الجمعة، 25 مايو 2018

الشيخ بشير الصقال 1907-1986 ا.د.ابراهيم خليل العلاف


الشيخ بشير الصقال 1907-1986
ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس – جامعة الموصل
قلناها ، ونقولها دائما نحن جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، قد كنا محظوظين عندما عاصرنا طليعة من رواد عراقيين بارزين في حقل اللغة والادب والتاريخ والطب والجغرافية والفن.. تعرفنا على بدر شاكر السياب، ومصطفى جواد، وجواد سليم، وابراهيم شوكت، ومهدي المخزومي، وكمال السامرائي وفاضل حسين وعبد القادر احمد اليوسف وبهجت الاثري وسالم الالوسي وغيرهم كثيرون ممن اثروا المشهد الثقافي والفكري في عراقنا العزيز .
وفي مدينتنا  الحبيبة الموصل تعرفنا على عدد كبير من الرموز منهم الشيخ محمد صالح  افندي الجوادي  ، و الشيخ بشير الصقال،  والشيخ عبد الله الاربيلي والاستاذ  الشيخ رشيد الخطيب والاستاذ عبد الرحمن صالح، والاستاذ احمد الصوفي، والدكتور داؤد الجلبي، و الدكتور فيصل دبدوب والاستاذ سعيد الديوه جي والدكتور محمد صديق الجليلي والفنان التشكيلي الاستاذ نجيب يونس  رحمهم الله جميعا.. ومن لم نذكرهم كثيرون، فأرض العراق معطاء وولودة، وأبناء العراق بناة حضارة ورواد أمجاد.
واليوم حين نستذكر في هذا اليوم الرمضاني المبارك  شيخا جليلا، وعالما جهبذا ، وهو الشيخ بشير الصقال، فان هدفنا ان نضع أمام أبنائنا صورة لرجل نذر نفسه، وأوقف جهده لخدمة الاسلام .
وحسنا فعل تلميذنا النجيب  الدكتور (مجول محمد محمود جاسم) حين كتب رسالته للماجستير بأشراف الاخ  الدكتور نمير طه ياسين عن علماء الدين الاسلامي في الموصل ومواقفهم تجاه أبرز القضايا الوطنية والقومية ( 1921-1958) ونوقشت في قسم التاريخ بكلية التربية  سنة (2001) وكان لي  شرف رئاسة لجنة المناقشة.

ولد الشيخ بشير بن احمد بن عز الدين الصقال في مدينة الموصل سنة 1907. ومنذ طفولته أظهر رغبة شديدة في التوجه نحو كتاب الله العزيز ودراسته. وكان من أساتذته الشيخ صالح الجهادي، والشيخ داؤد الوضحة، والشيخ عبد الله النعمةدخل الكتاب كعادة اطفال المدينة، وقرأ القرآن الكريم على السيد عبد الله البحراني وبعد أن تعلم القراءة والكتابة انتقل إلى المدرسة العثمانية الأميرية، وواصل فيها الدراسة حتى الصف السادس الابتدائي، ثم تركها ليلتحق بحلقات الشيوخ من علماء الموصل للحصول على العلوم الشرعية، فدرس على الشيخ  أحمد حميد الحمداني المعروف بالمسدّي  وهو والد زميلنا الدكتور سالم الحمداني رحمه الله ، وعلى الشيخ صالح الجهادي الشهير بالبربر والسيد داود الوضحة، واتصل بعد ذلك بالشيخ محمد الرضواني ولازم حلقة الشيخ   عبد الله النعمة  ، وقرأ عليه العلوم النقلية والعقلية واللغة العربية وأخذ عنه الاجازة العلمية  في احتفال كبير كما جرت العادة حين تمنح الاجازات العلمية سنة 1930 م .

اشتغل مدرساً (1933) في المدرسة الأحمدية الدينية، وعيّن خطيباً في السنة ذاتها في جامع الأغوات، وقد حظي الشيخ بشير الصقال بشهرة كبيرة واحبه الناس وكان هو مع الناس في الموصل في كل صغيرة وكبيرة يحس بمشاكلهم ويعمل على مساعدتهم .
ومن الطريف ان نشير الى ان الاحتفال بإجازته كان في دار المجاهد الوطني والقومي الاستاذ  محمد رؤوف الغلامي..  عمل  مدرسا في جامع النبي الله يونس سنة 1933، كما عمل مدرسا في المدرسة الفيصليةالدينية وتولى مهمة خطبة الجمعة في جامع الاغوات.
 عرف الصقال بنشاطه السياسي الوطني واسهم في مقاومة سلطات الحكم الملكي وخاصة في الاربعينات والخمسينات من القرن الماضي وقد اعتقل ونفي وفصل من خدمة التدريس فترة من الزمن. كان سباقا الى نصرة القضايا العربية وخاصة قضية فلسطين وحاول من خلال خطبه، ومحاضراته، وجريدته (البرهان) ان يدعو الى تماسك المجتمع، ومقاومة الرذيلة، ونشر قيم الحق والخير والعدل والفضيلة.
كتب المقالة في الصحف ونظم الشعر وللصقال كتب منها كتابه :  (اليقظة الاسلامية في العصر الحديث. وكتابه : (النفسية العسكرية في الاسلام) وهو بالاصل محاضرة ألقاها سنة 1935 في نادي الضباط في الموصل.
كان خطيبا مفوها. له أسلوب بليغ ومؤثر ومن سجاياه مساعدة طلابه ومؤاساة الناس والتخفيف من آلامهم وحين توفي في الاول من أب سنة 1986، شيعه جمهور كبير ورثاه العديدون من أصدقائه وتلاميذه رحمه الله.
.
وفي تدريسه كان الصقال يصطحب كتبه كطلابه، ويراجع الموضوع أو الباب الذي يّدرسه قبل عرضه على طلبته، ومن تلامذته الذين لهم اثر في الحياة الدينية والشرعية في مدينة الموصل: الشيخ محمد ياسين، والشيوخ محمد العمر، ومحمود حسن عكله، وعبد الرحمن أحمد المحمود، وإبراهيم نعمي ذنون، ونوري عبد الله، واكرم عبد الوهاب،. وجلس الصقال للوعظ في   جامع النبي جرجيس عصر يومي الاثنين والخميس من كل اسبوع وكان الناس  يتسابقون لحضور  مجلس وعظه لسماع ما يقوله الشيخ الصقال في الرد على اعداء الإسلام وكتب في صحف عديدة، محلية وعراقية وعربية في سوريا وفلسطين ومصر، وكانت مراسلات بينه وبين الكاتب النهضوي الكبير الامير شكيب ارسلان .
كان الشيخ بشير الصقال رجلا متنورا وقد اتبع خطى عدد من رجالات النهضة العربية امثال الشيخ عبد الرحمن الكواكبي والشيخ جمال الدين الافغاني والشيخ محمد عبده وخاصة في مجالات الدفاع عن الاسلام ضد مطاعن المستشرقين  وكان يرى ان هؤلاء المفكرين خدموا الاسلام اجل خدمة .
اجاز الصقال عدداً من طلبته الذين اخذوا العلم عنه، منهم االاساتذة محمد علي العدواني ، وشاكر النعمة، ومحمد ياسين ومحمد عمر الحديدي ونعمان حسين الموالي، وشمس الدين البدري ومحمود حسن عكله وعبد الهادي الحاج علي وإبراهيم خلف عنيز.

عمل قوطجيا (أي بائعا للشاي والسكر) لفترة في   باب   السراي ولم يكن الشيخ الصقال يمتهن  العلوم الدينية من اجل التكسب بل كان يعمل حاله حال كثير من الناس ، وكانت له هناك دكانا نعرفها جميعا .
ولم يمنعه هذا من ممارسة التدريس وكان يفضله على كل عمل لان التدريس يتيح له الفرصة كي يتواصل مع طلبته ومع العلم بصورة مباشرة
 والشيخ الصقال لم يكن منغلقا على نفسه منعزلا عن الناس بل كان على تماس يومي مباشر معهم وفي هذا المجال اسهم في تأسيس العديد من الجمعيات منها على سبيل جمعية البر الإسلامية، وكان في هذه الجمعية ميتم يقبل فيه سبعون طالباً من الطلاب اليتامى وصار رئيساً للجمعية بعد وفاة شيخه عبد الله النعمة.وكان كذلك  سكرتيرا  لجمعية الشبان المسلمين وله فيها مجلس يشرح فيها أحاديث صحيح البخاري، وقام بتأسيس فرع لجمعية الهداية الإسلامية في الموصل وعقرة وله كتاب اليقظة الإسلامية في العصر الحديث نشر في الموصل سنة 1988 وطبع بعد وفاته في مطبعة الزهراء . كما ان له كتاب  نشر سنة 1935 بعنوان ( النفسية العسكرية في الاسلام ) وهو بالاصل محاضرة طويلة القاها في نادي الضباط بالموصل .
يذكره اهل الموصل، من مسلمين ونصارى، بالخير ويكنون له الاحترام والتوقير
كان الصقال خطيباً وشاعراً،  وقد علمت ُ بأن الاستاذ  حسين محمد العلوي  قد جمع بعض قصائده  المنشورة في الصحف، وأضاف إليها ما خصه بها من قصائد، فتكون لديه مجموع أسماه (ديوان الصقال)  لايزال حبيس الرفوف ولم ينشر بعد .كما ان  كثيرا من خطبه ومقالاته لازالت مبعثرة في الصحف والمجلات تنتظر من يجمعها وتنتظر من يكتب عنه اطروحة دكتوراه فهو يستحق ذلك واكثر .
 


شعره لم يكن سوى رسائل اجتماعية ووطنية تركز على اهمية
استلهام التاريخ وبث روح القوة في  شباب العراق والأمة.

فمن شعره :
عصر الكلامِ تصرمتْ أوطاره
فغدا يجر وراءه   الانغاما
لو كان ينفعنا الكلام ُمنمقا
لملأتُ اذانَ الزمانِ  كلاما

ومن شعره الذي ورد في معجم البابطين لشعراء القرنين 19 و20  قصيدة بعنوان : ( كيف يُرجى ان نكون أعزة ؟ ) يقول فيها :
اتطلب شأنا بالتمائم والرقى
وغيركَ اسرى بالفنون وحلقا
وتختال زهوا اذ يقال تبجحا
سماوات هذا الشرق لن تتشققا
وتفخر فيما اذا عقلت لاوشكت
حاشاك على ماناب ان تتمزقا
اجزني اصارحك اليقين وانني
احق بأن احنوا عليك واشفقا
وكيف نرجي ان نكون أعزة َ
اذا لم نصح فيك ماراق أو رقى
ومن شعره قوله :
احبك ياحدباء والله شاهد محبة جسم روحه ساعة العسر
احبك حبا خالصاً من شوائب واهفوا الى ذكراك كالطائر القمري
ومهما يكن يادجلة من تهكم فأن اعتصامي لايهدد بالكسر
ترفّع في علياك كل مذمم ونالت بمسعاك العلا نُذُل العصر
واقصيت ياحدباء من كان همه خلاصك من ناب الطواغيت والشر
بكيت فاجريت العقيق مدامعاً كما بكت الخنساء حزناً على صخر
بكيت وماابكي على ضائع الثرى من المال، بل أبكي على ضائع العمر
وياسوء حظ الرافدين اذا خلا وصارت دعاة الجهل قائدة الفكر

كتبتُ عن الشيخ بشير الصقال عدة مقالات منها مقالتي الموسومة :( الشيخ بشير الصقال من رموز الاصلاح في الموصل ) ومنها مقالتي ( الشيخ بشير الصقال ودوره في حركة اليقظة الفكرية الاسلامية ) .ومن الطريف والجميل ان يكتب عنه عدد من اهلنا المسيحيين كتبوا عنه بحب وفخر .. وممن كتب عنه الاخ الاستاذ ماجد عزيزة والاخ الاستاذ بدري نوئيل يوسف .كانوا يرونه من ابرز علماء الموصل في القرن العشرين علما ، وخلقا ، وسلوكا وقالوا ان له اليد البيضاء في ترسيخ أسس التعايش الاجتماعي في الموصل
يروي الصديق الاستاذ ماجد عزيزة قصة فيها الكثير من العبر والمواعظ عن الشيخ بشير الصقال وهي اواخر الستينيات على مواقفه الوطنية نقل الى بلدة تلكيف وهو العالم الكبير وبلدة تلكيف انذاك بها مسجد صغير وعدة عوائل مسلمة فقط فإذا ببشير الصقال ينشىء مجلسا ادبيا ووطنيا كان من رواده رجال الكنيسة في تلكيف فلم يروق الامر للحكومة مما اضطرت معه الى اعادته الى الموصل.
وكتب الاستاذ  ماجد عزيزة  يقول  مقالة للأستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف استاذ التاريخ الحديث في جامعة الموصل وعنوانها:  (الشيخ بشير الصقال 1907 – 1986 من رموز الموصل في الإصلاح ) وأفاض في فضائل هذا العلامة الجليل وما قدمه من علمه لبلده ودينه الحنيف ومدينته العظيمة ، والعالم المؤمن الشيخ الصقال كان علامة من علامات الموصل هذه المدينة التي انجبت العلماء والأدباء وأعطت للعراق رموزا ما زال التاريخ يذكرها بفخر .. 
توقفت طويلا عند مقال الاستاذ العلاف ، وعادت بي الذاكرة الى طفولتي ، وأود هنا (وليسمح لي الفاضل الدكتور العلاف) ان اضيف فضيلة اخرى لفضائل هذا الشيخ العلامة،ففي بداية الستينات من القرن الماضي كان عمي الاب ( القس) ميخائيل عزيزة وهو يهم بالدخول الى المحلة التي كنا نسكنها (محلة الساعة) في الموصل ، تعرض لاعتداء من احد المغرضين ، حيث رمى عليه قشر رقي ( شمزي) فأصابته في كتفه ، لكنه لم يحرك ساكنا ، ولم ينبس ببنت شفه وسارع للدخول الى بيتنا دون ان يتكلم بشيء ، وصعد الى غرفته وركع يصلي لله القادر على كل شيء .
ويبدو ان احد ابناء المحلة شاهد العملية من شباك بيته فأوصلها الى الشيخ بشير الصقال ، وفي خطبة الجمعة ومن على المنبر وصوت الميكروفون يصل الى جميع انحاء الموصل صاح الشيخ الصقال رحمه الله : بالأمس قام احد الذين لا يمتون للإسلام بصلة بفعلة شنيعة ألمتنا جميعا نحن اهل الموصل ، حيث فعل كذا وكذا بالأب الفاضل والكاهن الوقور القس ميخائيل عزيزة ، ونحن هنا ومن هذا المنبر نعتذر لأخينا وأبينا العالم الكبير ، ونقول للفاعل : انك قد رميتنا شخصيا بما رميت به الاب عزيزة ، وعليك اينما كنت الآن ان تأتي معنا لزيارة بيت الاب ميخائيل عزيزة للاعتذار منه ، وبعد ساعة كان الشيخ الصقال ومجموعة من المصلين يقفون في باب بيتنا الذي يسكنه معنا عمي الاب ميخائيل ويعتذرون منه جميعا ، وعلى عادته ( رحمه الله) اعتذر هو من الشيخ الصقال على ما حصل وأزعجه ، ودخلوا بيتنا وجلسوا في غرفة ( الخطار ) ودارت استكانات الشاي وصحون ( الكليجة ) وكان الشيخ الصقال يجلس مع عمي القس ميخائيل في صدر الغرفة يتحادثان كأخوة وأهل
وفي يوم الاحد الذي تلا الحادثة والزيارة كان القس ميخائيل عزيزة يقف على منبر الوعظ في كنيسة مار كوركيس الكلدانية في شارع نينوى مقابل محلة خزرج وهو يقول : صلوا معي ايها المؤمنون ليعطي الله القدير الصحة والقوة 
لأخينا الشيخ بشير الصقال لأنه منارة من منارات الموصل(. 
يذكره اهل الموصل ، من مسلمين ومسحيين ، بالخير ويكنون له الاحترام والتوقير.
يا رب اعد تلك الايام السمحة والأخوية الى ربوع عراقنا العزيز وموصلنا الغالية .
هذا هو الشيخ الصقال  رحمه الله وجزاه خيرا على ماقدم .. وهذه هي اخلاقه  وهذه هي سجاياه وهذه هي اعماله التي نتذكرها ونذكرها للاجيال ، وارجو من كل علماء الدين في مدينتنا ومحافظتنا وخاصة من الشباب ان يقرأوا سيرة الشيخ بشير الصقال ويتعلموا منها ويسروا على نهجها ان ارادوا ان تكون لهم بصمة في هذه المدينة  المؤمنة الصابرة المحتسبة
رمضانكم كريم وكل رمضان وانتم بخير وبركة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق