الثلاثاء، 11 أبريل 2017

المطران سليمان صايغ 1886-1961 وتاريخ الموصل بقلم :أ.د.إبراهيم خليل العلاف




المطران سليمان صايغ 1886-1961 وتاريخ الموصل 

بقلم :أ.د.إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ الحديث- جامعة الموصل

لم تشهد الموصل منذ أن فرغ المؤرخان العمريان محمد أمين وياسين من كتابة مؤلفاتهما أواخر القرن التاسع عشر من اهتم بتدوين أخبارها حتى مطلع القرن العشرين، حين ظهر سليمان صايغ واصدر كتابه الشهير:(تاريخ الموصل) في ثلاثة أجزاء. وسليمان صايغ رجل دين مسيحي ولد في الموصل سنة 1886 وأتم دراسته اللاهوتية في مدارسها الدينية ثم اشتغل بالتعليم وإدارة المدارس، وصار عضوا في لجنة فحص المدارس الأجنبية، وترأس تحرير جريدة الموصل بعد معاودة صدورها عقب الاحتلال البريطاني للموصل سنة 1918 ، وعندما برزت مشكلة الموصل(1925-1926 ) كان عضوا نشيطا في( جمعية الدفاع الوطني) التي قامت بدور كبير في تأكيد عروبة الموصل إزاء مطالبة الأتراك بها .
أصدر سليمان صايغ مجلة (النجم) وهي مجلة شهرية ،دينية ،تاريخية، اجتماعية وذلك سنة 1928. وقد اهتمت المجلة منذ صدورها وحتى توقفها في آذار-مارس 1955 بالدراسات الدينية والتاريخية.ويرجع ذلك إلى أن صايغ، كان يرى أن "التاريخ من العلوم الجليلة الفائدة، ومن الفنون الجزيلة العائدة لطبقات الهيئة الاجتماعية جمعاء، ومن علماء أعلام، وسوقة طغام".
وقد اعتمد صايغ في تأليف كتابه : تاريخ الموصل، مصادر عديدة، بعضها منشور وبعضها مخطوط، وكما وقف على كمية جيدة من الأوراق الخاصة المحفوظة في بعض مكتبات الأسر الموصلية، كالأسرة الجليلية والأسرة العمرية، ويتناول الجزء الأول ، التاريخ السياسي. أما الجزء الثاني فقد كرسه لدراسة الحركة الأدبية والعلمية في الموصل. وخصص الجزء الثالث لنفائس الآثار وتاريخ التنقيبات .
لقد ترك سليمان صايغ مجموعة كبيرة من المقالات وخاصة في مجلة النجم، ومن مقالاته : الفلسفة عند العرب، وتاريخ الطب في العراق، والبلاد العربية في مطلع القرن السابع عشر وتاريخ أكد وآشور.
إن سليمان صايغ يعد من أوائل المثقفين العرب الذين نبهوا إلى مخاطر الصهيونية، وقد ربط من خلال دراسة له نشرت سنة 1933 بين مخاطر الصهيونية والشيوعية والماسونية على الفكر والوجود العربيين.
وسليمان صايغ يعد من الكتاب الرواد للمسرحية التاريخية في العراق، وقد حاول تقديم التاريخ بأسلوب قصصي، ولكنه ظل ملتزما بتصوير الواقع ، مما جعل مسرحياته تخرج من بين يديه وكأنها سرد تاريخي للأحداث والوقائع .
والسبب في ذلك يرجع إلى انه أراد من وراء مسرحياته تحقيق أمرين اولهما الغرض الديني والحرص على نشر فكرة الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي .وثانيهما جذب القارئ إلى التاريخ وتقديم الحقائق اليه بأسلوب بسيط خال من التعقيد، وقد جاءت كتاباته شبيهة بكتابات الكاتب المصري جرجي زيدان (1861_1914) ،وخاصة رواياته التاريخية التي استهدف من وراءها العمل على إحياء وعي العرب لماضيهم، وقد بدا صايغ في أكثر أعماله، مؤرخا يهتم بالحقائق من جهة، ويحرص على تأكيد مبدأ العبرة واستخلاص الدروس من الماضي من جهة أخرى.
ويبين صايغ أسباب اهتمامه بتاريخ مدينته الموصل فيقول: ((وعلى هذا نجد اليوم تواريخ مسطرة لكل مدينة، اشتهرت بآثارها، وأخبار دولها ومشاهير رجالها. إلا أننا- لسوء الحظ -لم نجد للموصل الخضراء تاريخا خاصا بها يوقفنا على قدميتها، وينطوي على أخبارها... على الرغم من أن الاقدمين من فحول علماء الموصل، عنوا بتدوين تاريخها واستيعاب الطارف والتالد من أخبارها)).
ويضيف صايغ إلى ذلك أن رغبته في خدمة أبناء وطنه" من العامة الذين لايستطيعون مطالعة مجلدات ضخمة للوقوف على أحوال الموصل"، هي التي دفعته لكتابه تاريخ لام الربيعين "فسمت التصنيف- وأنا المفلس- وتعنيت أمرا ليس من شأني ولا إنا من رجاله، رجاء نفع العامة ونيل رضى الخاصة، والمرء ... ممدوح أو مقدوح بنيته إذ إنما الأعمال بالنيات ، وما قصدي من هذا العمل إلا امحاض الخدمة لوطني". ويوضح منهجه في التأليف فيقول انه بعد مثابرة متواصلة على المطالعة مدة سنة ونيف " توفقت بعونه تعالى إلى وضع ها الكتاب، وقد سعيت جهدي في إحكام الرصيف ونقل الحقا يق التاريخية الممحصة من مواردها ومآخذها معتمدا على اشهر المؤرخين الذين هم النبراس المهتدي والعمدة المنتدب البهم كالطبري وابن الاثير وأبي الفداء وابن خلكان وشهاب الدين ألمقدسي وغيرهم من المؤرخين الحداث، وطنيين وغرباء هذا عدا ماتلقيته من أقوال مأثورة ونقلته من أوراق خطية قديمة".ثم قسمت الكتاب أبوابا وفصلته فصولا ... " وشكر المؤلف من شجعه وأعانه وزوده بالكتب والمعلومات وخص بالذكر نقيب الأشراف في الموصل السيد عبد الغني النقيب والحاج أمين ألجليلي والسيد عبد الله ال سليمان بك والسيد امجد ألعمري .
إن إعادة نشر كتاب تاريخ الموصل ،بأجزائه الثلاثة ، ضرورة علمية ووطنية واذا حدث هذا فانه _بحق _يعد إضافة نوعية في مجال توسيع دائرة الاهتمام بهذا الضرب من التاريخ المحلي، لأهمية ذلك في مرحلتنا الحاضرة التي تتطلب من جميعا أن نتعاون من اجل إبراز وجه الموصل الحقيقي والناصع، وإسهامات أهلها الحضارية عبر التاريخ، فبارك الله بكل من سعى في هذا المشروع الخير ،والذي جاء استجابة لما أراده الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عندما قال :" من نشر علما كلله الله بأكاليل الغار .. ومن كتم علما ألجمه الله بلجام من نار".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق