الجمعة، 4 مايو 2018

كلمة التاريخ في دور وموقف المرجعية الدينية في العراق




كلمة التاريخ في دور وموقف المرجعية الدينية في العراق
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس -جامعة الموصل 
وانا طالب في قسم التاريخ بكلية التربية -جامعة بغداد بين سنتي 1964-1968 كنت وجها لوجه امام المرجعية الدينية (الشيعية ) في العراق .وقد كنتُ وزملائي في قسم التاريخ وخاصة من الموصل امام حالة جديدة لم نكن نألفها ونحن طلابا في الثانوية في الموصل حيث لم نكن نسمع كثيرا عن دور كبير لرجال الدين او لنقل علماء الدين .. كما لم نعتاد على خطب سياسية او خطب تعتمد المنطق والفلسفة السياسية في المحاججة وكثيرا ما كنا نسمع ونعجب بخطب الدكتور أحمد الوائلي كان هذا قبل نصف قرن .
وعندما بدأنا ندرس على يد اساتذة للتاريخ كبارا ومنهم استاذنا الدكتور عبد الله الفياض ، وهو من كان يحمل شهادتي اختصاص في التاريخ الاسلامي ( التعليم عند الائمة الاثني عشر ) والتاريخ الحديث ( ثورة 1920 الكبرى في العراق ) اخذنا نتعرف على كثير من التفاصيل عن المرجعية الدينية والتقليد والفتاوى والتي كنا نسمع ان علماء الدين السنة لم يكونوا يألفونها وكانوا تقليديين لاسيما وان باب الاجتهاد عندهم كان مغلقا منذ القرن الرابع الهجري -العاشر الميلادي .
على اية حال اخذنا نعرف الكثير عن المرجعية الدينية الشيعية ودورها السياسي وكان المرجع الاعلى في زماننا هو السيد محسن الحكيم وكنا نرى صورته مع عدد من رجالات الحكم ومنهم رئيس الوزراء في الستينات من القرن الماضي الفريق طاهر يحيى . وقبل ذلك كنا نسمع عن موقف سياسي للمرجعية من المبادئ والافكار الشيوعية وتحريمها .
وعندما درسنا مادة تاريخ العراق المعاصر ، وقفنا على الدور التاريخي للمرجعية الدينية العراقية في كربلاء والنجف الاشرف في تأجيج الثورة العراقية الكبرى 1920 وفي مقاطعة انتخابات المجلس التأسيسي ( البرلمان ) ، وفي المقاومة العراقية للاحتلال والانتداب البريطانيين .
المرجعية الدينية ببساطة تعني رجوع المسلمين الشيعة إلى من بلغ رتبة العلم والاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية، المجتهد من أصبح مؤهلاً لمنصب الإفتاء و يعبّر عنه بـ (المرجع الديني) أو (آية الله العظمى) في المصطلح الشيعي،والفقيه المجتهد هو المسؤول عن بيان الحكم الشرعي الذي يحتاج الناس معرفته في عباداتهم ومعاملاتهم .لذلك يرجع الشيعة إلى المراجع أو مراجع التقليد لمعرفة الأحكام الفقهية وقد يتسع الامر ليشمل كل مناحي وتفاصيل الحياة .والمرجعية مؤسسة لها نفوذها الديني والاقتصادي من خلال الخمس والاجتماعي من خلال التأثير والسياسي من خلال إبداء المواقف تجاه بعض الامور ومنها مثلا البيان الذي اصدرته اليوم الجمعة 4-5-2018 بشأن الانتخابات البرلمانية ودعوة الناس الى حسم امرهم واختيار الصالح واليوم المرجعية الدينية في العراق ومنذ 2003 على الاقل توجه بياناتها وتوجيهاتها الى العراقيين كافة وتدعو الى تأكيد اللحمة بين العراقيين .
وتاريخ نشأة المرجعية يرجع الى القرن الرابع الهجري -العاشر الميلادي (329 هجرية ) اي بعد انتهاء عصر الظهور وابتداء الغيبة الكبرى وطبيعي انا لااستهدف الحديث عن تفاصيل شرائط المرجعية وقضايا التقليد ؛ فلهذا حيز آخر لكن لابد ان اقول ان المرجعية الدينية العراقية لاتؤمن ب ( نظرية ولاية الفقيه ) ولاتلتزم بها وانما هي تدعو الى ان تكون الحكومة مدنية تمثل وتعمل من اجل جميع المواطنين ودون ان يكون تدخل المرجعية في الشأن السياسي مباشرا . وقد عبر المرجع الاعلى السيد علي السيستاني الذي خلف استاذه ابو القاسم الخوئي في زعامة الحوزة العلمية في النجف سنة 1992 عن ذلك مرات عديدة وفي مناسبات كثيرة واصبح ذلك واضحا لكل العراقيين ولكل العالم .
لقد تصدى لزعامة المرجعية الدينية في العراق عدد من المجتهدين وابتداءً من محمد بن يعقوب الكليني ، محمد بن يعقوب بن أسحاق الكليني الرازي ، المتوفي 329 هـ ، صاحب كتاب ( الكافي ) ، وعلي بن بابويه القمي ، أبو الحسين علي بن الحسين بن موسى القمي الصدوق ، المتوفي 329 هـ ، صاحب كتاب ( من لا يحضره الفقيه ) ،و محمد كاظم اليزدي ، المتوفي 1337 هـ ، صاحب الرسالة الفقهية الشهيرة : بـ ( العروة الوثقى فيما يعم به البلوى) ومحمد تقي الشيرازي، المتوفي 1338 هـ الذي كان له دور بارز في مقاومة المحتلين الأنكليز للعراق و شيخ الشريعة الأصفهاني، المتوفي 1339 هـ والذي تزعم الثورة العراقية الكبرى المسماة بـ (ثورة العشرين1920 ) و السيد محسن الحكيم ، المتوفي في 1390 هـ وقد كان له دور في الحركة السياسية في العراق ومن مؤلفاته القيمة : ( مستمسك العروة الوثقى وحقائق الأصول ) وأبو القاسم الخوئي ، المتوفي 1413 هـ ، زعيم الطائفة والحوزة العلمية ، وأستاذ الفقهاء والمجتهدين . من أبرز كتبه : معجم رجال الحديث و السيد علي الحسيني السيستاني، ،أمام الحوزة العلمية ، إلت إليه الزعامة بعد وفاة الإمام السبزواري . و من ابرز كتبه : ( فرائد الأصول) و(منهاج الصالحين ) . وكما هو معروف فإن المرجع الاعلى السيد علي السيستاني اختير من بين عدد من المراجع في العراق منهم السادة علي السيستاني واسحاق الفياض ومحمد سعيد الحكيم وبشير النجفي، وتم ترشيح السيد السيستاني ليكون المرجع الاعلى بسبب اعداد مقلدي هذا المرجع التي تفوق بنسب متفاوتة المراجع الآخرين.
يعيش المرجع الاعلى حياة بسيطة اقرب الى حياة التقشف ..داره متواضعة جدا وبسيطة وتقع داخل ازقة نجفية ضيقة وبدون اية مظاهر للابهة ؛ فدار السيد السيستاني على سبيل المثال -كما قال الصحفي الاستاذ معد فياض في جريدة الشرق الاوسط - وقد زارها ليست :" سوى حوش صغير تحتل غرفة صغيرة شماله، وقد تحولت الى مكتب المرجعية، بينما تتصدر الحوش غرفة كبيرة بعض الشيء خصصت لمجلس المرجع، حيث يستقبل زواره من جميع الفئات والطبقات بلا تمييز. أما سكنه وسكن عائلته فيقع في الطابق الاعلى من البيت، وقد تمت اضافة غرفتين مؤخرا ليستوعب البيت عائلة السيد " .
تمويل المرجعية يتم عن طريق الزكاة والخمس، أي ان يدفع كل شيعي خمس ارباحه للمرجعية، وللمرجع الحق في التصرف بهذه الاموال حسب الاحتياجات ، مثل بناء المساجد والمعاهد الدينية والمكتبات وتعميرها، وكذلك بناء المستشفيات والمراكز الصحية، وصرف الرواتب الشهرية لاساتذة الحوزة العلمية وطلبتها والانفاق على الفقراء وسد احتياجاتهم.
للمرجعية الدينية في العراق دور وموقف تجاه ما يقع في البلد وهاهي اليوم تؤكد انها تقف على مسافة واحدة من جميع المرشحين للانتخابات ، وانها تقول ( المجرب لايجرب ) ، وتدعو الى اختيار الاصلح ، وانها لاتدعم احدا ، ولاعلاقة لها بأي مرشح او كتلة . وهي تؤكد اهمية الانتخابات لضمان عدم عودة البلد الى الحكم الفردي لكنها تشدد على دور المواطن وضروة ان يُعمل عقله ويختار من يعتقد انه يمثله أحسن تمثيل .. كما ان المرجعية تؤكد دوما على محاربة الفساد والفاسدين وضرورة اختيار وجوه جديدة نظيفة ، وتؤكد على وحدة العراق ورفاهية شعبه .وقد اشار موقع وكالة انباء (الغد ) اليوم الجمعة 4-5-2018 على ان المرجع الديني الاعلى السيد علي السيستاني، وجه اليوم الجمعة، خطاباً غير مسبوق انتقد فيه سياسيين ومسؤولين لم يسمهم بسبب الاخفاقات السابقة واستغلالهم لموارد الدولة، وفيما حذر من عدم الوقوع في "فخاخ الفاشلين والمخادعين"، اكد على ضرورة اختيار الأكفأ.وقال المكتب الاعلامي للمرجع في بيان صحفي، نشر على موقعه الالكتروني واطلعت عليه "الغد برس"، انه "مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية يسأل الكثير من المواطنين الكرام عن موقف المرجعية الدينية العليا من هذا الحدث السياسي المهم، وبهذا الصدد ينبغي بيان أمور ثلاثة".
وبين "لقد سعت المرجعية الدينية منذ سقوط النظام الاستبدادي السابق في ان يحلّ مكانه نظامٌ يعتمد التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة عبر الرجوع الى صناديق الاقتراع، في انتخابات دورية حرّة ونزيهة"
واضاف "ومن هنا أصرّت المرجعية على سلطة الاحتلال والامم المتحدة بالإسراع في اجراء الانتخابات العامة لإتاحة الفرصة امام العراقيين لتقرير مستقبلهم بأنفسهم، من خلال اختيار ممثليهم المخولين بكتابة الدستور الدائم وتعيين اعضاء الحكومة العراقية". واشار البيان الى انه "وبعد مرور خمسة عشر عاماً على ذلك التاريخ لا تزال المرجعية الدينية عند رأيها من ان سلوك هذا المسار يُشكّل ـ من حيث المبدأ ـ الخيار الصحيح والمناسب لحاضر البلد ومستقبله، وانه لا بد من تفادي الوقوع في مهالك الحكم الفردي والنظام الاستبدادي تحت أي ذريعة او عنوان".
واستدرك "ولكن من الواضح ان المسار الانتخابي لا يؤدي الى نتائج مرضية الا مع توفر عدة شروط، منها: أن يكون القانون الانتخابي عادلاً يرعى حرمة اصوات الناخبين ولا يسمح بالالتفاف عليها". وتابع "وأن تتنافس القوائم الانتخابية على برامج اقتصادية وتعليمية وخدمية قابلة للتنفيذ بعيداً عن الشخصنة والشحن القومي او الطائفي والمزايدات الاعلامية".واكدت المرجعية في البيان على "منع التدخل الخارجي في أمر الانتخابات سواء بالدعم المالي أو غيره، وتشدد العقوبة على ذلك".
وركزت على "وعي الناخبين لقيمة اصواتهم ودورها المهم في رسم مستقبل البلد فلا يمنحونها لأناس غير مؤهلين ازاء ثمن بخس ولا اتّباعاً للأهواء والعواطف او رعايةً للمصالح الشخصية او النزعات القَبلية او نحوها".وحملت المرجعية كبار المسؤولين "الاخفاقات التي رافقت التجارب الانتخابية الماضية، من سوء استغلال السلطة من قبل كثير ممن انتخبوا او تسنّموا المناصب العليا في الحكومة، ومساهمتهم في نشر الفساد وتضييع المال العام بصورة غير مسبوقة، وتمييز أنفسهم برواتب ومخصصات كبيرة، وفشلهم في اداء واجباتهم في خدمة الشعب وتوفير الحياة الكريمة لأبنائه".
واضاف البيان ان هذه المعطيات "لم تكن الا نتيجة طبيعية لعدم تطبيق العديد من الشروط اللازمة ولو بدرجات متفاوتة عند اجراء تلك الانتخابات، وهو ما يلاحظ بصورة او بأخرى في الانتخابات الحالية أيضاً، ولكن يبقى الامل قائماً بإمكانية تصحيح مسار الحكم وإصلاح مؤسسات الدولة من خلال تضافر جهود الغيارى من ابناء هذا البلد واستخدام سائر الاساليب القانونية المتاحة لذلك".
ولفت الى ان "المشاركة في هذه الانتخابات حق لكل مواطن تتوفر فيه الشروط القانونية، وليس هناك ما يُلزمه بممارسة هذا الحق الا ما يقتنع هو به من مقتضيات المصلحة العليا لشعبه وبلده".وأردف "نعم ينبغي ان يلتفت الى ان تخليه عن ممارسة حقه الانتخابي يمنح فرصة اضافية للآخرين في فوز منتخبيهم بالمقاعد البرلمانية وقد يكونون بعيدين جداً عن تطلعاته لأهله ووطنه، ولكن في النهاية يبقى قرار المشاركة او عدمها متروكاً له وحده وهو مسؤول عنه على كل تقدير، فينبغي أن يتخذه عن وعي تام وحرصٍ بالغٍ على مصالح البلد ومستقبل ابنائه".
واشار الى ان "المرجعية الدينية العليا تؤكد وقوفها على مسافة واحدة من جميع المرشحين ومن كافة القوائم الانتخابية، بمعنى أنها لا تساند أيّ شخص أو جهة أو قائمة على الاطلاق، فالأمر كله متروك لقناعة الناخبين وما تستقر عليه آراؤهم بعد الفحص والتمحيص".وشددت الم رجعية على انه "من الضروري عدم السماح لأي شخص او جهة باستغلال عنوان المرجعية الدينية أو أيّ عنوان آخر يحظى بمكانة خاصة في نفوس العراقيين للحصول على مكاسب انتخابية، فالعبرة كل العبرة بالكفاءة والنزاهة".
واكدت على ضرورة " الالتزام بالقيم والمبادئ، والابتعاد عن الاجندات الاجنبية، واحترام سلطة القانون، والاستعداد للتضحية في سبيل انقاذ الوطن وخدمة المواطنين، والقدرة على تنفيذ برنامج واقعي لحلّ الأزمات والمشاكل المتفاقمة منذ سنوات طوال". ونصحت المرجعية الناخبين بأن التمييز بين المرشحين يكون عن طريق "الاطلاع على المسيرة العملية للمرشحين ورؤساء قوائمهم، ولا سيما من كان منهم في مواقع المسؤولية في الدورات السابقة لتفادي الوقوع في شِباك المخادعين من الفاشلين والفاسدين، من المجرَّبين أو غيرهم".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق