الأحد، 20 مايو 2018

إستقبال  شهر رمضان في الموصل

إستقبال  شهر رمضان في الموصل
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس جامعة الموصل
في الاربعينات والخمسينات ، وانا اتحدث عن نفسي كان ثمة وعظ في الجامع عصرا وكنت احضر الوعظ اما في جامع الشيخ عبدال او في جامع الباشا .
وكان ممن يعظ بيننا الشيخ عمر النعمة او الشيخ بشير الصقال رحمهما الله ونعود الى البيت بعد انتهاء الوعظ ..كنت اتمتع بسماع كلمات الوعظ تلك وكان الجامع يمتلئ بمرتاديه ، وكان الشيخ يجلس على كرسي خاص ونتحلق حوله وغالبا ما كان موضوع الوعظ يدور حول قضية اجتماعية او تفسير لاية قرانية
شهور الله كلها مباركة ..... الا ان شهر رمضان المبارك له نكهة خاصة ، ليس في مدينة الموصل وحسب بل وفي كل المدن الاسلامية ...فالناس يحتفون بقدوم رمضان ، ويهنئ بعضهم بعضا ، ويبدأون في تهيئة المستلزمات استعدادا للصيام لذلك تزدهر الاسواق ، ويتزاحم الجميع على شراء المأكولات ، والمشروبات ، والعصائر، والحلويات .
: شهر رمضان المبارك شهر الايمان ، شهر الاسلام ، شهر الجهاد ، شهر المواساة ، شهر يزداد فيه رزق المؤمن، الشهر الذي فيه من الاحداث والوقائع الكثيرة مثل بدر الكبرى ونزول القرآن الكريم وسواها من الاحداث الجسام التي طرزت تاريخ الاسلام في هذا الشهر الذي هو افضل الشهور على الاطلاق وفيه ليلة هي افضل الليالي حيث انزل الله تعالى دستور الامة وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل  من بين يديه ولا من خلفه، بهذه وتلك يمتاز هذا الشهر المبارك عن غيره فكان له الاثر في نفوس المؤمنين فاعطوه حقه ومستحقه وكانوا لا يزالون يستقبلونه بقلوب مفعمة بالايمان. 
وغالبا ما يأتي رمضان في الصيف الحار ومن هنا جاء اسمه فرمضان من الرمضاء والرمضاء ( الحر ) ..ورمضاننا هذا لم تشهد الموصل مثله الا قبل 33 سنة فيومه طويل ، وجوه حار، ومعاناته كبيرة ، والاجر على قدر المشقة .
يجري الترحيب بقدوم هذا الشهر المبارك في عشاء آخر الجمعة الأخيرة من شهر شعبان ، إذ يجتمع عدد من المصليين في الجوامع قبيل صلاة العشاء للترحيب بشهر رمضان على المنائر وحول القباب وأسطح الجوامع والمساجد إعلاماً بقرب قدوم هذا الكريم ، ويصدح بعض القراء والمداحين بالتمجيد والتهليل والتكبير وإنشاد بعض المدائح النبوية الشريفة على ضرب الدفوف وأضوية الفوانيس و(اللوكسات) (قبل شيوع الكهرباء) ثم يبدأ أحد القراء بالترحيب برمضان ويردد معه بعض الحاضرين  كما ينقل الينا ذلك  الكاتب التراثي الموصلي الاستاذ غانم الحيو في مجلة (الموصل التراثية ) : 
مرحباً مرحباً يا رمضـان يا شهر المغفرة والقـرآن
مرحباً مرحباً يا رمضـان يا شهر الطاعـة والغفران
مرحباً مرحباً يا رمضـان يا شـهرالتسابيح والإيمان
مرحباً مرحباً يا رمضـان يا شـهرالعتق من النيران
مرحباً مرحباً يا رمضـان يا شهرالتراويح والإحسان
بعدها يرفع أذان العشاء فينزل الجميع لأداء صلاة العشاء ، ومن خلال هذه الترحيبات الإيمانية تبرز أصواتاً عذبة طرية من افواه الأطفال المرحبين ليعطيها طعما إيمانيا لطيفا، فالكل فرحون مستبشرون بشهر رمضان الخير. وعادة في خطبه آخر جمعة من شعبان يركز خطباء الجوامع على أهمية شهر رمضان والحث على صيامه وقيامه موضحين ماله من الأجر والثواب والفضيلة شارحين أحكامه العامة.
في رمضان يتبادل الناس التهنئة .. وفي وقتنا الحاضر أصبح الهاتف الجوال اي (الموبايل) يرن بين الفينة والاخرى وعندما تفتحه تجد التهاني برمضان تترى من الاصدقاء والاقرباء والمحبين ..  وكذلك هناك الماسنجر في الانترنت والفيسبوك وغير ذلك من وسائل الاتصال المجتمعي التي اصبحت هي سيدة الموقف في زماننا هذا .
ومما ينبغي هنا ان نلاحظه هو العبارات الجاهزة للتهنئة مما ينبغي ان نذكر بضرورة ان تكون التهنئة بعبارات صادقة يكتبها المحب بنفسه لمحبه وصديقه حتى تأخذ طريقها الى القلب هذا ما اشعر به انا نفسي فقد اتحمس للرد على تهنئة صادقة بلغة من يرسلها وبأسلوبه اكثر مما أتحمس لتهنئة تعتمد " الكليشهات" الجاهزة والتي غالبا ما ترسل بالصيغة نفسها لكل الاصدقاء والمحبين .
المهم يبدأ رمضان بعد اقرار الهيئة الشرعية أو قاضي الموصل ثبوت رؤية دخول الشهر الفضيل ..كان الناس ينتظرون ان يعلن القاضي ذلك من خلال المذياع او التلفزيون .. وغالبا ما يتم الاختلاف فيصوم البعض اعتمادا على ما اعلنه مفتي السعودية في حين يلتزم الاخرون بما يعلنه قاضي العراق .وكان في الستينات  وما بعدها وما بعدها السيد عبد الرزاق ابراهيم .
 ومنذ اكثر من الف واربعمائة سنة يختلف المسلمون هنا وهناك بشأن بدء الصوم ونهايته وحجتهم ليست الحسابات الفلكية الدقيقة ، ونتائج الاجهزة العلمية وانما لابد ان يروا الهلال بأعينهم المجردة أو أن يرى احدهم او بعضهم الهلال "فمن شهد منكم الشهر فليصمه " .. وقد جاء في الاثر :" صوموا لرؤيته ..وأفطروا لرؤيته " .
ومن الواضح ان رؤيته المنصوص عليها في الاثر غير مشروطة بعدم استعمال الاجهزة العلمية ومن البديهي ان صيامنا سوف لن يكون باطلا اذا رأينا هلال رمضان من خلال التلسكوب.. ومهما يكن من امر فهي - كما قال احد الكتاب - معركة كل عام والحمد لله فأن الجميع في هذه السنة قد اتفق على بدء الصوم وكان بالضبط يوم الثلاثاء الاول من رمضان 1434 هجرية الموافق لليوم التاسع من شهر تموز سنة 2013 ميلادية ..
كما هو معروف ومن خلال السجلات التاريخية،  فأن القاضي في مصر كانت له دكة  تسمى (دكة القضاة )  بجبل المقطم في القاهرة  وهذه الدكة كانت ترتفع عن المساجد من اجل استطلاع هلال رمضان .
وبعد رؤية الهلال تقام الاحتفالات .. وثمة روايات كثيرة عن مراسيم هذه الاحتفالات في الموصل وغيرها من المدن الاسلامية وغالبا ما يحضر تلك الاحتفالات الولاة والقضاة وفقهاء المدن ومشايخ الاصناف والحرف والنقباء والاهالي وكان لسان حال الجميع يردد " ياامة خير الانام ..صيام ..صيام في بغداد أو الموصل او القاهرة او غيرها من المدن الاسلامية كان هو من يخرج لرؤية الهلال او ان يجلس ليأتيه الشهود .
في الموصل وفي آخر  شهر شعبان يخرج بعض الشيوخ والرجال الى اطراف الموصل تحريا لميلاد شهر رمضان ، بعد صلاة المغرب وبخاصة في منطقة (البوسيف) فاذا ما شاهدوا الهلال قفلوا عائدين الى القاضي الشرعي في المحكمة للادلاء بشهادتهم واعلان بداية شهر رمضان ، فيكبر المؤذنون في الجوامع ويرحبوا برمضان بقولهم:  (مرحبا مرحبا يا رمضان.....  يا شهر الطاعة والتراويح والغفران) وغيرها من عبارات الترحيب . وتطلق بعض العيارات من المدفع قرب الجسر القديم لاعلام الناس برؤية الهلال .
رمضان مبارك ............وصيام مقبول ان شاء الله

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق