الثلاثاء، 22 مايو 2018

قيمة الصوم 


قيمة الصوم 
ا.د. ابراهيم خليل العلاف 
استاذ التاريخ الحديث المتمرس – جامعة الموصل 
أولا اهنئكم احبتي الكرام بحلول شهر الصوم شهر رمضان المبارك.. شهر القرآن ، وشهر الرحمة ، وشهر جهاد النفس وشهر الكرم وكما تعلمون فإن الصيام يعني الامتناع عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس . 
واريد ان اقول هنا ان هناك حكما كثيرة وراء فرض الصوم ؛ فالصوم موجود عند جميع الاديان وعندما شرعه الله سبحانه وتعالى للمسلمين فإنه كان يريد ان يجعل الانسان قادرا على السمو بالروح الى عالم السمو والصفاء وكان يريد ان يجمع النفوس على العمل لله خالصا وان يحفزالانسان على توحيد جهوده مع غيره في سبيل الخير العام فيتعاون الغني والفقير والكبير والصغير والقوي والضعيف والمتعلم وغير المتعلم كل يقوم بواجبه لخير المجتمع ورفاهيته وسعادته . 
وطبيعي ان التعاون بين افراد المجتمع لايقوم الا اذا تغلب الانسان على اطماعه وانتصر على انانيته وضحى بأغرضه الذاتية في سبيل الغرض الاسمى وهو صلاح المجتمع ورقيه وتقدمه . 
والصوم منذ ان فرضه الله سبحانه وتعالى هو الوسيلة الكبرى لتأديب النفس وتهذيب الخلق وصفاء القلب وسمو الروح ومتى سمت الروح تحطمت الانانية وزال الطمع وتحقق التعاون .الصيام تطهير للنفس من ادرانها والصيام تغلب على الشهوات .
كما ان الصيام يساعد الانسان على ان يشعر بشعور الفقير المحتاج وبهذا يتعلم الكرم والكرم شجاعة والصيام اولا واخرا محاولة للتهذيب ومحاولة للتخلص من الانانية ومحاولة للسمو بالنفس الى الاعلى ومحاولة لتعويد الانسان على القناعة وكما يقول الشاعر :
والنفس راغبة اذا رغبتها 
واذا ترد الى قلي تقنع 
وصوم شهر رمضان ، هو واحد من الفرائض التي فرضها الله على المسلم والصيام ركن من أركان الإسلام الخمسة ، فرضه الله سبحانه على المسلم البالغ العاقل المقيم وغير المريض ، إذا لم تكن فيه الصفة المانعة من الصوم ، وهي الحيض والنفاس في النساء.
قال تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر * وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين * فمن تطوع خيراً فهو خير له * وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون )) ( البقرة آية 183 – 184 ) . 
وهناك أحاديث كثيرة عن الرسول حول الصيام منها مثلا هذ الحديث القدسي وهو ان الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم قال : (( قال الله عـزّ وجـلّ : كل عمل ابن آدم له إلاّ الصيام فإنه لي وأنا أجزي به . والصيام جنة ( أي وقاية ) وإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني أمرؤ صائم . والذي نفس محمد بيده لخلوف ( أي رائحة ) فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك .
وفي الاثر ان للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح ، وإذا لقي ربه فرح بصومه " . 
وقد فرض الصيام في المدينة المنورة في السنة الثانية من الهجرة وفي السنة التي فرض فيها الجهاد . فتوفي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وقد صام تسعة رمضانات .
ويقينا ان المسلمين سيبقون وحتى قيام الساعة ملتزمين بالصيام في شهر رمضان وبالشكل الذي فرضه الله سبحانه دون تغيير أو تبديل ، إيماناً منهم بأنه ركن من أركان الدين الإسلامي العظيم .
وهذا الصوم المفروض يعتبر الحد الأدنى المطلوب من المسلم إذا أداه فقد أبرأ ذمته وأسقط عنه الإثم .
لقد تحدث عدد من الاطباء ومنهم صديقنا الدكتور محمود الحاج قاسم الباحث والكاتب التراثي المعروف عن قيمة الصوم وقال :" لقد أثبتت التجارب والأبحاث الطبية الحديثة على أن الصوم لفترات قصيرة يزيد في قدرة الصائم العقلية والفكرية وقدم الكثير من النصائح وخاصة للطلبة الصائمين ومنها ضرورة الابتعاد عن السهر الطويل وعدم تضييع الوقت في عادات مضرة وما اكثرها في يومنا هذا ومنها العبث بالموبايل ، ولابد من تمكين الجسم من النوم الكافي واحترام القواعد الغذائية والصحية بالنسبة للافطار ومنها مثلا التعجيل بالافطار .. وكما قال الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم : (( لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطر )). 
وقد نصح الدكتور محمود الحاج قاسم أن يشرع بالإفطار شيئاً فشيئاً ، وأن لا يتناول الصائم كميات كبيرة من الماء والطعام في وقت قصير . والأفضل البدء بالتمر والحساء ( الشوربة ) ثم يكمل فطوره ويفضل الإكثار من الخضراوات . ومن السنّة عدم الإكثار من الطعام والشراب وعدم الزيادة عما اعتاده الصائم في غير رمضان ، وذلك لأن الإسراف في الإفطار يؤدي إلى انتفاخ المعدة وتلبك معوي بالإضافة إلى الشعور بالخمول والكسل نتيجة توجه قسم كبير من الدم إلى الجهاز الهضمي على حساب كمية الدم الوارد إلى المخ وهذا الشعور قد يدفع إلى النعاس والنوم . 
كما ونحذر من بدء الإفطار بالمنبهات ( المشروبات الغازية والشاي والقهوة ) أو بالتدخين .
ولابد من التحذير من الإفراط في تناول الشاي والقهوة طوال السهرة لأنها ترهق الصائم وتحد من إنتاجه .
وبالنسبة للسحور ، لابد من تناول السحور فالسحور ضروري لأن فيه إضافة للأجر قوة للصائم على تحمل تعب النهار ، كما واكد على ضرورة تأخيره لأن في ذلك فائدة طبية إضافة لكونه تطبيق لسنته صلى الله عليه وسلم كما سبق ذكره . 
وثمة نقطة مهمة قد ينساها البعض ان الاباء والاجداد كانوا يعمدون الى تدريب الاولاد على الصوم وذلك بمباشرة الصوم قبل حلول رمضان بشهر بمعدل يوم في الأسبوع . وديننا الحنيف يدعو لذلك إذ ينصح بالصوم خلال الشهر الذي يسبق شهر رمضان ، وبذلك تكون أجهزة جسمه قد اعتادت على الصوم ولن يكون صوم شهر رمضان عبئاً ثقيلاً .. 
يقول صلى الله عليه وسلم (( الصيام ُجنة )) أي وقاية وحصانة ، فهو يقي صاحبه مما لا ينبغي له ولا يليق به ، وقد تدعوه دواعي الإثارة والغضب إلى أن يفعل ما لا يحسن أو أن يقول ما لا يجمل به ، ولكنه بصومه يتوافر له زاد روحي معنوي نفسي ، يكون له سنداً ومدداً اليوم خلال حياته الدراسية وغدا في مستقبل حياته العملية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق