الأحد، 20 مايو 2018

مدفع رمضان في الموصل 



مدفع رمضان في الموصل
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس –جامعة الموصل
ويرتبط شهر رمضان المبارك في ذاكرتنا ، ومنذ كنا اطفالا صغارا في الاربعينات من القرن الماضي ، بمدفع رمضان وكنا نسميه ( الطوب ) والطوب كلمة تركية تعني المدفع وكنا نشاهده بالقرب من حديقة الشعب في الجانب الايسر من نهر دجلة ومقابل مقهى البلدية .كان ينصب قبل حلول شهر رمضان المبارك بيو او يومين وكان موقع الموصل العسكري مسؤولا عن ذلك ويكون موقعه - كما يقول اللواء الركن المتقاعد الاخ الاستاذ ازهر سعد الله العبيدي - في رأس الجسر الحديدي اي جسر نينوى او الجسر العتيق ويطلق الطوب ثلاث اطلاقات ايذانا بقدوم شهر رمضان حال اعلان ثبوت رؤية الهلال من المحكمة الشلرعية ..
وبعد دخول الصوم في ميقاته يطلق اطلاقة واحدة عند كل موعد افطار وسحور وامساك ويحلو للاطفال انتظار سماع الطوب يوميا وخاصة عند الافطار وكان ذلك قبل استخدام مكبرات الصوت في المساجد والجوامع .
كان الاطفال يقفون حتى يسمعوا صوت الطوب في تقاطع الازقة وعلى ارصفة الشارع القريب من محلتهم لسماعه وبعد سنوات صارت المآذن تنار بالكهرباء ويرفع اذان المغرب فيركض الاطفال الى البيت بعد ان سمعوا صوت الطوب والاذان الى البيوت وهم يتراكضون ويصيحون :اذن اذن دق الطوب وفي الوقت نفسه كان المؤذنون يلوحون بعلم اخضر وهم يتحركون جيئة وذهابا حول القبب او في احواض المنائر ايذانا بموعد الفطور .
قد يسأل سائل وما قصة الطوب ولماذا ارتبط الطوب برمضان واجيب ان لذلك قصة ترتبط بمصر وهي ان والي مصر في العصر الاخشيدي كان يجرب مدفعا جديدا وصادف ذلك وقت غروب الشمس في اول يوم من شهر رمضان فظن الناس انه ينبههم الى حلول موعد الافطار وقد استحسنوا ذلك فأعجب الوالي بالفكرة واصدر اوامره بإطلاق مدفع الافطار يوميا وقت آذان المغرب وكانت القاهرة اول مدينة تنفذ فيها هذه الطقوس التي سرعان ما انتشرت الى معظم المدن العربية الاخرى .
وثمة رواية اخرى تقول انه اثناء تجربة فرقة في جيش الوالي المصري محمد علي باشا 1805-1848 لأحد المدافع التي استوردها من المانيا انطلقت قذيفة المدفع مصادفة مع وقت آذان المغرب في شهر رمضان وقد كان ذلك مصدر سعادة للناس من حيث ان اطلاقة المدفع تزامنت مع آذان المغرب واعتبروا ذلك مبادرة من الوالي لتعظيم شهر رمضان والاحتفاء به .. ومنذ ذلك الوقت قرر الوالي محمد علي استخدام المدفع في التنبيه وقت الفطور ووقت السحور .
وقيل ان هذه الحادثة وقعت في عهد الخديوي اسماعيل الذي اصدر اوامره في ادخال المدفع لغرض التنبيه تنبيه الصائمين الى وقت آذان المغرب .
وسرعان ما انتقل هذا التقليد من القاهرة الى مدينة القدس ثم الى دمشق فبغداد والموصل في اواخر القرن التاسع عشر ومع مطلع القرن العشرين وفي سنة 1907 طبق هذا التقليد في مدينة الكويت وانتقل الى اجزاء من الخليج العربي والمغرب العربي ودول اسلامية اخرى في جنوب شرقي اسيا ومها اندنوسيا سنة 1944 .
كان من الطبيعي ان يبحث الانسان عن أية وسيلة لإشهار ان وقت الفطور او ان وقت السحور قد حل . ومن هنا ابتدع المسلمون هذه الطريقة التي ابتدأت في القاهرة في القرن الرابع عشر الميلادي (865 هجرية ) .
لقد تحدثت بعض المصادر عن ان الحاجة فاطمة إبنة الخديوي اسماعيل ، وهي امرأة تقية تحب الخير ، سمعت بقصة انطلاق قذيفة المدفع خطأ وبالصدفة عند الفطور وسمعت حديث الناس في القاهرة عن هذا الامر وسرورهم بما حدثت فأمرت ولدها الخديوي اسماعيل ان ينفذ هذا التقليد ويجعله يوميا وهكذا ظهرت قصة اطلاق الطوب قذائف في اوقات الفطور واوقات السحور.
ومهما يكن من أمر ، فما حدث جميل والى يومنا هذا الاطفال والناس يستبشرون بنصب المدفع ويقومون بزيارة موقعه عن الجسر العتيق ، وينتظرون موعد اطلاق قذائفه ومن بعد ذلك يعودون الى بيوتهم ليستأنفوا الفطور .
تلك ايام جميلة قد خلت نتمنى لكم صياما مقبولا ودعاءَ مستجابا والى لقاء .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق