السبت، 8 أبريل، 2017

البعد الأمني في العلاقات العراقية - التركية واثق محمد براك السعدون مركز الدراسات الاقليمية/ جامعة الموصل أعد البحث سنة 2012

البعد الأمني  في العلاقات العراقية - التركية

واثق محمد براك السعدون
مركز الدراسات الاقليمية/ جامعة الموصل
أعد البحث سنة 2012
مدخل:   
     برهن تاريخ العلاقات الدولية على إن صياغة ترتيبات أمنية مشتركة بين دولتين متجاورتين بشكل ينهي جميع الخلافات والتوترات والتناقضات في المصالح الأمنية، هي حالة إفتراضية يصعب تحقيقها. فالسلام والأمن الدولي، الحقيقي والواقعي، هو الذي تعترف فيه الدول بتناقضاتها وخلافاتها وتتعايش ضمنه، وفي الوقت نفسه تتعاون هذه الدول بينها بشتى الوسائل لمواجهة المشاكل الأمنية ذات الأبعاد والتأثيرات المشتركة. ويمكن لهذا التوجه أن يضمن زيادة فرص التعاون والتواصل، والتقليل من مظاهر التوتر والحروب والصراع بين الدول المتجاورة. وفي هذا السياق ارتبط العراق وتركيا منذ نشوء نظام الدولة الحديثة في البلدين مطلع العقد الثاني من القرن المنصرم بوجود قضايا أمنية مشتركة بينهما، وكانت معالجات تلك القضايا تختلف باختلاف الظروف الداخلية لكلا البلدين، والأوضاع الإقليمية والعالمية.
        تأثرت العلاقات العراقية- التركية خلال الحرب الباردة بطبيعة تحالفات كل من البلدين الإقليمية والدولية، فتارة يصل مستوى التنسيق الأمني بين البلدين إلى درجة التحالف الإستراتيجي، وتارة يصنفان كخصمين ينتميان لمعسكرين مختلفين، ويعملان بالتضاد إبان عقود تلك الحرب. وبعد انتهاء الحرب الباردة واجهت تركيا في تسعينات القرن المنصرم وضعاً مربكاً ومعقداً في توجهاتها نحو العراق، فمصالحها الإقتصادية مع العراق كانت تتقاطع مع مصالحها الأمنية. ومصلحتها في التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية في سياسة الأخيرة تجاه العراق في تلك المدة، وبخاصة ما يتعلق بتوفير الحماية والدعم للأكراد في شمال العراق، وتطبيق الحظر المفروض على العراق، كانت تتناقض مع المصالح الأمنية والمصالح السياسية الداخلية لتركيا. تغيرت التوجهات السياسية والأمنية التركية نحو العراق بعد تولي حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا، وتحركت تركيا تدريجياً في العقد الماضي لإتخاذ وضع مختلف إزاء الشأن العراقي، إذ تعمل الحكومة التركية الآن على الانخراط في التطورات الجارية في العراق، والاتصال بمختلف القوى السياسية والمكونات الاجتماعية العراقية، بما فيها القوى الكردية، ولم يقتصر هذا الأمر على علاقات ودعم الحكومة التركية للعراقيين التركمان فقط كما كان يجري في السابق. تتمحور جهود وإهتمامات الأمن المشترك بين العراق وتركيا في الوقت الحالي حول قضيتين رئيستين، الأولى قضية قديمة تتجدد بين الحين والآخر منذ حوالي العقدين من الزمن، والمتمثلة بوجود قواعد لحزب العمال الكردستاني المناهض عسكرياً للدولة التركية في بعض مناطق كردستان في شمال العراق. والقضية الثانية استجدت حديثاً وهي الصراع الدائر في سوريا بين النظام الحاكم والمعارضة المسلحة، والذي اندلع عقب الانتفاضة الشعبية التي شهدتها سوريا منذ آذار 2011، والتطورات المحتملة لهذا الصراع.
      اقتصر هذا المبحث من الدراسة على تناول القضايا والأحداث ذات الطابع الأمني الصرف، المتعلقة بأمن الأفراد والجماعات والمنشآت والأراضي الوطنية والحدود بين العراق وتركيا. ومن الجدير بالذكر إن هنالك قضايا أخرى يحتمل أن يكون لها انعكاسات على حالة الأمن المشترك بين البلدين، كالمشكلة المتمثلة بتقاسم حصص مياه نهري دجلة والفرات، والسدود والمشاريع التركية المقامة عليهما، والتي تعد أيضاً من القضايا المؤثرة في طبيعة العلاقات بين العراق وتركيا، والتي من الممكن أن يكون لها تداعياتها المؤثرة في أمن البلدين مستقبلاً.  

أولاً- تطورات قضية وجود مقاتلي حزب العمال الكردستاني في شمال العراق:
      لم تعد القضية الكردية شأن محلي بالنسبة لتركيا فقط. بسبب التوزيع الديموغرافي للأكراد عبر أربعة من البلدان المتجاورة في منطقة الشرق الأوسط (العراق، تركيا، إيران، سوريا). فمنذ الأعوام الأولى لظهور نظم الدول العصرية في هذه البلدان التي تشكل القومية الكردية جزء من شعبها، والأكراد يمثلون عاملاً مهماً ومؤثراً في طبيعة العلاقات بين هذه الدول. فبالنسبة لتركيا أدى هذا الأمر إلى تعقيد القضية الكردية، وبخاصة في بعض الأحيان التي استخدمت فيها القضية الكردية من قبل الدول المجاورة لتركيا في الشرق الأوسط لإضعاف الموقف التركي، ما جعل من القضية الكردية سبباً في إفساد العلاقات الثنائية. وفي أحيان أخرى، منحت القضية الكردية لتركيا وجيرانها، وخصوصا العراق وايران مصلحة مشتركة، ودافعاً للتقارب.
         يتبين من دراسة طبيعة العلاقات المعاصرة بين تركيا والعراق في المجال الأمني، بأن قضية وجود مقاتلي حزب العمال الكردستاني المناهض للدولة التركية في بعض المناطق الجبلية النائية في شمال العراق، أضحت المحور الرئيس لترتيبات الأمن المشترك بين البلدين. فضلاً عن فاعلية تأثير تداعيات الأوضاع الأمنية والسياسية في العراق عامة، وإقليم كردستان العراق بخاصة، في المشهد الأمني والسياسي التركي، في المرحلة الحالية. وقد انعكست هذه الحقيقة بوضوح على أداء الحكومات وقيادات المؤسسة العسكرية المتعاقبة في تركيا، وعلى مضمون توجهاتها نحو العراق. إذ تتعامل الخطط العسكرية والأمنية التركية مع المناطق التي تسكنها الغالبية الكردية شمال العراق وجنوب شرق تركيا على إنها ساحة عمليات واحدة، تحوي ذات العناصر والمؤثرات المسببة للتوترات الأمنية في المدن التركية، المتمثلة بالنشاطات المسلحة لحزب العمال الكردستاني.
      لقد تمخضت حرب الخليج الثانية (آب 1990- آذار 1991) عن حصول فراغ كبير للسلطة في شمالي العراق بحلول عام 1992، بسبب التداعيات السياسية والأمنية- العسكرية التي أعقبت هذه الحرب، مما خلق فرصاً مؤاتية لظهور قوى سياسية جديدة، وللصراع على السلطة في كردستان العراق بين الأحزاب والجماعات الكردية. وخلال هذه الظروف تغلغل حزب العمال الكردستاني (PKK) في شمال العراق، وانتقلت اغلب مخيماته من منطقة (البقاع) في لبنان إلى جبال (قنديل) في شمال العراق، وشارك في صراع السيطرة على تلك المنطقة. استغل حزب العمال الكردستاني الاضطرابات الإقليمية لإستئناف عمله المسلح ضد أنقرة على أسس جديدة، ترتكز على استثمار هذه الاضطرابات لتنمية قدراته القتالية، والاستفادة القصوى من مزايا وجود مقاتلي الحزب في شمال العراق، ومن الدعم الذي يحصلون عليه في هذه المنطقة. بالمقابل، كانت هناك عوائق قليلة وحوافز كثيرة لتوغلات وهجمات القوات التركية عبر حدودها مع العراق، فأطلقت تركيا في الأعوام 1992، و1995، و1996، و1997 عمليات عسكرية واسعة النطاق شارك فيها عشرات الآلاف من جنودها، فضلاً عن القصف الجوي والمدفعي المتكرر والعمليات المكثفة لقواتها الخاصة التي إستمرت إلى يومنا هذا. وأصبح لتركيا قاعدة عسكرية كبيرة في بامرني "45 كلم شمال دهوك" في محافظة دهوك باقليم كردستان العراق منذ 1997، فضلاً عن ثلاث قواعد أخرى صغيرة في غيريلوك "40 كلم شمال العمادية"، وكانيماسي "115 كلم شمال دهوك"، وسيرسي "30 كلم شمال زاخو" على الحدود العراقية التركية، وهذه القواعد ثابتة وينتشر فيها جنود أتراك على مدار السنة.
      دعت الحكومة العراقية في تشرين الأول 2012 مجلس النواب العراقي إلى "إلغاء أو عدم تمديد" أية اتفاقية تسمح بوجود قواعد أجنبية على الأراضي العراقية، في خطوة أكد مسؤول حكومي انها تستهدف القواعد التركية في شمال البلاد. وذكر بيان حكومي تلقت وكالة فرانس برس الإخبارية نسخة منه أن مجلس الوزراء "قرر رفع توصية إلى مجلس النواب بإلغاء أو عدم تمديد اية اتفاقية مبرمة سابقة مع اية دولة اجنبية تسمح بوجود القوات والقواعد العسكرية الأجنبية على الأراضي العراقية. وأوضح مسؤول حكومي رفيع المستوى لفرانس برس ان "الاتفاقيات المقصودة هي تلك التي أبرمت مع تركيا في الأعوام التي سبقت الإحتلال الأمريكي للعراق وتغيير نظام الحكم فيه، والتي تسمح للقوات التركية بالوجود في مناطق شمال العراق لمطاردة مقاتلي حزب العمال الكردستاني".
      من أبرز التطورات الحالية والمهمة لهذه القضية هي التسريبات الإعلامية التي تشير إلى وجود مباحثات سرية تدور في الوقت الحاضر بين سياسيين أتراك ومسؤولين في الحكومة التركية مع قيادة حزب العمال الكردستاني من أجل التوصل إلى حل لهذه الأزمة التاريخية. فقد تناول الكاتب هوشنك أوسي هذا الموضوع في مقال له بعنوان" تركيا وحزب العمال الكردستاني: مفاوضات سرية واشتباكات مسلحة وسط تفاؤل بإقتراب حلول السلامنشر في الطبعة العربية من مجلة "دبلوماتيك لوموند" (الفرنسية)، في عدد تشرين الأول 2012. إذ ذكر أوسي في هذا المقال: (بالتزامن مع الاشتباكات المسلّحة بين مقاتلي حزب العمال الكردستاني والجيش التركي، التي تسفر عن عشرات الضحايا من الجانبين، بين قتيلٍ وجريح، كشفت الصحافة التركيّة عن مفاوضات سريّة، جديدة قديمة، بين الـ PKK والدولة التركيّة، وبشكلٍ مباشر مع زعيم الحزب السجين عبدالله أوجلان وقيادة الحزب. كما تناقلت هذه الصحافة أنباء عن وصول هذه المفاوضات إلى ما يمكن تسميّته بـ"صفقة سريّة" بين الطرفين. وفي هذا الإطار، كشف خلوق كوج نائب زعيم حزب الشعب الجمهوري التركي ذي التوجهات "الأتاتوركية" CHP، الذي يعد في الوقت الحاضر حزب المعارضة الأبرز في تركيا، في يوم 11/9/2012 وعبر قناة "آ – خبر" التركيّة، عن المراسلات السريّة بين أوجلان وقيادة حزبه في جبال قنديل، بخصوص المفاوضات التي جرت في أوسلو. وذكر كوج أن "هذه المراسلات، جرت بطلبٍ وعلم رئيس الحكومة أردوغان"؛ وأنّه سيكشف فحواها للرأي العام التركي لاحقاً. وللضغط على حكومة أردوغان، صرّح كمال كلجدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري فيما بعد، أنّه "لا مانع لديه للذهاب إلى مفاوضات جديدة مع الـ PKK في أوسلو، شريطة أن ينجم عنها إلقاء الكردستاني لسلاحه"). كما كتب أوسي: ( وفي نفس السياق، صرّح رئيس الحكومة التركيّة وزعيم حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان لقناة "آ تي في"، مساء يوم 28/9/2012: "قريباً ستجدون انطلاق أوسلو ثانيّة. وإن لم يكن في أوسلو، ففي مكانٍ آخر"؛ في إشارة منه إلى المفاوضات السريّة التي جرت بين الدولة التركيّة و الـ PKK من عام 2008 ولغاية تموز 2011.).
      من  الإستنتاجات  المهمة التي توصل لها الكاتب هوشنك أوسي في مقالته هذه  بأن توصل الحكومة التركية إلى إتفاق مع حزب العمال الكردستاني ووضع حد لهذا الصراع، سيؤدي إلى انخراط الـ PKK في السياسة التركيّة وتحوله إلى مدافعاً عن المصالح التركية في سورية وايران والعراق والمنطقة، ومساندة المشاريع والمخططات والطموحات التركيّة؛ كما ستستفيد تركيا من الثقل الجماهيري للـ PKK في سورية على وجه الخصوص، وفي إيران والعراق عموماً؛ ويمكن لتركيا وأمريكا أن تستفيدا من الجناح الإيراني لحزب العمال الكردستاني، كذراع عسكريّة منظّمة وقويّة داخل إيران.
        من التطورات المهمة لهذه القضية أيضاً سعي الـ PKK إلى الاستفادة من الأزمة السوريّة التي اندلعت في آذار 2011 للحدود القصوى، بغية تعزيز موقفه التفاوضي مع أنقرة وتحقيق مكاسب سياسيّة في تركيا. وبخاصّة بعد الانسحاب المبرمج وشبه الكلّي لأجهزة الأمن السوريّة من المناطق الكرديّة، وملأ هذا الفراغ بمقاتلي حزب (الاتحاد الديمقراطي) الكردي السوري PYD الموالين للـ PKK، مما أثار قلق أنقرة. التي لجأت إلى محاولة التأثير في أوضاع المناطق الكردية في سوريا عبر علاقاتها مع رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني، بسبب المعارضة الأمريكية- الأطلسية (لحد الآن) لأي تدخل عسكري تركي في المناطق الكردية في سوريا، خشية تفاقم أوضاع المنطقة وخروجها عن السيطرة. كما ان هذه الخطوة يمكن أن تفيد النظام السوري الذي يتعمد استفزاز الأتراك، إما لإظهارهم في صورة الضعيف الذي لا يستطيع حماية أمنه، أو لدفعهم لتوجيه ضربات عسكرية للدفاعات الأرضية السورية، بشكل يمكن أن يؤدي إلى نشوب حرب مفتوحة تشارك فيها قوى إقليمية ودولية عديدة، وهو ما يمكن أن يربك حسابات الدول الغربية تجاه سوريا ويساعد النظام على مواجهة الضغوط التي يتعرض لها بدعم من إيران وروسيا.
       وبالعودة إلى تأثير هذه القضية في العلاقات العراقية – التركية، لا يتوقع حل مشكلة وجود مقاتلي حزب العمال الكردستاني في شمال العراق مع تركيا بشكل نهائي، ما لم يتوفر الاستقرار والانسجام بين أطراف العملية السياسية في العراق، وتوحيد الخطاب السياسي الخارجي العراقي، وتحديد مفاهيم واضحة ومحددة لمصالح العراق الأمنية المشتركة مع تركيا من جهة، وما لم تشرع الدولة التركية باتخاذ خطوات جريئة ومؤثرة باتجاه حل المشكلة الكردية وتلبية المطالب المشروعة لأكراد تركيا بالشكل الذي لا يهدد وحدة وسيادة الأراضي التركية من جهة أخرى.
ثانياً- الانعكاسات الأمنية للأزمة السورية على العلاقات العراقية- التركية:
    أختلف العراق وتركيا في رؤيتيهما للإنتفاضة الشعبية السوريّة التي اندلعت منتصف آذار 2011، والتي وصلت فيما بعد إلى مرحلة الصراع المسلح الدامي الذي تشهده سوريا في الوقت الحاضر بين النظام الحاكم والمعارضة المسلحة. والذي إتخذ البلدين مواقف وأدوار متباينة تجاهه. إذ أعلنت الحكومة العراقية وقوفها على الحياد بين أطراف الصراع الدائر، وبدت إقل تحمساً للإنتفاضة السورية مقارنة بموقفها من الثورات الشعبية في تونس ومصر وليبيا واليمن، أو على الأقل حذرة جداً في أي خطوة تتخذها تجاه الأحداث في سوريا، وقد قوبلت هذه المواقف بشكوك وإستفهام من الأطراف المناوئة للنظام السوري الحاكم من داخل سوريا ومن خارجها. ولكن الحكومة العراقية هي الأخرى لديها شكوكها وتحفظاتها على بعض القوى والفصائل المشاركة بالانتفاضة المسلحة في سوريا وعلى توجهاتهم الفكرية. إذ تحدث د. علي الدباغ الوزير الناطق بإسم الحكومة العراقية عن التحديات التي تمثلها الأزمة السورية من وجهة نظر الحكومة العراقية، موضحاً الموقف العراقي الرسمي من الأحداث في سوريا في جلسة حوارية عقدها المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية في لندن في تشرين الأول 2012 لمناقشة الوضع الأمني والسياسي في العراق، شارك فيها فضلاً عن د.الدباغ، د.توبي دودج المختص في العلاقات الدولية، وإمّا سكاي، المختصة في الدراسات الحربية. وقال د.الدباغ: (إنهم لا يدعمون أسلوب الحكم القائم على الشمولية من طرف شخص واحد وحزب واحد، إذ يجب أن يحدث إصلاح جذري بإتباع مسار ديمقراطي يأتي بإرادة الشعب السوري ولا يكون مفروضاً من الخارج عن طريق نماذج جاهزة. فسياسة المحاور والحلول المسلطة لا تأتي بالاستقرار والأمن لمنطقة الشرق الأوسط، بل على العكس من ذلك سيؤدي إلى اشتعال لهيب الصراع الطائفي الذي يمكن أن يصل البلدان المجاورة. ويضيف أن العراق منشغل من إمكانية امتداد هذه الصراعات الطائفية إلى غرب العراق، كما يهم هذا الانشغال أيضا تركيا وبلدان الخليج والأردن فهم أيضاً يمكن أن تمسهم هذه الأنواع من الصراعات.).
       في المقابل، صارت أنقرة تدعم مساعي الإطاحة بالنظام السوري، وتساند المعارضة السلميّة والمسلحّة في سورية. وبات من الواضح أنّ تركيا أصبحت منخرطة بشكلٍ تفصيليّ في مآلات المعارضة السوريّة، وبخاصّة المسلّحة منها في شمال سوريا وشرقها، دون الجنوب. وهذا ما يضعها في موقعٍ يمكّنها من دفع مجريات الأحداث في هذه المنطقة في إطار مصالحها الأمنية. وهكذا أدت الأزمة السوريّة دوراً كبيراً في إحداث خلخلة في العلاقات العراقيّة-التركيّة. الأمر الذي يتطلب رؤية إستراتيجية عراقية لمحاولة تنشيط مستوى معين من العلاقات الأمنية مع تركيا بغض النظر عن الحالة المتردية حالياً للعلاقات السياسية بين البلدين، والسعي لإستعادة التنسيق الأمني المشترك مع تركيا على غرار التعاون الأمني والعسكري الذي تضمنته توجهات (المجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي بين العراق وتركيا) الذي تأسس خلال اتفاقية (الإعلان السياسي المشترك) التي وقعت في بغداد بين نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي قام ورجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي خلال زيارة رسمية قام بها الأخير إلى العراق في العاشر من تموز 2008.



ثالثاً- إمكانية إنشاء علاقات عسكرية بين العراق وتركيا:
     ان المدخل السياسي ليس كافياً وحده للوصول إلى مرحلة التعاون العسكري بين بلدين ما، لكنه مهم وحيوي، كما ان العلاقة بين المدخل السياسي والمدخل العسكري ليست من الضرورة ان تكون متتالية، اذ ان الخطوة الأولى من المدخل السياسي يقصد بها وجود حد ادنى من الاتفاق السياسي وحد أقصى للاختلاف كافية لبدء العمل في المدخل إلى التعاون العسكري، بحيث يمكن ان تسير الخطوات السياسية جنباً إلى جنب متوازية مع الخطوات العسكرية في المدخل إلى التعاون العسكري، ووجود بعض الخلافات السياسية في الوقت الحاضر بين العراق و تركيا يجب ان لا يحول دون إنشاء تعاون عسكري بينهما. وبخاصة إن تركيا أحد الدول الأعضاء في حلف شمالي الأطلسي (NATO )، وتمتلك قواتها المسلحة مؤسسات وبرامج تدريبية متقدمة، فضلاً عن منتجاتها العسكرية التي غالباً ما تكون أسعارها مناسبة قياساً بالصناعات الغربية والأمريكية، وعلاوة على كل ذلك إن تركيا ترتبط مع العراق في عدة قضايا أمنية تهم البلدين، وبالتالي فأن وجود التعاون العسكري بين البلدين سيكون عاملاً مساعداً للتفاهم بينهما حول هذه القضايا.
      ان دول حلف شمالي الأطلسي استمرت على تعاونها العسكري ضمن كيان الحلف بالرغم من نشوب الخلافات السياسية بينها منذ تأسيس الحلف وحتى الآن، وقد فاقت بعض تلك الخلافات في شدتها ما يحدث الآن بين العراق وتركيا، حيث ان تركيا و اليونان كانتا (وما تزالان) في نزاع شديد حول قضية قبرص ومع ذلك ظلت القوات اليونانية تشترك في مناورات الحلف الأطلسي إلى جانب القوات التركية، وبقي الضباط اليونانيون يعملون مع الضباط الأتراك جنباً إلى جنب في مقر قيادة الحلف الأطلسي لجنوب شرق اوروبا (في أزمير)، ذلك لان الحكومتين التركية و اليونانية رأتا ان استمرار التعاون العسكري بينهما ضمن الحلف الأطلسي حيوي لسلامتهما المشتركة و يجب ان يظل دوماً فوق مستوى الخلافات السياسية. ان كثيرين في العالم العربي، وبينهم بعض المسؤولين لا يقدرون أهمية التعاون العسكري، فمثل هذا التعاون ليس بأمر كمالي، فبالنسبة للعراق وتركيا هو من أشد الضروريات، بحيث لا يجوز  إهماله أو تأجيله أو تجاهله، انه أهم لهما من التعاون الاقتصادي والثقافي.       


استنتاجات وتوصيات
      من الأفضل وضع معيار مختلف لكل مجال من العلاقات العراقية- التركية، السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية والإجتماعية، وأن ينظر لعلاقة العراق مع تركيا في أي مجال من منظار المصالح العراقية، أي بمعنى ليس بالضرورة أن ينسحب تراجع العلاقات العراقية- التركية السياسية على باقي العلاقات، وبخاصة الأمنية منها. علماً إن أغلب البلدان المتقدمة في الوقت المعاصر تحاول إتباع سياسة خارجية تبقي لكل بعد من علاقاتها الدولية طبيعته الخاصة لحمايته من التداخل والتأثر بالأبعاد الأخرى. كما يجب إستشراف مستقبل السياسة الخارجية التركية في المنطقة وتوجهاتها المحتملة بعناية، والرصد الدقيق لأي تغييرات تطرأ على السلوك السياسي التركي الإقليمي، لأن المعروف عن تركيا تأثر سياستها الخارجية، والأمنية أيضاً، بتوجهات الأحزاب التي تفوز بالانتخابات وتحكم البلاد، فالسياسة الخارجية التركية في عهد حزب العدالة والتنمية تختلف عن العهود التي سبقتها، ومن المؤكد إنها ستختلف عن العهود التي ستليها. لذلك يجب إن تصاغ الإستراتيجية السياسية والأمنية العراقية تجاه تركيا بمرونة كافية تمكنها من الإستجابة لكافة التغييرات المحتملة في توجهات تركيا الإقليمية. 
        نظراً لظهور تقارير صحفية وتصريحات لسياسيين ومسؤولين حكوميين أتراك في الوقت الحالي تتحدث عن وجود مباحثات بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني بهدف وضع حد للصراع المسلح الدائر بينهما منذ أعوام، فأن على المؤسسات الدبلوماسية والأمنية العراقية أن تتابع تطور هذه المباحثات والمراحل التي تصلها، فضلاً عن وجوب السعي لتحقيق تمثيل للحكومة العراقية في هذه المباحثات، وإعطائها دوراً في أي إتفاق يبرم بين طرفي الصراع، لأن العراق معني بهذا الصراع الذي يعد معضلة الأمن المشترك الرئيسة بينه وبين تركيا لوجود الكثير من قواعد مقاتلي حزب العمال الكردستاني على أراضيه في المناطق الجبلية النائية القريبة من الحدود مع تركيا وقواعد عسكرية أخرى للجيش التركي في المنطقة نفسها. كما أن هذا الصراع المسلح قد كلف العراق الكثير من الخسائر البشرية والمادية.
        فيما يخص إنعكاسات الصراع المسلح في سوريا على البعد الأمني في العلاقات العراقية- التركية، فإن من أفضل الخيارات المتاحة للعراق للتعامل مع هذه المشكلة هي؛ ضرورة حسم الموقف العراقي من الأحداث في سوريا، وإنهاء الجدل الدائر حول طبيعة موقف العراق من هذه الأزمة بأداء دور مؤثر وإيجابي في إتجاه أحداثها، وأن يكون العراق أحد الأطراف الفاعلة في وضع حد للمآسي الإنسانية التي ترتكب في هذا البلد، المرتبط مع العراق بأواصر تاريخية وإجتماعية وإقتصادية، وإستعادة مكانة العراق وإستحقاقه العربي والإقليمي الذي غيب منذ عقود، بخاصة إذا ما تمكنت الحكومة العراقية من التأثير في مواقف النظام الحاكم في سوريا بإتجاه حثه على القبول بالحلول السياسية ووقف نزيف الدم، وأحسنت إستثمار الخاصية التي تميزها عن باقي الأطراف الدولية التي تحاول التأثير في هذه الأزمة، المتمثلة بإمتلاكها قبول إلى حد ما من النظام الحاكم في سوريا، وعلاقتها مع إيران وروسيا الإتحادية، أكثر الدول تأثيراً وتأثراً بهذه الأزمة. كما أن توتّرات العراق الداخلية لم تقوّض سياسته الخارجية بعد، وفرقاء العملية السياسية في العراق متفقون على ضرورة تأدية العراق لدور نافذ في المنطقة. ومن المؤكد إن إتباع العراق لهذه السياسة سيشجع الحكومة التركية على التشاور مع الحكومة العراقية بشأن تطورات الأزمة السورية، وإطلاعها على جميع التوجهات السياسية والخطط الأمنية التركية بخصوص هذه المشكلة. مما يضمن إبقاء جزء كبير من التداعيات الأمنية المحتملة للأزمة السورية وإنعكاساتها على العلاقات العراقية- التركية تحت سيطرة حكومة البلدين، والتعاون الأمني بينهما. وفي هذا السياق أيضاً يجب أن تكون الإستراتيجية العراقية السياسية والأمنية قادرة على إستيعاب كافة الإحتمالات المفتوحة للحالة التي ستنتهي إليها الأزمة السورية، والتطورات المتوقعة (وغير المتوقعة) لسير الأحداث في هذا البلد.
     من المفيد تخفيف حدة الخطاب السياسي والإعلامي العراقي الذي يتمحور حول الحذر من إنتقال الصراع الدائر في سوريا بين النظام الحاكم والمعارضة المسلحة إلى الأراضي العراقية، وعدم المبالغة في تصويره على إنه صراع طائفي، لأن تصاعد هذا الخطاب قد يكون له إنعكاسات سلبية على الأوضاع السياسية والإجتماعية، بل وحتى الإقتصادية في العراق، بالرغم من انه يرتكز على معالم التخندق الطائفي التي ظهرت بشكل محدود على بعض أطراف الصراع في سوريا، أو على الأطراف الإقليمية المساندة، والتي يخشى إنتقالها للساحة العراقية. وعلى المؤسسات الأمنية أن تطمأن العراقيين بقدرتها على مواجهة هذا التحدي الأمني، كما إن مراجعة وتحليل التجارب التاريخية للمواجهات الطائفية في المنطقة يمكنها ان تبرر الدعوة لتخفيف هذا الخطاب. فالحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت خمسة عشر عاماً (1975- 1990) لم تنتقل إلى سوريا وقتها بالرغم من ان المجتمع السوري يحوي نفس التباين الديني والمذهبي والقومي اللبناني. كما ان الحوادث الطائفية التي حصلت في العراق، والتي أعقبت تفجيرات سامراء في شباط 2006 لم تنتقل إلى أي بلد مجاور، له مكونات مجتمعية مشابهة لمكونات المجتمع العراقي.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق