السبت، 11 فبراير، 2017

ولاية الموصل خلال الحرب العالمية الأولى 1914 ــ 1918* ا.د.ابراهيم خليل العلاف استاذ التاريخ الحديث المتمرس -جامعة الموصل



ولاية الموصل خلال الحرب العالمية الأولى
1914 ــ 1918*
ا.د.ابراهيم خليل العلاف 
استاذ التاريخ الحديث المتمرس -جامعة الموصل 

        لقد دخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى في 4 تشرين الثاني سـنة 1914 بجانب الحلف المركزي ، وذلك تنفيـذاً للمعاهدة السرية ([1]) المعقودة بين الدولـة العثمانية وألمانيا في 2 آب 1914 . هذا مع العلم أن الاستعدادات العسكرية العثمانية قد بدأت قبل أربعـة أشهر تقريباً من دخولها الحرب رسمياً ، إذ شرعت بإعلان النفير العام في 3 آب سنة 1914 وكان أنور باشـا وزير الحربية ووكيل القائـد العام للقوات العثمانيـة يردد أمام الضباط العثمانيين آنـذاك " بأنّ الجيش العثماني سـيغسل عنه العـار الذي أورثته إياه حرب البلقـان " . وأنّ على العثمانيين " إما أن يـذودوا بالسيف عن حوض عزهم ويقاتلـوا دون اسـتقلالهم وحقهم حتى يبلغوا ما يؤملون وإما أن يموتوا موتةً كريمةً " ([2]) .

     هذا وقد خلقت حادثة ضرب بعض الموانئ الروسية في البحر الأسود من قبل القطعات الحربية العثمانية في 29 تشرين الأول سنة 1914 الموقف الـذي أدّى إلى دخول الدولـة العثمانية الحرب ، فقد أعلنت روسيا الحرب عليها في 4 تشـرين الثاني ، وتلا ذلك حـرب مشابهة من جانب بريطانيا وفرنسا بعد يوم واحد ([3]) .
صدى الأحداث في الموصل :

       استيقظ الناس صباح يوم 3 آب سـنة 1914 وإذا بهم أمـام البلاغات العثمانية الرسمية معلقة على الجدران وأبواب المسـاجد والجوامع والكنائس والمؤسسـات وفي الساحات العامة والشـوارع والمنعطفات تدعو إلى حمل السلاح وخوض غمار الحرب بالعبارة التركية : (( سفر برلك وار ..عسكر اولانكر .. سلاح باشنة )) وترجمتها : (( أيها المواطن .. التعبئة العامة قائمة .. من كان جندياً فليبـادر إلى حمل السلاح )) . لقد كانت الإعلانات عبارة عن لوحات حمراء بلون الدم رسم عليها صورة مدفع وبندقيتان عليهما الحراب ، فأخذ النـاس تحت تأثير الشـعور الديني من جهة ولرؤيتهم تلك البلاغات التي تثير الحماس من جهة أخرى بمراجعة دوائر التجنيد لتسجيل أسمائهم لحمل السلاح ([4]) .

     كتب أحد معاصري تلك الأحداث في مذكراته يقول : " إنّ حركة التعبئة العامة ... ومهاجمة الموانئ الروسية وإعلان شيخ الإسلام ( خيري أفندي ) الجهاد المقدس ألهب الحمية الدينية ،حتى أنّ دائرة التجنيد جعلت من الجوامع مركزاً تستقبل بها المجندين والمطوعين " . ثم وصف الموصل آنذاك بقوله : " لقد أصبحت المدينة كأنها ثكنة تموج بالرجـال " ([5]) ، وكان المطلوبون إلى الجندية يبلغون سبعاً وعشرين ( قرعة ) أي من سن العشرين إلى السن السادسة والأربعين ([6]) .

      سيطرت على الأهالي حالةً من الوجوم الشـديد عشية إعلان الحرب خاصـةً بعد أن أتجه أبنـاؤهم إلى دوائر التجنيد ، وقـد امتزج هذا الوجوم بالحماس الديني المصحوب بالخوف من المستقبل . ونجـد ذلك معكوساً فيما رواه الشخص المار ذكره في مذكراته عندما قال :

(( مررت بعد صلاة العشاء بجمع من الرجال خرجوا من مسجد بين باب السراي وجامع خزام ( في مدينة الموصل ) يوجهون اللوم بقسوة إلى أهل بيت لأنهم كانوا يشغلون جهاز الحاكي بأغنية وموسيقى ، وكانت ربّة الدار من وراء الدار تعتذر بأن الصبي يفتح ( الغرامفون)وهو قاصر لا يقدّر الظروف فيجاوبونها : إنّ المسلمين اليوم ينزف قلبهم دماً ، يجب الابتهال إلى الله بطلب العفو والمغفرة ... لا يوجد مسلم اليوم يشعر بالمرح ، هل أنتم مسلمون ؟ ))

     وقد عقّب على ذلك بقولـه : " بمثل تلك النصيحة القاسية كانوا يخاطبون من يشذّ عن الشعور العام " ([7]) .

    تشكلت على الأثر ثلاث لجان رئيسـة ولجنتان ثانويتان بناءً على أوامر السـلطات في الموصل لغرض التهيئـة للتعبئة العامة ، ضمّت أفـراداً من العسكريين والمدنيين.أما بالنسبة للجان الرئيسة فهناك لجنة للمبايعات وأخرى للتكاليف العربية وثالثة لجمع الإعانات ، وتمثلـت اللجنتان الثانويتان في كلٌ من لجنتي التشويق ( التحريك ) والفارين ( التعقيب ) .

     تألفت لجنة المبايعات برئاسـة البنباشي ( المقدم ) آدم بك وعضوية كلٌ من نامـق آل قاسم السـعردي وأمين المفتـي رئيس البلديـة ومحمد باشا الصابونجي ([8]) وواصف آل قاسم أغا السعردي عضو المجلس العمومي في الولاية ([9]) . وكانت مهمة اللجنة هي الحصول على المواد التموينية للجيش عن طريق العشر الحكومي ، ولكنها أخذت تستوفي من الزرّاع وغير الزرّاع عشـراً ثانياً وثالثاً بأسـم المبايعات الأولى والثانية والثالثة ، وقـد أصبحت المبايعات لا تختلف عن المصـادرات ، حيث كانت تفرض مثلاً مقداراً من القمح على الشخص الفلاني ، بينما لم تكن له القدرة على شراء وزنة واحدة من الحنطة ( حوالي 13 كيلو وثلث ) . وبذلك تحولت المبايعات إلى عملية نزع المؤن من الأهالي ([10]) . هذا وكانت اللجنة تستعين بدلاليـن من التجار الموصليين نذكر منهم أحمد النوح ويونس سيالة وسعد الله توحلة ([11]) .

     أما لجنة التكاليـف الحربية أو كما يشـار إليها في الموصل أيضاً لجنة التموين، فكانت غايتها تهيئة المواد الغذائية بالدرجة الأولى للقوات العسكرية. وتألفت من كل من : أمين المفتي وعلي مدحت وسعيد آل قاسم أغا السعردي ونعوم سرسم وعبد الرحمن الرمضاني ([12]) .

   لقد أسرفت اللجنة في أعمالها وأخذت تحتجز الكثير من البضائع التجارية التي لا علاقة لها بالجيش ولا فائدة له منها . وعلى الرغم من أنّ هذه اللجنة كانت تعطي لمن تأخذ منه شيئاً ورقة تتعهد فيها الحكومة بأنها سوف تسدد الثمن بعد انتهاء الحرب ، لكن الناس لم يكونوا يثقون بذلك ، وكانوا يعتقدون أنّ ما تأخذه الحكومة لن يعود ، وقد أدّى ذلك إلى أن تصاب الحياة الأقتصادية في البلاد العثمانية بالشلل وإلى شيء من هذا يشير الكاتب التركي أحمد أمين بقوله :

(( إنّ حالة النفير العام ضربت الحياة التجارية في البلاد كأنها صاعقة تنزل من سماء صافية ، وقد تضررت كل فروع الحياة الأقتصادية ، كما تضررت الزراعة . فقد لجأت دوائر الإعاشة في الجيش إلى مصادرة كل شيء ، ولم تقتصر مصادراتها على المواد الضرورية للجيش ... وصار التجار يؤثرون بيع بضائعهم بأي ثمن للتهرب من مصادرة الجيش لها . وكان هناك دافع آخر دفع التجار للبيع المستعجل هو أنهم في حاجة إلى النقود لدفع الضريبة الحربية التي فُرضت عليهم ... وتوقفت الأعمال التجارية التي تعتمد على الدفع المؤجل ، وتهافت الناس على البنوك لسحب ودائعهم ... )) ([13]) .

     إنّ اللجنة الرئيسة الثالثة هي لجن الإعانات ، وتشكلت هذه من عدد من وجهاء المدينة ، كان بينهم محمد الصابونجي وعبد الرحمن الرمضاني ونعوم سرسم وسعيد آل قاسم أغا السعردي . عهدت إليهم مهمة جمع المبالغ النقدية والأموال العينية مثل الألبسة والخيام لمساعدة الجيش ([14]) .

      كما تألفت لجان أخرى منها لجنة التشويق ( التحريك ) وواجبها العمل على إثارة العشائر العربية والكردية وحملها على الاشتراك في الجهاد . ومن أعضاء هذه في الموصل السيد عبد الغني آل النقيب نقيب أشراف الموصل ، الذي أشـغل عضوية لجنة أخرى بأسـم لجنة الفارين أو لجنة التعقيب التي كانت مهمتها (( ردع الفارين ( والمتخلفين ) من مقاطعتهـم حمل السلاح ، والالتحاق بالجيش العثماني في ساحات الحرب )) ([15]) .

     لقد لعبت تلك اللجـان أدواراً كبيرةً في ممارسـة الاعتداء على حقوق الأهالي والإستيلاء على أموالهم ومسـاندة السلطة الحاكمة في كل إجراءاتها التي خرجت في معظم الأحيان عن الأصول المعتادة في مثل تلك المواقف ، كما سنوضح ذلك في الصفحات القادمة من هذه الدراسة .

المواقف السياسية لسكان الولاية خلال الحرب :

        كان إعلان الدولـة العثمانية دخولها الحرب في 29 تشرين الأول سنة 1914 فرصة استفادت منها بريطانيا في توسيع سيطرتها على المناطق التي كانت تتطلـع إليها منذ وقت بعيـد . ويعتقد الكاتب البريطاني ريدر بولارد
أنّ موقف الدولة العثمانية هـذا أثار قلق بريطانيا على مصالحها الأقتصادية والسياسية في الشرق الأوسـط خاصةً بعد أن أظهـر الأتحاديون ميلاً شديداً نحو ألمانيـا ([16])
، لهذا أقدمت على تسـيير حملة عسكرية أحتلت الفاو في 6 تشرين الثاني سنة 1914، وقد استمرت القوات البريطانية في تقدمها حتى احتلت في 22 تشرين الثاني من السنة ذاتها مدينة البصرة ([17]) .

    بدأت السلطات البريطانية ، مع تقدم القوات البريطانية صعدا ، محاولاتها  للحصول على تأييد العراقيين في حربها ضد الأتراك . وقد ظهرت خلال الفترة من 1914 حتى 1918 مواقف سياسية متباينة تتراوح بين الإيجابية والسلبية .

مواقف إيجابية :

      أتسمت المواقف الإيجابية لسـكان العراق عامةً وأهل ولاية الموصل خاصةً من الأتراك بالتعاطف على الأغلب ،وذلك لاعتبارات دينية ، فقد أفتى علماء من الشيعة والسنّة بوجوب الجهاد لدفع الضرر عن المسلمين ورأوا أنّ تعزيز موقف العثمانيين المسلمين تجاه الانكليز غير المسلمين أمرٌ لا مناص منه حسبما تقتضيه أحكام الشريعة الاسلامية ([18]) . وقد استجاب لذلك كلٌّ من الأكراد والعرب ،ويمكن القول أنّ استجابة العشائر الكردية للجهاد كان أوسع من استجابة العشائر العربية في ولاية الموصل . فقد استطاع العثمانيون أن يكسبوا غالبية الأكـراد وأن يضمنوا مشاركتهم في المجهـود الحربي للدولة العثمانية . ولعلّ ذلك يرجع إلى شدة تمسك الأكراد بالدين الإسلامي من جهة ( ولوعود الأتـراك للأكراد بمنحهم الحكـم الذاتي بعـد أن تضـع الحرب أوزارها ) ([19]) . ويضيف المؤلف البولوني لنشوفسكي سبباً آخر لذلك بقوله : كان الأكراد بصورة عامة موالين للدولة العثمانية خلال الحرب . ويكمن سر هذا الاتجاه (( الصحيح )) في أنّ العثمانيين وجّهوا بكل حذق ومهارة ميول الأكراد إلى محاربة المسيحيين ، وخاصةً ضد جيرانهم القريبين من الأرمن والآثورييـن فحققت الأقلية الكردية بهـذه الطريقة شـعورها الاسلامي مع العثمانيين ([20]) . أما المؤلف الإيراني حسن عرفة فيرى " أنّ إعلان الأكراد وقوفهم مع الحكومة العثمانية جاء بسبب تحريض الروس للانتقام من الأكراد نتيجة مذابحهم السابقة في أواخر القرن التاسع " ([21]) .

    تحركت من ولاية الموصل جموع كبيرة من العشائر الكردية متجهةً نحو جنوب العراق لمقاتلة الانكليـز في الشعيبة قرب البصرة . وبـدأ الناس في مدينة الموصل يشاهدون كتائب الفرسان الكردية رافعةً رايات كُتِبَ عليها : (( الجنة تحت ظلال السيوف )) ([22]) . ولم يقتصر الأمر على أكراد أطراف الموصل ، بـل شمل كذلك أكـراد السليمانية وأربيل وكفـري وغيرها من المناطق . وقد اشـترك الشيخ محمود البرزنجي على رأس قوة من الفرسان يتراوح عدد فرسانها بين ( 1000 ـ 1500 ) ([23]) في معركـة الشعيبة في 12 نيسان سنة 1915 . وقد واجـه المتطوعون كثيراً من الصعوبات ، فهم بالإضافة إلى أنهم يقاتلون في سهول مكشوفة تجاه عدو مستحكم في الخنادق واستحالة الصمود بالسلاح الأبيض عنـد زحف المدرعات ، عانوا من سوء إدارة القيادة العسكرية العثمانية وانتشار روح الفساد والفوضى بين الادارات العسكرية العديدة ، خاصةً فيما يتعلق بإدارة التموين والإعاشـة ([24]) . كما لم تسعَ القيـادة العثمانية إلى تنظيـم المتطوعين وتدريبهم بصورة تمكنهم من القتال المنظم ، وقد كان من نتائج ذلك أن فقدت قوة المتطوعين الأكراد عدداً كبيراً من قادتها وأفرادها . منهم على سبيل المثال الشيخ لطيف الشيخ صمد الطالباني من قرية ( كاني قادر ) في لواء كركوك ، والشيخ ستار الطالباني من قرية ( بادوا ) في كركوك ([25]) ، ورشيد باشا من أهالي السليمانية والذي كان فيما سبق متصرفاً للواء المنتفك وغيرهم ([26]) .
    لم تقتصر مساهمة الأكراد في الشعيبة وحسب ، بل كان لهم أيضاً دورهم في العمليات العسكرية التي حدثت في داخل إيـران والتي قصد بهـا إشغال القوات الروسية وتثبيتها داخل إيران وذلك في الأشهر الأولى من الحرب ، فقد صدرت الأوامر إلى والي الموصل سليمان نظيف بك( 1913ـ1915 ) لإحضار متطوعين من قبائل الحدود وسوقها مع بعض المفارز تجاه أورمية لتهديد القوات الروسية هناك . فأرسل الوالي المذكور مبعوث الموصل المقدم ابراهيم فـوزي التبليسي ورئيـس أركان الحرب المتقـاعد حلمي بـك إلى متصرف السليمانية ( لتشويق ) العشائر القاطنة حوالي السليمانية وكلعنبر . وأرسل خالد بك متصرف لواء كركوك لإثارة وجمع متطوعين من العشائر القاطنة حول راوندوز، وقد تألف من هذه القوات في السنة الأولى من إعلان التعبئة العامة ( جحفـلان ) أحدهما بقيـادة ابراهيم فوزي مبعوث الموصل وواجبه التقدم باتجاه بانه ـ سنة ونشر دعوة الجهاد ضد الروس ، والآخر بقيادة خالد بك متصرف كركوك وواجبه التقدم باتجاه ( صاوجبولاق ) ([27]) ، وقد تحركت هاتان القوتان في منتصف شهر تشرين الثاني 1914 فأكتسحتا المناطـق التي على طرفي الحـدود ابتداءً من منطقـة ( هاورامان ) لغاية
تبريز
([28]) وكان مقر قيادة الجيش الثالث في قفقاسية قد أرسل مفرزة من نحو (700) متطوعاً بقيادة عمر ناجي عضو جمعية الأتحاد والترقي إلى منطقة أورمية حيـث تعاون عمر ناجي مع ابراهيم فـوزي وخالد بك فـي إثارة العشائر الكرديـة هناك فتجمع الآلاف من المتطوعين الأكـراد وتمكنوا من احتلال مدينة تبريز في 14 كانون الثاني 1915 ([29]) .

     هذا وقد ساهم الأكراد في الكثير من الحملات التي أعدت ضد الآثوريين القاطنين على طول الحدود الشمالية والشرقية في ولاية الموصل،كما سيتضح لنا ذلك عند معالجتنا موضوع الآثوريين في الصفحات القادمـة . وقد ساهم الأكـراد في الدفاع عن حدود ولايـة الموصل عند تهديـد القوات الروسية لبعض مناطقها. وكان دور المتطوعين الأكراد واضحاً في إيقاف هذه القوات عند راوندوز وبنجوين ([30]) .

     أما بالنسبة لعرب مدينة الموصل فقد انخرط عدد من شبّانها في صفوف المقاتلين وانتظموا في القطعات المختلفة للجيش العثماني ، فقد كان يوم 26 آب سنة 1914 يوماً مشهوداً في تاريخ أهالـي الموصل . إذ تجمع الرجال المستنفرون إلى القتال ليلاً في الجانب الأيسر من المدينة للاستعداد لتسفيرهم إلى حلب ، وكـان ذلك بعد صلاة العشـاء ، والغاية من تجمعهم هناك هو الحيلولـة دون معرفة أقاربهـم لموعد سـفرهم وحتى لا تحصل ضجّة في المدينة . لكن الخبر سرعان ما انتشر بين الناس فتواردوا إلى الجانب الأيسر لتوديع أبنائهم ([31]) ، ولما كـان الوقت ليلاً فقد اسـتعمل الناس عيدان ثقاب الكبريت لتمييز أولادهم ، وذلك عرفت القوة بأسم( طابور أبو شخاطة )([32]) .

      جُعلت مدينة الموصل مركزاً لتجمع القوات العثمانية ، ومن هذه القوات ما عرف بأسم( القوة السفرية الأولى ) التي أُرسلت أول الأمر إلى الموصل لتتجه نحو الجنوب لمقاومة القـوات البريطانية الزاحفة . ولكن سرعان ما أصدرت القيادة العثمانية أمرها إلى هذه القوات بالتوجه نحو إيـران وطرد القوات الروسية وتهديد مواقعها في القفقاس ([33]) . وقد أظهر عرب الموصل الذين لم تسمح لهم أحوالهم الشخصية من حمل السلاح العطف على الجيوش العثمانية التي كانت تمر عبر المدينـة في طريقها إلى جبهـات القتال فكانوا " يستقبلون الجنود لاستقبالهم لأولادهم ويتسابقون في إكرامهم ورفادتهم" ([34]). وكان وصـول أي قـوة عسكرية إلى المدينـة كفيلاً بأن يثيـر في نفوس الموصليين كثيراً من الحماس ،حيث يتجمع الأهالي من مختلف الطبقات على جنبـات الطريق ويتسابقون في تقديـم مختلف الأموال والألبسة والحلويات والنقود إلى هـذه القطعات ، وكثيراً ما كان يتوزع جنود تلك القطعات على المساجد والجوامع والخانات لعدم كفاية المعسكرات .إذ يتولى أهالي الموصل أمر إعاشتهم لمـدة قد تتجاوز في بعض الأحيان الأسبوعين ([35]) . كما كان وصول بعض القادة العسكريين إلى الموصل يثير في السكان حماساً متزايداً. فقد استقبل القائد الألماني فون دركولتز في 28 تشرين الثاني سنة 1915 استقبالاً حافلاً . وقد اشترك في استقبال أنور باشا وزير الحربية عند وصوله الموصل في يوم 15 آيار سنة 1916 كثير من وجهاء البلـدة ورجال الدين المسلمين والمسيحيين وجمهور غفير من الناس ([36]) .

     كما يبادر بعض الموصليين بتأسيس جمعية فرعية لجمع الإعانات عرف بأسم ( مدافعة مليه جمعيني ) أي جمعية الدفاع الوطني . وكان الهدف من تأسيسها العمل على جمع التبرعات النقديـة والعينية للجيش ([37]) . وكان من أعضائها رشيد الخطيب . وقد ذكر صديق الجليلي لكاتب هذه السطور أن السائح والصحفي التركي التتري عبد الرشيد ابراهيم الذي كان يدعو للجامعة الإسلامية هو الذي أسس هذه الجمعية بعد وصوله الموصل في أيلول1914. إلاّ أنّ رشيد الخطيب عضـو الجمعية المذكورة نفى ذلك ، وقال أنها أسست قبل وصول السائح المذكور بمدة قصيرة . وقد استطاعت هذه الجمعية القيام بجمع الكثير من الإعانات واللوازم من خيام وحيوانات وألبسة وغير ذلك . وتقديراً لدورهـا فقد أمر أنـور باشا بمنح أعضائها أوسـمة لما بذلوه من جهود ([38]).كما أوقف عدد من الموصليين أقلامهم لتأييد دعوة الجهاد ومساندة الدولة العثمانية ، ومن هؤلاء على سبيل المثال محمد حبيب العبيدي ـ وكان يومذاك ـ في الشام . وقد ألّف كتابين في هذا المجال طُبعا في بيروت سنة 1916 ، أولهما عنوانه ( حبال الاعتصام ووجوب الخلافة في دين الاسلام ) وقد حـذّر العبيـدي المسلمين في الكتـاب الأول من الأنكليـز ودعاهم إلى مواصلـة حربهم . أما الكتـاب الثاني فقـد عدّد العبيدي ست عشرة جناية ارتكبتها بريطانيا بحق المسلمين ودولة الخلافة ، ومن هذه الجنايـات سوء نيتها وخبث طويتها وتظاهرها بالخير للمسلمين وهي تضمر لهم شرّاً وتسعى لتبديد شـمل المسلمين والعمل على سلب الحقوق السـياسية ممن في قبضة أسرها من المسلمين وأفظع  ما هنالك إكراهها المسلم على مواجهة المسلم في هـذه الحرب العامة . وقـد وجّه نـداءه إلى من يحمل السلاح ضد الدولة العثمانية بقوله :

(( فهلاّ أيها المسلم المكره على حرب أخيك لماذا تحاربه إنه لم يحمل سلاحه ليحاربك بل ليحارب من أجلك فلماذا أنت تحاربه ثم على ماذا ؟ ويحك إنه قد أتاك يحمل علم نبيك الشريف في ظل خلافتك المقدسة يجاهد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا تأييداً  لدينك وتعزيزاً لقرآنك ثم إحياءً لمجدك ومجد آبائك )) ([39]) .
     ويرى العبيدي أنّ دخول الانكليز الحرب ضد الألمـان والعثمانيين كان لأمرين :

(( أحدهما : إنهاك قوى الألمان وتمزيق شـمل ألمانيا حدا لهذه الدولة على فرط رقيها وتقدمها السريع ثم خشيةً منها في مستقبل الأيام لتفوقها على الإنكليز بـرّاً ... وثانيهما : انتهاز الفرصة في هـذه الحرب الطاحنة لتمام القضاء على الاسلام والمسلمين وذلك بحل المسألة الشرقية ... وليست هي في الحقيقة إلاّ ما يمنى به أنفسهم ، الأنكليز وحفاؤهم
( الروس والفرنسـيون ) قديماً وحديثاً في تقسيم المملكة العثمانية ومحو الخلافة الاسلامية ... ))
([40]) .

      وكان محمد حبيب العبيدي يومذاك واعظاً للجيش الرابع العثماني ، وقد دخل ضمن الوفد الذي أرسله جمال باشا بعد انتصارات الجيش العثماني في الدردنيل إلى الأسـتانة سنة 1915 لكي يظهـروا للمسؤولين هناك أنّ أهل الشـام راضون عن جمال باشا وذلك بعد إعدامـه الوجبة الأولى من زعماء العرب ([41]) .

مواقف سلبية :

       بالرغم من المواقف الإيجابية السابقة الذكر لسـكان لاية الموصل من العثمانيين ، فهناك تيارات معاكسة قبيلية وقومية ومنا ولدّته ظروف المجاعة بالإضافة إلى دور الاستخبارات المعادية للعثمانيين في هذا الشأن. وقد تمثلت تلك التيارات المتعاكسة أو المواقف السلبية لسكان الولاية بالتحركات التالية :
التحرك اليزيدي :

     حاول رؤساء اليزيديـة الاتصال بالقوات البريطانية أثـر احتلال بغداد بوسائل عديدة . إذ قام اسماعيل بك أمير الزيدية بإرسال رسـالة إلى القيادة البريطانية في بغداد موقعـة من قبل عدد من رؤسـاء اليزيدية . وقد حمل الرسالة رجل مسيحي اسمه ( أوسي ) من أهالي بغداد ، طلب اليزيدية فيها مساعدتهم ضد الحكومة العثمانية وضمان أرواح اللاجئين الأرمن بينهم([42]). وكان عـدد من الأرمن قد التجـأوا إلى جبل سنجار خلال الحرب فأكرمهم اليزيدون وحافظوا عليهم ، ووقف حمو شيرو رئيس اليزيدية في جبل سنجار يقول لأتباعه في اجتماع عام : " ... إننا يجب أن نطعمهم ونحترمهم وإذا رفض أي واحد منكم مساعدتهم فإنني سوف أنزل به العقاب الصارم ". وقدّر عدد اللاجئين الأرمن الذين استقبلهم اليزيدية قرابة (400) لاجئ ([43]) .

     اغتنمت السلطات العسكرية البريطانية تلك الفرصة لكي تعمل على إثارة الفوضى في الصفوف الخلفية للقوات العثمانية ليسـهل بعد ذلك تقدمها نحو الموصل.وكتب الجنرال ستانلي مود القائد العام للقوات البريطانية في العراق بخصوص ذلك يقول : " ... ستكون خطوتنا الثانية الاتصال برئيس اليزيدية في سنجار لنحصل على مساعدته في غزو مواصلات العدو، ولكن ذلك يجب أن يكون تحت قيادة ضباط بريطانيين إن استطعنا إرسالهم إلى هناك " ([44]) . وقد أقـدم الجنرال مود على إرسـال جواب إلى رؤساء جبل سنجار ومنهم حمو شيرو يشكرهم فيها على محافظتهم لأرواح اللاجئيـن المسيحيين بينهم ويوعدهم بالمساعدة ([45]) . وقد ورد في التاريخ الرسمي البريطاني ([46]) أنّ الخطوات أتخذت للإتصال برئيس اليزيدية في سـنجار لكسب مساعدته في القيام بغارات ضد خطـوط المواصلات العثمانية . وقد تمت تلك الخطوات بين آيار وتموز سنة 1917 .

   هاجمت عصابة يزيدية في أواسط تشرين الأول 1917 السيارات المسلحة العثمانية في طريقهـا من الموصل إلى نصيبيـن في موقع ( تل العوينات ) فقتلت جندياً وجرحت أربعة ([47]) . وفي كانون الأول سنة 1917 أعلن يزيدية جبل سـنجار تمردهم على السلطات الحكومية فامتنعـوا عن دفع الضرائب والتكاليف الحربية وأعلنوا العصيان ([48]) .

    لقد كانت السلطات العثمانية على علم بدسائس الانكليز وعلاقاتهم برؤساء اليزيدية في سنجار . إذ كتب قائممقام قضاء سـنجار يعلمه بأن اليزيدية في سنجار قد أجروا بعض الاتصالات مع الانكليز ([49]) . كما أحيطت السلطات العثمانية بواسطة محمد العبد الرحمن شيخ عشائر طي القاطنة قرب نصيبين علماً بأن الانكليز كانوا يبثون الدعاية والجواسيس لتحريك اليزيدية وعشائر شمّر والأكراد القاطنين في جبل طـور الواقع ما بين جزيرة ابن عمر وبين نصيبين ومارديـن للقيام بثورة ضـد الحكومة العثمانية ([50]) . لذلك قررت السلطات العثمانية في ولاية الموصل التنكيل باليزيدية ووضع حد لاتصالاتهم تلك . فجلب مقر الجيش السادس فقي الموصل فوجين من اللواء (22) الذي كان قد سيق من راوندوز إلى أربيل منذ شهر كانون الأول 1917 فجئ بهما إلى الموصل ثم جرى تحديـد هذه القطعات ، بعد أن أضيفـت إليهما قوات أخرى ، من تلعفر خلال آذار 1918 بأسم ( مفرزة اللواء 22 ) وجعلتن تحت قيادة العقيد ابراهيم بك آمر اللواء المذكور ([51]) .
      انضمّ إلى هذه القوات ، بعض الفرسان من العشائر العربية من المنطقة ، وخاصـةً من طي وشـمّر والجحيش ، كما سـاهم التلعفريون كذلـك بنحو (1000) فارس ([52]) . وكان أوّل ما فعله آمر المفرزة ابراهيم بك هو أن أنذر زعماء اليزيدية المتمردين وأمهلهم حتى يوم 26آذار لتنفيذ ثلاثة شروط هي:
       
          1 ـ  حضور (23) من كبار رؤسائهم إلى عين الغزال على سبيل
                 ( الدخالة ) .
          2 ـ  تسليم جميع اللاجئين المسيحيين الموجودين عندهم .
          3 ـ  تسليم كافة الأسلحة والمعدات الحربية التي بحوزتهم ([53]) .

     رفض زعماء اليزيدية الشروط الثلاثة وصمموا على المقاومة فتحركت ( الحملة التأديبية ) المذكـورة في يوم 26 آذار إلى عين الغـزال وشرعت بالحركات في اليـوم التالي فاحتلت ( تبه كـوي ) و ( سـنجار ) ثم تقدمت فاحتلت ( قزلكند ) يوم 28 آذار وأحرقت معظم القرى التي صادفتها ، ونهب الجنود وأبناء العشائر ما وجدوه في هذه القرى من أموال وأثـاث ومواشي وغيرها. ثم زحفت القوة في يوم 30 آذار إلى ( جدالة ) وطردت من طريقها اليزيديـة في الجبال الواقعة شـمال قرية ( الحسنان ) وقـد اضطر رؤساء اليزيدية في 16 نيسان سنة 1918 إلى طلب الدخالة والأمان ([54]) . وفي 24 نيسـان طلب زعيمهم حمو شـيرو عفو الحكومـة وقبول دخالته . وبالنظر لصعوبة وضع الجيش العثماني في جبهة كركوك آنذاك فقد طلب مقر الجيش السادس من القوة المذكورة العودة إلى الموصل . وقد أرسـل الوالي ممدوح بـك وقائممقام سـنجار محي الدين بك وقائممقام تلعفـر منير بك والسـيد عبد الله ([55]) ويونـس عزيز من رؤساء تلعفـر ([56]) إلى سنجار لحل بعض مشاكل اليزيدية وتسويتها إدارياً ([57]) .
     تركت هذه الحملة في نفوس اليزيدية أثراً سـيّئاً وزادت من إصرارهم للاتصال بالسلطات العسكرية البريطانية . فتمكن أمير اليزيدية اسماعيل بك بعد ذلك من الذهاب إلى سامراء حيث وصلتها القوات البريطانية. وقد اجتمع هناك بعدد من القادة العسكريين موضحاً لهم بأنه قد جـاء إليهم بتفويض من رؤساء جبل سنجار ([58]) . وقد اسـتعرض أمامهم الأحـداث التي مرّت بها طائفته وقال لهم بأنه قد قتل من اليزيدية (130) شخصاً ومن القوة العثمانية (250) شخصاً وأن القـوة العثمانية أحرقت (25) قرية ونهبت (15) ألف رأس من الغنم . وقد قدّر الانكليز خسارة اليزيدية بنحو (200) ألف روبية . ووضع اسماعيل بك أمام الانكليز كذلك مطالبه وقدّم خطة لاحتلال الموصل وعرض عليهم اسـتعداد اليزيدية للقيام بهـذا العمل ومساهمتهم مع القوات البريطانيـة في احتـلال الموصل . وقد تلخصت مطالبه بما يلـي : تزويد اليزيدية في جبل سنجار بحوالي (3000) بندقية مع ذخيـرة كافية ، وتهيئة طائرتين حربيتين للمسـاهمة في هـذه العملية مع بضعة مدافع وقوة مشاة عسكرية . وقد بيّن خطته على أسـاس أن يحشـد اليزيدية قوتهم ويهاجموا الموصل من جهـة نصيبين والمناطـق المجاورة لهـا على أن تقوم القوات البريطانيـة بمهاجمتها من الجهة الجنوبية . وبيّن لهـم أن عدم تحقيق هذه الخطة معناه القضاء على اليزيدية واللاجئين المسـيحيين الموجودين بينهم . وقد اسـتدعى أمير اليزيدية اسماعيل بك إلى بغـداد ليعرض ذلك أمام القائد العام للقوات البريطانية، وبعد أن أعطى معلومات تفصيلية عن وضع المنطقة وقوة اليزيدية وعن مدى استعدادهم بيّن له الجنرال مارشال القائد العام عدم توفر الظـروف الملائمة لتزويده بالأسـلحة والمعدات التي طلبها خلال تلك الفترة وأعلن عن رغبته في إرسال قوة استطلاعية برفقة ضابطين وتعويض اليزيدية عن جميع الخسائر التي تكبدوها في حربهم مع العثمانيين ([59]) .

    تألفت فرقة الاستطلاع البريطانية التي تحركت إلى جهات اليزيدية من بعض المدرعات والسـيارات برئاسة الكولونيل جيـرارد أي ليجمن ضابط شؤون العشائر في الجيـش البريطاني والمعروف بسيطرتـه على العشائر ومعرفته للغـات المحلية معرفةً جيدة ([60]) ، مصطحباً معه ضابطاً آخر هو الكابتن هدسن مع رفقة أمير اليزيدية اسماعيل بك ([61]) . وقد ضمّت الفرقة الاستطلاعية أيضاً أنفاراً من عشيرة شمّر جربا تابعين للشيخ فيصل الفرحان المتواطئ مع الانكليـز . ووصلت الفرقة في 10 تموز سـنة 1918 قرية جدالة التابعة لسنجار([62]) ، كما اجتمع الكولونيل ليجمن عدة مرات مع ( كبير الفقراء ) حمو شيرو وجماعته. وقدّم حمو شيرو للضابط البريطاني معلومات تفصيلية عن تحركات الأتراك والألمان في المنطقة ومدى قوتهم ([63]) . وظهر أنّ اليزيدييـن ليسوا قادرين على أن يعملـوا المزيد من الغـارات لمصلحة البريطانيين إلاّ إذا بعث الأنكليـز ببعض القوات إلى جبل سنجار أو احتلوا الموصل ([64]).وقد جرى الاتفاق على أن يقوم اليزيدية بمهاجمة الأتراك عندما يقترب الجيـش البريطاني من الموصل . وقفـل ليجمن وحملته راجعاً إلى تكريت بعد أن استطلع طريق الثرثار في الوقت نفسه ([65]) .




تحرك الأكـراد :

    بالرغم من المواقف الإيجابية للأكراد تجاه العثمانيين في قضية الجهاد ، فقد كانت لهم مواقف سـلبية أيضاً ، وقد يعـود بعضها بالدرجة الأولى إلى الدعايات الأنكليزية . فمنذ بداية الحرب كتب جاويد باشا والي بغداد 1914 ـ 1915 في مذكراته :

(( طلبت من والي الموصل سليمان نظيف ورجوته إرسال عدد من المتطوعين الأكراد . وقد استطاع جمع (700) فارس من قضاء دهوك ، لكنهم امتنعوا عن الذهاب إلى الجنوب عندما علموا بأنهم سوف يحاربون الأنكليز قائلين : إنّ الأنكليز أناس طيبون وإننا نستطيع أن نعيش معهم بسلام ... )) ([66]) .


     وعلى الرغم من وجود بعض المبالغة في هذا القول إلاّ أنّه يعطي انطباعاً عن وجود بعض المواقف السلبية إزاء العثمانيين حتى في بداية الحرب .

      شرعت السلطات الاحتلالية البريطانية الاتصال بالأكـراد بشكل جديّ في منطقة الموصل أثر احتلالها بغداد في 11 آذار سنة 1917 ، حين فاتحوا الشيخ حميد الطالباني وغيره من رؤساء الطالبانيين والداوده في نهاية أيلول سنة 1917 وذلك ليطمئنوا على عدم مساعدتهم للقـوات العثمانية ، وخاصةً فيما يتعلق بتقديم المؤونـة وغيرها . وكان الشـيخ حميد الطالباني قد حشّد قبيلته في منطقة كَيل الواقعة في شمال شرقي داقوق . وأكّد الشيخ الطالباني وعدد من رؤساء الداوده والطالبيين للانكليز أنهم سوف يستمرون في موقفهم السلبي تجاه العثمانيين طالما هناك أمل بوصول القوات البريطانية . وقد نقلوا جميع أغنامهم إلى الشمال من جهة الزاب الصغير لتكون بعيدة عن متناول يد السلطـات العثمانية ، كما قاوموا كل مطالب العثمانيين لتقديم المساعدة سواء بالرجال أو المؤن ([67]) . ولم يكن الطالبانيون وحدهم يرحبون بدخول الأنكليز بل اشترك معهم في هذه الرغبة عدد من رؤساء أكـراد منطقة بهدينان من الذين ضاقوا ذرعاً من الفوضى والفسـاد الإداري العثماني . وقد كان لنشاط المبشرين البروتستانت في تلك المناطق أثـر كبير في تهيئة الأذهان لمجيء الانكليز ([68]) ، كما كان للضباط البريطانيين الذين كانـوا يتجولون في منطقة كردستان الجنوبية بصفات مختلفة اثر كبير في التمهيد للاحتلال البريطاني . إذ اتقن بعضهم اللغة الكردية ودرسـوا أوضاع كردستان دراسة متخصصة وأقاموا صلات وثيقة مع بعض رؤسـاء العشائر الكردية وبصـورة خاصة عشيرة الجاف . ويجب أن نتذكر في هـذا المجال الميجر صون الذي تجوّل في كردستان متنكراً بزي رجل فارسي أسمه ( ميرزا غلام حسين شيرازي ) وقد أصبح صون في سنة 1917 حاكماً سياسياً في مندلي ، ثم عيّن بعد ذلك حاكماً سياسياً في السليمانية،وقد ألّف صون كتاباً ضمنه انطباعاته وملاحظاته عن تلك الرحلـة التي بدأت منذ سـنة 1919 وانتهت بالاحتلال البريطاني لبغداد ([69]) .

     لقد ازداد اتصال الانكليز بشكل ملحوظ بعد احتلال كفري في 28 نيسان سنة 1918 وكركوك في 7 آيار سنة 1918 حين عُقد في السليمانية مؤتمر كبير حضره عـدد من وجهاء السليمانية برئاسـة الشيخ محمود البرزنجي قرروا فيه إنشاء حكومة كردية مؤقتة برئاسة الشيخ محمود تتخذ موقفاً ودّياً إزاء القوات البريطانية ([70]) وكتب الشيخ محمود نفسه بالنيابـة عن الشعب الكردي في جانبي الحدود العراقية ـ الفارسية رسالة إلى القيـادة العسكرية البريطانية في كركوك عرض فيها استعداده لتسليم مقاليد حكومته هذه أو أن يقوم باعتبـاره ممثلاً للبريطانييـن للاضطلاع بالحكـم تحت حمـاية العَلََم البريطاني ، وقد قال في رسالته :

(( إنّ الشعب الكردي سَرَّهُ النجاح الذي أحرزته القوات البريطانية وأنه وقد تحرر من الاستبداد التركي ليتطلع إلى الازدهار تحت الحكم البريطاني كما ازدهر العراق سواء بسواء ))

    وحتم رسالته راجياً أن يعطي ضماناً بعدم السماح للأتراك بالعـودة إلى كردستان ([71]) .

    بلغ أسماع مقـر الجيش السادس العثماني نبأ رسالة الشيخ محمود الآنفة الذكر إلى الأنكليز ، لذا أوعز رئيس أركان ذلك الجيش إلى مصطفى بك قائد الجيـش في منطقة السليمانية أن يلقي القبـض على الشـيخ محمود . وقد احتال مصطفى بـك للقبض عليه حيث دعاه للاستشارة والمداولة في بعض المواضيع التي تتعلق بالأكراد ، ولما حضـر ألقى القبض عليه وأرسله إلى كركوك تحت حراسـة قوية فـزُجَّ به في السـجن . وبعد محاكمة عسكرية
حكم عليه بالإعـدام بناءً على التوصيات الصادرة من رئاسة أركان الجيش السادس
([72]) .

      لم تكن السـلطات العثمانية في الموصل جـادة في تنفيذ حكم الإعدام بالشيخ محمود ، واستقرّ رأيها على إصدار العفو عنه. وقد يعود ذلك لخشيتها من ردود الفعل بين القبائل الكردية ، وكذلك لسياسة علي إحسـان باشا الذي تولى رئاسة أركان الجيش السادس . إذ فضّل ذلك القائد إصدار العفو عن الشيخ محمود أملاً في كسبه والاستفادة منه ضد الانكليز . وقد عرض علي إحسان باشا على الشيخ محمود مشروع تأليف كتائب كردية للدفاع الوطني بأسم ( التشكيلات الملية ) ([73]) تحمي الجناح الأيسر من القوات العثمانية في منطقة السليمانية وتهاجم خطوط مواصلات الجيـش البريطاني . وقد أعاده إلى السليمانية مـزوداً بالتعليمات والتوصيات ، كما قدّم إليه مبلغ (5000) ليرة ذهبية عثمانية لتنظيم أمره وتأليف القوة العشائرية المذكورة آنفاً . وفي ذات الوقت أوعز إلى قائـد الجيش العثماني في منطقة السـليمانية أن يقدم للشيخ محمود ما يحتاج إليه من المعدات والأسلحة ([74]) .

    هذا وقد خيّب الشيخ محمود آمال العثمانيين فيه ، إذ لم يكتفِ حال عودته للسليمانية بعدم تنفيذ المشروع السالف الذكر فحسب ، بل عاود اتصالاته مع السلطات البريطانية في كركوك عارضاً عليهم خدماته ضد الأتراك .

     لم يكن الشيخ محمود الوحيد الذي تزلف إلى السلطات البريطانية ، بل عمـد آخرون من رؤساء الأكـراد فحذوا حذوه نخص بالذكر منهم رؤساء الهماوند ، إذ أرسل هؤلاء عدة رسائل أبدوا فيها استعدادهم لمساعدة القوات البريطانية بتقديـم كل عون ([75]) . وكانت عشـائر الهماوند قد أتخـذت من العثمانيين موقفاً سلبياً منذ وقت بعيد كما مرَّ بنا ذلك . وقد ازداد هذا الموقف السلبي تفاقماً بعد الاحتلال البريطاني لبغـداد ، إذ قام الهماوند بقطع الطرق الطرق بين كركوك والسليمانية عدّة مـرات وكثيراً ما اضطرت قيادة الفيلق الثالث عشـر العثماني إلى إرسال مفـارز للتنكيل بالهماوند وإحراق قراهم وشنق بعض زعمائهم ([76]) .

      واجه العثمانيون كثيراً من المواقـف السلبية التي أبدتها عشائر وفئات كردية أخرى في مناطق متفرقة من ولايـة الموصل . وقد ازدادت حدّة هذه المواقف بعد اشـتداد المجاعة واختلال الأمن في الشـهور الأولى من سنة 1918 ، فقد بدأت العشائر الكردية تهاجم قوافل الامدادات العثمانية التي كانت تنتقل من كويسـنجق إلى التون كوبـري . كما هاجـم بعض الأكراد مستودعات الذخائر الواقعة في منطقة الواقعة في منطقة عقرة ، وعلى مفارز   المبايعة والجباية في جهات كاني رش وشهر بازار والزيبار([77]) .

     وقد حدثت في صيف سـنة 1918 كثيراً من الهجمات المماثلة من قبل العشائر الكرديـة على بعض القوافل والقـوات العثمانية ، فقد هُوجم ضابط الارتباط الألماني في طريق عودته ممن السليمانية إلى كويسـنجق على أثر احتلال الأنكليز لمدينة كركوك ، فقتلوا بضعة أشخاص من رجالـه وسلبوا امواله وأثاثه وجهاز اللاسـلكي الذي كان يحمله ، كما باغت بعض الأكراد يوم 6 آيار سنة 1918 قافلة متصرف السـليمانية والتي كانت تضم بعض الموظفين وعوائل الضباط وأفراد الدرك العثماني أثناء طريقها من السليمانية إلى كويسنجق فاشتد القتال بين المهاجمين وحرس القافلة مدة خمـس ساعات قتل وجرح أثناء المصادمة بعض الأشخاص . وفي يوم 18 آيار سنة 1918 داهم بعض الأكراد قافلة أخرى مؤلفة من ضابط إعاشة السـليمانية وضابط التجنيد وبعض الضباط من فوج حـدود السليمانية يصحبهم نحو (23) جندياً من الفوج المذكور كحرس للقافلة وذلك على طريق السليمانية ـ كويسنجق . وقد اشتد القتال بين المهاجمين والحرس قتل فيه (12) جندياً وجـرح ثلاثة ضباط ، كما سلبت خزانة ضابط الإعاشة المحتوية على نحو (80000 ) قرش وخزانة جابي رسوم الأغنام ودائرة البريد ([78]) .

     هذا وقد قامت بعض العشائر الكردية بتخريب خطوط مواصلات الجيش العثماني أثناء انسحابه من كركوك نحو آلتون كوبري في آيار 1918 . وقد طلبت وزارة الحربية العثمانية من مقر الجيش السادس ، بعد أن ازدادت أعمـال الهجوم على خطوط المواصلات في المنطقة الواقعة بين السليمانية وكويسنجق إرسـال حملة عسكرية للتنكيل بهذه العشـائر . فأوفد الفيلق في تموز 1918 اللـواء (18) لهـذا الغرض ، إذ توزعت قطعاته بين منطقتي كوبيسنجق وجمجمال . كما قام العقيد رفعـت بك آمر اللواء المذكور ببعض الحركات في ناحية سورداش للتنكيل بعشائر هـذه المنطقة ، وفي 19 تموز عاد إلى كويسنجق عمال الهجةم عغلى خطوط المواصلات فقي المنطقة الواقعة بين السليمانية وكويسنجق إرسيال حملة عسكرية للتنكيل بهذه العشائر . فأوفد الفيلق في تموز 1918 اللواء (18) لهذا الغرض ، إذ تةوزعت قطعاته بين منتطقتنسي كويسنجق وجمجمال . كما قام العقيدج رفعت بك آمر اللواء المذكور ببعض الحركات في ناحية سوزرداش للتنكيل بعشلائر هذه المنطقة ، وفي 19 تموز عاد إلى كةويسن([79]) .

تحرك العشائر العربية :

         لقد كان من أبرز التعليمات التي أصدرتها هيئة الأركان العامة للقوات البريطانية إلى وليم مارشال حال تسلمه قيادة الجيش البريطاني في22 تشرين الثاني1917 مسألة العمل الدؤوب على الاستعانة بالعشائر العربية في عرقلة مواصلات الجيش العثماني والامتناع عن تزويده بالمؤن. لذلك لم يهمل القائد الجديد قضية استمالة العشائر ، وبذل جهوداً كبيرة لتشجيعهم على الثورة ضد الأتراك . وقد أثّرت هذه السياسة خاصة فيما يتعلق بعشائر شمّر جربا ([80]) .
     حاول الانكليز الاسـتفادة من وجود عشيرة شـمر بالقرب من الخطوط البريطانية في بغداد للاتصال برؤسائهم آنذاك.وكان من عادة العشيرة الاتجاه نحو جنوب الموصل عندما تسنح لهم الظروف في الشتاء . وقد ظهرت قرب بغداد حوالي (1000) خيمة وكان يرأسها آنذاك أحد أبناء فرحان باشا وهو عبد العزيز بك . وقد وصل بعد ذلك ابنه عجيل الياور بألف خيمة أخرى . ولم يحاول الانكليز التعرض إليهـم ، بل حاولوا اسـتمالتهم والاستفادة منهم وقدّموا لهم بعض المواد الغذائية والمنح المالية الصغيرة ، كما خصصوا لهم المراعي . وقد تمكن الانكليز بعد ذلك ـ كما رأينا ـ من الاستعانة بفيصل ابن فرحان باشا أحد رؤساء شمر عندما اتصل اليزيدية بالانكليز وقد أرسل ابنه تركياً مع خمسين مسلحاً من شـمر لحماية الحملـة الاستطلاعية التي رافقت الكولونيل ليجمن إلى جبل سنجار ([81]) .

     هذا وكان فيصل قد ذهب إلى الحجاز للاتصال بالشريف حسين ورجع وهو يحمل كتب توصية من الشريف حسين . وبتأثيـر تلك التوصية التحق بأخيـه عبد العزيز وابن أخيـه عجيل الياور ليعمل ضد الأتراك في منطقة الجزيرة الشمالية . ولكن الخصومات القبلية على الرئاسـة كانت ـ على ما يبدو ـ عقبـة في طريق ذلك التعـاون ، فسرعان ما انسـحب عبد العزيز وعجيـل مع معظم  من جاء معهما إلى الأراضي التركية . أما فيصل بك ـ والذي كان موالياً للانكليز ـ فلم يجازف بالرحيل إلى الشمال وبقي حيث توجد مجموعة من شمّر في الجنوب مدعياً أنه شيخ شمّر ورئيسها .  وكان ذلك في الوقت الذي أعلن فيه عبد العزيز وعجيل انضمامهما إلى العثمانيين. وعلى الرغـم من ذلك فقد كانـت المساعدات التي قدماهـا للقوات العثمانية ضئيلة جداً فسرعان ما أعلنا خضوعهما للانكليز بعد الهدنة ([82]) .

   لقد واجه العثمانيون مواقف سلبية من العشائر البدوية القاطنة بين الموصل ونصيبين . إذ أخذت هـذه العشائر تهاجم طريق انشاءات السكة الحديد في شهر آذار 1918 . وقد اضطر مقر الجيش السادس إلى إرسال قوة عسكرية من الفيلق (18) العثماني وفوج أفريقيا ( المشكل من جنود المغاربة الأسرى الذين أسـرهم الألمان في جبهـة أوربا الغربية ) وذلـك لمحافظة الخطوط المواصلات المذكورة . وقد توزعـت تلك القطعات وكانـت برئاسة المقدم ابراهيم بك الخيال بين نصيبين وقرية حكنه ( التابعة لتعفر ) ([83]) .

     أما موقف الجبـور فكان عدائياً أيضاً . وكانت مشكلة التجنيد قد زادت من حدة ذلك الموقف . حيث امتنع رؤساء الجبور ـ شأنهم شأن غيرهم من العشائر ـ عن تقديم الجنود للخدمة العسكرية ، وكثيراً ما لجأت الحكومة إلى إرسال مفارز عسكرية للتنكيل بهم . وقد ازداد ضغط العثمانيين على الجبور خاصةً فيما يتعلق بأخذ الإعانات والأعشار . فالتجأت هذه العشيرة إلى قطع طرق مواصلات الجيش العثماني . وقـد ازداد تجاوز الجبور على خطوط المواصلات العثمانية أثناء تقدم الجيش البريطاني نحو الموصل . لذا أرسل مقر الجيش السادس في 27 تشـرين الأول 1918 فوجين من اللواء الرابع عشـر وأربعة مدافع لضرب هـذه العشيرة وخاصة بين القيارة والشورة .
وقد ساعد موقف الجبـور السلبي هذا القـوات البريطانية أثناء تقدمها نحو الموصل
([84]) .



التحرك الآثوري :

    الآثوريون هم أتباع الكنيسة النسطورية الكبرى في آسيا ، أسسها نسطور بطريرك القسنطينية في أوائل القرن الخامس للميلاد . وموجز آرائه أنّ للمسيح طبيعتين ، آلهيـة وبشرية ، غيـر أنّ الطبيعة الأخيرة هي المتغلبة على شخصيته ([85]) .

    كانت مواطن الآثوريين ، قبل نشوب الحرب العالمية الأولى ، تتركز في مقاطعتي أورمية وسنه الفارسيتين وفي منطقة حيكـاري في بلاد الأناضول التركية وفي قسم من جبال بـرواري بالا للتابعة لقضاء العمادية . ولم يكن يسكن منهم داخل حدود ولاية الموصل آنذاك سـوى أقلية ضئيلة لم تتجاوز الـ (2045) نسمة من المجموع الكلي للآثوريين والذي قـدّر عددهم آنذاك بحوالي (100.000) نسمة ([86]) .

     كانت زعامة الآثـوريين الدينية والمدنية بيد بطريرك يلقب بـ ( مار شمعون ) وتتمثل فيه السـلطة الروحية العليـا ، كما يتولـى رئاسة عشائر النساطرة عملاً بسنّة تقليدية منذ نسطور الأول . ومن عشائر النساطرة : التياريين والجلو والتوخوما والباز،وقد غلبت كلمة التيارين على تسميتهم عند العامة . وكان المار بنيامين قد ارتقى الكرسي البطريركي قبل نشوب الحرب بقليل ، ولمّا كان عمره لا يتجاوز السادسة عشرة لذا كان يساهمـه في مهام أموره والده أغا داؤد وعمته سرية خاتون . ويأتمر بهذا الثالوث شخص رابع يدعى أغا بطرس من عشيرة الباز الآثورية القاطنة في فارس ([87]) .

      تظاهرت بريطانيـا بالعطف على الآثـوريين ، كما لها بينهم مصالح تبشيرية تمثلت ببعثة أساقفة كانتر بري . وقد أوفد هذه البعثة المؤلفة من ( 5 ـ 6 ) قساوسة من الكنيسة الأنكليكانية رئيس أساقفة كانتر بري سنة 1886 بناءً على طلب من بطريرك الآثوريين ([88]) . كما أنشأ مبشر يدعى مكداويلد مدرسة تبشيرية في قرية قوجانس في منطقة حيكاري . وكانت هذه المدرسة بمثابة همزة الوصل بين النسـاطرة والقنصل البريطاني فـي وان . وكانت الحوادث التي تقـع لهم مع عشائر بهدينـان الكردية تنعكـس إلى القنصل البريطاني عن طريق هذا المبشر ([89]) . وقد جار في تلك المناطق قبل الحرب صراع عنيف بين البعثـة التبشيريـة الأنكليكانية والأسـاقفة الكاثوليك من الدومنيكان في الموصل ([90]) ، كما أسست بعثات مماثلة من الكنائس الأميركية من الموصل وأورميه ، وقـد كانت الغاية المنشودة من تأسيس هذه البعثات محاولة كسب النساطرة . ونشطت حركة التبشير سنة 1913 لهداية الجبليين في حيكاري للمذهـب الآرثودكسي واستمرت حتى نشـوب الحرب العالمية الأولى ([91]) .

     وجد الآثوريين من رعايا الدولة العثمانية في الحـرب العالمية الأولى فرصة للتخلص من الحكم العثماني . وقد شجعهم تقدم الروس في الأناضول الشرقية سنة 1915 للثورة ضد الأتراك والتعاون مع الروس ([92]) . وقد هدد الأتراك المار شمعون بقتل أخيه هرمـز وقد كان يـدرس في الأسـتانة ثم احضر إلى الموصل . وقد أرسل والي الموصل رسالة إلى المار شمعون في هذا الصدد يخبره بالأمر عند محاولة الآثوريين بالتعدي أو قيامهم بعمل ضد الأتراك بإعلان العصيان . وكان جواب البطريرك المار شـمعون أن ينظر إلى مصلحة شعبه قبل أن ينظر إلى مصلحة أخيه الذي نفّذ فيه حكم الإعدام حالاً ([93]).وقد اخترق المار شمعون بعد أن أتحدت القبائل النسطورية العثمانية مع القبائل النسطورية الفارسـية حدود فارس بقـوة كبيرة والتحق بالقوات الروسية . كما انضمت فرقة منهم إلى الثـوار الأرمن وكان يقودهم ضباط انكليز ([94]) . وقد أظهر الآثوريون نتيجة لوقوعهم تحت تأثير الدعاية الروسية نواياهم العدائية تجـاه الدولة العثمانية وأخذوا يحاربـون في صفوف القوات الروسية ([95]) .

     أصابت اعتداءات الآثوريين القرى الكردية المنتشرة على طول حدود ولاية الموصل الشمالية والشرقية ، الأمر الذي أدّى إلى أن يؤلف حيدر بك والي الموصل في أوائل سنة 1915 قوة مختلطة من الجيش وأكراد بهدينان تحت قيادة الشيخ نوري البريفكاني ([96]) ، والحاج رشيد أغا البرواري ([97]) . وقد أنزلت هذه القـوة خسائر فادحـة بالآثوريين واكتسـحت قريتي المون وكرموس وهما من قرى ناحية بـرواري بالا وخربتهما وتوغلـت في نادي آشوت . وقد وصلت إلى حدود التياريين العليا ([98]) .

     استمرت المواقف العدائية للآثوريين إزاء الدولـة العثمانية ، فبالإضافة إلى مساهمتهم مع القوات الروسية في محاولاتها المتكـررة لاختراق حدود ولايـة الموصل من جهة راونـدوز خاصة والإغـارة على القرى الكردية المنتشرة على الحدود فقد أقدم آثوريو العمادية في تشرين الثاني 1917 على إعلان تمردهـم بتحريض من الـروس ، وقد نهبوا ودمّـروا بعض القرى الكردية فاضطـر العثمانيون إلى إرسال قـوة عسكرية بأسم جحفل الشمال بقيادة الرئيس يوسف عزت . وقد عزز الجحفل هذا بجمع كبير من العشائر الكردية ، فسارع الآثوريون إلى الانسحاب والالتحاق بالقوات الروسية ([99]) .
     لقد ترك انسحاب الروس من الحرب بعد قيـام ثورة أكتوبر الأشتراكية الآثوريين في موقف حرج جداً ([100])،ولأجل أن يتفادوا انتقام العثمانيين حاولوا التجمع في أورمية ، لكن الجيش التركي بفرقته الخامسـة استطاع أن ينزل بهم ضربات متتالية اضطروا على أثرها أن يلبّوا دعوة البريطانيين بالنزوح إلى العراق ([101]) ، فاتجهوا بقيادة أغا بطرس صيف سنة 1918 نحو الجنوب إلى همدان ومنها إلى منطقة كرمنشـاه ـ قزوين التي كانت خاضعة آنذاك للاحتلال البريطاني المؤقت ([102]). فشملتهم السلطات البريطانية هناك بحمايتها ثم نقلتهم إلى خانقين فبعقوبة، حيث بقي معظمهم في مخيمات اللاجئين . وقد قامت السلطات العسكرية البريطانيـة بإعالتهم وخصصت جرايات لكل فرد منهم ، كما حاولت الاستفادة منهم وفكرت في أمر توطينهم ([103]) .

التحرك القومي :

        وجدت جمعية العَلَم في الحرب العالمية الأولى فرصة كبيرة لنشر الفكرة العربية وبث الشعور القومي بين الأهالي على اختلاف طبقاتهم .

    وبعد إعلان الشريف حسين ثورته في الحجاز في حزيران سنة 1916 انقسم الرأي العام في الموصل تجاه تلك الثورة قسمين ، فقد نظر العامة من النـاس إلى الشريف حسين كخائن ومتمـرد على الدولة العثمانية المسلمة لتحالفه مع أعداء المسلمين من الانكليز وشـاركهم في تلك النظرة عدد من ذوي المنازع الدينية من المثقفين ([104]) . أما المثقفون من القوميين فقد وجدوا في ثورة الشريف حسين مبتغاهم في الحصول على الاستقلال  ([105]) . وإلى شيء من هذا يشير المؤرخ محمد طاهر العمري إذ يقول :
(( وقد كـان للثورة الحجازية وقع عظيم على نفوس
أحرار سوريا والعراق ، فلما سمعوا بها انضم إلى الشريف كثير من الضباط والرجال العراقيين والسوريين فلبّوا دعوته للقيام بإتمام مشروع الثورة العربية من هرب من الموصل ... والتحق بجيش الثورة خدمةً لمستقبل العرب في استقلالهم ))
([106]) .


    وكان معظم الذين التحقوا بالثـورة من الموصليين من أعضاء الجمعيات السرية. نذكر منهم على سبيل المثال : محمد شريف الفاروقي، وعلي جودت الأيوبي ، ومولود مخلص ، وعبد الله الدليمي، وداؤد صبري المدفعي، وأخوه محمد سامي المدفعي ([107]) .

    بقي أعضاء جمعية العَلَم السرية في الموصل على اتصال بأحداث الثورة الحجازية . إذ تمكنت الجمعية من الحصول على المنشورات والبيانات التي أصدرها الشريف حسين والتي تدعو إلى مناصرته والعمل ضد الأتراك([108]).

     قامت جمعية العَلَم بنشـاط كبير لتنفير الأهـالي من الأتـراك وإشهار ومظاليمهم وتنبيه الأذهـان إليها . كما استطاعـت التغلغل بين أفراد الجيش العثماني من أبناء الولاية وتحريضهم على الفرار من الجندية على الأقل وتشجيعهم إلى الالتحاق بالثورة الحجازية على قـدر المستطاع ([109]) ، وربما كان لجمعية العَلَم يد ( في الانتفاضة التي قامت بها حامية الموصل في نيسان سنة 1916 وكانت الحامية مكونة من الجنود العرب ) ([110]) .

   هذا وقد تصدت جمعية العَلَم لنشاط الدعاية التركية والألمانية في الموصل الذي تضمنته النشرات التركية المعنون ( عثمانلي ژانسي تلغرافنانة لري ) أي برقيات أخبارية عثمانية ([111]) . وأژانسي هذه تلفظ ( أجانسي ) وهي كلمة فرنسية الأصل تعني وكالة الأنباء.وتلك النشريات عبارة عن أوراق مطبوعة تتضمن أخبـاراً داخلية وخارجية تصدر على شـكل بلاغات حربية باللغة التركية عن الحرب العالمية الأولى مقر الولاية يحملها الباعة ويتجولون بها في الأسواق وهم ينادون ( أجانس أجانس )([112]). كما كانت القنصلية الألمانية في الموصل تصدر نشـرة دعائية مماثلة باللغة التركية بأسم ( ألمانيا ايمراطورلغي حكومتنك تبليغتنامنة رسميسيدر ) أي : البلاغ الرسمي لحكومة الأمبراطورية الألمانية . ولا تحمل تلك النشريات سوى عبارات تنم عن الانتصار من قبيل (( تكبد العدو خسائر فادحة )) و (( جمعت قوتنا جثث (1500) فرنسي ، كما أسرت (1100) جندي في معركة كراون ( شمالي شرقي فرنسا )) و (( قامت قواتنا بهجوم على مدافع العـدو )) و (( أحبطت قواتنا هجوماً مضاداً )) و (( أما خسائرنا فكانت طفيفة )) . وكانت تبالغ في أخبار الانتصارات فيندفع الأهالي إلى مسـاندة العثمانيين وخاصةً في الأيام الأولى من الحرب ([113]) . لذا عملت جمعية العَلَم على تكذيب ودحض أخبار تلك النشريات وإيقاف الأهالي على حقيقة وبـث الدعاية للأنكليز على أنهم حلفاء العرب وأنّ البلاد العربية سوف تسلم إلى الشريف حسين بعد تحريرها من النير العثماني وذلك بموجب الجهود المشتركة والعهود المقطوعة للشريف حسين من قبل الانكليز ([114]) .

     ازداد نشاط الجمعية بعد إعلان الهدنة في 31 تشرين الأول 1918 ، ووصول القوات البريطانية إلى موقع البوسيف جنوب مدينة الموصل ببضعة كيلو مترات وحاولت الجمعية أن تنتهز هذه الفرصة للاستفادة من الوضع قبل دخول القـوات البريطانية إلى المدينـة . كما أرادت الجمعية أن تحيط علماً بالموقف الغامض الذي أوجدته الهدنة . لذا فقد اجتمع قـادة الجمعية وقرروا الاتصال بالقوات البريطانية فأرسلت الجمعية كتاباً إلى قائد الجيش البريطاني في3 تشرين الثاني سنة 1918، حمله أحد أعضاء الجمعية وهو يحيى الشيخ عبد الواحد أشارت فيه إلى حراجة موقف الموظفين العرب الذين كانوا قد تخلفوا عن الالتحاق بالقوات العثمانية عند محاولتها الانسحاب من المدينة أثر اقتراب الجيـش البريطاني من الموصل قبل عقـد الهدنة . وبعد أن نوّهت الجمعية عن عودة الأتراك بعد إعلان الهدنة إلى الموصل وطلبهم بواسطة مختـاري المحلات وتعقيـب مأمـوري الانضباط لأولئـك الموظفين وعن رجوعهم إلى مظالمهـم وإلى الانتقام من خصومهم رجـت في كتابها قائد الجيش البريطاني أن يضع أمامها حقيقة الموقف على اعتبار أنّ بريطانيا هي حليفة العرب وأنها قطعت لهم الوعود بالمفاوضات مع الشريف حسين على نيل استقلالهم حتى تكون الشبيبة الموصلية على بيّنة من أمـرها . وقد وقّع على الكتاب مكي الشـربتي مرخص الجمعية ومحمـد رؤوف الغلامي أحد أعضاء الجمعية المركزية بتوقيعهما المستعارين ( طارق ) و ( نادي الحق ) خشية أن يقبض على مندوب الجمعية ويعثر على هـذا الكتاب . وقد منحوا مندوب الجمعية صلاحية التصريح بأسـمي الموقعين على الكتاب وهوياتهما والإجابة على ما يلقيه عليه قائد الجيش البريطاني من أسـئلة وما يطلبه من إيضاحات ([115]) .
     لقد تمكن مندوب الجمعية من الوصـول متخفياً إلى المعسكر البريطاني في ألبو سيف . ووقف بقرب منطقة الحراسة حاملاً الكتاب في ظرف أبيض في يده اليمنى مشـيراً به إلى جهة المعسـكر فلم يلبث برهـة إلاّ وأحاطه الحراس وقبضوا عليه . اجتمع به الكولونيل ليجمن الذي سأله عن هويته واسـتوضح منه بعض الأمـور الخاصة في الوضع الحاضر . وقد عرض مندوب الجمعية (( المساعدة الأدبية لإخراج الأتراك الذين أرادوا حينئذٍ البقاء فيها بحجة أن الجيـش البريطاني لم يحتلها حين عقـد الهدنة )) ([116]) . وقد رافق المندوب الكولونيل ليجمن في دخولـه الموصل ورفعه العلم البريطاني بعد تنزيل العلـم العثماني من على الثكنـة الحجرية وودع ليجمـن مندوب الجمعية وأوصاه بتبليغ سلامه إلى الشبيبة الموصلية وأكّد عليه أن يوعز إلى مرخص الجمعية بمقابلتـه بعد ثلاثة أيام ليتفاوض معـه حول بعض أمور المستقبل ([117]) .

أسباب المجاعة وأبعادها :

       أدّى احتلال بغداد في 11 آذار سنة 1917 إلى إضعاف الروح المعنوية لدى القـوات العثمانية وأضاع عليهم القاعـدة الرئيسة التي كانوا يوجهون تحركاتهم منها ويستمدون أغلب تمويناتهم .

     وأخذ الجيـش العثماني يعتمد على كلٍ من كركوك والسليمانية وأربيل كقواعد تموين للفيلق الثالث عشر ، كما أصبحت الموصل قاعدة إعاشة للفيلق الثاني . وقد عانى الجيش العثماني بفيلقيه صعوبات كبيرة في إيجاد مصادر أخرى للتموين والإعاشـة ، خاصةً وأنّ الموسـم الزراعي في أواخر سنة 1917 كان رديئاً جداً ([118]). وقد بدأت بوادر المجاعة تأخذ بالظهور تدريجياً منذ خريف سنة 1917 ثم تفاقمت في الشتاء ، حتى شهدت الولاية حالة من الغلاء لم تشهدها من قبل ([119]) .

     هذا ويمكن تفسير ظاهرة المجاعة فيس ضوء عوامل رئيسة منها :

     أولاً ـ  قانون المبايعات : كانـت الحكومة العثمانية تسـتوفي من الزرّاع العشر الحكومي وعن طريقة تموين جيشها ، وبينما كانت تعطي رسم الأعشار بطريقة الالتزام بالمزايدة العلنية قبل الحرب أخذت تستلم العشر من الإنتاج مباشرةً بطريقة التخمين وذلك لحاجتها إلى المواد الغذائية ([120])، ولكن عندما انتهى موسم الحصاد سنة 1917 ونظمت ميزانية لـوارد ومصروف الجيش لمدة سنة كاملة إلى موسم الحصاد المقبل لسنة 1918 وجد أنّ وارد الأعشار الأميرية لا تكفـي لتموين الجيـش . لهذا قررت السلطة العثمانية إصـدار قانون المبايعـات الذي كانوا بواسـطته يأخذون من الـزرّاع عدا
(( العشر الأميري )) عشراً ثانياً وثالثاً ورابعاً بأسم المبايعة الأولى والثانية والثالثة والرابعة ([121]) ، وهذه المبايعات بقدر الأعشار وكانت السلطات تدفع عوضها إن شـاءت ثمناً بخسـاً بأوراق نقدية لا رصيد لها . ولم تكن هذه المبايعـات غير ضريبة إجبـارية أدّت إلى ارتفاع الأسـعار ارتفاعاً فاحشاً وأسفرت عن إخفاء الفلاحين لِما توفر لديهم عن عيون ( مفارز ) المبايعات التي كانت تجوب القرى والأرياف ([122]) .
     ثانياً ـ  ضرائب التكاليف الحربية :  فرضتها السلطات العثمانية أثر إعلان الحرب لضرورات تموينية بالدرجة الأولى . وكانت تُؤخذ هـذه عيناً ونقداً.ويختلف مقدار هذه الضرائب باختلاف المواد المطروحة عليها التكاليف ففرضت على سـبيل المثال على كل شخص إعطـاء ربع ما عنده من غنم وحبوب وبقر وجمال . وفرضت على الأغنياء والتجـار وأرباب الصناعات دفع نقود حسبما تملي ضمائر المأمورين ، وبدأ عمال الحكومة ورجال الدرك يغيرون على أموال الناس بأسم تكاليف حربية . وكانت الحكومة تعطي لمن تأخذ منه شيئاً ورقة مختومة محررة بها مقدار أثمان ما أخذته على أن تسدد الثمن بعد انتهاء الحرب ([123]) ، ولقد لعب المحتكرون ، وبعضهم من أعضاء لجان التمويـن والمبايعات أو من المتواطئين منهم ، دوراً كبيراً في تدهور الأوضاع الأقتصادية للأهالي فقد احتكروا الكميات الكبيرة من المواد الغذائية والحبوب وغيرها ولـم يتورعوا عن تحصيل الثروة على حساب أبناء بلدهم البؤساء .

     وكثيراً ما يفرض هؤلاء الأشخاص هذه الضريبة على البقالين وأصحاب الحرف فيضطـر هؤلاء إلى بيع بيوتهم أو رهنها بفوائـد مركبة تزويد عن 25./. ليشتروا مقدار ما كلّفوا به من المحتكرين الأثرياء الذين طرحوا عليهم تلك الضريبة الفادحة بأسـعار عالية جداً . وقد اشترك عـدداً من الموظفين المدنيين والعسكريين مع المحتكرين في بيع المواد المحتكرة بالسوق السوداء وربحوا من ذلك الأموال الطائلة وأصبح البعض منهم من أصحـاب الثروة والأملاك فيما بعد ([124]) .

      ثالثاً ـ  الهجرة : توافد على ولاية الموصل عدد كبير من المهاجرين الأرمن والأكراد بصورة خاصة بعد أحداث المذابح المشهورة خلال السنوات الأولى من الحرب ([125]) ، وبعد تفاقم أمـر المجاعة في المنطقة الواسعة التي تقع إلى الشمال من ولاية الموصل حتى بحيرة وان. وقد أخذت جموع الجياع تهجر ديارها في الأناضول وتتجه نحو ولايـة الموصل ([126]) ، حيث دخلت أعداد منهم مدينتي كركوك والسـليمانية ومنطقة جبل سنجار ، ولكن معظم المهاجرين تدفق نحو مدينة الموصل ([127]) . ويستفاد من تقرير كتبه القنصل الألماني في الموصل ( واسترو Wustrow  ) " بأنّ عدد المهاجرين الأرمن الذين دخلوا الموصل ربيع سنة 1917 بلغ قرابة (8000) نسمة معظمهم من النسـاء والأطفال " وقد وصف حالتهم بقولـه : " كانوا يعيشون كأنهم أشباه عبيد " ([128]) .

     لقد قاسى الأكـراد الأَمَرّين في جهات ديار بكـر وموش وبتليسي من سياسة الحرب العثمانية ، إذ أقدمـت السلطات العسـكرية هناك في خريف 1918 على تهجير معظم السـكان وذلك لغايات عسـكرية سوقية وأخرى تموينية ، فأمّت الموصل أعداد غفيرة منهم ([129]). وجاء في بعض المصادر : أنّ مجموع الأكراد الذين هُجِّروا على هذه الصورة بلغ حوالي (700.000) كردي خلال سنوات الحرب العالمية الأولى . وقدّر الأمير ثريا بدرخان أن نصف هؤلاء تقريباً قد هلك في الطريق . أما النصف الآخر فقد توجـه إلى الجنوب ، نحو ديار بكر والموصل وإلى الغرب نحو خربوط ([130]) .

      رابعاً ـ  ازدياد حاجة الجيش إلى المواد التموينية :  وخاصةً بعد الانسـحاب من بغداد وفقدانـه للكثير من مؤونتـه التي وقعـت بيد القوات البريطانية في جبهـة دجلة . لذا فقـد انحصرت احتياجات الجيش بواردات الأعشار التي كانت تُجبى عيناً ، وكان مقر مفتشية خط المواصلات العثمانية ( دائرة الإعاشة ) قد توقع حدوث مجاعـة وقحط وغلاء في ولاية الموصل بأسرها منذ أن كان الجيش العثماني لا يزال بالقرب من سامراء. كتب محمد أمين العمري ـ وكان يومذاك ضابط إعاشة في الجيش السادس العثماني ـ تقريراً في أواخر آذار 1917 شرح فيه موقف الإعاشة ورداءة الحاصلات الزراعية والمجاعة المقبلة ([131]) وقال فيه : " انه لم يبقَ للجيش أي الحركة ومنبع الإعاشة ـ بعد ضياع بغـداد ـ سـوى ولاية الموصل ، ولما كانت محصولات هذه الولاية لا تكفي إعاشة الجيش والأهالي في ذات الوقـت فقد اقتضى الأمر بضم بعض الألوية من ولاية ديار بكر أو لواء أورفه إلى ولاية الموصل من ناحية الإعاشة فقط " . ولكن قائد الجيش آنـذاك خليل باشا أبى التوسط لـدى المقر العام وكتب على التقرير هامشـاً جاء فيه : " أنّ ولاية الموصل مستودع ذخائر العراق فلا حاجة إلى أي تشبت كان " ([132]) .

     بعد انتقال مقر مفتشية خط المواصلات إلى الموصل في أواخـر نيسان سنة 1917قام محمد أمين العمري بعمل موازنة تبين مقدار واردات الأعشار بالاستناد إلى جداول تحققات الأعشار من دوائر المالية في الموصل ومقدار مصاريف الإعاشة بالنظر إلى قوة إعاشة الجيش فظهـر لدى الموازنة بأنّ وارد الإعاشـة لا يكفي الجيش سـوى بضعة أشهر وأنّ الجيش مقبل على أبواب مجاعة في خريف سنة 1917 فيما إذا لم تتخذ التدابير اللازمة لسد نقص الإعاشة، وكتب تقريراً بذلك إلى قائد الجيش خليل باشا . فكانت إجابته كالأولى ([133]) .

    قدّم محمد أمين العمري تقريراً آخر يتعلق بضرورة الإسـراع في تمديد السكة الحديد الذي كان قد وصل رأسها حينذاك إلى الدرباسية ( الواقعة نحو 40 ميلاً شمال غرب نصيبين ) لتسهيل نقل تجهيزات الجيش إلى الموصل . فطلب المقر العام  تأليف لجنة مختلطة برئاسة الزعيم ( العميد ) الركن خالد ضياء وعضوية مندوب عن مقر الجيش السادس وضباط ومهندسين ألمان . وقد رشّح الجيـش السادس العمري نفسيه لتقرير الأعمال والمساعدات التي يسديها الجيش السادس للإسراع في سد السكة الحديد نحو الموصل . فذهب إلى الأستانة في آيـار 1917 وعند عودته وجـد كميات من مواد الإعاشة مدخرة في ( قونية ) و ( أطنه ) و ( أورفه ) ومن السهولة نقلها إلى نصيبين بالسكة الحديد التي كانت الإنشاءات فيها مستمرة بنشاط كبير ([134]) .

     رفع العمـري تقريراً آخر بذلك وعلى الرغـم من محاولات كثير من الضباط ومنهم الزعيم الركن نوري بك مفتش خط المواصلات وخلفه الزعيم روشن بك لإقناع مقر الجيش السـادس للتوسط لدى المقر العـام بجلب قسمٍ كافٍ من مواد الإعاشة المدخرة في اورفه وأطنه،فإنّ خليل باشا رفض إجابة الطلب . ويعلل العمري بأن عدم مفاتحته المقـر العام بذلك ناشئ من خجله إزاء القائد العام أنور باشا لإضاعته بغداد ولهزائمه المتكررة ([135]) .

     لم تمضِ على ذلك أشهر معدودة حتى شعر مقر الجيـش السادس بقلّة المؤون. وجاء الخريف فبدأ آمرو الفيالق يعانون من قلّة ( الأرزاق ) . وأخذ موسم المجاعة يقترب ، وخاصةً من منطقة إعاشة الفيلق الثالث عشر ( جبهة كركوك والسليمانية ) وأصبحت مسـألة تموين إعاشة الفيلق المذكور أهم ما يشغل قادة ذلك الفيلق . فاضطرت القيادة إلى إعطاء ( نصف استحقاق ) من الشعير للخيل وللحيوانات منذ أواخر تشرين الأول 1917 ، وكذلك إلى سوق لواء الخيالة المستقل إلى آلتون كوبري في 2 تشرين الثاني لتأمين إعاشته من هناك تخلصاً من نقل المؤن إلى منطقة كفري لعدم وجود وسائط نقل كافية . ثم اضطر مقر الجيش إلى سوق لواء الخيالة المذكـور إلى الموصل تخلصاً من إعاشته في الفيلق المذكور . وعند وصول اللـواء المذكور إلى الموصل في 21 تشرين الثاني 1917 فقد عدداً من الضباط والجنـود ، كما فقد نحو (100) حصان ([136]) .

       إنّ هـا الوضع السيء جعل مقر قيـادة الجيش السادس يتحسس أبعاد المشكلة ، وخاصةً بعد أن بدأت المجاعة تظهر تدريجياً بي صفوف الجيش . إذ تحقق خليل باشا من واقع الأمر فاضطر حينئذٍ إلى التقليل من قواته . وقد اغتنم فرصة مطالبة مقـر جحفل جيوش الصاعقة بإيفـاد فرقة واحـدة من الجيش السادس لتعزيز جبهة فلسطين، لإرسال الفرقة (46) إلى تلك الجبهة ، فأبرق بذلك في 23 تشرين الثاني 1917 إلى المشير الألماني فون فالكنهاين قائد جيش الصاعقة والذي أُنيطت به مهمة اسـترجاع بغداد . وبذلك تخلص خليل باشا من إعاشة فرقة كاملة ([137]) .

      بدأت السلطات العسكرية العثمانية تحـاول الحصول على المؤن بأي طريقة كانت ،وخاصةً بعد أن وجدت بأن مواد الإعاشة الباقية لديها قد أخذت بالنفاذ فطرحت ـ كما أشرنا سابقاً ـ مبايعة أولى وثانية وثالثة ورابعة بأسم ( سربست مبايعسي ) أي المبايعة الحرة . كما أضطر خليل باشا إلى تسريح نحو (5000) جندي من أهالي ولاية الموصل حتى موسـم الحصاد تخلصاً من إعاشتهم ، ثم اضطرت إلى إخراج (4000) حيوان من حيوانـات نقلية الخط الثاني للوحدات إلى خارج منطقة الجيش السادس ( إلى حلب ) ، وبذلك فقدت الوحدات قابلية الحركة فأصبحت عاجـزة عن نقل خيامها وتجهيزاتها وأمست لا تصلح حتى للدفـاع . وكلما مضت الأيـام كانت المجاعة تزداد تأثيراً وهولاً، فاضطر مقر الجيش خلال الشهور الأربعة الأولى لسنة 1918 إلى تخفيض اسـتحقاق الجندي إلى (110) غرامـات من الخبز ، وخفض استحقاق الحيوان إلى ( نصف كيلو ) فقط  ([138]). وقد وصف إبراهيم الواعظ ـ وكان آنـذاك جندياً ـ ما كان يُقـدم إلى الجنود خـلال المجاعة بقوله :
" كانت القوة العسكرية... تطبخ حساء للجنود لا تعلم عناصره، وكان الجيش يوزع للجيش( الصمون ) وقد فتحت هذا الصمون في يوم من الأيام فشاهدت فيه ماء . وأما العناصر التي يعمل منها فلا تعرف وأقل ما يُقال عنها أن كل شيء فيها عدا الحنطة والشعير "
([139]) ، لذلك فقـد ازدادت حوادث الهروب وانتشرت الأمراض وبلغ مجموع الهروب في شهر واحد ( شـهر آذار سنة 1918 ) نحو ألفي جندي وقد أصبح من الصعب تكليف الجنود بواجباتهم بعد أن أنهك الجوع قراهم . وبلغت خسائر الجيش السادس خلال شهري كانون الثاني وشـباط 1918 من جراء الجوع أو الأمراض الناشـئة عن المجاعة (9000) جندي ([140]) .
    استصحب قائـد الجيش السادس خليل باشا يوم 4 شـباط 1918 والي الموصل ممدوح بك ومعه إلى كركـوك لإطلاعه على شـدة المجاعة التي يجابهها الجيش هناك . وطلب إليه وإلى مفتشية خط المواصلات تدارك ونقل نحو (100) طن من الأرزاق والمـؤن إلى كركوك من أربيل . كما اقترح إرسال هيئات ( مفارز ) مبايعة عديدة إلى القرى المجاورة لشـراء ما تيسر من الأرزاق لقاء أثمانها . لكن هذا وذاك لم يكن كافياً لتأمين إعاشة وحدات الجيش في ولاية الموصل كلها . وقد أصبحت نتيجةً لذلك جبهات القتال في خطر كبيـر من جرّاء الجوع . وقد اسـتنجد خليل باشا بمقر القيـادة العليا العثمانية في الأستانة ومقر قيادة جحفل جيوش الصاعقة في فلسطين فاستحصل أمراً في أواخر شـهر آذار 1918 بجلب بضعة ملايين كيلو من الحنطة والشعير من اورفه وقونية لسد رمق الجيش السادس ، ولم يصل منها شـيئ إلى محطة نصيبين إلاّ في منتصـف شهر نيسان 1918 حيـن نقلت
إلى الموصل وكركوك وبذلك اسـتطاعت الوحدات زيـادة استحقاق الجنود والحيوانات تدريجياً حتى موسم الحصاد الجديد
([141]) .

     خامساً : مرور الدولـة العثمانية بضائقة أقتصادية : مرّت الدولة العثمانية بعد دخولها الحرب في ضائقة مالية لا مثيل لها نتيجة لمنع الحلفاء عنها السفن التجارية وسـدهم في وجهها طرق التجارة . وقد تفاقمت الأزمة فبلغت الفائدة على القروض (60./.) لقاء رهن الذهـب . ولذلك أضطرت الحكومة العثمانية إلى إعلان قانون تأجيل الديون( المواراتوريوم ) وأصبحت البلاد العثمانية في عسر مالي ([142]). إذ سادت السوق السوداء وكثر المرابون ونشط المحتكرون وأخذت الأحوال تسير من سيء إلى أسوأ وأضحت الحالة الأقتصادية بائسة وارتفعت الأسعار ارتفاعاً فاحشاً وقد صوّرت رسالة نشرت في جريدة المقطم المصرية وصلت من العراق في سنة 1917تلك الأوضاع، ومما جاء فيها : "...أنّ الغلاء شمل جميع الأشياء من الملبوسات والمأكولات والمواد الأخرى الضرورية ، بل صارت نادرة جداً ، فَأُقَّةِ السـكر بلغ ثمنها ريالين عثمانيين ، وبلغ ثمن المَنْ من الحنطة ريالين ( ثم أصبح ثمنها ثلاثة ريالات ) ([143])، وكان يساوي نصف ريال ( والمن نحو13.3 كيلو ) .. وقس على هذا سائر المواد ... لقد كاد الفقير يموت جوعاً هو وعائلته . ومن بقي من رجال العمل لا يمكنهم أن يحصلوا على ما يسـد رمقهم ورمق عائلاتهم من المكسب . ولقد أخذ الفقر من ... أهل الموصل والبلاد الأخرى المجاورة كل مأخذ وبات الناس في حيرة شديدة وحاجة وفقر مدقع " ([144]) .

     سادساً ـ  تدهور قيمة الأوراق النقدية ([145]) :  أصدرت الحكومة العثمانية خلال الحرب كميات كبيرة من النقود الورقية لسد نفقاتها العسكرية، وأخذت تفرضها على الناس قسراً مما أدّى إلى تدهور قيمتها الشـرائية في الأسواق ،لذا أصبح سعر الورقة النقدية من ذات ( المائة قرش ) مثلاً يساوي في التعامل بلين الناس ( عشرون قرشاً ) من العملة المعدنية ([146]) . كما أنّ الورقة النقدية العثمانية التي قيمتها( ليرة واحدة ) هبطت إلى أن أصبحت كل ( ثمانية ليرات ) تساوي ليرة ذهب واحدة ([147]).وقد أجبرت الحكومة الأهالي على تسليم تكاليفهم إليها بالنقود المعدنية الذهبية أو الفضية وهي إن أرادت أن تعوض ما أخذته منهم بثمن بخـس فإنها تعوضهم بالنقـود الورقية . كما أخذت تسلم رواتب الموظفين بهذه النقود الورقية،وهكذا بذلت الأوراق النقدية دون أن يكون لها تلك القيمة التي يجب أن تساويها.وقد كان لإصدار الأوراق النقدية دور مهم في سـوء الإدارة والأحوال الأقتصادية في البلاد . ذلك أنّ تقلبات أسعاره كثيراً ما كان يضر بالأهالي والموظفين في كثيرٍ من الأحيان خاصةً وأنّ المعاملات الرسـمية بين التجار والبنوك والحكومة كانت تجري بسعر ( الورقة النقدية ) فتعتبر في الأخذ والعطاء واسـتيفاء الضرائب ليرة ذهبية . وقد لجأت الحكومة عندما كانت تحتاج إلى نقود ذهبيـة إلى التجار فتبدل كميات من عملة الورق كل منها بليـرة ذهبية . كما أحكمت السلطات المراقبة على الصيارفة ونكلـت أشد التنكيل ببـعض الذين تعاملـوا بالنقود الورقية بأقل من سعرها الرسمي ([148]) .

    كل هذه العوامل يضاف إليها أنّ الموسم الزراعي أواخر سنة 1917 كان رديئاً إلى ظهور المجاعة والغلاء ، وقد أصبح الفقراء والمهاجرون يطوفون الشوارع والأزقة من الصباح حتى الغروب يئنون (( خاطر الله جوعان )) وفيهم من لم يستطع السير فيرتمي على قارعة الطريق ، وهو يسـأل المارة ويستصرخهم طالبـاً إمداده بلقمة خبز لسد رمقـه . وقد مـات الآلاف من المهاجرين والأهالي من الفقراء جوعاً في الطرقات والمساجد والخرائب ([149]) وقد كتب عبد العزيز القصاب ، وهو شاهد عيان يقول :

(( كنت أثناء مكوثي في الموصل أطوف شوارع الموصل وأزقتها .. أشاهد فقراءها والمهاجرين منتشرين في الطريق والأسواق والبعض منهم يختفون تحت دكاكين البقالين والخبازين يتصيدون المشترين ، فما أن يشتري لوازمه من الدكان خبزاً أو سمناً أو غير ذلك ويدفع ثمنها إلى البائع حتى يخرجوا من تحت الدكاكين ويهاجموه ويسلبوه كل ما أشتراه . وكان بعض هؤلاء الجياع ... يتعاركون فيما بينهم ويغتصب كل واحد منهم اللقمة من فم رفيقه ويدخلها إلى فمـه بطريقة لم أرَ مثلها طـوال حياتي ... كنت أشاهد مأموري البلديـة ومعهم الحمالون ... يجمعون جثث الميتين جوعاًفي كل صباح ومساء كأنما هم يجمعون الحطب والنفايات ... )) ([150]) .


      هذا وقد سرى الجوع على الحيوانات ، فماتت من الدواب الآلاف على حساب بني الإنسان ، وكثيراً ما كان الفقـراء والمهاجرون يتسابقون بالتقاط جثث الحيوانـات النافقة فيقطعـون لحومها ويملؤون حقائبهم ويعودون إلى بيوتهـم بكل فرح وسـرور ليطبخوهـا وليسّـدوا بها رمقهـم تخلصاً من الموت ([151]). وقد كتب روفائيل بطي وهو شاهد عيان كذلك يقول :

(( رأيت بأم رأسي جماعة من المهاجرين الذين رحلوا إلى الموصل ... يتكالبون على تقطيع أشلاء بغل نافق جروه من الشارع )) ([152]) .


  وكتب ابراهيم الواعظ وهو شاهد عيان أيضاً يقول :

(( ... وقد بلغت المجاعة إلى درجة أصبح كثير من الناس يأكلون لحم الكلاب والقطط ودم الذبائح يجمدونه ويأكلانه . وقد شاهدت مرة ... في الطريق هرّاً يهرب راكضاً من دار إلى دار أمام المتعقبين له حتى قبضوا عليه ... )) ([153]) .

     وقد لجأ الناس في السليمانية إلى صنع الخبـز من دقيق البلوط وبذور القطن وأصبح هذا الأخير الغذاء الوحيد للفقراء والمساكين ([154]) ، وفي أربيل أخذ الفقراء يجمعون ( أثمار النباتات الشوكية ) لتطحن حبوبها ويصنع منها الخبز الذي لا سـبيل إلى هضمه إلاّ لمـن كان يملك معدة قوية ([155]) ، وقد استعان بعض الأهالي في كفري على الجوع بالخروج إلى الضواحي فاقتاتوا الحشائش لعـدة أسابيع ([156]) . وفي الموصل مات الكثيرون من أكلهم لنبات سام يسمى ( لاعية ) ،  كما قضى كثير من العوائل نحبها وهي داخل بيوتها دون أن يعلم بها أحد ، ذلك أنهم أقفلوا أبواب بيوتهم على أنفسهم  ([157]) .

     لقد أدّت المجاعة وتفسخ الجثـث إلى تفشي الأوبئة كالتيفوس والكوليرا والأنفلونزا.وقد حصدت هذه الأمراض أعداداً كبيرة من الفقراء والمهاجرين. خاصةً وأنّ العناية الصحية قد أصبحت معدومة الوجود ([158]) .

      وصلت درجة المجاعة أن أقدم رجل يُدعى عبود ابن جاويش ابن توفيق وأبوه في الأصل من كفري بالتعاون مع زوجته ( عمـشة ) إلى أكل لحوم البشر ([159]) ، فكانت زوجته تترصد الأطفال وتستدرجهم عن طـريق ولدها بحجة اللعب معهم . وفي الدار ينقض عليهم عبود ويذبحهم ، ثم وصلت به الحال على طبخ لحوم الأطفال وبيعها بشكل ( قلية )([160]) إلى الناس في محلة شهر سوق بمدينة الموصل . وقد بلغ عدد الأطفال الذين تمَّ ذبحهم بين ( 9 ـ 11 ) طفلاً وطفلة ([161]) ، وسرعان ما افتضح أمر عبود وزوجته فأحست الحكومة به ،وقد تحرت هيئة تفتيشية داره فعثرت على جماجم الأطفال وهي داخل حفرة عميقة أعدت لذلك الغرض . وقد اعترف عبود بجنايته فسيق إلى المجلس العرفي وصـدر الحكم بإعدامه وزوجته فشـنقا في 10 نيسان سنة 1918 في ساحة باب الطـوب بالموصل ([162]) . وقد نشـرت مجلة الحرب العظمى البيروتيـة في الجـزء (48) على الصفحة (7) مقالـة مقتبسة عن جريدة ( علمدار ) التركية جاء فيها : " دعي في الموصل رجل وأمرأته إلى المحكمة بتهمة أنهما كانا يأكلان لحوم الأولاد الصغار . فـدارت في الجلسة مناقشة بينهما وبين الحاكم :
الحاكم : كيف أقدمتما على هذا العمل ؟
المرأة : جعنا واحتملنا الجوع إلى حد لا يُطاق،فاتفقنا أخيراً على أكل الهررة
         وهكذا كان . وبقينا نصطادها ونأكلها إلى أن نفـذت من ( محلتنا )
         فبدأنا بالكلاب ونفـذت أيضاً وكان لحمها أطيـب وأشهى من لحم
        الهررة فجربنا أكل لحوم البشر .
الحاكم : بمن بدأتما أولاً ؟
المرأة : بأمرأة عجوز خنقناها وطبخناها في ( حلة ) كبيرة إلاّ أننا قضينا كل
        تلك الليلة نتقيأ لأن لحمها كان صلباً دسماً . ثم ذبحنا ولـداً صغيراً
        فوجدنا لحمه في غاية اللذة والجودة .
الحاكم : وكيف كنتم تصطادون الأولاد ؟
المرأة : بواسطة ولـدنا كان يأتي كل يوم بواحـد بحيلة اللعب معه فنخنقه
        ونأكله وندفن عظامه في هوة عميقة حفرناها داخل بيتنا .
الحاكم : كم ولداً أكلتما ؟
المرأة : لا أذكرهم تماماً ، ولكن يمكن إحصاؤهم من عدد جماجمهم .

       وقد ذكرت الجريدة بأن الهيئة التفتيشية التي أُرسلت للتحري وجدت ما يزيد على (100) جمجمة بينها جمجمة العجوز .. ولكن بعض المسنين من الذين عاصروا الحادثة أكدوا بأن العدد لم يزد عن (11) طفلاً وطفلة . وقد روى رشيد الخطيب لكاتب هذه السطور ، وكان ممن شهد عبود والتقى به : إنّ الموما إليه حاول الفـرار بعد افتضاح أمره ولكن سرعان ما قُبض عليه ووضع في سـجن في غرفة خارج دار الحكومة ( السـراي ) . قال رشيد الخطيب : " كنت عند أمجد العمري وكان يومئذٍ رئيـس كتاب فقال لي هل تريد أن نذهب إلى عبود ونسأله لماذا فعل ذلك فأجبته بالقبول : فدخلنا عليه وقلنا له لمـاذا أقدمت على ذلك العمل أجـاب إنني لم افعـل ذلك أنتم ( أي الحكومة ) فعلتمـوه . لقد ألجأتمونا إلى ذلـك " ([163]) . وعندما سـيق عبود وزوجته إلى المشـنقة تألبت حولهما الجمـوع تشـهد إعدامهما وكانت بين الجموع أمرأة شـقّت الصفوف وتقدمت إليهما مولولـة نائحة وجعلت تنهش أرجلهما بأسنانها فسئلت عن ذلك فقالت : " لقد أكلا ثلاثة من أولادي" ([164]) .

     لم تكن المجاعة مقتصـرة على مدينة الموصـل وإنما شملـت الولاية بأجمعها ، وقد يتبادر إلى الذهن سـؤال عن مدى تعرض سكان الولاية من مختلف الطبقات للمجاعة التي استمرت من خريف سنة 1917 حتى صيف صيف 1918 والتي قضى فيها قرابة عشرة آلاف نسمة ([165]) . يبدو أنّ الفقراء والمهاجرين هم الذين تأثروا بظروف المجاعة بصورة مباشرة ، وإلى حد ما تضررت الطبقة المتوسطة . أما الأغنياء فلم يتأثـروا بها إلاّ بدرجة لا تكاد تذكـر . وربما اسـتفاد بعضهم من ظروف المجاعة تلك . وقد كتب أحد الباحثين عن هؤلاء يقول : " ... أما الملاكون والأغنياء ، فكانت رائحة الخبز الطازج تفـوح من بيوتهم . وتقف أكداس من الأجسـاد البشرية أمام أبوابهم الموصودة فلا يتلقون غير سياط الخدم . وفي كل هجمة يتخلف عدد منهم جثثاً هامدة أمام الباب ... وكان المَنْ الواحـد من الحنطة القديمة يباع عند الأغنياء بخمس ليرات ذهبية . وكيف يجتمع الذهب والجوع عند شخص واحد ؟ والملاكون ومحتكـرو الأرزاق يكدسـون الليرات الذهبية ويشترون الممتلكات والعقارات والأراضي بعدة أمنان من الحنطة ... " ([166]) . وكتب باحث آخر يقول : " ... أريد أن لا أنسى سوء معاملة بعض الأشراف وكبار الزراع للفقراء أثناء ذلك الغلاء والجوع المدهش . قال البعض منهم : كانوا أعضاء المجلس الذي يطرح ضرائب مبايعة الذخيرة على الأهالي فيطرحون على البقال والأصناف ضريبة الزراع الكبار الذين كانت مستودعاتهم السرية ممتلئة بالذخائر فيضطر هذا المسكين على بيع قدره وذهب أمرأته أو منامه ليشترى المقدار المكلـف به من ذلك الفلاح المثـري الذي طرح عليه تلك الضريبة الفادحة " ([167]) .

     هذا وقد تحدث رجل من وجهاء ولاية ( وان ) وعضو مجلس الادارة فيها وأسمه الحاج رفعت أفندي إلى عبد العزيز القصاب وكان قائمقاماً لقضاء الزيبار في السنة الأخيرة من الحرب عن الوجه الآخر من المأساة تلك مأساة اللاجئين فيقول : " عند مجيئي الموصـل كان عـدد جماعتي الذين هاجروا معي يبلغ (6000) نسـمة والآن أرجع إلـى ( وان ) ومعي زوجتي وخادم واحد فقط . أما الباقون فقد ماتوا كلهم من الجوع "  ([168]) .

      يمكن القول أيضاً أنّ أهل المدن الأصليين لم يتأثروا بالمجاعة بدرجة تأثر المهاجرين أنفسـهم . ويرجع ذلك إلى أنّ أهل المـدن كانوا قد اعتادوا على الاحتفاظ بكميات من الحنطة ومشتقاتها كمؤونة ، وقد ساعدهم ذلك على أن يدفعوا عنهم غائلة الجوع فترة من الزمن.كما أنّ بعض السكان استطاعوا إخفاء الحنطة في مخازن داخل بيوتهم ، وعلى الرغم من ذلك فلم يهلك منهم نسبياً إلاّ عدد قليـل خلال سنة المجاعة ، وكان لعـدم تعرض بعض المدن كأربيـل مثلاً للعمليات العسكرية سـبباً في عدم تعرضها للمجاعـة بدرجة
كبيرة
([169]) .

      أما ما قيل عن الخانـات الممتلئة بالحبوب والتي وجدهـا الأنكليز بعد انسحاب القوات العثمانيـة من الموصل ([170]) ، فيظهر أن في ذلك نوعاً من المبالغة في تقدير كميات المواد المخزونة . ولا يمكـن قبول كل ما قيل عن ذلك ،حيث لم ترد أرقام صحيحة عن تلك الكميات،خاصةً أنّ معظم المصادر لم تتعرض إلى ذلك . بل أنّ بعض المصادر كان يؤكد شحّة المواد الغذائية المتوفرة لدى الجيش العثماني والتي لم تكن تكفي قطعات الجيش سـوى أيام معدودات . وكان المسؤولون عن الإعاشة في الجيش السـادس ـ كما ذكرنا آنفاً ـ يشكون في تقاريرهم من قلّة المـؤن ([171]) . ومع أنـه لا يُنكر وجود بعض الكميات من الحبوب في مخازن الجيش ـ وهذا ، أمر طبيعي ـ إلاّ أنها لم تكن بالكميات الهائلة ، وقد يكون الأنكليز وراء مثل تلكم الإشاعات .



هوامش الفصل الثالث :



(1)    Louis L . Snyadar , Historic Documents of World War I ,
       ( New Jersey , 1958 ) . PP . 86 – 87 .    
  ([2]علي فؤاد ، كيف غزونا مصر ، ترجمة عن التركية : نجيب الأرمنازي ،
  ( بيروت ، 1962 ) ، ص ص 34 ، 39 .
(3)    George Lenczowski , The Middle East in World Affairs ,
      ( ew York , 1957 ) , P . 38 . 
  ([4])  عبد الرحمن صالح ، كتاب العبر ، مذكرات خطية غير منشورة ، الورقة 130 .
  ([5])  المصدر نفسه ، الورقة 131 .
  ([6])  عبد الفتاح أبو النصر اليافي ، مذكرات قائد عربي عن الحرب العامة والشؤون  
 العربية ، ( دمشق ، لا . ت ) ، ص 4 .
  ([7])  صالح ، المصدر السابق ، الورقم 132 .
  ([8])  وبعد وفاته حلّ محله ابنه مصطفى الصابونجي .
  ([9])  عبد المنعم الغلامي " الموصل خلال الحرب العالمية الأولى " ، مجلة المعرفة  
 العراقية ، 1 شباط 1963 ، ص 9 .
([10])  جريدة الموصل ، 5 آيار سنة 1919 .
([11])  مقابلة شخصية مع أحمد الصوفي بتاريخ 23 / 10 / 1973 .
([12])  الغلامي ، المصدر السابق ، ص 9 .
(13)    Ahmad Amin , Turkey In the War , ( New Haven , 1930 ) ,
        PP .  109- 110 .
       اقتبسه علي الوردي في : لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، ج 4 ،
       ( بغداد ، 1974 ) ، ص ص 8 ـ 9 .
 
([14])  الغلامي ، المصدر السابق ، ص 10 .
([15])  جريدة الموصل ، 15 آذار 1924 .
(16) Keader Bullard , Britain and the Middle East, (London , 195 ) ,
       P . 66 .
  
 (17)  Great Britain , India office , Review of the Civil  Adminstratio
 of Mosopotamia 1914 j 1920 . By Gertrude Bell , ( London ,
 1920 ) , P . 2 ; Hereafter cited as , Bell Review of the Civil
 Administration of Mesopotamia .
  
([18]عبد الله الفياض ، الثورة العراقية الكبرى سنة 1920 ، ( بغداد ، 19063 ) ، ص 107 .
([19])  مقالات متسـلسلة ، لأحمد عثمان أبو بكر بعنوان " حركة التحرر الوطني للشعب
الكردي 1900 ـ 10254 ) في : جريدة التآخي ، 14 حزيران 1970 .
(20)    Lenczowski , op . cit . , P . 47 .   
(21)    Hassan Arfa , The Kurds , An historical and political study ,
( London , 1966 ) , PP . 25 – 26 .
([22])  صالح ، المصدر السابق ، الورقة 132 .
([23])  رفيق حلمي ، مذكرات ، ترجمة عن الكردية : جميل بندر الروژبياني ، ج 1 ،
 ( بغداد ، 1957 ) ، ص 53 ؛ أحمد خواجه ، جيم دي ، شورشه كاني شيخ
 محمودي مه زن ، ج 1 ، ( بغداد ، 1968 ) ، ص 11 ؛ طه الهاشمي ، حرب
 العراق ، ج 1 ، ( بغداد ، 1936 ) ، ص 122 .
([24])  محمد أمين زكي ، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان ، ترجمة عن الكردية : محمد علي عوني ، ( القاهرة ، 1939 ) ، ص 274 .
([25])  جريدة التآخي ، 22 آذار 1973 .
([26])  حلنمي ، المصدر السابق ، ج 1 ، ص 53 ؛ خواجه ، المصدر السابق ، ج 1 ، ص 11 .
([27])  محمد أمين العمري ، تاريخ حرب العراق ،ج1، ( بغداد ، 1935 ) ، ص 164.
([28])  زكي ، المصدر السابق ، ص ص 275 ـ 276 .
([29])  العمري ، المصدر السابق ، ج 1 ، ص 165 .
([30])  سيأتي تفصيل ذلك عند الكلام عن العمليات العسكرية الروسية في الفصل الرابع من هذه الدراسة .
([31])  مقابلة شخصية مع صديق الجليلي بتاريخ 21 / 6 / 1973 .
([32])  عبد الحليم اللاونـد ، نظـرات في زجل الموصـل ، ( الموصل ، 1969 ) ، ص ص 50 ـ 51 .
([33])  العمري ، المصدر السابق ، د 1 ، ص 165 .
([34])  صالح ، المصدر السابق ، الورقة 133 . 
([35])  المصدر نقسه ، الورقة 134 .
([36])  مقاباى شخصية مع أحمد الصوفي بتاريخ 23 / 10 / 1973 .
([37])  جاء في نشـرة ( عثمانلي أژانسي ) أي وكالـة اللأنباء العثمانية الصادرة في الموصل بتاريخ 27 أيلول سنة 1914 أنّ جمعية مدافعة مليه جمعيتي ناشدت كل عائلة وكل شخص التبرع بالملابس لأفراد الجيش العثماني كل حسب طاقته .
([38])  مقابلة شخصية معه رشيد الخطيب بتاريخ 19 / 9 / 1973 .
([39])  محمد حبيب العبيدي ، جنايات الانكليز على البشر عامة وعلى المسلمين خاصة ، ( بيروت ، 1916 ) ،ص 59 .
([40])  العبيدي ، المصدر السابق ، ص 108 .
([41])  الوردي ، المصدر السابق ، ج 4 ، ص 58 ، ومن الطريف أن يهدي العبيدي كتابـه الأول ( حبل الاعتصام ) إلى جمال باشـا باعتباره ـ على حد قول العبيدي ـ " بطل الآتحاد الاسلامي وحامل لوائه ". أنظر : محمد حبيب العبيدي ، حبل الاعتصام ووجوب الخلافة في دين الاسلام ، ( بيروت ،1916 ) ، ص 5 .
([42])  اسماعيل بيك جول ، اليزيدية قديماً وحديثاً ، نشر : قسنطين زريق ، ( بيروت ، 1934 ) ، ص 56 .
(43)    E . S . Stavens . By Tigris And Euphrates ( London , 1923 ) ,
P  .  189 ;   Bell  ,  Review  of  the  Civill   Administration
of Meopotamia , P . 50 .   
 (44)  Arnold T . Wilson , Loyalties Mesopotamis 1914 – 1917
          A personal and Historical Aecord , ( London , 1930 ) , P . 262 .   
([45])  جول ، المصدر السابق ، ص 56 .   
(46)    Official History of the Great War . The campasign in
         Mosopotamia , 1914 – 1918 , ( cimplied ) by BrigGan
         F . J . Mibarley , Vol . IV , ( London , 1927 ) , P . 20 ;
         Hereafter cited as official History .
([47])  تحسين العسكري ، مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى والثورة العراقية ، ج 1 ، ( النجف ، 1938 ) ، ص 174 .
([48])  العمري ، المصدر السابق ، ج 3 ، ص 116 .
([49])  جول ، المصدر السابق ، ص 56 .
([50])  ذكر جول على الصفحة 56 من كتابه المشار إليه أنّ الرجل المسيحي أوسي كان يحمل معه رسائل من الانكليز إلى شيخ طي وإلى ابن ابراهيم باشا الملي رئيس عشيرة الملي الكردية التي تفطن بجوان ويران شهر قرب نصيبين .
([51])  العمري ، المصدر السابق ، ج 3 ، ص 116 .
([52]محمود يونس الشـيخ عبد الله السيد وهب ، تاريخ تلعفـر قديماً وحديثاً ، ج 1 ، ( الموصل ، 1967 ) ، ص 264 .
([53])  جول ، المصدر السابق ، ص 57 .
([54])  العمري ، المصدر السابق ، ج 3 ، ص 116 .
([55]السيد عبد الله السيد وهب بن السيد ابراهيم : رئيس عائلة السادة في تلعفر ، أصله فارسي . ولعائلة السادة نفوةذ كبير في تلعفر وخاصةً في حي اللقلعة وقريتني هارونا وقبك . أنظر : م . ح . و . ملفات وزارة الداخلية ، ملفة شؤون عامة / دهوك رقم C / 20 / B تسلسل 177 ، تقرير مساعد الحاكم السياسي في تلعفر الميجر بارلو المؤرخ 26 نيسان 1920 وفيه معلومات عن عدد من شخصيات تلعفر وسنجار . 
([56])  يونس بن عزيز أغا : كان أجداده يسكنون قبل مائة سنة جبل سنجار ، وقد هاجر جده مصطفى بك إلاى تلعفر حيث سكنها . كان عضواً في المجلس البلدي في عهد الاحتلال البريطاني . رادجع : المصدر السابق ذكره .
([57])  السيد وهب ، المصدر السابق ، ج 1 ، ص 263 .
(58)    Bell , Review of the Civil Administration of Mesopotamia ,
P . 50 .   
([59]جول ، المصدر السابق ، ص 65 .
([60])  العمري ، المصدر السابق ، ج 3 ، ص ص 194 ـ 195 .
(61)    Bell , Review of the Civil Administration of Mesopotamia ,
         P . 50 .   
([62]جول ، المصدر السابق ، ص 66 .
([63])  م . ح . و ، ملفات وزارة الداخلية ، ملفة شؤون العامة / دهوك رقم
C / 20 / B ، تقرير مساعد الحاكم السياسي في تلعفر الميجر بارلو والمؤرخ في 26 نيبسان 1920 .
 (64)  Official Histort , Vil . IV , PP . 213 – 214 . 
([65]العمري ، المصدر السابق ، ج 3 ، ص ص 194 ـ 195 .
([66]) جاويـد ، عراق سـفري واتحاد حكمومتنك خيـالات وجهالت سياسـه سي ،
 ( استانبول ، 1334 ) ، ص 35 .
 (67) Civil Commissicner's office , Notes on the Tribes of Southern
         Kurdistan Between the Greaster Zak and the Dialah , ( Bahdad ,
         1919 ) , P . 22 ; Bell , Review of the Civil Administration of
         Mesopotamia ,P . 45 .
 
 (68)  W . A . Wigram , and Wigram , Edgar T . A . , The Cradle of 
 Mankind , Life in Eastern Kurdistan , ( Lodon , 1914 ) , P . 323,
 Hereafter cited as Wigrem .
   
([69]أنظر كتابه الموسوم :
           To Mesopotamis And Kurdistan in Disguise , ( Lodon , 1926 ) .
(70)  Arfa , op . cit . , P . 111 .    
(71)  Arnold T . Wilson , Mesopotamis , 1917 – 1920 A clash of
 Loyaties . A personal and historical record , ( London , 1931 ) ,
 P. 87 ; Hereafter cited as Wilson , A clash of Loyalties .
([72]حلمي ، المصدر السابق ، ج 1 ، ص 56 .
([73])  أمين سعيد ، أيام بغداد ، ( القاهرة ، 1934 ) ، ص 221 .
([74])  العمري ، المصدر السابق ، ج 3 ، ص 189 ؛ حلمي ، المصدر السابق ، ج 1 ، ص 56 ؛      Afra , op . cit . , P . III .
(75)  Wilson , A clash of Loyalties , P . 86 .
([76]العمري ، المصدر السابق ، ج 3 ، ص 116 .
([77])  المصدر نفسه ، ج 3 ، ص 115 .
([78])  المصدر نفسه ، ج 3 ، 187 .
([79])  المصدر نفسه ، ج 3 ، ص 189 .
(80)    Wilson , A clash of Loyalties , PP . 2 – 3 ; Philip Graves .
The life of Sir porcy Cox , ( London , n . d ) , P . 234 . 
(81)    Bell , Review of the Civil Administration of Mesopotamia ,

         P . 50 . 
 (82)  Ibid . 
([83]العمري ، المصدر السلبق ، ج 3 ، ص 115 .
([84])  المصدر نفسه ، ج 3 ، ص 2673 .
([85])  عبد القادر أحمد اليوسف ، الأمبراطورية البيزنطية، ( صيدا ،1966 )، ص 26.
([86])  حنا خياط ، الأقلية الدينية في العراق ، مطبوع على الآلة الكاتبة ، بغداد ، 10 آذار 1939 في : مكتبة الدراسات العليا / جامعة بغداد ، بقم 169 ، ص 13 . 
([87])  المصدر نفسه ، ص 14 .
 (88)  Wigram , op . cit . See the preface .    
([89]صديق الدملوجي ، امارة بهدينان ، ( الموصل ، 1952 ) ، ص 120 .
([90])  للتفاصيل أنظر :    Wigram , op . cit . , PP . 322 – 423 .
([91]يحيى نزهت أحمد " الآثوريـون " ، المجلة العسكرية ، السـنة 18 ، العدد 68 ، 1 كانون الثانتي 1941 ، ص 106 .
 (92)  Lenczowski , op . cit . , P . 50 . 
 (93)  R . S . Stafford , The Tragedy of the Assyrians , ( London ,
         1935 ) . PP . 28 – 29 .   
([94]الدملوجي ، المصدر السابق ، ص 121 .
 (95)  Eli kedouri , The chatham house versi on and oither Middle

 Eastern seadies , ( London , 1070 ) , P. 246 . 
([96])  الشيخ نـوري البريفكاني : شخصية ذات نفـوذ ديني . بيته وتكيته القادرية في البريفكان شرق دهوك ، له نفوذ واسع بين أكراتد دهوك . وقد اكتسب شهرة في نشاط الأكراد لمساعدة الأتراك ضد الآثوريين . راجع : م . ح . و ، ملفات وزارة الداخلية ، ملفة شؤون عامة / دهوك  رقم C / 20 / B ، تسلسل 177 ، من تقرير مساعد الحاكم السياسي في زاخو المؤرخ 28 تشرين الأول 1920 .
  ([97]الحاج رشيد أغا :  أمير برواري بـالا ، عيّن في أواخر العهد العثماني بوظيفة
  مدير ناحية بـرواري بالا . وقد اشـتهر بلقب أمير بين العشائر البهدينانية
  والهيكارية ، توفي سـنة 1928 . راجع : أنور المائي ، الأكراد في بهدينان ،
  ( الموصل ، 1960 ) ، ص 235 .
  ([98])  الدملوجي ، المصدر السابق ، ص 116 .
  ([99])  العمري ، المصدر السابق ، ج 3 ، ص 116 . 
 (100)  Lenczowski , op . cit . , P . 50 . 
([101]محمود الدرة ، القضية الكردية والقومية العربية في معركة العراق ، ( بيروت ،
  1963 ) ، ص 95 .
 (102)  Lenczowski , op . cit . , P . 50 .
([103]سيأتي تفصيل ذلك في الفصول التالية من هذه الدراسة .
([104])  مقابلة شخصية مع عبد الرحمن صالح بتاريخ 26 / 9 / 1973 .
([105])  مقابلة شخصية مع حمدي دجليميران ، بتاريخ 23 / 10 / 1973 .
([106])  محمد طاهر العمري ، تاريخ مقدرات العراق السياسية ، ج 1 ، ( بغداد ،
  1925 ) ، ص 310 .
([107])  أنظر : علي جـودت الأيوبي ، ذكريـات ، ( بيروت ، 1967 ) ، ص 35 ؛
  العمري ، المصدر السابق ، ج 1 ، ص ص 214 ، 326 ؛ ؛ جريدة صدى
  الأحرار ، 30 آيار 1952 .
([108])  عبد المنعم الغلامي ، السوانح ، ( الموصل ، 1932 ) ، ص 102 .
([109])  المصدر نفسه ، ص 103 .
([110])  فلاديمير بوريسوفيتش لونسكي ، تاريخ الأقطار العربية الحجيث ، ترجمة :
  عفيفة البستاني ، ( موسكو ، 1971 ) ، ص 440 .
([111])  أعارني السيد أحمد النيلة أمين المكتبة المركزية في الموصل سابقاً مجموعة من
  هذه النشريات ، وهي منن المجموعات النادرة . أنظر: الملحق رقم ( 3 ـ أ ) .
([112])  عصام محمد محمود ، ( جدمع وترتيب ) ، مطبوعات الموصل منذ سنة 1861
  ـ 1970 ، ( الموصـل ، 1971 ) ، ص ص 32 ، 37 ـ 38 ؛ الـوردي ،
  المصدر السابق ، ج 4 ، ص 97 .
([113])  أنظر : الملحق ، رقم ( 3 ـ ب ) .
([114])  الغلامي ، المصدر السابق ، ص ص 92 ، 103 .
([115])  المصدر نفسه ، ص ص 102 ـ 108 .
([116])  العمري ، المصدر السابق ، ج 3 ، ص ص 46 ـ 47 .
([117])  الغلامي ، المصدر السابق ، ص 109 .
([118])  محمد أمين العمري ، تاريخ حرب العراق ، ج 3 ، ص 90 .
([119])  واجهت الموصل حالات المجاعة والغـلاء مرات عديدة . أهمها القحط والغلاء
  الذي حدث سنة 1870 وغلاء سنتة 1880 وتسمى هذه السنة في الموصل بأسم
 
(( سنة الليرة )) لأنت وزنة الحنطة بيعت بسعر ليرة ذهبية عثمنتانيبة . ويطلق
  الأكراد عنالسنة ذاتها أسم
(( برسيمة )) ومعناها بالكردية (( جوعان )) .
([120])  السيد وهب ، المصدر السابق ، ج 1 ، ص 253 .
([121])  وهذا ما سمي بـ ( سربست مبايعسي ) أي المبايعة الحرة . وقد ذكر لي يحيى
  نزهت علي وكان وكيلاً لجباية الأعشار في تلعفر آنذاك في مقابلة  شخصية في
  بغداد بتاريخ 7 / 11 / 1973 : أن السلطات العثمانية عمدت إلى استخدام
  التهديد بالقوة ازاء المترددين عن دفع تلك الضرائب.إذ حضر إلى تلعفر قائممقام
  سنجار محي الدين بك ترافقه سرية وأربعة مدافع للمساعدة في تنفيذ أوامر
  الحكومة وبالفعل ذهب فصيل من هذه السرية لتهديد سكان قرية المفري ( من
  قرى تلعفر ) بسبب امتناعهم ومماطلتهم في دفع الضرائب تلك . وقال إنّ قسماً
  من الأهالي لجأوا في بعض الأحيان إلى رشوة أعضاء لجنة المبايعات الذين
  كانوا يتواطئون مع مختاري القرى والمزارعين على تخفيض تلك الضريبة لقاء
  مبلغ يتفق عليه .
([122])  محمد طاهر العمري ، تاريخ مقدرات العراق السياسية ، ج 1 ، ص ص 135 ـ 136 ؛ الغلامي ، السوانح ، ص 95 .
([123])  فائـز الغصين ، المظالم في سـوريا والعراق والحجاز ، ( العقبة ، 1918 ) ،
  ص 12 .
([124])  أنظر : العمري ، المصدر السابق ، ج 1 ، ص 140 ؛ الغلامي ، الموصل
  خلال الحرب العالمية الأولى ، ص 10 .
([125])  أنظـر عن تلك المذابـح : ك . ل . اسـتارجيان ، تاريخ الأمـة الأرمنيـة ،
  ( الموصل ، 1951 ) ، ص ص 317 ـ 360 .
([126])  الوردي ، المصدر السابق ، ج 4 ، ص 390 .
([127])  ذكر عبد العزيز القصاب على الصفحة 186من كتابه ( من ذكرياتي ) المطبوع
  في بيروت سنة 1961 "بأنّ من هاجر إلى الموصل بلغ قرابة (40000) نسمة.
 (128)  Ulirich Trumpener , Germany and ottoman Fmpire 1914 –
           1918 , ( New Jersey , 1968 ) , P . 66 . 
([129]زكي ، المصدر السابق ، ص 277 .
(130)    Sureya Badrkhan , The case of Kurdistar sagainst Turkey ,
          ( Princeyon , 1929 ) , PP . 33 – 34 . Quoted in Arshak
          safrastian , ( London , 1948 ) , P . 76 .
([131]محمد أمنين العمري ، تاريخ حرب العراق ، ج 3 ، ص 91 .
([132])  محمد طاهر العمري ، تاريخ مقدرالت العراق السياسية ، ج 1 ، ص 135 .
([133])  محمد أمين العمري ، تاريخ حرب العراق ، ج 3 ، ص 91 .
([134])  المصدر نفسه ، ج 3 ، ص 92 .
([135])  المصدر نفسه ، ج 3 ، ص 91 .
([136])  المصدر نفسه ، ج 3 ، ص 93 .
([137])  المصدر نفسه ، ج 3 ، ص 94 ؛ محمد طاهر العمري ، تاريخ مقدرات
  العراق السياسية ، ج 1 ، 137 .
([138])  محمد أمين العمري ، تاريخ حرب العراق ، ج 3 ، ص 94 ؛ شكري محمود
  نديـم ، حرب العـراق 1914 ـ 1918 ، ط 4 ، ( بغــداد ، 19064 ) ،
  ص 173 .
([139])  مصطفى نور الدين الواعظ ، الروض الأزهر في تراجم آل السيد جعفر ، نشره
  وعلّق على حواشيه ولده ابراهيم الواعظ ، ( الموصل ، 1948 ) ، ص 518 .
([140])  العمري ، المصدر السابق ، ج 3 ، ص 94 .
([141])  المصدر نفسه ، ج 3 ، ص ص 96 ، 114 .
([142])  محمد طاهر العمري ، تناريخ مقدرات العراق السياسية ، ج 1 ، ص 132 .
([143])  أطلق الموصليون على سنة المجاعة أسم (( سنة الثلاث ليرات )) لأن وزنة
  الحنطة بيعت بثلاث ليرات ذهبية .
([144])  الغصين ، المصدر السابق ، ص 87 .
([145])  أنظر قائمة بالنقود العثمانية المعدنية والورقية وما يساويها من العملة العراقية
   في : الواعظ ، المصدر السابق ، ص 693 .
([146])  الغلامي ، المصدر السابق ، ص 10 .
([147])  الواعظ ، المصدر السابق ، ص 516 .
([148])  العمري ، المصدر السابق ، ج 1 ، ص 133 .
([149])  المصدر نفسه ، ج 1 ، ص 138 .
([150])  القصاب ، المصدر السابق ، ص ص 175 ـ 176 .
([151])  العمري ، المصدر السابق ، ج 1 ، ص ص 138 ـ 139 .
([152])  روفائيل بطي ، الصحافة في العراق ، ( القاهرة ، 1955 ) ، ص 50 .
([153])  الواعظ ، المصدر السابق ، ص 517 .
([154])  حلمي ، المصدر السابق ، ج 1 ، ص 34 .
 (155)  W .  R .  Hay ,  Two Years in Kurdistan  ,  Experiences of
            a political officer 1918 – 1920 , ( London , 1921 ) , P . 98 . 
 (156)  British Government , Report of A dministration for 1918 of
    Divisions and Districts of the occupied Territories in
    Mesopotamia , Vol . I Kirkuk Division , A dminstion Report
    for the Qadha Kifir since its occupation May 1918 to
    December 13 th 1918 , P . 416 .
 
([157]الغلامي ، المصدر السابق ، ص 23 .
([158])  أحمد علي الصوفي ، تاريخ بلدية مدينة الموصل ،ج1، ( الموصل ، 1970 ) ،
  ص 33 .
([159])  الغلامي ، المصدر السابق ، ص 10 .
([160])  القليـة : عبارة عن لحم مطبوخ بدهنه يبباع في أسواق الموصل .
([161])  لا توجد احصائية دقيقة عن عدد ضحايا عبود وزوجته . فقد ذكر محمد طاهر
  العمري على الصفحة 139 بأن الشرطة أخرجت رؤوس بضعة أطفال . أما
  الواعظ فذكر على الصفحة 517 بأن عدد الأولاد الاذين خطفوا من قبل عبود
  كان (11) طفلاً وطفلة .
([162])  للتفاصيل راجع : الواعظ ، المصدر السابق ، ص 517 ؛ العمري ، المصدر
  السابق ، ج 1 ، ص 139 ؛ الغلامي ، المصدر السابق ، ص 10 .
([163])  مقابلة مع رشيد الخطيب في الموصل بتاريخ 19 / 9 / 1973 .
([164])  مجلة الحرب العظمى ، ج 48 ، ( بيروت ، لا . ت ) ، ص 7 .
  (165)  Bell Review of the Civil A dministration of Mesopotamia ,
             P . 54 .
([166])  مكرم الطالباني ، ابراهيم خان ثائر من كردستان، ( بغداد ،1971 ) ، ص49 .

([167])  العمري ، المصدر السابق ، ج 1 ، ص 140 .
([168])  القصاب ، المصدر السابق ، ص 186 .
 (169)  Hay , op . cit . , PP . 117 – 118 . 
([170]الواعظ ، المصدر السابق ، ص 516 .
([171])  العمري ، المصدر السـابق ، ج 1 ، ص ص 135 ـ 136 ؛ محمـد أمين
  العمري ، تاريخ حرب العراق ، ج 3 ، ص ص 91 ـ 93 .
__________________________________________________________________
*الفصل الثالث من رسالتي للماجستير التي قدمتها سنة 1975 الى قسم التاريخ بكلية الاداب -جامعة الموصل  بعنوان :" ولاية المنوصل :دراسة في تطوراتها السياسية 1908-1922 " بإشراف الاستاذ الدكتور  عبد القادر أحمد اليوسف (رحمة الله عليه ) وهي غير منشورة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق