السبت، 18 فبراير، 2017

المياهُ مُعتمةٌ .. والغرقى كثيرون شعر : علي نوير



المياهُ مُعتمةٌ .. والغرقى كثيرون
شعر : علي نوير 
أَيُّها البحر
لا جدوى من إغوائي بنشيدكَ اليوميِّ ، بأمواهكَ التي تأتي إليَّ
مُحمَّلةً بالقواقعِ ، والعُلبِ الفارغةِ ، والنذورِ ، ورسائلِ الغرقى التي
لم تصل .. ولن ...
لا جدوى من إغوائي أيّتها المياهُ الضحلةُ ، ما عُدتُ أصلحُ
للرحلاتِ القصيرةِ ، أنا ابنُ الصحراءِ الأزليّةِ ، لا أُفقَ يحدّني ،
أنا ابنُ المياهِ العميقةِ ، لا ساحلَ أنتظر ، ولا فنارَ أهتدي إليه ،
خُذْ هداياك أَيُّها البحر ، وارمِ بها بعيداً ، لن أحتاجها بعد الآن .
.
ها هيَ ذي يدي ، مازالتْ تُلوّحُ بفسفورها المُشعِّ ،
للذينَ سيأتونَ من وراءِ هذا الأفق ،
للهابطينَ من تلكَ التلال .
أنا الجامحُ كنزوةٍ عابرةٍ ، والجارحُ مثلَ شَظيّةٍ طائشةٍ ،
أعرفُ كيف أضيءُ في اللحظةِ الحاسمة .
.
لم أكُ يوماً مِئذنةً لأحد ،
ولا عهدَ لي بالهُتافِ أمامَ حَشْد
بَيدَ أنَّ رقبتي مازالتْ طويلةً بما يكفي كي أرى من وراءِ هذهِ الأكتاف
ما لم ترهُ عينان ،
.. وثمّةَ احتياطيٌّ هائلٌ من الغناءِ الجميلِ مازالَ مُحتبساً في حُنجرتي .
.
أَيُّها البحر
ها أنذا أمامك الآن
تركتُ ورائي مُدناً تتقاذفها الأعاصيرُ ، وتلتاثُ إليها الطُرق
لم يبقَ منها سوى استغاثاتٍ ، صُراخٍ مكتومٍ ، وآخرَ مدوٍّ
مازلتُ أسمعهُ مُخترقاً الغُبارَ والرماد
سوى أجسادٍ مُزرقَّةٍ بفعلِ آلاتٍ للتخدير
.
بُكاءٌ ساخنٌ ومُرٌّ يقاطعهُ على الدوامِ ضحكٌ خليع ،
شُرُفاتٌ ومُتّكآتٌ وثيرةٌ تطلُّ على خرائبَ وقُرىً مُغبَرّةٍ ،
جدرانٌ وأعمدةٌ من الرُخامِ ، وأُخرى من الصفيح
صولجانٌ هنا........ عُكّازٌ هناك
سوطٌ هنا ............ ظهورٌ مَحنيّةٌ هناك
صُلبانّ معقوفةٌ هنا.. منارةٌ مُتداعيةٌ هناك
نِفطٌ هنا .............. مياهٌ آسنةٌ هناك
ساحلٌ ممتدٌ هنا .... طُرقٌ مُلتويةٌ هناك .
.
أيّها البحر
خُذْ بيدي الى الأزرقِ البعيد
كن هادئاً
زوارقُ الصيّادينَ لا عهدَ لها بأمواجكَ المُتواثبةِ ، بصخبكَ العالي ،
ما هِيَ إلّا زوارقَ خشبٍ خاوٍ من بقايا سفينةِ نوح ،
نوح الذي لم يتركْ وصيّةً لأحد
سوى حكايةٍ تشظّتْ على ألسنةِ الرواة .
.
أَيُّها البحر
ها هو ذا شراعي الأخير
خُذْ بأطرافهِ الآن
المياهُ مُعتمةٌ .. والغرقى كثيرون
ولا أحد ينتظرني هنا
.
وأنتِ أيّتها الغيمةُ اهبطي
لنرى أيّةَ أرضٍ ستزهرُ قبلَ غيرها
في هذا الربيعِ العدميِّ الأخير .
_________________________________________
 ٢/٢/٢٠١٤

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق