الأربعاء، 3 يناير 2018

الجامع العمري في الموصل







الجامع العمري في الموصل 
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس -جامعة الموصل 
وهو من الجوامع القديمة في الموصل . عمره الان (455 ) سنة . بناه الحاج قاسم العمري جد الاسرة العمرية ويقع الجامع العمرية ويسميه الناس جامع العمرية في محلة باب العراق .كتب عنه المؤرخ الموصلي الكبير محمد امين العمري في كتابه (منهل الاولياء ومشرب الاصفياء في سادات الموصل الحدباء ) .كما كتب عنه نيقولا سيوفي القنصل الفرنسي في الموصل في كتابه (مجموع الكتابات المحررة على ابنية الموصل ) ، والذي حققه استاذنا سعيد الديوه جي وكتب عنه الاستاذ سعيد الديوه جي في كتابه (جوامع الموصل ) .
وكتبتُ انا عنه في مقالي عن ( الاسرة العمرية في الموصل ) وهو متوفر في شبكة الانترنت وقد سكن العمريون الموصل منذ قرون الهجرة الاولى (الثالث للهجرة -التاسع للميلاد ) واشار ابن حوقل اليهم في كتابه (صورة الارض ) وينتهي نسب العمريون في الموصل الى الامام عاصم بن الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب العدوي رضي الله عنه . وقد ذكر المؤرخ سليمان صائغ في كتابه (تاريخ الموصل ) ان الشيخ قاسم العمري جد العمريين القريب جاء من مكة المكرمة وسكن في بيت قريب من مسجد اسسه العمريون في محلة البارودجية القريبة من محلة باب العراق وكان للعمريين مكانة عند الحكام العثمانيين لدورهم في تقوية حكم العثمانيين ودفاعهم عن الموصل ضد هجمات الفرس خاصة هجمتهم على الموصل سنة 1623 م وقد نبغ من العمريين ادباء وقضاة وشعراء وسياسيين كان لهم مواقف مشهودة طيلة الحكم العثماني والعهود التالية بما فيها العهدين الملكي والجمهوري .
وقد انجزنا في جامعة الموصل رسالة ماجستير عن (الاسرة العمرية ) بإشرافي وهي لاتزال غير منشورة قدمها الاستاذ محمد صالح محمد البدراني .
قام قاسم العمري ببناء جامع جديد عوضا عن الجامع الذي كان موجودا في محلة البارودجية وكان بناءه قد تداعى . وقد هدمه وبنى الجامع العمري سنة 970 هجرية -1562 ميلادية واوقف عايه اوقافا وعين له خطيبا ومدرسا وخدما .ومن اوقافه ثمانية دكاكين في سوق باب العراق ودكانين في سوق العلافين قرب حمام العلا ، وحمامين قرب الجامع وهما حمام العمرية للرجال وحمام العمرية للنساء واشترك الواقف على ان يكون استحمام نساء العمرية في حمام النساء مجانا .كما بنى مصبغة الى جانب الجامع وقد ذكر كل ذلك ياسين العمري المؤرخ الموصلي المعروف في كتابه ( الدر المكنون في المآثر الماضية من القرون ) وفي حوادث سنة 970 هجرية (1562 ميلادية ) عندما قال في القسم الثاني الذي نشره الاستاذ معاوية ناظم العمري المحامي سنة 2011 :"وفيها اي في هذه السنة أحدث في الموصل جامعا للصلاة جدنا الكبير الحاج قاسم العمري ينتهي نسبه الى الامام عاصم بن الامام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكان جامعا للمحاسن جامعا ويعرف الان بجامع العمرية واوقف عليه ارض الغرب وبستان وثمان حوانيت في سويقة باب العراق وحانوتين في سوق الكبير لبيع الاغلال واملاكا وارض تل الغسام وشرط التولية للارشد والاقرب والاصلح من اولاده من بعده والان ابدلوا الشرط وجعلوا التولية لاولاد عثمان بن علي بن الحاج قاسم وتابعتهم ملوك الموصل واخرجوا من الشرط اولاد محمد واولاد موسى ولعبت بالوقف ايدي المتولين فلم يبق من الحوانيت الثمانية الا اربعة وحوانيت الاغلال لم يبق لهم اثر ولاعلم ولاخبر والاملاك صاروا ايدي سبأ وتل الغسام صار املاك الخلايق وارتفع عنهم اسم الوقفية " . 
كان قاسم العمري غنيا كثير الصدقة والجاه وكان مقربا من السلطة وقد اشترط في وقفية الجامع العمري ان تكون الامامة والخطابة في هذا الجامع مقتصرة بأولاده ومن يليهم من الصالحين لهذه المهمة .
وقد جدد الجامع مرات عديدة منها سنة 1073 هجرية -1663 ميلادية ومنها في سنة 1133 هجرية -1720 م ومنها في سنة 1200 هجرية 1786 م ومنها في سنة 1241 هجرية -1826 م ومنها في سنة 1283 هجرية - 1876 ميلادية وفي سنة 1957.
هناك اروقة امام المصلى واقواسها تستند الى دعامات كل واحدة منها تتألف من اربعة اساطين ترتكز على قاعدة واحدة وفي اعلاها تاج مزين بزخارف نباتية . وفي الاروقة محراب جميل مكتوب عليه بالخط الكوفي وقد حفرت الكتابة في الرخام وملئت الحفر بمادة بيضاء .
وكان في الجامع العمري محراب آخر مكتوب في اعلاه على قطعة من الرخام ما يدل على انه قبر بلكا ملك خاتون ويبدو ان هذه القطعة كانت شاهد لقبر قديم ابقاه الشيخ قاسم العمري بعد ان ادخل المقبرة الى الجامع واحاط هذه القطعة بكتابات تتضمن اسم الجلالة (الله ) والبسملة .
وكان للمصلى ابواب ثلاثة بابان جانبيان وباب في الوسط وفي المصلى محراب جميل والقبة فوق المصلى وكانت مبنية من الحجر والجص وتستند على اساطين رخامية وقد زينت القبة من الداخل بكتابات وزخارف جبسية ملونة .كان في صدر محراب المصلى كتاات منها الاية القرآنية ( يا ايها الذين امنوا استعينوا بالصبر والصلاة ان الله مع الصابرين ) وآيات اخرى .
اما المنارة فتقع غربي الجامع على يمين الداخل اليه وتتألف من قسمين الاول منشوري وهو مبني من المرمر الاسود ونسميه في الموصل (الحلان ) والقسم الثاني اسطواني يلي القسم المنشوري وهو مبني من الجص والحجر وظاهره مزخرف بالاجر وفوق القسم المنشوري نطاق من المرمر مكتوب عليه الآية الكريمة ( قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) . 
وكان في الجامع العمري مدرسة دينية هي (المدرسة العمرية ) وممن درس فيها الشيخ محمود الكردي والشيخ اسماعيل بن ابي جحش والشيخ محمد امين الخطيب العمري .
وفي الجامع العمري (سبيلخانة ) جميلة كتبت عنها اكثر من مرة وتقع في لحف المنارة خارج باب الجامع وصورتها متوفرة . وقد بنيت مع الجامع وجددت سنة 1283 هجرية -1866 ميلادية ..جددها حسن افندي بن محمود افندي العمري وكان مكتوبا عليها : 
جددت يا حسنُ الفِعال ِ بجامع ال *** أجداد خيرا من رآه به رغب 
ماء لإبناء السبيل مؤرخ *** جارٍ هنيئا ياعِطاش لمن شرب ْ
عندما جدد الجامع سنة 1957 هدمت (السبيلخانة ) وثبت القوس الذي كان فيها -كما يقول استاذنا الديوه جي - في اللحف الشرقي من المنارة 
وكان في الجامع ومنذ انشاءه مدفن او مقبرة تقع بين المصلى والمنارة على يمين المتوجه الى القبلة وباب المدفن يكون من الاروقة التي امام المصلى والمدفن كان عبارة عن غرفة مربعة فيها قبر الحاج قاسم العمري وقبر ابنه علي وكان قد توفي قبله بسنة واحدة وثمة قبور لعدد من ال العمري لذلك تعرض الجامع سنة 2015 للغلق والتهديم بحجة انه يحتوي على عدد من القبور.ويقينا انه اليوم بحاجة الى ترميم واعادة بناءه وبشكل أفضل مما كان .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق