو/أيار 1931 وفرضت عليه الإقامة الجبرية في المناطق الجنوبية من العراق، وظل مقيما بها حتى نشوب ثورة رشيد عالي الكيلاني عام 1941.
في ذلك العام عاد الشيخ البرزنجي إلى السليمانية هاربا من قيود النفي أو بموافقة حكومة الكيلاني وهدد مرة أخرى برفع السلاح ما لم يسمح له بالعيش في مدينته إلى أن استقر فيها بالفعل حتى توفي عام 1956 إثر مرض ألم به.




     أما على الصـعيد الفكري ، فقد أصبحت السليمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى ، مركز لحركة سياسية وفكرية واسعة . وقد ظهرت اتجاهات متعددة وكان الخلاف ليبن هذه الاتجاهات على أشـده . ويقول فؤاد مستي في هذا الصدد :

(( نشط أعـداء الاحتلال البريطاني وأنصـار تركيا الكمالية والشباب الثوري الذي لا يؤمن إلاّ بالتحرير الكامل للشعب الكردي . ولقد انتميت بحماس إلى هذا الجناح الفعّال من الحركة الوطنية الكردية الذي يضم مجموعة من خيرة مثقفي كردستان العراق آنذاك ))  .

وكان من أبرز ممثلي هذا الاتجاه عارف صائب ورشيد جودت وعبد الرحمن سعيد وعبد القادر سعيد وتوفيق قزاز وماجد مصطفى وغيرهـم . وكان عدد منهم من الضبـاط السابقين ، وقد سـاهم بعضهم في حركـة الشيخ محمود الأولى . وقد عمل هذا الاتجـاه بحماس ضد السـلطات البريطانية من جهة وأنصار الكماليين من جهة أخرى ([xc]) .

     انتشـرت الأفكار البلشفية في هذه الفترة بالذات . وقد عبّر المسؤولون البريطانيون عن قلقهم لهذا الاتجاه ، فكتب الميجر صون الحاكم السياسي في السليمانية في شباط سنة 1920 إلى آرنولد ولسين وكيل الحاكم الملكي العام في بغداد يقول : " أنّ أسم البلشفية أصبح معروفاً للناس ( في السليمانية ) لسوء الحظ ... " ([xci]) . ويقول فؤاد مستي ([xcii]) وكان ضابطاً في الجيش العثماني أطلق سراحه البلاشفة أنه حاول العودة إلى السليمانية في أيلول سنة 1920 فاتصل بالسفارة البريطانية في طهران بغية تسهيل سـفره وللحصول على بعض المال للغرض نفسه ، إلاّ أنّ مسؤولي السفارة أتصلوا بالحاكم السياسي في السليمانية وكان آنئذٍ كرينهاوس يطلبون رأيه فجاء ردِّه سلبياً في تقرير مفصل على أسـاس أنّ المسؤولين هناك يخشون أن يكون ( عميلاً ) بلشفياً . ويذكر الطالباني أنّ الأشخاص الذين كانـوا يروجون الدعاية للحكم السوفيتي والذين عُرفوا بالبلاشفة في السليمانية وكويسنجق لم يكونوا بلاشفة حقّاً ، بل كانوا فئة أغلبها من الأسرى الأكراد الذي أطلق البلاشفة سراحهم . وكان من بينهم جمـال عرفان الذي يُقـال أنه قام بالدعاية الدمقراطية والإلحادية . وقد أشرنا إلى أنه قتـل في زمن حكومة الشيخ محمود الثانية ، ويعتقد أنه اغتيل من قبل( الاقطاعيين ) الذين كانوا حول الشيخ محمود([xciii]) .

    حاول بعض أصحاب تلك الاتجاهات تنظيم أنفسهم في جمعيات سياسية وثقافية فظهـرت بعض الجمعيات منها " جمعية استقلال كردستان " صيف سنة 1920 ، وكانت تتألف من بعض الكسبة والمثقفين وبعض رؤساء عشائر الجاف والهماوند والجباري وبعض وجوه وأشراف السليمانية . وكان من أنشط أعضائها رفيق حلمي وماجد مصطفى ومحمود جودت([xciv]). وكانت غايتها تحرير الأكراد وتشكيل دولة كردية مستقلة ([xcv]) . وقد انحلت بعد فترة قصيرة إذ تفرق شمل المثقفين من أعضائها بعد توظيفهم . وقد أسس بعض المثقفين جمعية بأسم " جمعية كردستان " أثر اجتماع عُقد في جامع سيد حسن بالسليمانية برئاسة مصطفى باشا ياملكي وذلك في 21 تموز 1922 ثم انضم إلى الجمعية عدد كبير من المثقفين والكسبة الأكراد في السليمانية([xcvi]). وقد اضطرت السلطات البريطانية إلى السـماح لها للعمل بشكل علني وذلك لحراجة موقفها بسبب ضغط الكمالييـن الذين كانوا يطالبون بولاية الموصل ويعملون بحماس بين صفوف الفئة المثقفة الكردية آنذاك . ةوقج انتخب مصطفى باشا ياملكي رئيساً للجمعية التي ضمّت في لجنتها الادارية عدداً من أبرز مثقفي كردستان الجنوبية في تلك الفترة أمثال رفيق حلمي والشيخ علي سركار وعلي كمال بابير أغا وشكري عكلـه والشيخ محمد كولاني وصالح قفطان وأحمد بك توفيق بك وادهم أفندي يوز باشي وفائق بك معروف وأحمد بهجت أفندي وغيرهم ([xcvii]) . وقامت الجمعية بإصدار جريدة أسبوعية بأسم
" بانك كردستان " أي نداء كردستان ، ويقول المؤرخ الألماني برينتش ([xcviii]) بصدد هذه الجمعية :

(( إنّ القادة السياسيين لأهل المدن لم يكونوا مربوطين مع الشيخ محمود برابطة عشائرية ، بل عملوا في جمعية كردستان التي يقال أنها كانت عاملة من سنة 1922 حتى سنة 1925 ... )) ([xcix])  .

     وقد انتقـدت الجمعية محاولات الشـيخ محمود فسـح المجال لتسلط
( الارستقراطية) العشائرية في المدينة ودعت إلى سن قانون أساسي( دستور) وتجديد الإدارة وجعل حكومة الشـيخ محمود حكومة وطنية كرديـة وإبعاد الصبغة العشائرية والعائلية عنها ([c]) .

     بالإضافة إلى ذلك استمرت الجمعيات السابقة في عملها بعد الهدنة ، ومن هذه الجمعيات " جمعية تعالي الكرد " و " جمعية هيفي " وغيرهما في العمل في الأستانة حتى تشريـن الأول سنة 1922 . فقد انتخبـت كلٌ من
" جمعية تعالي الكـرد " و " جمعية التشكيلات الاجتماعيـة الكردستانية " الجنرال شريف باشا ممثلاًً لها ليقـوم بالدفاع عن استقلال كردستان والعمل على إنجـاح القضية الكردية أمام الحلفـاء في مؤتمر الصلح ([ci]) . وكان الجنرال شـريف باشا على اتصال بالشـيخ محمود ([cii]) . وقد استمرت الجمعيات الكردية المذكورة في نشـاطها في الأسـتانة حتى دخول الجيوش الكمالية إليها . وكان لهذه الجمعيات مئـات من الفروع والشُـعب في أنحاء كردستان ([ciii]) .

    هذا وقد تمثل النشاط الفكري كذلك في مجال آخر هو مجال الصحافة . إذ أصدرت جمعية كردستان جريدة أسبوعية بأسم " بانكي كردستان " أي نداء كردستان باللغات الكرديـة والتركية والفارسـية بهـدف " توعية جميع الأكراد " ([civ]) . وكان امتياز الجريدة بأسم مصطفى باشا ياملكي الذي أصبح أيضاً المدير المسؤول عنها . وكان مصطفى باشا يريد تحويـل الجريدة إلى أداة فعّالة لنشر الوعي الثقافي بين الأكراد ، لأنه يعتقد بأنّ " لا حياة للشعب الكردي دون العلم والسياسة " كما جاء في افتتاحية العدد الأول منها الذي صدر في 2 آب سنة 1922.وقد التف حول الجريدة عدد من مثقفي كردستان منهم : صالح قفطان والشعراء بيخود وزيور وعلي كمال بابير وغيرهم([cv]). وبعد عودة الشيخ محمود إلى السليمانية في أيلول سنة 1922 نشرت جريدة بانكي كردستان مجموعة من الأخبار والأوامر والتعليمات الصادرة من قبل حكومة الشيخ محمود . فقد نشرت في عددها الصادر في 27 تشرين الأول سنة 1922 بياناً صادراً من الحكومة جاء فيه أنّ على الموظفين أن يعتبروا أنفسـهم بموجب تعليمات الشـيخ محمود و " بغض النظـر عن مناصبهم ومنزلتهم " " خدّاماًَ للشعب " وأن " يعملوا في مراكز وظائفهم مثل الآلـة " و "بدون كسل" كي لا يتعرضوا إلى " أشد عقاب يجعلهم عبرة للعالمين " ([cvi]) . وقد صدر من هذه الجريدة (14) عـدداً حتى سنة 1923 وبعد ذلك صدرت مننها (3) أعداد أخرى في بغداد في سنة 1926 . وكان رفيق حلمي محرراً للقسـم التركي ، وعلي كمـال ومحمد نوري محـررين لقسميها الكردي والفارسي ([cvii]) .

    أما الجريدة التي أصـدرتها حكومة الشيخ محمود فكانـت بأسم روژي كوردستان أي شمس كردستان. وقد صدر عددها الأول في 15 تشرين الثاني 1922 , وكـان صاحب الامتياز والمدير المسؤول لها هو محمد نوري أحد أقرباء زوجة الشـيخ محمود ومحررها علي كمال بابير أغا ([cviii]) . وتعكس جريدة روژي كوردستان في بعض مقالاتها حقيقة حركات الشيخ محمود ذات الطابع الاستقلالي، ويبدو ذلك واضحاً في بعض المقالات وأهمها مقالين كتب أحدهما عارف صائب والآخر محمد نوري . وقد نشر المقال الأول في العدد الصادر في 15 تشرين الثاني سنة 1922 ردّاً على مقالين نشرتهما جريدة العراق البغدادية أحدهمـا بعنوان " منشور الحزب الحـر العراقي " والآخر
" مجلس إدارة كردستان " جاء فيه :

(( إنّ جريدة العراق تتكلم عن كردستان وكأنها جزء من العراق وتسميها بلواء السليمانية ، لأنّ لها علاقات تجارية واقتصادية مع بغداد . وهي كذلك تسمي مجلس وزراء كردستان بأسم مجلس الادارة المحلية ، إنّ هذا أمر مؤسف ويدعو إلى العجب ... أنّ قيام حكومة كردستان يفيد العراق ... وأنّ استمرار كيان العراق ووجوده لا يتم إلاّ بوجود حكومة كردستان ... إنّ الأمة الكردية كانت تعيش وحدة قائمة بذاتها وأنّ الشعب الكردي لا يقل عن غيره ثقافةً وحضارةً ... إننا لا نخاف ... ولسنا عبيداً ... إننا أحرار ونحمد الله لأنّ رئيساً وقائداً عظيماً مثل ملك كردستان الملك محمود الأول قد اعيد إلينا ثانية ... إنّ هدفه كان وما يزال حماية الحقوق والحـدود الطبيعية لكردستان وإيجـاد علاقات طيبة مع جيراننا ... )) ([cix])  .

أمّا المقال الثاني فقد نشر في العدد الصادر في 27 كانون الأول 138 رومية ( 9 كانون الثاني 1923) خلال انعقاد مؤتمر لوزان لمناقشة مشكلة الموصل ومما جاء فيه :

(( عندما ينطق أي إنسان مثقف بكلمة كردستان فإنّه لا يعني فقط هذه المنطقة من السليمانية ، بل يقصد بها أقليماً جغرافياً واسعاً ، ويعني بها شعباً كردياً موحداً ... إنّ الحدود الطبيعية واضحة ، ولمّا كان سكان ولاية الموصل هم ، بصورة عامة ، من الأكراد فلماذا يطالب الآخرون بالإبقاء على الولاية تحت سيطرتهم ؟ إنّ ما نريده من مؤتمر لوزان ... ليس حماية ألأقلية ، بل إثبات حق شعب حر عظيم مستقل داخل بلاده الخاصة به ... )) ([cx])  .

وعادت الجريدة في عددها الثالث إلى مناقشة موضوع كردستان وطلبت من جمنيع الأكراد أن يشعروا بقوميتهم . وقالت : إنّ هدفنا لبيان الحقيقة والدفاع عن الحقوق المشروعة لشعبنا الكردي ، وأضافت " أنه من العمليات الحسابية لا يمكن الجمع بين جنسين إلاّ إذا كانا من نوع واحد ، وهكذا فالكرد كـرد والعرب عرب ، ولكن تربطهما رابطة الإسـلام ، وسوف تبقى هذه الرابطة متينة " ([cxi]).وقد استعرضت الجريدة في عددها الثاني تاريخ الشعب الكردي. وقالـت : إنّ هذا الشـعب عاش في هذه المنطقة التي تسمى بكردستان قبل حوالي (4000) سنة قبل الميلاد ، وعندما ظهـر الاسلام أصبحت كردستان جزءاً من الدولـة الاسلامية ، وعلى الرغم من النكبات التي تعرض لها هذا الشعب فإنّ القومية الكردية حافظت على كيانها ولغتها فظهر من هذا الشعب رجال وقادة مشهورون بشجاعتهم أمثال صلاح الدين الأيوبي وكريم خان زند . وقبل سنين ثار الملك محمـود الأول ملك كردستان من أجل رقي هذا الشعب وازدهاره ، فقدّم كل أنـواع التضحية والفداء في هذا السبيل ([cxii]) .

    اهتمت جريدة روژي كوردستان بالشؤون الداخلية ، فتولت نتشر البيانات  الصادرة من حكومة السليمانية. وقد نشرت في عددها الأول أنّ الملك محمود أعاد إلى خزينة الحكومة مبلغ ( 10.000 ) ربية من راتبه الذي خصصه له مجلسي وزراء كردستان ([cxiii]) . ونشرت في عددها الثالث إرادة ملكية بتعيين (3) معاونين للشيخ محمود أحدهم ضـابط وهو توفيق وهبي والآخران من رؤساء العشائر في كركوك وهما علي أغا رئيس الزنكنه ورفعت بك رئيس الداوده ([cxiv]) .

عوامل فشل حركات الشيخ محمود :

    يعزي فشل الشيخ محمود في الوقوف إلى النهاية بوجه القوات البريطانية إلى عدم وجود تكافؤ بين الطرفين المتحاربين في النواحي الفنية والعسكرية والاقتصادية.ويرى البعض أنّ أتباع الشيخ محمود لأسلوب المعارك الجبهوية بدلاً من ممارسة حرب الأنصار أدّى به إلى الفشـل ([cxv]) . يُضاف إلى ذلك وجود الروابط التاريخية والاقتصادية التي تمنع قيام دولة كردية مستقلة عن أجزاء العراق الأخرى ([cxvi]) .

    إنّ طبيعة حركات الشيخ محمود العشائرية كانت سبباً من أسباب فشله ، ويمكن أن يُعزى الفشل إلى الشيخ نفسه الذي كان يعمل لنفسه ولأفراد أسرته من الشيوخ ، ولم يستطع العمل على جمع بقية الأكراد حوله وشدهم مما أدّى إلى مساهمة بعض العشائر في القضاء على حركاته.كما أنّ ارتباط الحركات بشخص الشيخ أدّى إلى عـدم المثابرة والثبـات طويلاً في حالة جرح القائد وأسره ([cxvii]) . وكان للخلافات العشـائرية والعائلية تأثير كبير على إضعاف الحركة الكرديـة . وقد أدّى ذلك إلى عـدم تعاون الأكراد الساكنين في غير كردستان العراق ومساندتهم الشيخ محمود . ولم تكن تجمع الحركات الكردية التي قامت في ولاية الموصل ـ على سبيل المثال ـ قيادة واحـدة أو تنسيق أو تعاون، بل حدثت منعزلة عن بعضها البعض مما سهّل للسلطات المركزية عملية القضاء عليها واحدة فواحدة . كما لم يستطع الشيخ محمود إيجاد تنسيق بينه وبين قادة تلك الحركات ([cxviii]) .

      يُضاف إلى ذلك كله استغلال الكماليين للشيخ محمود . وقد أشرنا فيما سبق إلى وجود اتصالات بين الشيخ وممثلي الكماليين في كردسـتان . وكان الشيخ يحاول تشكيل جبهة قوية لمواجهة البريطانيين.وقد استمر في اتصالاته مع المسؤولين الأتراك عن طريق اوزدمير باشا حتى أنـه حصل في أواخر 1922على تفويض خاص من عدد كبير من رؤساء العشائر الكردية وغيرهم يخوله حق إجراء مفاوضات رسمية مع المسؤولين الأتـراك بغرض تحديد أسـس التعاون بين الطرفين ([cxix]) . إلاّ أنّ اهتمـام المسؤولين الأتراك كان موجهاً إلى استغلال الشيخ محمود والحركة الكرديـة كوسيلة لإعادة احتلال ولاية الموصل . وهناك أدلة تاريخية تشير إلى ذلك فيهـا أنّ اوزدمير باشا كان يحـاول في اتصالاته ورسائله العديـدة مع الشيخ محمود تجنب مناقشة القضية الكرديـة والمسائل المتعلقة بضمـان حقوق الأكـراد ، وأنه رفض الاعتراف حتى بحق الأكـراد في الحكم الذاتي . وكان يؤكد في رسالة إلى الجمعية التركيـة في كركوك أنّ حكومتـه لا تنوي تلبيـة مطالب الشيخ محمود ([cxx]) .

   لقد اضطر الشيخ محمود إلى توسيع محاولاته للاتصال مع زعماء الشيعة في النجف وكربلاء فأرسل ممثلاً شخصياً عنه للاتصال بهم وكسب تأييدهم ، والعمل على القيام في آن واحد بثورة عامة في العراق ، إلاّ أنّ هذا الاتصال جاء متأخراً ([cxxi]) . وسرعان ما وجّه الشيخ محمود أنظاره إلى قـوى دولية ومنها الأتحاد السوفيتي ، إذ حاول الشيخ كسب مساندة السـوفييت فبعث في 20 كانون الثاني 1923 رسالة إلى قنصل السـوفييت في تبريز بأذربيجان ذكر فيهـا أنّ جميع الشعوب والأقـوام المستعبدة على وجه الأرض رحبت بثورة أكتوبر الاشتراكية وقامت بالنضال والتضحية في سبيل الحرية متأملة من شرف وحسن نية الشعب الروسـي تحقيق آمالها ومطالبها . وقد أعرب في رسـالته على استعداد الشعب الكـردي على التضحية في سبيل صداقته مع الأتحاد السوفيتي حسبما تمليه هـذه الصداقة كشـرط أساس وضروري للاعتراف رسمياً بحقوقه القومية والرسمية ([cxxii]) .
____________________________________
* فصل من رسالة الدكتور ابراهيم خليل العلاف التي قدمها الى كلية الاداب -جامعة بغداد سنة 1975 بعنوان (ولاية الموصل :دراسة في تطوراتها السياسية 1908-1922 ) وهي غير منشورة وفي البحث هوامش ولضرورات الامن العلمي حذفتها ...........ابراهيم العلاف






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق