الخميس، 31 مايو 2018

العنتريات في مقاهي الموصل خلال شهر رمضان المبارك 


العنتريات في مقاهي الموصل خلال شهر رمضان المبارك 
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس -جامعة الموصل 
وقد ادركت في الاربعينات والخمسينات من القرن الماضي العنتريات تقدم في بعض مقاهي الموصل في شهر رمضان المبارك .كان الرجال يأتون الى المقهى بعد صلاة التراويح ، وغالبا ما يصطحبون اولادهم معهم ليعلمونهم اداب وسلوك الجلوس والاصغاء في المقهى .
ومن المقاهي التي كان يقدم فيها القصخون العنتريات مقهى السيد سعيد في رأس الكور والتي تملكها فيما بعد السيد حامد حياوي. وكات القصخون يجلس على أريكة عالية ويتحلق حوله الذين يريدون ان يسمعوه بعد ان ينقسموا الى فريقين متنافسين احدهما يحب بطولات عنترة والبعض الاخر يريد ان يعرف ماذا كان يفعل خصومه .
وكلمة القصخون تتألف من قطعين وهي كلمة فارسية فالقصة هي الحكاية وخون تعني الراوي اي راوي الحكاية ويبدأ القصخون برواية جزء من قصة البطل والشاعر العربي الجاهلي عنترة بن شداد وهو من شعراء المعلقات ومطلع معلقته :
هل غادر الشعراء من متردم ***** أم عرفتَ الدار بعد توهم 
بمعنى ان الشعراء لم يتركوا صغيرة ولاكبيرة إلا وتحدثوا عنها وقالوا فيها شعرا 
ويتحدث القصخون كيف ان قوما قاموا بغزو اهل عنترة وهو عبد اسود فقال له والده الذي كان قد تبناه : " يا عنترة كر وانت حر " . وهكذا اظهر عنترة بطولة في مقاومة الغزاة وسرعان ما اصبح سيد قبيلته عبس وكان مرافقه شيبوب والقصة معروفة وتنتهي احداثها كما يرويها القصخون في نهاية شهر رمضان .
والقصخون كما ادركته كان لايتقيد بحرفية قصة عنترة بل غالبا ما يطعمها بقصص اخرى منها مثلا قصة ابو زيد الهلالي والسندباد البحري وتودد الجارية وقصة المياسة والمقداد وقصة خواتيم سليمان وافاعيل المردة .
أريد ايضا ان اقول ان القصخون كان يلبس في رأسه عمامة او اي لباس للرأس فالرجل حاسر الرأس لم يكن مقبولا انذاك ، وكان يلبس الزبون ويلتحف بعباءة سوداء وبيده كتاب الحكايات ، وكان يراعي ارتفاع الصوت وانخفاضه وعلامات الاستفهام والتعجب وكان - بحق - فنانا وممثلا يستطيع ان يجذب اليه المستمعين وكان خبيرا بالشعر يطعم الحكايات بأبيات من الشعر ونصوص من الامثال وهو يتحدث عن بطولات عنترة وبطولات ابو زيد الهلالي ومن حسن الحظ اننا نعرف مسلسلات تمثيلية سورية اوردت مشاهد عن القصخون وخاصة في حلب حيث ان هناك كثيرا من التشابه بين الموصل وحلب في العادات والتقاليد وكانت العنتريات مصدر متعة لمن يسمعها وكان المستمعون للعنتريات يتفاعلون وينفعلون مع ما يرويه القصخون .
كانت اجواء المقاهي مريحة ، ولاتكاد تسمع الا قرقرة النراكيل وترى منظر السماورات واقداح الشاي مصفوفة بتناسق وانتظام في صدر المقهي ورائحة الشاي الذي كان يصنع على الفحم فتشم رائحته الزكية كما ان كبار السن كثيرا ما كانوا يستنشقون البرنوطي وهكذا الاجواء كانت جميلة .
من النكات التي تروي ان القصخون وهو يحاول ان ينهي العنتريات في نهاية شهر رمضان سأل الجالسين فيما اذا كان لديهم سؤالا فقام رجل امي وسأل القصخون هل ان عنترة رجل ام امرأة فضحك الجالسون وتلك تعبر عن حجم الجهل السائد في تلك الايام .
للاسف الشديد بدأت فعالية العنتريات تنحسر مع دخول الغرامافون ثم الراديو والتلفزيون والان الانترنت فلم يعد احدا يهتم للعنتريات التي كانت ايام الاحتلال البريطاني تطعم ببعض العبارات التي تدل على المقاومة والتذمر من المحتلين الانكليز وغالبا ما كان الوطنيون المشتغلون بالحركة الوطنية يطلبون من القصخون ان يُدخل عبارات واحداث تعبر عن مواقفهم السلبية من المحتلين الانكليز وظلمهم واستبدادهم .
تلك هي قصة العنتريات التي كانت تجد لها مكانا في حياة الموصليين وخاصة في شهر رمضان المبارك .رمضانكم كريم ومبارك وصيامكم مقبول ان شاء الله . 
الحلقة متاحة على اليوتيوب والرابط :http://www.watanhor.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق