الجمعة، 19 أغسطس، 2016

الدكتور سعدي يونس بحري ومسرح الشارع ابراهيم العلاف



الدكتور سعدي يونس بحري ومسرح الشارع
ابراهيم العلاف
منذ السبعينات  من القرن الماضي ، جاء الدكتور سعدي يونس بحري من باريس الى بغداد وهو محمل بطاقات عجيبة وبحصيلة ثقافية فكرية واكاديمية حصل عليها من خلال دراسته الاكاديمية في السوربون  ليقدم عروضا مسرحية عرفت في حينها ب( مسرح الشارع )  أو ( المسرح المتنقل ) ، وتلك تجربة مسرحية فريدة عرفها المسرح العراقي المعاصر .وما اتذكره أن مجلة (الاذاعة والتلفزيون ) البغدادية ، وفي عددها الصادر في 4 ايلول –سبتمبر سنة 1977 نشرت مقالة للاستاذ عبد الحسين ماهود عن هذه التجربة أقصد تجربة مسرح الشارع والتي تنطلق موضوعاته من حياة الفقراء والناس في كدحهم وكدهم اليومي.  وقد ارتبطت هذه التجربة  بحركات التحرير في العالم الثالث ، وخاصة في فيتنام التي كان يقاوم أهلها الامبرياليون الفرنسيون ثم الاميركان وقد انتقلت التجربة الى  جامعة السوربون حيث الفكر الثوري المقاوم انذاك بزعامات عدد من المثقفين الكبار ، ومنهم جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار .. ومن خلال المسرح المتنقل او مسرح الشعب تظهر وتبرز معاناة الشعوب المضطهدة وما تقاسيه وتوضح كيفية محاربة التخلف والرجعية ، والاستعمار ، والامبريالية فيتحول كل شيء الى مسرح يتحول الشارع،  والحديقة ، والمقهى  ، والمصنع الى مسرح .
وهكذا لم يعد المسرح - كما كان حبيس اطاره التقليدي في الصالات الانيقة المضاءة والمزودة بالتقنيات المؤثرة - وصار المسرحيون يذهبون الى الناس في أماكن عملهم ولهوهم .
الدكتور سعدي يونس بحري العراقي الموصلي إبن الرحالة ، والمذيع ، والصحفي الاسطورة (يونس بحري)  جاء بغداد وجال في 11 محافظة وقدم تجربته من خلال بضعة اعمال مسرحية منها "الاستعراض الكبير " و"الدربونة " و"يوميات مجنون " و"بنادق الام " لبريخت .وقد تخطى كل الصعوبات التي جابهته وفرقته سواء في تنقلاته أو نقل الممثلين أو صنع الديكور .كان يستخدم قاعات المدن العراقية البسيطة ويحورها ليجعلها صالحة للعرض المسرحي ..كان يستهدف الشباب والجمهور بأوسع نطاق ؛ فوجد الاصغاء ، ووجد التجاوب الكبير،  والتفاعل معه . يقول الدكتور سعدي يونس بحري :" لقد وقف جمهور مدينة الثورة (الصدر الان ) في بغداد الذي يبلغ عدده ألفا ومائتي مشاهد بعد انتهاء عرض المسرحية في يومها الاول ، وقف بأجمعه لعدة دقائق يصفق ويهتف فرحا لممثلي المسرحية ، والحق ان في هذا ما يبعث التفاؤل في نفوس العاملين في المسرحية ..فما أجمل ان تمثل امام جمهور كبير يتألف من العامل ، والجندي ، والفلاح ، والموظف ، والسائق ، وصباغ الاحذية وهم يصفقون لك ويتفاعلون مع مسرحيتك ..." .
لقد كان جمهور المحافظات – يقول الدكتور سعدي يونس بحري – يتميز بحساسية شديدة ، وتفهم عميق لافكار وحركات المسرحية ...ان مسرح الشارع ينطلق من البساطة ، والعفوية .. والعمل الجماعي هو الاساس فقد تظهر فكرة ما لدى اعضاء الفرقة المسرحية لتتبلور بمشاركة بقية أعضاء الفرقة  لتنميتها بالتدريج  الى مسرحية فيشارك بعد ذلك الجميع في صنع الديكور والانارة والمستلزمات المسرحية الاخرى .
في مسرح الشارع .. النص يخاطب الطبقات الكادحة وهو يعبر عن حياتهم .أما بالنسبة للتمثيل فيتطلب السيطرة التكنيكية الكاملة لمهنة الممثل وبالنسبة للاخراج ، فيعتمد على ايصال فكرة المسرحية الى الجمهور بطريقة فنية وبالتأكيد فإن سرعة تنقل مسرح الشارع وطبيعته تتطلب من المخرج استخدام مواد بسيطة وخفيفة قدر الامكان ليسهل حملها ونقلها من جهة ، ولتعبر من جهة اخرى عن البساطة الفنية التي يحتاجها فنان الشعب .غير ان المطلب الاول لمسرح الشارع هو الوجود الفعلي للفنان الثوري المستعد للتضحية في سبيل قضيته المشروعة .

كان يجب على المؤسسة العامة للسينما والمسرح ( العراقية  ) ان تعمق هذه الافكار ، وتدعو الى مهرجان سنوي للمسرح المتنقل الا ان ذلك –للاسف الشديد – لم يحصل .. وغدت تجربة الدكتور سعدي يونس بحري  تجربة متفردة  ويتيمة ، ولو انها انتشرت في بعض البلدان العربية من خلال تجربة كاكي في الجزائر ، والمسرح الريفي في مصر،  ومسرح الصديقي في  المغرب .. واتذكر ان الصديق الدكتور نجم الدين عبد الله  التدريسي في كلية الزراعة – جامعة الموصل انجز اطروحته للدكتوراه عن المسرح الريفي وقدم بعض التجارب في مجال مسرح الشعب  في الموصل مع زميله الاستاذ حسن فاشل رحمة الله عليه . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق