الاثنين، 17 أبريل، 2017

شاذل طاقة ..شاعر موصلي حي في الذاكرة العراقية ا.د. ابراهيم خليل العلاف


شاذل طاقة ..شاعر  موصلي  حي في الذاكرة العراقية
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس –جامعة الموصل
في يوم  27 نيسان  2017 تمر الذكرى ال88  لولادة الشاعر الموصلي الكبير وزير خارجية العراق الاسبق الاستاذ شاذل طاقة .ولد في 27 نيسان سنة 1929 وتوفي في 20 تشرين الاول 1974 . صدرت له ثلاث مجموعات شعرية هي : " المساء الأخير" سنة 1950 ، " ثم مات الليل " سنة 1963 ،" الأعور الدجال والغرباء " سنة 1969 . ظهرت بعد وفاته مجموعة كاملة لاعماله في كتاب حمل عنوان : " شاذل طاقة : المجموعات الشعرية الكاملة " .له ايضا كتاب بعنوان : " تاريخ الأدب العباسي " صدر سنة 1953 ،كذلك ألف مع ثلاثة من شعراء الموصل في سنة 1956 كتابا بعنوان " قصائد غير صالحة للنشر " والشعراء الثلاثة هم : يوسف الصائغ ، وعبد الحليم اللاوند ، وهاشم الطعان .كتبت عن هذا الكتاب وعن الشاعر الكبير الاستاذ شاذل طاقة في النت وفي الصحف اكثر من مرة ...عمل مدرسا ، وسفيرا ، ووزيرا للخارجية ..لكن ما وقر في الذاكرة التاريخية العراقية أن شاذل طاقة شاعر كبير وكان على صلة وثيقة بكل مجايليه من الشعراء الكبار وفي المقدمة منهم الشاعر الكبير بدر شاكر السياب . 
في 15 ايلول سنة 2009  كتبت مقالة عنه بعنوان :" رسالة بدر شاكر السياب إلى شاذل طاقة.. من وثائق التأريخ 
الثقافي العراقي المعاصر" قلت فيها
من منا لايعرف الشاعران العراقيان الرائدان، بدر شاكر السياب (1926- 1964) وشاذل طاقة (1929 – 1974).. فهما من طلائع الشعراء العرب اللذين بشروا بالقصيدة الحديثة، وكان لهما، مع زملائهما نازك الملائكة، وعبد الوهاب ألبياتي، ومحمود فتحي المحروق، وعبد الرزاق عبد الواحد، وغيرهما، دور كبير في إغناء الحركة الثقافية العربية المعاصرة بالجديد والمتقدم من أساليب الشكل والمضمون في الشعر العربي الحديث.
وفي يوم  (7حزيران2009) أرسل اليّ الصديق الأستاذ نوّاف نجل الشاعر الكبير شاذل طاقة رسالة أراها تعد وثيقة من وثائق التاريخ الثقافي العراقي المعاصر، والرسالة الوثيقة هذه هي عبارة عن رسالة كتبها الشاعر الكبير الأستاذ بدر شاكر السياب الى صديقه ومجايله شاذل طاقة وذلك في 13 تشرين الأول 1963.
يقول الأستاذ نوّاف شاذل طاقة في رسالته التي أرسلها اليّ من باريس، ان رسالة السياب الى والده قد عثر عليها في وقت متأخر، وان والدته رحمها الله عثرت عليها في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، وأن أحداً لم يطلع عليها، وقيل له أن مجلة عراقية محلية محدودة الانتشار وربما تكون مجلة (صوت العمّال) أو غيرها قد نشرتها مطلع التسعينات. 
وأضاف في رسالته أن السياب يشير إلى قصيدة (الدملماجة) التي كتبها والده في مطلع الستينات من القرن الماضي.. وقد علم الأستاذ نوّاف ان الدكتور سامي عبد الستار الشيخلي، وهو باحث عراقي يسكن في سويسرا منذ أكثر من 30 عاماً، ترجم القصيدة الى الألمانية وجعلها جزءاً من متطلبات رسالة الماجستير التي قدمها الى إحدى الجامعات السويسرية سنة 1984 ويعتزم الشيخلي، كما سمع، أن يطبع رسالته طبعة محدودة في كتاب يتم توزيعه على مراكز البحوث المهتمة بالأدب العربي المعاصر في كل من سويسرا وألمانيا بشكل خاص.
الذي يهمنا في هذا الحيز، ان نكشف للقراء الأعزاء جوانب ومضامين الرسالة – الوثيقة التي أرسلها السياب الى شاذل طاقة.
يؤرخ السياب رسالته في 13 تشرين الأول 1963، ويكتب أمام التاريخ، كلمة (المعقل)..البصرة.. ويخاطب شاذل طاقة بكلمة ((أخي العزيز شاذل)) ويقول له: ((أرجو أن تكون بخير، أنا في شوق إلى لقائك، لو تحسنت صحتي إلى حد يسمح لي بالسفر لقصدت بغداد لأرى الإخوان جميعاً)). ويظل هاجس الشعر يشغل السياب، وهو في معاناته القاسية مع المرض..ليسأل شاذل طاقة عن أحوال الشعر فيقول: "كيف أنت والشعر؟..سألت عنك فقيل لي ان العمل يستنزف جل أوقاتك" وكان الأستاذ شاذل رحمه الله قد انتقل منذ سنة 1958 الى بغداد من الموصل للعمل في وزارة الإعلام. ويعود السياب ليخبر صديقه بما يفعله هو فيقول: "أما أنا فنادراً ماأكتب، وذلك بسبب إنعدام أية تجربة جديدة لديّه. من العمل إلى البيت ومن البيت إلى العمل. أقضي وقتي بالمطالعة: همنغواي، غوغول، د. هـ.لورنس، وكثير من الشعراء، عرب وفرنسيين وإنكليز.. ولكنني لاأسميها مطالعة جديّة، لأن القصد الأعظم منها تزجية أوقات الفراغ". ونتوقف هنا لنؤكد ان الشاعر السياب بسبب مرضه، ولظروفه الصعبة في البصرة، بات غير قادر على كتابة قصيدة جديدة لعدم شعوره أو لعدم احساسه بوجود أهمية لما يكتب.. والشاعر، كما هو معروف، يكتب الشعر عندما يحس ويشعر بما لايحس أو يشعر به غيره من معاناة ومكابدة..
ويخبر السياب شاذل، بأنه لم يرَ ديوان شاذل الجديد ولانعرف أي ديوان يقصد.. وأغلب الظن أنه يقصد (ديوان ثم مات الليل)) الذي نشرته دار مكتبة الحياة ببيروت سنة 1963 ويقع في 116 صفحة. قال السياب أنه علِم بالديوان من صديقيه عبد الجبار داؤود البصري ومحفوظ داؤود.
ويعود السياب ليقول لشاذل طاقة أن بهيج عثمان، الناشر اللبناني المعروف، لم يرسل إليه النسخ المخصصة له من ديوانيه "المعبد الغريق" و "منزل الإنان".. و "إلا أرسلت لك نسخة من كل منهما.
ويتضح من الرسالة أن مستشرقاً فرنسياً كان يعُدّ كتاباً عن الأدب الشعبي في العراق، وأن شاذل أرسل له ماطلب من مصادر وأبرزها كتاب علي الخاقاني "فنون الأدب الشعبي" بعدة أجزاء وأن هذا المستشرق سيصدر مجلة باللغة الفرنسية وسينشر فيها مايتهيأ له من الشعر العربي المعاصر لذلك يدعو السياب شاذل أن يرسل اليه كتباً أخرى طلبها هذا المستشرق.
طلب السياب من شاذل أن يرسل إليه قصيدته (الدملماجة)، التي أرّخ فيها شاذل واقعة الدملماجة حيث غُدر بعدد من رجالات الموصل بعد فشل ثورة الشوّاف في 8 آذار 1959 " ويقرر بأنها أي القصيدة "من أجود الشعر المعاصر". ثم يقول له أن نسخة من ديوان السياب "أزهار وأساطير" وقد نشرته دار مكتبة الحياة ببيروت سنة 1963 قد وصلت شاذل في بغداد، ودعاه أن يرسلها إليه بالبريد المسجل ليراها وصار يلح عليه بارسالها "أرسلها إلي رجاء... لأراها ثم أعيدها إليك". واستفسر السياب من شاذل عن نشاطات جمعية الكتّاب والمؤلفين العراقيين، وكانت جمعية ذات توجه ثقافي عروبي تأسست ببغداد سنة 1960. وكان لها دورها الفاعل في تنشيط حركة الثقافة العراقية.. وسأل السياب شاذل عن الأستاذ شفيق الكمالي.. وهو أستاذ جامعي، شاعر، وأديب، ووزير للثقافة والإعلام فيما بعد وقال له هل تراه كثيراً؟ "انني في شوق اليه بعد غيابه الطويل عن العراق".. وتكشف الرسالة حجم العلاقات الوثيقة التي كانت بين المثقفين العراقيين، شعراء أكانوا أم كتاباً، بالرغم من اختلاف توجهها تهم السياسية.. ويلتمس السياب من شاذل أن يكتب له رسالة جوابية على رسالته يحدثه "فيها عن كل مايهم الأديب".. ويبشره بأن صحته "تتحسن في بطء، لمنها تتحسن بحمد الله..." ويختم رسالته بتحية زوجة الأستاذ شاذل طاقة (أم نواف) وينقل إليها تحيات زوجته (أم غيلان) ويهدي السياب قبلاته لنواف، ابن الشاعر شاذل طاقة وإخوانه وسلامة "لجميع الإخوان، ودُم لأخيك المخلص بدر شاكر السياب".
حقاً، فان رسالة السياب لشاذل طاقة، تعد وثيقة مهمة من وثائق تاريخنا الثقافي، وتكتمل وتتسع قيمة هذه الوثيقة، إذا ما عثرنا على رسالة شاذل طاقة الجوابية لرسالة السياب.
 ويقيناً ان الرسائل المتبادلة بين الأدباء والشعراء والمثقفين عموماً، ذات قيمة تاريخية فهي تعد من وجهة نظر المؤرخين، من المصادر المهمة في كتابة التاريخ، وحبذا لو اهتم شبابنا بمثل هذه المصادر، من خلال جمعها وتوثيقها ودراستها .

رحم الله الشاعر بدر شاكر السياب ورحم الله الشاعر شاذل طاقة فقد كانا يتصدران المشهد الشعري في عراقنا فترة من الزمن ولاتزال بصماتهما واضحة في التاريخ الثقافي العراقي المعاصر . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق