الجمعة، 12 أغسطس، 2016

فاطمة العبيدي وجزيرة عشقٍ ملوَّنة بقلم الدكتورة وجدان الخشاب*




فاطمة العبيدي وجزيرة عشقٍ ملوَّنة
بقلم الدكتورة وجدان الخشاب*
عبر تجربة طويلة امتدت من الطفولة الى الحاضر استطاعت الفنانة التشكيلية فاطمة العبيدي اثبات حضورها التشكيلي في مدينتها كركوك وفي بلدها العراق ، ثم انطلقت الى أُفق عالمي مفتوح شاركت فيه بلوحاتها في أكثر من دولة ، لتحصد مجموعة من الجوائز والأوسمة التي تؤكّد لذلك الحضور بريقه الخاص ، ولتمنح تجربتها التشكيلة وجوداً متميزاً ، هذا الوجود الذي لفَتَ انتباهي الى لوحاتها، فاستطلعتها بحثاً عن لوحة تشدُّني اليها ، فوقع اختياري على لوحتها ( جزيرة العشاق ) التي أنجزتها سنة 2014، مستخدمة ألوان اكريلك على خامة الجنفاص ، وقياس80/100سم ، واشتركت بها في معرض ملتقى ثقافات الشعوب الدولي في اليونان – مدينة باتراس ، لتكون مجالاً لاشتغالي النقدي التشكيلي.
يكشف اللقاء البصري بين اللوحة والمتلقي عن انتمائها الى مدرسة أو مذهب أو جمعها بين أكثر من مدرسة ، وبما أنَّ لوحة ( جزيرة العشاق ) تخلو من الأشكال الطبيعية وغير الطبيعية التي تميّزها الذاكرة الجمعية ، وتتعامل معها في واقعها العياني فإنَّ تصنيفها سيقع في خانة المدرسة التجريدية التعبيرية – وهو ما أشارت إليه الفنانة فاطمة في أكثر من حديث صحفي أُجريَ معها - حيث أنَّ هذه المدرسة التي كان رائدها الفنان التشكيلي واسيلي كاندنيسكي طرحت فكرة تحويل الأشكال من صورها المعروفة في الواقع العياني الى شكل مغاير ، فتتحوّل الأشكال الى رموز توحي بالدلالة للمتلقي ولا تطرحها بوضوح كما تفعل مدارس أُخرى ، حيث انطلقت هذه المدرسة وهي تحمل تأثيرات كلٍ من المدرسة السريالية والمدرسة التكعيبية ، وهذا ما أشار إليه الناقد الامريكي كلفرد روس في كتابه ( التعبيرية التجريدية: فنانوها ونقادها ) ، كما أشار الى خصائصها من حيث الخروج عن الواقعية في طرح الأشكال في اللوحة ، واعتماد التجريد بديلاً ، وكذلك التركيز العالي على الحركة وتجسيدها من خلال الخطوط والألوان والملامس ، وهذا ما سأتناوله أثناء قراءتي للوحة الفنانة فاطمة العبيدي.
تشير القراءة المستقصية للوحة ( جزيرة العشاق ) الى أنَّ الفنانة فاطمة اعتمدت تكويناً أُفقياً وعمودياً معاً ، ففي قسمها الأسفل استخدمت فرشة لونية متداخلة ومتدرجة من ألوان متعددة ، وفي قسمها الوسطي اتخذت شكلاً أقرب ما يكون الى شكل جزيرة ، فيما منحت الجزء الأعلى سماء تعددت ألوانها ، ورغم أنَّ المدرسة التجريدية التعبيرية تدعو الى اللاشكل إلاّ إنَّ المتلقي لا بُدَّ له من مقاربة اللوحة والتواصل معها من خلال محاولة تقريب معطيات اللوحة الى الواقع دون منحها ما لم تطرحه ، من هنا سأنطلق في محاولتي التقريبية لمعطيات التكوين ، فأُشير الى أنَّ النهر يتخذ موضعته في القسم الأسفل منها ، متخذاً من اللونين الأزرق والبنفسجي مظهراً ، واللون الأزرق يشير الى دلالات متعددة منها: الاستقرار والهدوء ، فيما يشير اللون البنفسجي الى دلالات أيضاً منها: الروحانية والخيال ، إذاً القسم الأسفل هو مدخل اللوحة حيث يقع في مقدمتها ، ويدعو المتلقي الى الاستقرار والسكينة والهدوء استعداداً لقطع المسافة الى جزيرة العشاق ، فحقق بذلك ايقاعاً هادئاً ، ومدخلاً أقرب ما يكون الى السكون لكونه يعتمد على الاتجاه الواحد ، فحركة الفرشاة تبدو واضحة باتجاهها الأُفقي دون أن يقطعها أي اتجاه عمودي يكسر نمطيتها الأُفقية ، وهو بذلك يؤدي أيضاً وظيفة الفترة من حيث الايقاع ، لتكون الجزيرة هي الوحدة ، ثم تلتقي الفترة بالوحدة في كلٍ متكامل هو القسم الأعلى من اللوحة. إذاً النهر هنا يمتلك وظيفة أدائية تتمثل في منحه القسم الأوسط ( الجزيرة) فرصة البروز ، ويخفف من الضجيج اللوني المفروش فيها.
يتخذ القسم الأوسط ( الجزيرة ) مساحة مكانية أقل من القسمين الآخرين لكنه نقطة السيادة ومركز الاهتمام في هذه اللوحة ، لما يمتلكه من توسط أولاً ، وما يملكه من حركة وألوان ثانياً ، لكنّها ليست الجزيرة التي تعرّفت إليها ذاكرتنا الجمعية بل هي جزيرة لونية تماماً ، حيث افترشتها مجموعة كبيرة من الألوان بدرجاتها المتعددة ففيها:
اللون الأحمر المتدرّج الذي يحيل في دلالته الى العواطف والقوة ، العاطفة، الحب.
واللون الأخضر: يحيل الى الطبيعة، والتجدد والصداقة، والصحة.
واللون الأزرق: يحيل الى الثقة، الأمان، الاستقرار.
واللون الأصفر: يحيل الى البهجة، السعادة.
واللون الأخضر: يحيل الى الطبيعة، والتجدد.
واللون الأبيض: يحيل الى النقاء، الصفاء، الوضوح، البراءة.
واللون الأسود: يحيل الى الفخامة، الرسمية، الأناقة، الجدية، الحزن.
اللون الزهري: يحيل الى النعومة، الجمال ، الحنان، الرقة. والرومنسية
اللون البني: يحيل الى المتانة، الحيادية.
اللون البنفسجي: يحيل الى الروحانيات، والخيال.
ويشكِّل هذا الحضور اللوني المتعدد فرصة كبيرة لإظهار الحركة حيث ستنتقل عين المتلقي من لون الى آخر ، ومن دلالة الى أُخرى دون حواجز أو خطوط خارجية تحدد مساحة حضورها ، كما أنَّ التقنية التي فرشت بها الفنانة ألوانها في هذا القسم من حيث تسطيح اللون حيناً واظهار الملامس أحياناً كثيرة تمنحه حركية عالية ، وتبعده عن السكون.
من هنا يمكنني القول إنَّ هذه الجزيرة اللونية بتعدديتها وتداخلاتها وتدرجاتها وموقعتها تكاد تسمح لي بتصورها بشراً ومواقفاً ، فعلى المستوى البشري يوجد مَن هو نقي ، متفائل ، محب للحياة ، كما يوجد العكس أيضاً ، وعلى مستوى المواقف والأحداث اليومية يوجد الخير والشر والحزن والسعادة والموت والحياة أيضاً ، إذاً مركز الجزيرة هو منطقة الاشعاع ، اشعاع الخير والسعادة والنقاء ، أي هو الجوهر بتصور الفنانة فاطمة ، جوهر الوجود.
__________________________________
*كاتبة وناقدة تشكيلية -جامعة الموصل
**المصدر :http://artsgulf.com/articles/651570.ht

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق