الأحد، 22 يناير، 2017

ديزموند ستيوارت وناصر العرب ا.د. ابراهيم خليل العلاف





ديزموند ستيوارت وناصر العرب
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس  - جامعة الموصل
في  آذار – مارس سنة 1960 أصدرت (جمعية الوعي القومي ) في القاهرة ، وضمن سلسلة كتب شهرية كتابا قيما ألفه أحد الاكاديميين الانكليز المهتمين بشؤون الشرق الاوسط الحديث وهو الاستاذ  ديزموند ستيوارت وكان عنوان الكتاب مترجما (ناصر العرب ).
وقد جاء في المقدمة  التي كتبها الاستاذ أمين شاكر رئيس جمعية الوعي القومي ان ديزموند ستيوارت ( 1924 -1981 ) احد كتاب الانكليز القلائل الذين فهموا القضايا العربية ، ودرسوها على الطبيعة في هدوء العالم الحريص على استجلاء  حقائق الامور .
عرفنا الاستاذ  ديزموند ستيورات استاذا   للغة والادب الانكليزي في دار المعلمين العالية ببغداد (كلية التربية فيما بعد ) خلال السنوات الاولى من الاربعينات من القرن الماضي .
كتبتُ في احد كناشاتي انه في خريف سنة 1948 وصل الاستاذ ديزموند ستيوارت الى بغداد بعد ان تعاقد مع وزارة المعارف ( التربية  ) العراقية  ليدرس مادة الادب الانكليزي في المؤسسات الجامعية العراقية .  وقد عاش في بغداد وكان على صلة  بالحركة الثقافية  العراقية آنذاك وبجماعة (لادب الضائع ) الادبية . وقد نشر في سنة 1952 سيرته الذاتية عن  حياته في العراق بعنوان : (  ( The Memoirs of Alcibiades
 وله عدة مقالات منشورة في مجلة (صوت الدار ) التي كانت تصدرها (دار المعلمين العالية ) ورأيت له مقالا في أحد أعداد سنة 1956 عن (لورنس العرب ) . ومن كتبه كتابه (تاريخ الشرق الاوسط الحديث أو معبد جانوس ) الذي ترجمه الاستاذ زهدي جار الله  الى اللغة العربية
  عاش  الاستاذ ديزموند ستيوارت شطرا من حياته في لبنان . كما زار مصر عدة مرات . ومن المؤكد ان معرفته الوطن العربي ، وإقامته في عدد من العواصم العربية مكنته من دراسة تاريخ الشرق الادنى والشرق الاوسط الحديث دراسة عميقة .

ومع أن الكتاب هذا ليس كتابه الاوحد عن الوطن العربي ، بل ان له كتبا اخرى عن (تاريخ الشرق الاوسط الحديث والمعاصر ) ، فإنه في هذا الكتاب الذي حمل عنوانا رومانسيا ، يؤرخ لمرحلة حاسمة من تاريخ مصر الحديث والمعاصر . فهو يورد آراءه بطريقة موضوعية متحررة من العقد ، والافكار الاستعمارية البغيضة والتقليدية التي تسيطر على عقول كثير من الكتاب الانكليز .
وفي هذا الكتاب يبدأ بحديث عن تاريخ مصر منذ  عملية الغزو  الفرنسي التي قادها  الجنرال نابليون بونابرت على مصر سنة 1798 وعرفت في الادبيات التاريخية الفرنسية ب ( الحملة الفرنسية ) .
إن أمانة المؤلف العلمية ؛ تظهر في سرده لسلسلة الحقائق التاريخية التي شهدها تلك الحقبة المهمة ، وبيانه لمدى ما كان لها من أثر كبير في إنضاج الوعي القومي ، والادوار القيادية التي قام بها الادباء ، والكتاب ، ورجال الدين في محاربة الاحتلال والاستعمار .ثم يشرح للقارئ كيف إمتزجت هذه الاتجاهات المتعددة لتؤلف شيئا جديدا يأخذ صورة اندماج الزعامة العسكرية مع الجبهة الشعبية ليقفا امام الطغيان الذي يتمثل في حكم الخديوي ،  وسيطرة العناصر الاجنبية وكيف لم تنجح الانتفاضات الوطنية كما حدث  للحركة العرابية التي كادت ان تنجح لولا تواطؤ القصر  مع الانكليز .
ويتتبع المؤلف بعد ذلك تاريخ الاسرة المالكة ابتداء من  حكم الوالي محمد علي باشا 1805-1848 حتى آخر ملك من ملوكها وهو الملك فاروق الذي خلع إثر ثورة 23 تموز-يوليو سنة 1952 .ومما يلفت النظر في ما دونه الاستاذ  ديزموند ستيوارت في هذا الكتاب انه يذكر في صدق وحيادية ودقة ودون تحيز ما فعله ابناء هذه الاسرة خلال فترات حكمهم المتعاقبة .كما يؤكد ان الحقائق التاريخية في الوطن العربي تسير جنبا الى جنب مع تطور الفكرة العربية القومية ، وانطلاقها في كل شبر من أرض العرب .
من النقاط التي ركزعليها المؤلف (قناة السويس ) وموقعها في التاريخ المصري والعالمي الحديث .كما أفرد للقضية الفلسطينية وتأثيراتها في تاريخ المنطقة عامة وتاريخ مصر خاصة اهتماما وقال انه بالرغم من ان المصريين حفروا قناة السويس بدمائهم ، ودموعهم ، وعرقهم الا ان وجودها كان سببا في تغلغل النفوذ الاجنبي في كل شأن من شؤون الحياة في مصر . وقد ظلت القناة (دولة داخل دولة ) حتى حانت اللحظة المناسبة والحاسمة لتأميمها سنة 1956 ، فعاد الحق الى اصحابه بعد أن إغتصبه الأجانب قرابة ال100 سنة .
أما مأساة فلسطين ، فكانت الفصل الدامي في تاريخ الشرق العربي الحديث ، وهي التي أوضحت حقيقة اهداف الاستعمار تجاه البلاد العربية حين تواطأ مع الصهيونية العالمية لاقتطاع جزء عزيز ومهم من قلب الوطن العربي وتسليمه لليهود الذين جاؤوا فلسطين من اطراف الدنيا  ليكون موطئ قدم للاستعمار الغربي يستعيد منه سيطرته واستغلاله لكل الدول العربية التي نشأت بعد انهيار الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الاولى وانسلاخ البلاد العربية عنها .
ويوضح المؤلف كيف كانت حرب فلسطين سنة 1948 من بين الاسباب المباشرة التي عجلت ليس في قيام ثورة 23 يوليو –تموز 1952 بل في كثير من الثورات العربية اللاحقة ومنها بالطبع ثورة 14 تموز – يوليو 1958 .
لقد  قدم الاستاذ  ديزموند ستيورات وهو الذي خبر اوضاع العرب وعاش بينهم فترة من الزمن ، وتعرف على رجالات فكرهم ومثقفيهم تحليلا دقيقا  لتطورات الحوادث التي أدت الى قيام الثورة المصرية ، ورسم خطوطا واضح لمعالمها ، وسياساتها الداخلية والخارجية ، والاسس التي قامت عليها .
ولم ينسَ ان يبين موقف مصر من سياسات الاستقطاب الدولي ، وانقسام العالم بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي .كما يقف المؤلف عند سياسة الرئيس جمال عبد الناصر الخارجية في انتهاج الحياد الايجابي وعدم الانحياز لأي من المعسكرين العالميتين والتي جنبت مصر ويلات الحرب الباردة ومشكلاتها .
إن مما يلفت النظر ، أن المؤلف إستطاع ، ومن خلال عرضه التاريخي الموضوعي ، أن يثبت أن الروابط بين العرب ليست روابط عاطفية بل هي روابط اقتصادية واجتماعية ولغوية ودينية تنبع من صميم الواقع ، ومن تاريخ الشعب العربي العريق ، ومصالحه ، وآماله ، وألامه ، وتطلعاته .
شيء جميل ان يلحق الاستاذ  ديزموند ستيوارت بكتابه  نص حواره  الذي اجراه مع الرئيس جمال عبد الناصر ، وفي الحوار يلقي الرئيس عبد الناصر الضوء على كثير من مشاكل مصر والدول العربية . ويعد هذا الحوار مكملا وتصحيحا لما ذهب اليه المؤلف من آراء تتعلق بمعنى القومية العربية ، وهي ، كما قال المؤلف ، المبدأ الذي يقوم على أسس ثابتة مستمدة من التاريخ العربي ، والصلات الوثيقة والعريقة التي تربط بين الشعب العربي الذي يسكن المنطقة الواقعة بين الخليج العربي والمحيط الاطلسي .
وحسنا فعل الاستاذ  ديزموند ستيوارت عندما جال في شوارع القاهرة ، واطلع على ما حصل من تقدم وبناء في كل مفاصل الحياة ، وهذا كله أعطى للكتاب مصداقية كبيرة أهلته لكي يأخذ مكانا متميزا في المكتبة التاريخية العربية المعاصرة .
لنعود الى ما دونه الاستاذ   ديزموند ستيوارت في كتابه (ناصر العرب ) ، ومن ذلك قوله انه ترك العاصمة العراقية بغداد سنة 1949 ، حيث كان يعمل استاذا في  قسم اللغة الانكليزية  في دار المعلمين العالية ، وسافر الى القاهرة لقضاء عطلة الربيع فيها وفي طريقه الى فندق سمير اميس رأى اقواس النصر مرفوعة للضباط البواسل العائدين من معركة الفالوجا  بفلسطين تحية لما بذلوه من أعمال التضحيات والبطولة .
لكن ديزموند ستيورات قال انه التقى شابا تحدث اليه بلغة انكليزية ركيكة عن مصر،  لكن احد رجال البوليس منعه من الحديث فالتفت الشاب وقال :
- ها انتَ ترى الحرية التي نتمتع  بها !!
وهنا التقيت الاستاذ الدكتور زكي نجيب محمود استاذ الفلسفة المعروف  في مقهى كروبي  بوسط القاهرة وقلت له :
- إسمع ..إن بلدكم على ابواب ثورة ...فمتى تحدث ياترى ؟
نظر الي الاستاذ الدكتور زكي نجيب محمود بعد ان وضع كتابا كان يقرأ فيه جانبا وقال:
- إنك لم تكد تمضي في مصر اسبوعا ، فمن اين وصلت الى هذا اليقين الذي تتحدث به ،حقا إن في الغيب ثورة .
وراح المؤلف يتحدث عن حادثة فبراير –شباط 1942 ، وكيف فقد  ( حزب الوفد ) نفوذه ، واصبح الملك بعد تدخل الانكليز  المباشر في مصر مجرد صورة ضعيفة في أذهان الناس .لقد وصل الشعب بعد ان تفاقمت المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على يقين ان الاحزاب تحولت الى طبقة من الانتهازيين الذين يتخذون الحكم سلما للوصول الى اغراضهم دون اهتمام بمطالب الشعب .
من مباحث الكتاب :
مقدمة
مصر قبل ثورة 1952
من نابليون الى كرمر
الثورة
العهد الحاضر وسياستنا مع العالم الخارجي :حوار مع جمال عبد الناصر
النهضة الشاملة
من الطريف ان  الاستاذ  ديزموند ستيوارد جرب شرب الحشيشة في القاهرة سنة 1950  أي قبل الثورة 1952 ووصل الى قناعة :" ان الحشيش هو الملاذ الوحيد لشعب حائر ، بائس ، وهو الوسيلة الوحيدة للتنفيس عن الالامهم والهروب من واقع حاضرهم الذي لايكاد يرضيهم ،وان الافضل قبل ان نطلب من هؤلاء الناس الامتناع عن تدخين الحشيش ان نعالج مشكلة الفقر السائدة بينهم ونعلمهم طريقة إستغلال أوقات الفراغ استغلالا صحيحا منتجا حتى نملأ الفراغ المدمر في حياتهم " .
يقول المؤلف بعد بضعة سنوات من اندلاع ثورة 23 تموز –يوليو 1952 :" والان وقد مضى على  الثورة بضعة أعوام أرى والمس تغييرا واضحا في حياة الناس وخاصة الطبقة المتوسطة ،واول ما يستلفت النظر هو شعور الفرد بكرامته واعتزازه بقوميته ؛ فالفلاح ، والعامل ، ورجل الشارع كل يسير مرفوع الرأس ، موفور الكرامة ، يحس بكيانه ، ويشعر أنه يؤدي واجبه بإخلاص لبناء الوطن " .فالثورة قدمت الكثير من الانجازات ، وأحدثت انقلابا في النظم الاجتماعية الداخلية بالبلاد ، وسارت الثورة من البداية بخطى حريصة ، فقد عزل الملك الفاسد فاروق عن العرش ، وازيلت طبقته الفاسدة ، واصدرت الثورة قانون الاصلاح الزراعي ، وانتشرت الجمعيات التعاونية في الريف،  وانبثت في القرى مراكز لتربية الماشية التي تباع للفلاح بالاقساط المريحة ، وامتدت الخدمات الطبية والاجتماعية ، واهتمت الثورة بكهربة المدن والارياف .. كما ركزت على الصحة ، والتعليم ،والجامعات ، والصناعة ، وانتهجت الثورة سياسات داخلية وخارجية إهتمت بالمصريين ، ومصالحهم .
في الحوار مع الرئيس جمال عبد الناصر نجد بأن الرئيس قال انه منذ دراسته الثانوية كان وزملائه في الثورة على صلة بالحركة العربية  القومية ، وكان ما كان يحدث في الوطن العربي ، له صدى في نفوسهم ،  وانه معجب بشخصية الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان " باعتقادي زعيما ، وقائدا لشعبه جاهد من اجل اخراجهم من الظلمات الى النور ، وجمع شملهم ، ووحد كلمتهم حول مبدأ وشريعة ،وتعلمت من دراساتي لشخصية الرسول الكريم فضيلتي الصبر والكفاح " .كما اعجب الرئيس عبد الناصر بشخصية غاندي زعيم الهند .. الرجل الصامت المسالم ومن الشخصيات التي اعجب بها نلسون بسبب قصة تدل على البطولة والتضحية في سبيل غيره .وقال عبد الناصر انه منذ سنة 1934 ، قرأ مؤلفات مصطفى كامل وقرأ لطه حسين وتوفيق الحكيم " ولكن قراءآتي كانت مزاجا من القصص والتاريخ وقد زاد اهتمامي على الاخص بتاريخ مصر في القرن التاسع عشر ثم عكفتُ على دراسة الثورة الفرنسية ، وقرأتُ  تاريخ حياة زعمائها مرة بعد مرة ...واعجبني فولتير وشخصيته الهادئة ...وقرأت رواية  (قصة مدينتين ) التي الفها شارلز ديكنز ، وتعلمت منها  كيف يمكن ان تصبح الثورة بيضاء " .وعن نابليون يقول عبد الناصر :" لقد أبغضته من صغري عندما قرأت في تاريخ الحملة الفرنسية انه نصب مدافعه على المقطم وضرب القاهرة " وقال لديزموند  ستيوارت :" صدقني رغم انني قدت هذه الثورة ؛ فإني اكره الحرب ، واكره سياسة العنف " .واضاف :" ان الشعوب في حاجة الى المبادئ أكثر من حاجتهم الى الانتصارات الحربية ..وإلا ما جدوى الثورة اذا لم تمنح الفرد حرية وكرامة وعدالة " .
كتاب ديزموند ستيوارت وثيقة تاريخية ذات قيمة كبيرة  ؛ فالمؤلف يُعد شاهد عيان .. رأى ، وسمع ماحدث في مصر الثورة  .. وكان قريبا الى شعب مصر ، وقادة مصر وقمين بشبابنا ان يقرأوا هذا الكتاب بتأنٍ وتدبرٍ كبيرين .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق