الأحد، 21 يناير 2018

حول سلب سيادة العراق في إنتاج وزراعة محاصيله الزراعية أ. د. محمد العبيدي


 حول سلب سيادة العراق في إنتاج وزراعة محاصيله الزراعية 
أ. د. محمد العبيدي
أستاذ الفسلجة والعقاقير الطبية وخبير بالصحة البيئية ومستشار متخصص بإدارة المؤسسات الصحية 
إن المأساة التي حلت بالعراق لم تتمثل فقط باحتلاله وتدمير بنيته وما حل به من مآسي، وإنما تمثل أيضاً بالإجراءات والقوانين والقرارات التي فرضت على شعب العراق من قبل ممثل الإدارة الأمريكية سيئ الصيت (بول بريمر) الذي لم يدخر وسعاً لربط العراق بعد احتلاله بعجلة الأهداف الأمريكية الصهيونية وشركاتها الاحتكارية.
 فالعراق لم يفقد سيادته السياسية لصالح المحتلين فحسب، بل فقد معها كذلك سيادته على كل شيء ومنها موضوع مقالنا هذا، ألا وهو سلب سيادة العراق في إنتاج وزراعة محاصيله الزراعية الضرورية.
فقبل الإعداد لما أطلق عليه الاحتلال “انتقال السلطة” في كانون الثاني/يناير 2004، قام بريمر بفرض مجموعة من القرارات على العراق يصل عددها إلى  (100  ) قرار والتي من شأنها ضمان تمكن الولايات المتحدة من التحكم في جميع مفاصل الحياة الاقتصادية للعراق وفقاً لمصلحة السوق الحرة بواشنطن. ورغم بشاعة وخطورة تلك القرارات التي سلبت جميع سمات السيادة الوطنية العراقية ودمرت مؤسسات الدولة وشتت كوادرها، فإن واحداً من أخطر قرارات بريمر كان فرضه لتحديد مستقبل الإنتاج الزراعي للعراق بما يتوافق مع أهواء شركات احتكارية مثل (مونسانتو وسينجينتا ودو كيميكال) وغيرها من شركات المنتجات الزراعية الأمريكية العملاقة التي تسعى جاهدة لفرض سيطرتها على إنتاج الغذاء في العالم من خلال البذور والنباتات المعدلة وراثياً.
فقد قام بريمر بفرض القرار رقم  (81 )  أسماه “براءة الاختراعات والتصميم الصناعي وسرية المعلومات والدوائر المتكاملة وتنوع المحاصيل”، وهو قرار ملزم لكل الحكومات التي نصبتها وستنصبها الإدارة الأمريكية في العراق.
والسؤال هو: ما هي النتائج المترتبة على القرار رقم  (81 ) ؟
على مدار أجيال عديدة، قام المزارعون في العراق، مثلهم مثل المزارعون في أغلب دول العالم، باتباع نظام غير رسمي وغير منسق لتوفير البذور حيث يقومون بزراعة البذور الأمثل والضرورية لمحاصيل الغذاء الأساسية، ويقوم المزارعون عادة بتوفير جانب من هذه البذور لموسم الزراعة التالي. أما الآن، فقد أصبح هذا الأمر ممنوعاً … نعم ممنوعاً ، حيث أصبحت شركة (مونسانتو) وغيرها من الشركات الأجنبية تمتلك حق الملكية الفكرية الذي يمنحهم حق الاحتكار الحصري لجميع البذور المعدلة وراثياً وما “يماثلها” من نباتات. وهكذا، إلى جانب قصف وحرق حقولهم ومزارعهم وبيوتهم، أصبح على المزارعين العراقيين الآن كذلك ان يدفعوا الأموال للشركات الأجنبية مقابل السماح لهم بزراعة ما كانوا يزرعونه منذ مئات السنين.
وجدير بالذكر، أنه تم وضع القرار 81 بحنكة شديدة مع اختيار اسم مخادع له وهو “حماية الأنواع الجديدة من النباتات”. ويعد قرار “حماية الأنواع الجديدة من النباتات” هذا قراراً لحقوق الملكية الفكرية مثله مثل القرارات الأخرى التي جاءت لصالح واشنطن وغيرها من الدول الصناعية السبع الكبرى من ضمن قرارات منظمة التجارة العالمية، على الرغم من أن العراق ليس ضمن دول منظمة التجارة العالمية. ويمنح قرار “حماية الأنواع الجديدة من النباتات” لشركة (مونسانتو) وغيرها من شركات البذور العملاقة العالمية حقوق براءة الاختراع لبذور النباتات التي تدعي أنها قامت “باكتشافها”، ووفقاً لإجراءات الهندسة الحيوية للتعديل الوراثي للجينات، يتم منح حق براءة الاختراع لأي تعديل مهما يكن بسيطاً في الحامض الريبي النووي منزوع الأوكسجين DNA أو في سلسلة الجينات الخاصة ببذور أو نباتات موجودة بالفعل، مثل فول الصويا والقطن والأرز والبطاطا. وبطبيعة الحال، للقيام بهذا التعديل، تقوم هذه الشركات بالاستيلاء على محاصيل المزارعين العراقيين التي قاموا بزراعتها وإنماءها بأنفسهم دون أدنى مقابل.
وهناك دليل قوي بأن شركة (مونسانتو) وغيرها من الشركات الكبرى المنتجة للبذور المعدلة وراثياً قد قامت باستنزاف بنك البذور العراقي سراً، والذي تم إنشاءه لصالح المزارعين خلال السنوات القليلة التي سبقت احتلال العراق من قبل المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية في مركزها بسوريا، والتي تم إنشاؤها بتمويل كل من مؤسسة (روكفلر) والبنك الدولي بهدف نشر استخدام البذور المعدلة وراثياً في الدول النامية.
وينص قرار بريمر المرقم 81 على إلزام المزارعين العراقيين بأن يدفعوا مبالغ كبيرة للشركات متعددة الجنسيات، مثل (مونسانتو)، للحصول على البذور لزراعتها كل عام، حيث سيعتبر استخدامهم لبذورهم أمراً مخالفاً للقرار، كما عليهم دفع رسوم حقوق الملكية الفكرية لـ(مونسانتو) أو (سينغينتا) مقابل البذور المعدلة وراثياً بهدف “حماية” حقوق الملكية الفكرية لـ(مونسانتو) ومثيلاتها. علاوة على هذا، تمتلك هذه الشركات حقوق الاحتكار الحصرية لهذه البذور ولمدة عشرين عاماً.
ووفقاً لادعاء الولايات المتحدة، فإن هذا القرار يعمل على “ضمان إمداد العراق ببذور عالية الجودة”، مما يمهد الطريق بدوره أمام العراق لعضوية منظمة التجارة العالمية. وفي واقع الأمر، إن هذا القرار يفتح الباب على مصراعيه لسيطرة الشركات الأجنبية على جميع أراضي العراق، والتي تعد من أخصب الأراضي على مستوى العالم، بما يتناسب مع مصالح واشنطن الإستراتيجية. ويرتبط القرار رقم 81 بالقرار رقم 39 والذي يمنح المستثمرين الأجانب حقوقاً مساوية لحقوق العراقيين في استغلال الأسواق المحلية العراقية، بما لا يتيح أي مجال للعراق للدفاع عن نفسه وحماية صناعاته ومنتجاته الزراعية.
ومن ناحية أخرى، تصر واشنطن على أن هذه القرارات إنما وضعت لصالح العراق لتمكينه من “التحول من الاقتصاد غير الشفاف ذو التخطيط المركزي إلى اقتصاد السوق الحر”.
والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه الآن هو: “حر” لصالح من؟ لصالح الشعب العراقي أم لصالح شركة (مونسانتو) وغيرها من الشركات الأجنبية الكبرى؟ في واقع الأمر، أن القرار رقم 81 يعد مثالاً جلياً لطبيعة الشركات متعددة الجنسيات لادعاء امتلاكها لحقوق براءات الاختراع للفصائل الحيوية أو أنواع النباتات المختلفة، ولا يوجد أدنى شك أن توفير البذور وحق الدول في ادخارها لشعوبها يعد من حقوق الإنسان الأساسية، مثله مثل الحق في الحياة. ولكن ما يحدث الآن هو السماح للمصالح التجارية الخاصة بالمطالبة بحقوق براءات الاختراع للتعديلات الطفيفة التي تتم على هذه البذور، ومن ثم، احتكار تداول واستخدام فصائل كاملة من النباتات، وهو ما يؤدي إلى توسيع مفهوم “التسويق” أو ما يسمى “عولمة” الاقتصاد العالمي ليصل إلى جوهر الحياة. ووفقاً لهذا المنطق، سوف نجد في المستقبل القريب من يطالب بحقوق براءة الاختراع للهواء الذي نتنفسه، فالبذور لا تماثل بأي حال من الأحوال اختراع حاسب آلي أو مولد توربيني، فهذا الاتجاه لتسويق البذور أو جعلها سلعة تحتكر، ليس إلا نذير ببشاعة المستقبل ليس لما حدث في العراق المحرر أمريكياً فحسب بل في العالم أجمع.
وتحت شعار “الديموقراطية في الشرق الأوسط” الزائف لجورج بوش، فقد العراق الآن أبسط حقوقه في توفير الغذاء لشعبه. وفي واقع الأمر، إن ما يحدث الآن على أرض العراق ليس إلا أبشع شكل من أشكال الاستعمار الحديث وأنه أكثر اتساعاً وضراوة عن سابقه خلال حقبة الاستعمار البريطاني.
لقد أصيبت منظمات الإغاثة والمنظمات غير الحكومية بالرعب عند سماعها خبر إصدار بريمر للقرار رقم 81 الذي سيضع قطاع الزراعة بأكمله تحت رحمة الشركات متعددة الجنسيات والذي يمثل للمزارعين العراقيين كارثة توازي كارثة احتلال العراق بالنسبة للشعب العراقي بأجمعه، خاصة وأن هذا القرار سيضع الغذاء والبذور العراقية وحتى الأغذية المعلبة تحت سيطرة تلك الشركات وبذلك تتم السيطرة الكاملة على جميع مفاصل الاقتصاد العراقي.
فالطريقة التي فرض فيها هذا القرار على العراقيين كانت فضيعة بحد ذاتها خصوصاً ما جاء فيه من أن هذا القرار “ضروري لتحسين الوضع الاقتصادي للشعب العراقي لما سيقدمه من نمو اقتصادي للعراق ولكي يهيئ العراق ليكون عضواً دائمياً في منظمة التجارة العالمية”، ولكن عندما نقرأ ما جاء في الفقرات 51 إلى 79، فإنه يتبين بوضوح بأن هذا القرار صمم بشكل خاص لتسهيل السيطرة على الزراعة في العراق من قبل الشركات متعددة الجنسيات المهتمة بالزراعة.
كما وأن وزارة الزراعة الأمريكية قد ساعدت بريمر على صياغة ذلك القرار من خلال أشخاص تربطهم علاقات وثيقة بشركات مثل (مونسانتو) و(كارغيل).
إن القرار رقم 81 كان كبقية القرارات التسعة والتسعين الأخرى التي أصدرها بريمر على عجل كجزء من الخطة الأمريكية المعدة مسبقاً لتنصيب حكومة عميلة في العراق مؤتمرة بأمرهم، وكان ذلك القرار كبقية القرارات المتعلقة بالاقتصاد العراقي المستقبلي قد تم تفعيله من قبل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. وإن من يقرأ ما بين سطور لغة القرار سيشاهد من دون شك أن الإدارة الأمريكية قد أطبقت بشكل كامل على مجمل الإنتاج الزراعي العراقي وأن الفائز الوحيد من وراء ذلك القرار هي الشركات الاحتكارية الأمريكية وليس فقط من خلال سيطرتها المستقبلية على القطاع الزراعي العراقي بل أيضاً من خلال فوزها بعقود عديدة تدفع أثمانها من مبيعات النفط العراقي الذي يباع أساساً بسعر أقل مما تبيعه الدول الأخرى المصدرة للبترول ناهيك عن التهريب الذي يذهب إلى جيوب حفنة من قادة الأحزاب التي جاءت بها أمريكا عند احتلالها للعراق.
إن ما نراه اليوم من انتشار غير مسبوق للآفات الزراعية التي ضربت جميع المحاصيل الزراعية في العراق سواء كان منها الحبوب أو النخيل أو غيرها ما هو إلا جريمة قامت بها تلك الشركات التي استولت على الاقتصاد الزراعي العراقي في محاولة منها لدفع المزارعين العراقيين إلى الارتماء في أحضان تلك الشركات الاحتكارية المستغلة.
ومن هنا نرى أن التعاون على أشده بين الأمريكان وعملائهم من أجل سرقة أموال العراق بكافة الوسائل وكذلك ربط اقتصاده بعجلة الشركات متعددة الجنسيات، وتلك هي بعض من أسباب احتلال العراق الحقيقية. .
 *ارسله لي الاستاذ عمار عبد الباقي ناظم العمري 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق