الجمعة، 28 يوليو، 2017

الزعيم الركن محي الدين عبد الحميد ا.د. ابراهيم خليل العلاف


الزعيم الركن محي الدين عبد الحميد 
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس -جامعة الموصل 
سألني عنه أمس الصديق آصف سليمان ، واراد ان يعرف تاريخ ولادته ووفاته .الزعيم الركن محي الدين عبد الحميد وصورته التي انشرها الى جانب هذه السطور ربما تكون اول مرة تنشر فيها صورته في شبكة الانترنت ، هو من رجالات ثورة 14 تموز 1958 في العراق .. كان عضوا في تنظيم الضباط الاحرار السري . وقد تولى بعد الثورة مناصب قيادية عسكرية ومدنية لعل ابرزها توليه في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة 1958-1963 منصب وزير المعارف (التربية ) ثم منصب وزير الصناعة .
الزعيم (العميد ) الركن محي عبد الحميد من مواليد العاصمة بغداد سنة 1914 وقد أتم الدراسة الثانوية فيها ، ودخل الكلية العسكرية العراقية وتخرج فيها برتبة ملازم ثان سنة 1936 . خريج كلية الاركان .. التحق اثناء ممارسة اعماله العسكرية بكلية الحقوق ببغداد وتخرج فيها سنة 1951 .اشترك في دورات عسكرية مختلفة في العراق وانكلترا وشمال افريقيا .تقلب في مناصب عسكرية مختلفة ، ومناصب ركن عديدة في مقرات الفرق ودوائر الاركان العامة وعين ملحقا عسكريا في عمان بالاردن .
أُختير لكفاءته وتميزه استاذا في الكلية العسكرية ، ثم اصبح آمرا لها وبعد فترة عاد الى العمل الميداني العسكري فعين رئيسا لأركان الفرقة المدرعة الرابعة ، وتسلم قيادة الفرقة يوم ثورة 14 تموز 1958 .
في السابع من شباط سنة 1959 ، عين وزيرا للمعارف .. وفي الثالث من مايس -ايار عين وزيرا للصناعة .في ( دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960) الذي حرره الاستاذ محمود فهمي درويش والدكتور مصطفى جواد 1961 ، كتب البحث الخاص بوزارة المعارف وفيه عرض لاول مرة في تاريخ العراق المعاصر الاسس والركائز التي تقوم عليها السياسة التربوية والتعليمية في العراق وكان بحثا ضافيا ورائعا يدل على سعة ثقافته ووضوح افكاره .
وعندما كتبتُ مقالا عن مجلة (المعلم الجديد ) العراقية ، وهي مجلة يرجع صدورها الى سنة 1935 وهي منشورة في (موقع الحوار المتمدن ) ، قلت انه بعد قيام ثورة 14 تموز 1958 ، وسقوط النظام الملكي وقيام جمهورية العراق استمرت المجلة بالصدور ولدي العددان (الجزءان ) السادس والسابع من المجلد الثاني والعشرين (حزيران –تموز 1959 ) وفي الافتتاحية كلمة ( لسيادة الزعيم الركن محي الدين عبد الحميد وزير المعارف ) بعنوان :" المعلم وثورة 14 تموز الخالدة " جاء فيها :" لو شئنا ان نعدد صانعي هذه الثورة الجبارة لكان المعلم من اوائل هؤلاء الصانعين ..لقد صنعها بصنعه للتفكير الثوري ، بتجسيد الحق والعدالة والخير للجيل ، بغرسه الامل بالمستقبل والايمان بالتاريخ السائر دائما الى الامام .وقد صنعها ايضا بصنعه لجيل الثائرين ..." .
ويذكر الاستاذ حسين علي عبد الله وهو يكتب مقالا في جريدة (المدى ) البغدادية عن الزعيم الركن محي الدين عبد الحميد : ان مجلة (الوادي ) البغدادية أجرت معه حوارا قال فيه :"ان العراق كان منقسماً الى اقلية حاكمة مستهترة بمصالح الناس، واكثرية محكومة حرمت من أبسط قواعد الإنسانية، اما الآن فقد انهار العهد الملكي البائد بتلك الضربة القاسية التي وجهها له الجيش باسم الشعب ومؤازرته تحت زعامة المنقذ عبد الكريم قاسم في فجر 14 تموز الخالد، فتغير بذلك نظام الحكم من وضعه الملكي الفاسد، وانبثقت من صميم ارادة الشعب جمهوريتنا الديمقراطية".
ويبدو واضحاً، أن محي الدين عبد الحميد ، قد ركز في حديثه على دور الفرد في التاريخ عندما قال : فلولا عبد الكريم قاسم لما نجحت الثورة، فهو في نظره "زعيم الأمة المنقذ"، و "الزعيم العبقري"، و"ابن الشعب البار"، ولكن هذا لا يعني انه تجاهل دور الضباط الآخرين الذين كانوا جميعهم في نظر محي الدين "ابطالاً لم ينتفضوا على الظلم الا لأنهم امنوا بالعدل"، و "لم يثوروا على الاستعباد إلا لأنهم آمنوا بالحرية"، و "لم يزهقوا الباطل الا لأنهم آمنوا بالحق"، و"لم يكن هذا الايمان وحياً تلقوه من السماء، وانما ادراكاً اكتسبوه من الحياة ووعياً استلهموه من التاريخ".
فضلاً عن ذلك، فأن ما حدث في يوم الرابع عشر من تموز عام 1959 يقول : لم "يكن حدثاً عفوياً أو صدفة حسنة من صدف التاريخ او لعبة ناجحة من لعب القدر"، بل كان نتيجة "تدبير منطقي واضح الأسس ، وحصيلة إدراك لعمل التاريخ ووعي لواقع الأمور". بتعبير ادق ، أن ثورة 14 تموز هي "نتاج خبرات عميقة وتجارب مريرة" ، لذلك "تحقق لها الفوز وكتب لها النجاح"، وذلك من اجل تحقيق "الاستقلال"، والتحرر من "الاستعمار والاستغلال والرجعية والإقطاع"، حتى يعيش الشعب "حياة كريمة سعيدة" بدلاً من حياة "القسوة الشريرة"، التي فرضها عليه "العهد المباد" الذي "شوّه معالم الحياة العراقية الأصيلة". من هذا المنطلق، فأن الثورة في نظر محي الدين كانت "حرة"، لكونها حملت "لواء التحرر الوطني ، والحياد الايجابي"، فضلاً عن انها "حاملة لواء الديمقراطية والقومية المتحررة".
ولم يكن الزعيم الركن محي الدين عبد الحميد من مؤيدي قيام (مجلس قيادة الثورة ) الذي أثير الجدل حول قيامه من عدمه بعد الثورة ، فقد قال بالحرف الواحد :" لم اكن في يوم من الايام، لا قبل الثورة ولا بعدها، ومنذ ان انتميت الى حركة الضباط الاحرار سنة 1949، من انصار قيام مجلس قيادة الثورة، لأني من المؤمنين بحق الشعب العراقي بانتخاب ممثليه بانتخابات حرة ونزيهة وبدون تدخل من السلطة، لأن من أهم أهداف حركة الضباط الاحرار، تحقيق مجيء برلمان منتخب يمثل الشعب العراقي تمثيلاً حقيقياً، لأن الشعب كان يتهم النظام الملكي بتزوير الانتخابات، وان المجالس النيابية التي كان يؤتى بها في ذلك العهد لا تمثل مصالح الشعب الحقيقية، وانما كانت تمثل المصالح الغربية، ولذلك انا ليس من انصار مجلس قيادة الثورة، ولكني من انصار تسليم الحكم الى ممثلي الشعب الحقيقيين، الذين يفوزون في انتخابات لا ضغط فيها ولا تزوير".
للرجل انجازات مهمة في كل الميادين التي تولى قيادتها ، فقد كان مثقفا ثقافة واسعة ، وكان عراقيا صميميا ، وكان منضبطا ، حريصا ، متابعا ، مؤمنا بسيادة القانون .كان نزيها ، نظيفا صادقا وللاسف لا اعرف متى توفي واين ؟ ولعل احدا يخبرنا بذلك بعد نشرنا هذا المقال .. رحم الله الاستاذ محي الدين عبد الحميد فقد خدم العراق خدمة صادقة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق