الأحد، 28 فبراير، 2010

عبد الباسط يونس (1928-2000 ) والنهضة الصحفية المعاصرة في الموصل


عبد الباسط يونس (1928-2000 ) والنهضة الصحفية المعاصرة في الموصل


أ.د ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل




شهدت الموصل خلال الخمسينات من القرن الماضي ، نهضة صحفية واسعة النطاق ، تجاوزت حدود المدينة ، إلى مدن عراقية أخرى بما فيها العاصمة بغداد . فقد صدرت في الموصل ، على سبيل المثال ، في الفترة ما بين 1950 إلى 1959 ، قرابة (30) جريدة والذي كان له دور كبير في هذه النهضة الصحفية من خلال إصداره أكثر من خمسين صحف ،هذا فضلاً عن إشرافه أو إسهامه في الصحف الأخرى . وكانت الصحف التي أصدرها أقرب إلى الندوات الفكرية المفتوحة التي ضمّت عدداً كبيراً من كتّاب وأدباء الموصل آنذاك،ومن خلالها برزت أقلام العديد من الشعراء والأدباء والكتّاب الذين قاموا ، فيما بعد ، بدور مهم في تاريخ الحركة الثقافية في الموصل .


ولد عبد الباسط يونس رجب في محلة باب لكش بمدينة الموصل سنة 1928 . وقد تلقى دراسته الأولى في كُتّاب شعبي يديره ( الملا علي ) والذي عُرف بشدته وصلاحه وتقواه حتى أنه ترك في نفوس تلاميذه أثراً لا يُنسى .ثم انتقل إلى المدرسة العراقية الابتدائية وخلال دراسته في المدرسة الابتدائية تفتح ذهنه على الأحداث السياسية التي كان يمر بها العراق والأمة العربية آنذاك وخاصةً أحداث ثورة 1936 في فلسطين وانقلاب بكر صدقي في العراق ومقتل الملك غازي سنة 1939 . وكان والده ، الضابط الموصلي الذي عاد مع رفاقه الضباط العرب الملتحقين بالثورة العربية في العراق ،أثر كبير في تنمية وعيه .


وفي سنة 1941 أنهى دراسته الابتدائية في بغداد بعد أن انتقل إليها مع والده ، وفي متوسطة الأعظمية، كان يتابع أحداث ثورة مايس 1941 وأخبار الحرب العالمية الثانية . وفي تلك المرحلة ، والتي تلتها برزت مجلتا الرسالة والثقافة الأسبوعيتان،وكانت مجلة الهلال المصرية تصل إلى العراق بانتظام، وهي تحمل على صفحاتها ما كان يكتبه رواد الثقافة العربية الأوائل من مقالات تاريخية وفلسفية وفكرية وسياسية .. وقد تركت تلك المجلات أثرها لدى عبد الباسط ، حتى أنه أرسل مقالة إلى مجلة الرسالة المصرية لصاحبها أحمد حسن الزيات ، وذلك عندما كان طالباً في الصف الثاني المتوسط ، وكانت دهشته كبيرة حين وجد مقالته وقد نشرت في المجلة المذكورة .
عاد إلى الموصل ، سنة 1945 حين أحيل على التقاعد ، وأكمل دراسته في المتوسطة الشرقية ، ثم انتقل إلى الإعدادية المركزية ، وكانت الإعدادية الوحيدة في الموصل آنذاك ، وتشغل بناية المدرسة الخضرية ( الإعدادية الشرقية حالياً ) ، وفي هذه المدرسة أسهم في إصدار نشرة " الإلهام " ، كما أخذ يكتب مقالات في الصحف الموصلية بأسماء مستعارة منها : ( صفوت ) و ( أبي الدرداء ) و ( الشعبي ) و ( عبد المتعال البدراني ) . كما نشرت له صحافة بغداد بعض المقالات باسمه تارة ، وأسماء مستعارة تارة أخرى . ومن الصحف التي نشر فيها جريدة السجل ( البغدادية ) وجريدة الجامعة الموصلية ومجلة الجزيرة الموصلية .


وخلال هذه الحقبة من حياته ، اتجه إلى تركيز قراءاته في أمهات الكتب والمصادر ودواوين الشعر حتى أنه بات يمتلك مكتبة تعد من اضخم المكتبات الخاصة في الموصل.


وعندما انفجرت وثبة كانون الثاني 1948 ضد معاهدة بورتسموث ، واندلعت التظاهرات الشعبية ضدها في المدن العراقية،ومنها الموصل ، أسهم عبد الباسط يونس فيها .. وكمان معروفاً بقدرته الخطابية . وكان من نتائج ذلك أن عُوقب بالاخراج الموقت من المدرسية . وجاءت أحداث فلسطين سنة 1948 ليقود اعتصاماً طلابياً في الاعدادية النمركزية ، وكان آنذاك طالباُ في الصف الخامس ، الفرع الأدبي ، وقد حَمَلَتْهُ السلطة مسؤولية الإضراب عن الطعام الذي سرعان كا انتشرت أخباره في المدينة ، وفي اليوم الثاني اتسع الاضراب حتى شمل طلاب بقية المدارس . وعبثاً حاول المسؤولون إيقاف الاضراب الذي استمر أربعة أيام ، ثم رفع تلقائياً من قبل الطلاب أثر اعلان الحكومة إرسال الجيش إلى فلسطين . ومع اعلان الأحكام العرفية وانصراف الطلاب إلى دروسهم وامتحاناتهم ، أُستدعي عبد الباسط يونس أمام مجلس المدرسين ، وصدر قرار بفصله من المدرسة وحرمانه من المشاركة في الامتحان النهائي.ثم ابعد إلى بغداد ووضع تحت المراقبة لمدة تتجاوز السنة ، سمح له بعدها بالعودة إلى الموصل .


بدأت فكرة التوجه نحو العمل الصحفي عند عبد الباسط يونس ، سنة 1950 ، وكانت تجربته مع جريدة " الفجر " الأدبية التي صدرت في الموصل في 7 كانون الثاني 1950 ، ومما جاء في ترويستها أنها : جريدة أدبية علمية اسبوعية ، صاحبها سليم نعمان العطار ، ومديرها المسؤول المحامي شاكر العناز. وقد تولى عبد الباسط يونـس مسؤولية الاشراف على تحريرها. وفي عددها (39) كتاب مقالاً بعنوان " أدباء للبيع " أثار في حينه جدلاُ كبيراً في أوساط الأدباء والمثقفين الموصليين . وفي هذا المقال هاجم عبد الباسط يونس " أدعياء الأدب " الذين أفسدوا أذواق قرائهم . وقد امتازت جريدة الفجر بتأكيدها على أهمية " بعث حركة ثقافية تليق بمكانة الموصل " وكان من أبرز من أسهم فيها: أكرم فاضل،وحسين علي ، ومحمد عزة العبيدي ، وعبد الوهاب البياتي ، وشاذل طاقة ، وفاضل الطائي ، وذو النون الشهاب ، وفخري الدباغ ، ومحمود مفتي الشافعية ، وعبد الرزاق
عبد الواحد .


ومع صدور مجلة " المثـال " في 6 حزيـران 1951 بدأت المسيرة الصحفية الحقيقية لعبد الباسط يونس وكانت جريدة يومية سياسية ، مديرها المسؤول شاكر العناز المحامي ( ). وقد عرفت " المثال " بمواقفها القومية، ودعوتها إلى الحريـة والوحدة كما اهتمت بالمـرأة ولم تهمل وضع الفلاح وصدر عنهـا (87) عدداً للفترة ما بين 6 حزيران 1951 ، 8 تموز
1954.


وتعد الافتتاحيات التي كان يكتبها عبد الباسط يونس ، وتحتل (3) أعمدة من الجريدة ، أكثر الافتتاحيات في تاريخ الصحافة العراقية جراةً وصدقاً . ويتضح ذلك من خلال عناوينها، فثمة عناوين كثيرة منها : " شعب يحترق "، " رئيس الوزراء ينتحر سياسياً " ، " بيضة الوزارة متى تضعها " ، " إلى رئيس الوزراء إني اتهمك " ، " وزارة الفشل " و " إلى الوزراء أنتم في وادٍ والشعب في وادٍ " .


وكان من الطبيعي أن تتعرض الجريـدة إلى التعطيل ، عدة مرات . فعلى سبيل المثال وجهـت وزارة الداخلية انذارها إلى جريـدة المثال للمرة الثالثة ، لنشرها مقـالاً افتتاحياً بعنـوان : " بيضة الوزارة .. متى تضعها " وذلك في عددها الصادر في 4 شباط 1954 . وعطلت لمـدة شهر لنشرها مقالاً بعنوان " الأمن ذلك المظلوم " في عددها الصادر في 14 آذار 1954 وكان تعليقاً على محاولة إعتداء تعرض لها عبد الباسط يونس في 22 شباط 1954 من عناصر الشرطة السرية ، وهو في طريقه إلى مكتبه في شارع النجفي ، وعمل عبد الباسط يونس ، بعد تعطيل جريدة " المثال " رئيساً لتحرير جريدة " وحي القلم " في 11 حزيران 1954 والتي صدرت تعويضاً لمشتركي جريدة المثال . وهذا التصميم على مزاولة العمل الصحفي ، برغم التعطيل ، يُعطي صورة واضحة على حيوية الرواد الأوائل للصحافة الموصلية واصرارهم على اثبات وجودهم ونشر رسالتهم في مجال التوعية وتنبيه الأذهان . .


وعندما صدرت في الموصل جريدة " الراية " الأدبية في 11 نيسان 1951 ، وكان صاحبها غانم سيالة، وتولى عبد الباسط يونس الاشراف على تحريرها.وقد أصبحت " الراية " شقيقة " المثال " يحررها قلم واحد بأسلوبين، فالراية أدبية ، والمثال سياسية والقلم واحد يحمله عبد الباسط يونـس يصدر كل اسبوع جريدتين كل واحدة لها يوم معين.ومن عناوين المقالات التي كتبها في الراية " الافلاس الأدبي " ، " الأخلاق المريضة " ، " الصحافة المارقة " .. وقـد اتسعت صفحات الرايـة لتضم مقالات العديـد من كتاب الموصل ومثقفيها آنذاك ، وقد تولت الراية نشر الدراسات الأدبية ، ففي مجال الأدب العربي قدمت الشاعر أبا القاسم الشابي ، وأحمد الصافي النجفي ، ومعروف الرصافي ، وغيرهـم . وفي الأدب العالمـي كتبت عن شكسبيـر وهيجو وشوبنهاور،كما تولى الترجمة فيها عدد من الشباب آنذاك أمثال أكرم فاضل، وعبد الواحد لؤلؤة ، وعبد الرزاق الشماع.وكان من أبرز أبوابها باب " رواد أدب الحياة " ويحرره عدد من مثقفي الموصل امثال : شاذل طاقة ، وغانم الدباغ ، وهاشم الطعان ، ومحمود المحروق.


وفي الأول من حزيران 1953 أصدر عبد الباسط يونس ، جريدة العاصفة ، وكانت جريدة يومية ثقافية عامة ، والغي امتيازها في 17 كانون الأول 1954 . ولم تكن جريدة " العاصفة أقل قوةً واندفاعاً من جريدة المثال ". وفي " العاصفة " بشّر عبد الباسط يونس بالثورة على النظام الملكي ، من خلال الافتتاحيات التي كان يكتبها ، ففي عددها الصادر في 7 أيلول 1953 كتب مقالاً بعنوان " لمن هذه الدماء " جاء فيه : " الثورة قائمة في كل بقعة من المعمورة على الاستعمار … والشعوب التي رضخت للقيود والأغلال قروناً وأعواناً سلكت طريق الثورة . ومع أنها تعرضت للتعطيل ، ونالت ما نالته من قبلها " الفجر " و " المثال " لكنها أسهمت في تأجيج الروح الوطنية وتحريك الرأي العام الموصلي ضد السلطة .


وقبيل ثورة 14 تموز 1958 بقليل ، أسهم في إصدار جريدة " الواقع " التي كانت تطبع في مطبعته الخاصة المعروفة باسم " مطبعة الهدف " . كما أشرف على تحرير جريدة " وحي القلم " وكان يحررها من ألفها إلى يائها ويكتب افتتاحيتها ولم تستمر الجريدة بالصدور ، فبعد ستة أعداد عطلت
كذلك .


وبعد ثورة 14 تموز 1958 ، أعاد إصدار جريدته " المثال " ولكنه اعتقل أثر فشل ثورة الموصل سنة 1959 وأخرج عنه لينصرف إلى إصدار جريدته " الهدف " في 27 أيار 1963 لتبدأ حياته الصحفية ، حقبة جديدة اتسمت بإسهاماته في مجال تطوير الصحافة الموصلية .


لقد اتسمت كتابات عبد الباسط يونس الصحفية بقوة الأسلوب والصدق والجرأة والصراحة . فقلمه كان ناصعاً أبيضاً،لم تلونه دناءة ولم يَمُسه سوء . كما أنه معروف بدأبه وحيويته ، فكان يتولى كتابة الافتتاحيات والتعليقات والأخبار المحلية،ولم يقف الأمر عند ذلك ،بل كان يصحح الأخطاء المطبعية ويقوم بتغليف نسخ المشتركين وكتابة الأسماء والعناوين عليها. ومما ساعده على ذلك امتلاكه مطبعة مكتبة زاخرة بأمهات الكتب والمصادر ولعلاقته الواسعة بالصحفيين والكتّاب العراقيين والعرب .وكان يضيق بالقيود ويحاول باستمرار " إطلاق قلمه ". ومع أنه كان ينتقل في أجواء الأدب والثقافة ، لكنه لم يفارق السياسة . وكان يؤمن بأن " القلم الحر " لا يمكن أن يسقط من يد كاتب تتسم كتاباته بالصدق والجرأة والصراحة والواقعية . ويرى بأن الصحفي يحتاج إلى " نفس جياشة " و " قلب صاخب " . " فالقلم لا عهد له بالسكوت إذا ما دعاه الواجب ".
*الرجاء زيارة مدونة الدكتور ابراهيم العلاف ورابطها التالي : http://wwwallafblogspotcom.blogspot.com/2010/02/1908-1995.html

السبت، 27 فبراير، 2010

عنزة في الموصل


عنزة في الموصل
أ.د. إبراهيم خليل العلاف


استاذ التاريخ الحديث_جامعة الموصل
كان للعشائر اثر كبير في الحفاظ على تماسك المجتمع العراقي وترسيخ القيم والتقاليد الأصيلة عبر العصور التاريخية المختلفة. كما كان لها دورها الفاعل في زيادة قدرة العراق على مواجهة التحديات الأجنبية التي تعرض لها تاريخه الحديث، لذلك حظيت العشائر باهتمام الباحثين والمؤرخين الذين لم يغفلوا دراسة أحوال هذه العشائر وتاريخها السياسي والاجتماعي والاقتصادي وصلتها بالسلطات الحاكمة وخاصة أبان عهدي السيطرة العثمانية (1516_1918) والاحتلال البريطاني (1914_1920).
ولقد حظيت الموصل، بشرف احتضان مجاميع كبيرة من هذه العشائر يعود استقرار بعضها إلى فترة ما قبل ظهور الإسلام، في حين يعود وجود بعضها الآخر إلى أيام الفتوحات العربية الإسلامية. وفي القرنين السابع والثامن عشر الميلاديين شهدت الموصل تدفق الهجرات البشرية التي خرجت من شبة الجزيرة العربية باتجاه سوريا والعراق وذلك لأسباب يتعلق بعضها بالجفاف الذي تعرضت له الجزيرة العربية، وبعضها الآخر لعوامل تتصل برفض بعض هذه العشائر الخضوع لسلطة الحكم الجديدة ، ومن العشائر التي وفدت إلى الموصل (عنزة).
يؤكد كثير من المؤرخين أن عنزة من أكبر العشائر العربية في الوطن العربي عددا، وأعلاها شأنا، وامنعها جانبا، وأكثرها انتشاراً. وهي عشيرة عدنانية يرتقى نسبها إلى عنز بن وائل بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان. وسبب تسميتها بعنزة، كما يقال ، يرجع إلى أن جدهم الأعلى قتل رجلا بالعنزة وهي الرمح الصغير فصار يدعى كذلك.
أما موطن عنزة في الأصل، فهو بين أواسط نجد وشمال الجزيرة العربية،وفروع عنزة كثيرة منتشرة في مصر والشام والعراق والجزيرة والخليج العربي وسائر الأقطار العربية، واستقرت أقسام منها في الشام والعراق وشمالي الحجاز وسيناء ومنها فروع تحضرت واستقرت في مناطق نجد وسواحل الخليج العربي وهناك عوائل حاكمة كثيرة في منطقة الجزيرة والخليج العربي من أصل عنزي ويأتي آل خليفة في البحرين وآل سعود في نجد قي مقدمتهما.
وتعد عنزة من العشائر الجمالة أو أهل الإبل، وكانت في ترحالها تصل من الشرق إلى القعرة ومنطقة الوديان داخل الحدود العراقية وهذا ماكان يفعله ضنا بشر. أما ضنا مسلم فكانوا يصلون في الجنوب إلى الحماد حول جبل التنف وجبل عنازة وجبل اللاهه ومنطقة الخبرات داخل الحدود العراقية وقرب الحدود السعودية،وربما أوغل الارولة والاحسنة والاشاجعة والسوالمة والعبد الله إلى مناطق أبعد قرب نجد.
بالرغم من أن عنزة من العشائر الكبيرة إلا أنها لاتؤلف وحدة سياسية وليس لها نخوة عامة، فهي متفرقة في البقاع، بل ومتباعدة ويبدو أن وراء ذلك عوامل يرجع بعضها الى الصراع والتنافس الداخلي بين بطونها وأفخاذها ويرجع البعض الآخر إلى صراعها المستمر مع شمر.
ترجع عنزة إلى فرعين (جذمين) كبيرين يسميان بـ(ضنا) أو نسل. ويقول مؤرخو العشيرة أن جد عنزة الأعلى وائل أعقب ولدين هما: عنز ومعاذ ويقولون أن عنز أعقب ولدين هما: مسلم وبشر، فمسلم أبو ضنا مسلم ولهذا الضنا بطنان هما: الجلاس والوهب. فمن بطن الجلاس افخاذ وعشائر المحلف (بتسكين الميم وفتح الحاء) والارولة (الرولة) وتوابعهم وهم : والاشاجعة والعبد الله والسوالمة.
ومن بطن الوهب أفخاذ وعشائر الولد علي والمنابهة ثم أن ضنا بشر بطنان هما: عبيدة وعمارة. فمن بطن عبيد أفخاذ وعشائر الاسبعة والفدعان وولد سليمان، وينتشران في الشام وشمالي الحجاز. ومن بطن عمارة عشيرة العميرات التي توجهت نحو العراق وصارت تعد من عشائره. ويذكر المؤرخون أن العمارات في مطلع القرن العشرين كانوا ينزلون في الصيف في نواحي كربلاء وفي الشتاء في البادية بين بغداد والشام وبين بغداد ونجد وهم تابعون لعشائر العراق، وكان شيخهم آنذاك فهد بن عبد المحسن آل هذال .
لقد كانت عنزة تتجول بين الحجاز ونجد وشمالي وادي الرمة من جنوبي غربي تيماء حتى خبير. وكان يحاددها في الشمال عشيرة بني صخر، وقد هاجرت بعض عشيرة عنزة نحو العراق والشام منذ القرن السابع عشر الميلادي وتوالت أمواجها المتدفقة وخاصة عشيرتي الفدعان والاسبعة, وقد عجز الولاة العثمانيون عن صدهم، ولم تمض فترة قصيرة حتى أصبحت عنزة سيدة بادية الشام دون منازع, وامتد نفوذها حتى وادي الفرات. وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر اعتاد بعض الولاة العثمانيون في بغداد على الاستنجاد بعنزة ضد شمر ولكن هؤلاء الولاة كثيرا ما كانوا يتورعون من إثارة شمر وعنزة ، ودفعهما إلى الاصطدام كما حدث مثلا سنة 1822 م .
لقد قسم المؤرخون عنزة بحسب مواقعها الجغرافية إلى عنزة العراق ،و عنزة حلب، وعنزة الجنوب أو الارولة، فقالوا عن عنزة العراق أنهم موجودون في وادي الفرات وأماكن ترحالهم تقع بين كربلاء وشمالي الخابور ، وفي الربيع تحتل منخفضا على بعد 60 كم غربي الفرات في العراق ، وفي الصيف تعود إلى الفرات حيث تجتمع في وادي حوران .
أما عنزة حلب فمناطق ترحالهم كانت بين حلب ودير الزور . وبين سنتي 1918 و 1920 استطاع الملك فيصل حينما كان ملكا على سورية إن يستقطب بعض تجمعات عنزة حيث قدمت سهل حمص ـ حماة مع 12000 رأس من الأغنام و30000 رأس من الإبل وتعد الارولة أو عنزة الجنوب من أقوى قبائل عنزة وكانت آخر القادمين من أطراف الصحراء إلى أراضي سورية وقد تركت الجزيرة العربية في أواخر القرن الثامن عشر وكان شيخها في مطلع العشرين نوري باشا الشعلان ومناطق ترحالها تقع بين النبك ( شمالي شرقي دمشق ) وفي الشمال الى جبل الدروز ، ومن ناحية الشرق كانت لاتتعدى جبل أمود ومناطق وادي حوران .وفي الصيف تحتل المراعي الواقعة جنوبي دمشق .
وهناك من يقسم عنزة الى فروع أخرى فيتحدث عن عنزة العراق وعنزة الفرات والجزيرة وعنزة حماة وعنزة حمص وعنزة الحجاز . فيذكر احد المؤرخين ان عنزة العراق هم العمارات . اما عنزة الفرات والجزيرة فهم الفدعان في بادية حلب وعنزة حماة هم الاسبعة وعنزة حمص هم الاحسنة وعنزة دمشق وحوران هم الارولة والولد علي والمحلف وعنزة الحجاز هم الايدة والفقر ومن أقسام الارولة : الجمعان والكواكبة والقعاقعة والفرجة وكل واحد من هذه البطون ينقسم إلى أفخاذ وكل فخذ الى فصائل وكل فصيلة إلى بيوت أو فروع .
ثم هناك المحلف والاشاجعة وسوالمة والعبد الله وتلفظ العبد الله لفظة الجلالة برقة زائدة وقد تشتت شمل العبد الله وأصبحت معدومة الوحدة والرئاسة ولحق كل جمع منها بفرقة من ضنأ مسلم وكان رئيسها في الشام مطلع القرن العشرين ( جدعان المجيد ) سئ الإدارة يتقاضى ( ضريبة الوادي ) أضعافا مضاعفة ويختزنها لنفسه وقد ادى ذلك الامتعاض عشيرته وانفصالها من حوله والتحاقها بعشيرتي الارولة والحسنة او الاحسنة، لهذا اضطر جدعان المجيد الى الهجرة والانخراط فب الجيش العربي الاردني برتبة عريف. إما فرق هذه العشيرة فهي: الناجي والحرزة والمشاخرة والشاهين والقشوش.
وثمة تقسيم اخر لعنزة يشير إلى أن عنزة كانت تحتل معظم الجزؤ الغربي من الصحراء السورية على ضفتي نهر الفرات من طرابلس حتى شمال الخابور ، وتصل حتى الهضاب الشمالية العربية لنجد كما ان قسما منها يصل كربلاء ويذهب التقسيم الى ان عنزة تنقسم الى ثلاثة فروع هي: عنزة العراق وعنزة حلب والارولة او عنزة الجنوب ومن توابع الارولة : الاشاجعة والسوالمة والعبدالله وولد علي ثم الحسنة والسبعة .
ولقد ذهب بعض الباحثين الى ان عنزة فرعان كبيران هما: العماوات وبشر ثلاثة فروع هي : السباعة في بادية حمص وحماة والفدعان في بادية حلب وولد سليمان في تيماء وان من ضنأ مسلم (الجلاس) وهم ثلاثة فروع كبيرة هي: الارولة والمحلف والمحلف ثلاثة افخاذ هي الاشاجعة والسوالمة والعبد الله وهم من اصل واحد مع الرولة وهناك أولاد علي ويسكنون مع الرولة ومن أولاد علي الايدة والفقرا وكانوا يسكنون ارض تيماء على جانبي سكة حديد الحجاز أيام العهد العثماني ويسكن أولاد على مع الرولة صيفا وشتاءا ولكنهم في الشتاء لايبتعدون عن الشام كثيرا وكان شيخهم في مطلع القرن العشرين( رشيد ابن سمير).
لقد كان من الامور الجارية في عنزة وغيرها من العشائر ان بعضها ق دينشق عن عشيرتهم الاصلية لوقوع مشاكل يتعذر حلها فيرحل إلى بلاد أخرى ويستقل باسم جديد ماخوذ من اسم رئيسه او يلحق بعشيرة اخرى وهذه الحالات كثيرة على ماكانت تحدث في عشائر الاشاجعة والسوالمة والعبد الله.
وفي الموصل اسر عنزة متحضرة كثيرة منها آل حمودات والعبدلي وعطار ياشي والحمو الجمعة والعلي بك والعنزو روت والقلية جي والحاتم وآل زبير والرحو وآل حافظ والتك وينتمي ابناء هذه الاسر الى افخاذ الحمد والوهب والزبير والعلي والحسين والنصر الله ولكل فخذ رئيس ، ويتراوح عدد الفصائل التي يتالف منها كل فخذ الى 2 ـ6 فصائل وكل فصيلة تنقسم الى اسر وبيوت فعلى سبيل المثال يتالف فخذ الحمد من سبعة فصائل هي : الحلاوجي و ألحاتم والعنزروت، والحجار، والعبدلي، وحمودات ،وحمو الجمعة وكاتب هذه السطور هو إبراهيم خليل احمد حامد حمو الجمعة العلاف.أما فخذ الزبير فيتألف من فصيلتي هما الحسين والزبير ويلتقي بعض الأفخاذ مثلا في جد واحد فآل العبدلي الذين يرجعون إلى ( عبد الله ) ، وتلفظ بالتخفيف ، ويلتقون مع آل حمودات والحجار .
أما فخذ النصر الله فمنهم اللجي والوالي والمراد ومن آل الزبير : الحسون والزبير ، في حين يتألف فخذ الوهب من اسر : الحسو، والعطار باشي ،والرحو، والظاهر ،والطالبي وهكذا بالنسبة لبقية الأفخاذ .وقد قدمت عنزة للعراق رجال أسهموا في حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإدارية والعسكرية ليس من السهولة الإتيان بأسمائهم كلهم منهم ناجي طالب رئيس وزراء العراق 1966 -1967 وسليمان فيضي الموصلي الصحفي والمحامي القومي وإبراهيم عطار باشي من مؤسسي حزب الاستقلال الوطني في الموصل وعبد الرحمن سليمان الخضير عضو الهيئة التأسيسية لحزب الاستقلال وقاسم حمودي صاحب جريدة الحرية (البغدادية

حفيدتي امنة في روضة جنات عدن 2009-2010



حفيدتي امنة في روضة جنات عدن 2009-2010


اتحفتنا حفيدتنا امنة هشام بنتيجتها في امتحان نصف السنة 2009-2010 ..وفي المواد الدراسية المؤشرة في المرفق والمواد هي :التربية الاسلامية، واللغة العربية، واللغةالانكليزية ،واللغة الفرنسية، والرياضيات ،والحاسوب ،والعلوم، والاجتماعية، والفنية ،والالعاب .وقد حصلت في كل المواد على 10 من 10والمجموع 100 تهانينا وعقبال الابتدائية والمتوسطة والاعدادية والثانوية والجامعة والدكتوراه ياحبيبتي امونه
وامنة من مواليد 6 تشرين الثاني-نوفمبر سنة 2006
مبارك لها ولوالدها الدكتور هشام ابراهيم العلاف ولوالدتها الدكتورة عمرة يحيى نوري الجمال والصورة المرفقة لجدها وهو يقدم لها هدية في عيد ميلادها الثاني 2007

الجمعة، 26 فبراير، 2010

صادق البصام ..سيرة شخصية وطنية عراقية




صادق البصام ..سيرة شخصية وطنية عراقية
ا.د.إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل

استغربت عندما سألني -عبر بريدي الالكتروني- أمس 25 شباط –فبراير2010 احد طلبة الدراسات التاريخية العليا في إحدى جامعات العراق الجنوبية عن الأستاذ صادق البصام رحمه الله .وفي رسالة أخرى لاحقة أكد بأنه لايملك إلا النزر القليل عن هذه الشخصية الوطنية العراقية الفذة.. وعندئذ قمت بإرسال ملخص مكثف عنه، وألحقه الآن بهذا المقال الذي أهدف من ورائه، تعريف أبنائنا برموز العراق الذي كان لهم دورهم في تأسيس الدولة العراقية الحديثة وحمايتها .
صادق البصام ،هذا الرجل الذي خدم العراق، ليس على الصعيد السياسي والإداري والنيابي وحسب بل وحتى على الصعيد التربوي والتعليمي والثقافي ..هو صادق بن محمد بن حسين البصام من مواليد بغداد سنة 1897 .أكمل دراسته الأولية في بغداد، وحين انتدب للخدمة العسكرية في استانبول دخل كلية ضباط الاحتياط (الرديف )كما كان يسمى وكان العراق عندئذ تابعا للدولة العثمانية بولاياته الثلاث الموصل وبغداد والبصرة منذ أوائل القرن السادس حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى .وخلال الحرب شارك البصام في معركة أزمير، وبعد انتهائها عاد إلى بلده: العراق وهو مصمم على خدمة وطنه، وإقامة دولته الوطنية الحديثة .
عمل لفترة قصيرة في التجارة، وكان له دور في تأسيس المدرسة الجعفرية وهي مدرسة أهلية أسهها نخبة من المثقفين الوطنيين أمثال الشيخ شكر، والشيخ عبد الحسين الازري، والسيد سلمان أبو ألتمن. وقبيل سنة 1918 كان للمدرسة بناية جميلة في محلة سوق الغزل ببغداد. وقد أشار دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960 إلى أن صادق البصام ،هو احد العاملين في خدمة هذه المؤسسة التربوية والثقافية ومن المخلصين لأهدافها السامية في تخريج جيل واع يخدم وطنه. وقد أدار المدرسة وتطورت لتصبح جمعية تتبعها مدارس ابتدائية ومتوسطة وثانوية، صباحية ومسائية وقد تسلم الإدارة بعده السيد عبد النبي الدهوي، وكان فيها في مطلع الستينات من القرن الماضي الآلاف من الطلبة .ومما جاء في الدليل أن صادق البصام أجهد نفسه في الوفاء لتلك المؤسسة، وانه عرف بتوجهاته الوطنية .
في سنة 1922 دخل البصام كلية الحقوق (وكانت تسمى مدرسة الحقوق وتأسست سنة 1908 ببغداد ) ،وتخرج فيها سنة 1925، وعمل بعد تخرجه في سلك المحاماة فضلا عن إدارته المدرسة الجعفرية حتى سنة 1933 . كما اتجه إلى الصحافة وأصبح رئيس تحرير جريدة الوقائع العراقية، وهي الجريدة الرسمية للحكومة العراقية سنة 1924 . كان يجيد الانكليزية والتركية والفرنسية .
حاول أن يجد لنفسه وسيلة فضلى لخدمة بلده ،فرشح للانتخابات التشريعية ،وانتخب نائبا عن الكوت (مركز محافظة واسط في الوقت الحاضر ) للدورة الانتخابية الثالثة التي ابتدأت في الأول من تشرين الثاني 1930 حتى 19 أيار 1931 .كما انتخب سنة 1933 نائبا عن الديوانية (مركز محافظة القادسية في الوقت الحاضر ) ،وأصبح نائبا عن الديوانية لدورتين الأولى ابتدأت في 8 آذار 1933 وانتهت في 8 تموز 1933 والثانية ابتدأت في 29 كانون الأول 1934 وانتهت في 11 آذار 1935
اختاره ياسين الهاشمي وزيرا للمعارف في الوزارة الهاشمية الثانية، التي تكونت في 29 تشرين الأول 1936، واستقالت في 17 آذار 1935 وكان قبل ذلك يشغل منصب مدير الأملاك الأميرية. وقد جاء اختياره خلفا للشيخ محمد رضا الشبيبي الذي استقال في 15 أيلول 1935 .
وفي سنة 1938 اختاره نوري السعيد وزيرا للاقتصاد في الوزارة السعيدية الثالثة التي تألفت في 25 كانون الأول 1938 واستقالت في 6 نيسان 1939 كما تقلد أكثر من وزارة بعد ذلك، فكان وزيرا في وزارة رشيد عالي الكيلاني الثالثة التي تشكلت في 31 آذار 1940، واستقالت في 31 كانون الثاني 1941 وفي وزارة السيد محمد الصدر التي تشكلت في 29 كانون الثاني 1948 واستقالت في 16 حزيران 1948 وفي وزارة مزاحم الباجه جي التي تشكلت في 16 حزيران 1948 واستقالت في 6 كانون الثاني 1949 كان وزيرا للدفاع .
مما يسجل من مواقف وطنية واضحة المعالم للسيد صادق البصام إصراره على الاستقالة من منصب وزير الدفاع احتجاجا على الموقف المتخاذل للحكومة العراقية وعدم تحملها تصريحاته لجريدتي الزمان والإخبار يومي 22 و23 أيلول سنة 1948 والتي قال فيها وهو وزير للدفاع : "إن خيانة الانكليز المستمرة لمصالح العرب وإصرار الاميركان على مساعدة اليهود وطرد العرب من فلسطين توحي إلى العرب أن يتجهوا إلى الشرق حيث الاتحاد السوفيتي " .
عاتبه رئيس الوزراء مزاحم الباجه جي على تصريحاته، فقرر الاستقالة ووجه كتاب استقالته إلى رئيس الوزراء قائلا : "عطفا على المذاكرات التي جرت في الجلسات الثلاث التي عقدها مجلس الوزراء بتاريخ 22 و23 أيلول 1948 بشان فلسطين وبناء على ما لمسته من شعور مضاد قابلتم تصريحي المنشور في جريدتي الزمان والأخبار ...وبالنظر إلى موقف البعض من الوزراء من الإجراءات ...المتخذة من الصهاينة خاصة الموظفين منهم رأيت من الضرورة الانسحاب من الوزارة ... "
ثم عاد لفسر موقفه من القضية الفلسطينية فقال : "أن عقيدتي في حل قضية فلسطين لن يكون إلا بقوة السلاح وهذه العقيدة هي التي دفعتني إلى قبول تمثيل العراق لدى جامعة الدول العربية في جميع الجلسات التي عقدتها ولجانها السياسية لهذه الغاية وتنفيذا لما ساهمت في المسؤولية في أول وزارة أقرت مبدأ الكفاح المسلح ... فأي تلكؤ يصدر عن أية دولة عربية او من الجامعة ذاتها في تنفيذ قرارها المتعلق باستمرار القتال عند وقوع غدر الحلفاء بنا ،يجب أن نصارح الشعوب العربية لان إخفاء الحقائق عن أعين الناس وكتمها يؤدي حتما إلى الرضوخ إلى رأي الانخذاليين أو المساومين على حساب فلسطين ... " .
وفي مساء يوم 27 أيلول 1948 صدرت الإرادة الملكية بقبول استقالة السد صادق البصام من منصب وزير الدفاع وعى اثر قبول الاستقالة عم الاستياء جميع الأوساط الشعبية والحزبية والوطنية واضطرت الحكومة إلى إعلان الأحكام العرفية في جميع أنحاء العراق . وهنا لابد من نؤكد بان البصام سبق الكثيرين من السياسيين العراقيين في نبالة وعمق مواقفه الوطنية والقومية وخاصة قضية فلسطين .
شغل البصام عضوية مجلس الأعيان. وقد كتب عنه الكثيرون منهم السيد عبد الرزاق الحسني في كتابه : "تاريخ الوزارات العراقية " والشيخ محمد مهدي كبه في : " مذكراتي في صميم الأحداث " والأستاذ حميد المطبعي في : "موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين " ومما قاله المطبعي أن البصام ،اشتهر بمواقفه المستقيمة الصريحة في كل الأدوار التي اشترك فيها كما عرف عنه حرصه على المصلحة العامة للوطن ،حتى انه لم يتزوج وظل أعزبا طيلة حياته.. وقد توفي بالسكتة القلبية أوائل سنة 1960 عن عمر 64 سنة ،رحمه الله، وجزاه خيرا على ماقدمه لوطنه وأمته وعزاءنا أننا نشيد اليوم بأعماله الوطنية وإسهاماته في بناء العراق والدفاع عن مصالحه ومصالح الأمة العربية القومية ليظل قدوة للأجيال القادمة .
*الرجاء زيارة مدونة الدكتور إبراهيم العلاف ورابطها التالي :
http://wwwallafblogspotcom.blogspot.com/2010/02/1908-1995.html

الخميس، 25 فبراير، 2010

الدكتور إبراهيم خليل العلاف في عيون المؤرخ والكاتب الصحفي الدكتور خيري شيت





الدكتور إبراهيم خليل العلاف في عيون المؤرخ والكاتب الصحفي الدكتور خيري شيت

أجرى الصحفي الأستاذ عبد الناصر ألعبيدي، حوارا مع المؤرخ والكاتب الصحفي المعروف الدكتور خيري شيت شكر نشرته جريدة عراقيون في عددها 256 الصادر في 24 شباط-فبراير 2010
ومما قاله الدكتور خيري شيت شكر جوابا على سؤال يتعلق بفلسفته في كتابة التاريخ: " انه متأثر بشيخه الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف لأنه من المؤرخين الذين استطاعوا (لملمة )الوقائع التاريخية ومن ثم تفسيرها وان بعض المؤرخين العراقيين والموصليين منهم خصوصا فسروا بعض النشاطات السياسية المعاصرة من واقع تعمقهم العظيم بأرشيف التاريخ وبعضهم وضع مقدمات لإعادة تنشيط العقلية الثقافية في كافة المجالات " .
وقال أن أولئك أجادوا " في بلورة صورة نظيفة لتنظيم وإعادة تشكيل نمط التفكير العام ومنهم شيخي إبراهيم العلاف "."وأضاف بأنه من المعجبين بنشاط العلاف كثيرا ".
وجوابا على سؤال يتعلق بمن هم أفضل من فسر حركة التاريخ واستنبط قوانينه قال الدكتور خيري شيت شكر : "ان الذين تصدوا لتفسير التاريخ يتوزعون على الامم .. وفي كل وطن هناك اسماء لامعة والذين فسروا التاريخ الإنساني كثيرون وهناك أسماء لامعة في هذا المجال منهم وول ديورانت .. قسطنطين زريق .. إبراهيم خليل العلاف .. عماد الدين خليل .. كمال مظهر احمد .. صالح احمد العلي ... "
وختم حواره بالقول انه شرف له ان تتلمذ على عظماء في عقولهم ،ومكانتهم ،ومقاماتهم وشرف كبير لي ان درست على الدكتور عبد الواحد ذنون، والدكتور هاشم الملاح، والدكتور ناطق مطلوب والدكتور توفيق اليوزبكي رحمه الله ..وشرف كبير لي ان تعلمت من الدكتور ابراهيم العلاف وتعرفت على الدكتور جزيل الجومرد ..أولئك الكبار في كل شيئ وياليتني اكون كبيرا مثلهم . "
والى جانب هذه السطور نص الحوار كما نشر في جريدة عراقيون (الموصلية ) الغراء

الصحافة الالكترونية


الصحافة الالكترونية

أ . د . إبراهيم خليل العلاف
مركز الدراسات الإقليمية ـ جامعة الموصل ـ العراق

ـ 1 ـ
ليس من شك في ان الصحافة ، ومنذ نشأتها تقوم بدور متميز في تيقظ الافكار ، وتنمية الوعي السياسي والفكري ، وتوسيع قاعدة المثقفين .. هذا فضلا عن مشاركتها الفاعلة في تكوين رأي عام . والصحافة كما هو معروف وسيلة مهمة من وسائل الشعب للتعبير عن مطامحه واهتماماته . ولايمكن تصور بعض مظاهر النهوض الحضاري بدون فهم دور الصحافة ، وفوق هذا وذاك ومما تسطره من مقالات وما تنشره من آراء وافكار ، نستطيع تلمس آراء الناس ومعتقداتهم واتجاهاتهم وسلبيات واقعهم الاجتماعي والسياسي والثقافي . واية مراجعة لتاريخ الصحافة وتطورها عبر العصور ، تكشف لنا ان على صفحاتها انعكست كل تيارات المجتمع واتجاهاته السياسية والاجتماعية والثقافية ، ومن هنا جاء القول المعروف : (( ان الصحافة هي مرآة المجتمع)) .. وقد كان الرواد الاوائل للصحافة في الوطن العربي ومنهم احمد لطفي السيد (1872 ـ1963) ، يرون ان من اهداف الصحافة الرئيسية ((ارشاد الامة .. الى اسباب الرقي الصحيح والحض على الاخذ بها ، واخلاص النصح للحكومة والامة بتبيين ما هو خير واولى))، واذا كانت الصحافة الورقية قد قامت بمثل تلك الادوار فان الصحافة الالكترونية اليوم مطالبة بما هو اكثر من ذلك .

ـ 2 ـ
في ضوء الثورة المعلوماتية التي شهدها العالم قبل سنوات قليلة ، وما توفره الشبكة العالمية ( الانترنيت) (International Network) من خدمة اعلامية ومعرفية ، ومنها مثلا الصحافة الالكترونية ، فان المسؤولين عن الصحافة التقليدية (الورقية) ادركوا حجم التحدي الذي يواجهونه في مجال الزخم الاعلامي ، فالصحف العلمية والعربية الرئيسية ، وحتى غير الرئيسية ، اصبح لها مواقع ثابتة على الانترنيت . وصار بمقدور كل انسان وفي أي مكان .. وفي أي لحظة الدخول الى مواقعها وقراءتها والاستفادة منها .. ولم يعد المواطن ينتظر (24) ساعة او (12) ساعة ليقرا في الصباح او المساء جريدته المفضلة ، بل صار بامكانه ان يفتح جهازه ( الكومبيوتر) ، في البيت او الدائرة او المقهى ليقرأ الصحيفة التي يحبها وبأساليب مختلفة وبشكل الصفحة المكتوبة وعبر طريقة معروفة للقاريء ..
قال بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت في مقابلة مع ( صحيفة لوفيغارو) الفرنسية ونقلها الموقع الالكتروني WWW.alarabonline.org قبل فترة قصيرة انه ((خلال خمس سنوات سيقرأ 40% الى50% من الناس صحفهم على الانترنيت ، واعتبر ان نوعية المواقع الالكترونية ((امر اساسي)) بالنسبة الى الصحف ، واضاف قائلا : انه ((حفاظا على قرائها ، فان على الصحف ان تحسن مواقعها الالكترونية)) ، مشيرا الى ان نوعية الموقع الالكتروني باتت اساسية للمؤسسات الصحفية)) .وقال انه يلجأ الى الانترنيت للاطلاع على ((اكثر من نصف)) قراءاته للصحف ، وفي مقدمتها (وول ستريت جورنال) و( نيويورك تايمز) و ( ذي ايكونومست) . كما انه يقرا جميع الصحف المتعلقة بمجال المعلوماتية على الانترنيت .
وقد اكد كثير من قادة الاعلام ، ورؤساء تحرير الصحف المعروفة ، ان عليهم ، لكي يواكبوا التطور المعلوماتي ، ان يهتموا بشكل ومضمون صحفهم ، وان يحرصوا على تطوير مواقع صحفهم لكي تنال اعجاب القراء ولكي تنافس غيرها في الصحف ، ان كان ذلك على صعيد الخبر ، او على صعيد الرأي او المعلومة او ما شاكل ذلك .
ومن هنا ، فقد بات من واجب الصحفيين والاعلاميين عموما ، ان يطوروا انفسهم ، وان يتعلموا استخدام الكومبيوتر ، والاستفادة من الانترنيت في اقتناص ما يريدونه من اخبار ومعلومات . كما اصبح من الضروري ان نرى صحفيين متخصصين ، فليس من المعقول ان يكتب صحفي اليوم في كل شيء وعن أي شيء ، فلا بد من التخصص . لذلك بدأنا اليوم نسمع صيحات تدعو الى سن قانون اعلام عصري يأخذ بنظر الاعتبار ، كل نواقص القوانين المسماة في بعض البلدان ( قوانين المطبوعات) ، وان يعالج القانون ، قضايا الصحافة الالكترونية والاعلام المسموع المرئي .
والامر اليوم لم يعد مقتصرا على الصحف التقليدية اعني الورقية ، فلقد اصبح لها مواقع الكترونية كما ذكرنا آنفا .. الامر اليوم اصبح يتعلق بصدور صحف ومجلات الكترونية وحسب .
وحتى الان ما يزال مصطلح (الصحافة الالكترونية) التي تنشر على شبكة الانترنيت مستعص عن التعريف .. فالحضور العربي لايزال شحيحا ونسبة مساهمة العراقيين على سبيل المثال في تنمية وتطوير الصحافة الالكترونية ، ضعيفة ولكن مع هذا بدأ بعض اساتذتنا المتميزين في تحرير الصحف والمجلات الالكترونية ونضرب مثلا ، ما يقوم به كاتب هذه السطور حاليا واقصد تأليفه الموسوعة الموسومة : (( موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين )) والتي تأخذ طريقها للنشر الكترونيا منذ سنة تقريبا وعبر مجلة العلوم الانسانية التي تصدر في هولندا وموقعها WWW.Uluminsania.net . ولدينا اليوم صحف الكترونية عربية منها صحيفة شباب مصر وهي اول جريدة الكترونية يومية مصرية . وقد تألف اتحاد عربي وعالمي لكتاب الانترنيت وللصحافة الالكترونية ، واخذ ( الصحفيون الالكترونيون) يتحدثون عن حقوقهم ، وما يترتب على الاخرين من واجبات ازاءهم ، ويتساءلون عن مواقف نقابات الصحفيين منهم ومنها حقوق ممارسة مهنة الصحافة ، وضمانات النزاهة ، وحماية حقوق القائمين عليها .
ان الصحافة الالكترونية ، اخذت تشق طريقها ، خاصة وانها سريعة التأثير . وقد اضحت ضمن اهتمامات القاريء اليومية ، فهي مصدر من مصادر الاخبار ، ومرجع لكل باحث عن معلومة وفي كافة دروب العلم والمعرفة ، والاهم من ذلك كله انها اصبحت قادرة على تهيئة الارضية المناسبة في العالم العربي للقيام بالاصلاحات والتمهيد لاقامة المجتمع الديموقراطي . ومما يساعد على ذلك ان الصحافة الالكترونية تستطيع تجاوز الحدود ، وتجاوز الرقابة . فضلا عن انها سريعة التأثير وان كان هذا التاثير اقل من سرعة البث الفضائي ( الستلايت) بقليل ، واسرع من الصحافة الورقية بكثير .. ولابد لنا هنا ان ننوه بالقمة العالمية لمجتمع المعلومات التي عقدت في اوائل سنة 2006 في تونس تحت اشراف الامم المتحدة ، والتي دعت الى ضرورة تقليص ما اسمته بـ( الفجوة الرقمية) بين بلدان الشمال الغنية وبلدان الجنوب الفقيرة ، ورفع الرقابة المفروضة على شبكة الانترنيت في عدد من البلدان النامية .. فيما نشرت على هامش هذه القمة . معلومات عن نسبة المستخدمين للشبكة العالمية والتي وصلت في بعض بلدان الشمال الى ان اكثر من 60% من السكان يستخدمون الانترنيت في حين قدرت هذه النسبة بـ(12%) في البرازيل و8% في الصين ، ويقينا انها في بلدي : العراق نسبة مخجلة وقد صرحت وزيرة الاتصالات العراقية الدكتورة جوان فؤاد معصوم لاذاعة سوا (الامريكية) يوم 25تشرين الثاني 2005 بان عدد المشتركين بشبكة الانترنيت لايتجاوز الان اكثر من 160,000 مائة وستين الف مشترك وهو رقم بسيط جدا .
اذن لابد من اللحاق بركب العلم والعالم المتقدم ، فاليوم اصبح من لايستخدم الكومبيوتر ، ولا يعرف الاستفادة من الانترنيت يعد بحكم الانسان الأمي .. ولكي نستخدم الانترنيت ونستفيد منه في اصدار صحف ومجلات الكترونية تساعدنا في بناء مجتمع ديموقراطي تعددي يؤمن بالانسان كقيمة عليا ويسعى من اجل الحرية والمساواة والعدالة لابد من ان ندعو كل المثقفين الى ان يسارعوا الى بذل الجهود للاستفادة من تقنيات ثورة المعلوماتية في تحقيق هدفهم السامي وهو الارتقاء بمستويات مواطنيهم السياسية والثقافية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية . ومن الطبيعي ان يكون الصحفيون خاصة والاعلاميون عامة من اوائل الناس الذي ينبغي لهم ان يفهموا لغة العصر ، ويندمجوا في حياة التقنية الالكترونية سواء في تطوير الصحف التي يعملون بها او يتعاملون معها . والتساؤل الان كيف يمكن استخدام الصحافة الالكترونية في بناء المجتمع الديموقراطي ؟

ـ 3 ـ
لم يعد سرا ان المجتمعات العربية اصبحت اليوم بحاجة الاصلاح ، وللاسف فان قدر هذه المنطقة هو ان تبدأ صيحات الاصلاح من الخارج ، ولنا في ماحصل للدولة العثمانية اواخر القرن التاسع عشر اكبر مثل ؛ فالضغوط الاوربية دفعت آنذاك المسؤولين في تلك الدولة لاصدار سلسلة من المراسيم الاصلاحية ومنها ( خطي شريف كلخانه 1839) ، و ( خطي شريف همايون 1856) ، لكن ما اقدمت عليه الدولة العثمانية من اصلاحات جاء متأخرا ومترافقا مع حالة ضعف عسكري واداري واقتصادي ومن هنا تتاكد اهمية دعوات بعض القادة العرب لان يبدأ الاصلاح من الداخل ولفهم اهمية الاصلاح ، والدعوة الى اعادة البناء من جديد لابد من التذكير ببعض الحقائق التي تضمنتها تقارير التنمية البشرية في الشرق الاوسط ومنها تقرير لللامم المتحدة صدر عام 2002 والذي اعتمدته المبادرة الامريكية المعروفة بمبادرة الشراكة الامريكية مع الشرق الاوسط اساسا لها .
ومما جاء في التقرير ان العالم العربي يترجم سنويا حوالي (330) كتابا اجنبيا أي ما يعادل خمس ما تترجمه دولة مثل اليونان . وهناك حوالي ( 50 ) مليون عربي سوف يدخلون سوق العمل في العقد القادم ، وعشرة ملايين طفل في سن دخول المدارس لاتتوفر لهم هذه المدارس ، وهناك (65) مليونا لايحسنون القراءة والكتابة ، وان حصة الدول العربية من الصادرات العالمية ، اذا ما استثنينا النفط ، لاتمثل حاليا سوى واحد بالمائة . هذا فضلا عن ضعف مشاركة بعض القوى الاجتماعية المدنية في الحياة العامة ، وضعف منظمات المجتمع المدني في عملية صنع القرار وازدياد البطالة وتفاقم المشكلات التربوية والعلمية والاجتماعية .

ـ 4 ـ
بغض النظر عن التعريفات المختلفة للمجتمع الديموقراطي ، فان مما يمكن ان نؤكد عليه في هذا الحيز ان المجتمع الديموقراطي ، هو المجتمع الذي تتوفر فيه صفتان اولهما المشاركة ، وثانيهما المحاسبة ، ونقصد بالمشاركة ، مشاركة الشعب في صنع القرار السياسي عن طريق ممثليه في البرلمان وفي مؤسسات المجتمع المدني المختلفة وثانيهما محاسبة صناع القرار ومن الطبيعي ان يكون الاساس في الحكم الديموقراطي ان كل فرد بالغ له من الحقوق ما لأي فرد آخر من حق الاشتراك في شؤون الدولة العامة ... وينبغي ان يتوفر في النظام السياسي الديموقراطي عناصر متعددة ، الى جانب البرلمان ابرزها أمران هما (الاحزاب السياسية) و (الصحافة) . ومما يتميز به المجتمع الديموقراطي كذلك ، الى جانب الفصل بين السلطات الثلاث ، التاكيد على مبدأ ان الامة هي مصدر تلك السلطات .
وللوصول الى المجتمع الديموقراطي ، لابد من ان يتوفر النظام السياسي الذي يسمح باقامة مثل هذا النظام من خلال مجموعة كبيرة من الآليات والإجراءات ،أهمها ان يكون هناك نظام تربوي متكامل يتدرب الفرد فيه منذ صغره وضمن اسرته على ان الانسان هو الاصل ، وان الحرية شيء مقدس ، وحرية الانسان تنتهي من حيث تبدأ حرية الانسان الاخر ، وان التعددية هي الاسلوب الامثل في التعامل مع القوى والشرائح والمكونات الاجتماعية المختلفة ، وان لابد من الاعتراف بالاخر وحقوقه ، وان العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات هي مما ينبغي ان يناضل الانسان من اجل تحقيقه . ولتأكيد كل هذه القيم والممارسات لابد ان تعمل الصحافة ، ومنها الصحافة الالكترونية موضوع دراستنا هذه ، من اجل ترسيخها وتعميقها في حياة الانسان وهذا لايكون الا من خلال تنمية الوعي ، وتوسيع مدارك قراءها واحترام قناعاتهم واعطاءهم حقوقهم في امتلاك المعلومة ودون فرض اية افكار او آراء مسبقة عليهم (Prejujment) ، بل بالعكس وضع اكثر من رأي امامهم ، وتنويع ثقافتهم ، والتركيز على عنصر (الوحدة والتنوع) في النظر الى اية قيمة او مبدأ حضاري .
ولنتساءل الان ، وهل ان باستطاعتنا اليوم ان نتوسم في صحفنا الالكترونية ان تقوم بمثل هذه المهمات والاهداف السامية ؟ وللاجابة على التساؤل لابد من ان نقف عند تجربتين مهمتين ، تختلفان من حيث الاساليب ولكنهما تتفقان من حيث الهدف واولى هاتين التجربتين تجربة ( موقع اسلام اون لاين ( WWW.islamonline.net) وثانيهما (موقع ايلاف www.elaph.com) . ولنركز على ما يقدمه هذان الموقعان لقراءهما لنعرف المدى الذي يمكن ان يذهب المسؤولون عنهما في تأكيد القيم والمباديء التي تساعد في اقامة المجتمع الديموقراطي .
اولا : تجربة موقع اسلام اون لاين :
ابتدأ هذا الموقع الالكتروني قبل سنوات قليلة ، واصبحت له اليوم سمعة كبيرة ، وقراء كثيرون .. وتشرف على الموقع ((هيئة علمية من كبار العلماء من مختلف العالم الاسلامي برئاسة الاستاذ الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي ، الفقيه المعروف ، فضلا عن نخبة من الخبراء والمتخصصين في السياسة والاقتصاد والاعلام والاجتماع والتكنلوجيا والفنون وغيرها من المجالات اتقانا لخطوات الاسهام في النهضة الاسلامية بشمول مجالاتها وتعدد مستوياتها عبر شبكة الانترنيت ، ولامكاناتها الهائلة في الايصال والاتصال ، ضمن معايير الامانة والدقة في المحتوى والاحتراف المبدع ...)) . ومما اكد عليه الموقع عند انشائه حرصه ((على تقديم ما نتوقع حاجتك اليه من معلومات عن الاسلام وعلومه وحضارته وامته ، وعن الكون وعوالمه وتحولاته ، ومن متابعة للمجريات والتطورات وتحليها واستقراءها ، ومن معلومات شتى ، وخدمات متعددة لم يعد للمرء غنى عنها في عصر الانترنيت ، فهذا الموقع يسعى لتقديم الاسلام في صورته الموحدة الحية المعايشة لتطورات الحياة وتفاعلاتها في مختلف المجالات تحت شعار : المصداقية والتميز)) .
وحول طبيعة الموقع ، اشار المسؤولون عنه الى انه ((موقع على الانترنيت ، ذو رسالة شاملة ، اسلامية المضمون ، متنوعة الخدمات ، متعددة اللغات ، تبدأ مرحلته الاولى باللغتين العربية والانكليزية )) . ووضع للموقع معيار عام يعتمد العلمية في الطرح ، والشمولية في المضمون ، والوسطية في المنهج ، والموضوعية في المعالجة ، والاخلاقية في التناول ، والتشويق في العرض)) .
والذي يهمنا في هذا الحيز معرفة اهداف الموقع المتصلة بموضوعنا مما يمكن ان ينهض به في مجال اقامة المجتمع الديموقراطي ، فمن خلال الوقوف عند تلك الاهداف يتضح لنا ان القائمين عليه حرصوا على تأكيد هذا الدور من خلال بضعة اهداف ابرزها :
1 . دعم مباديء الحرية والعدالة والديمقراطية وحقوق الانسان .
2 . العمل على دعم سبل النهوض والارتقاء بالامة وبالانسان .
3 . تقوية روابط الوحدة والانتماء بين افراد الامة الاسلامية والعمل لخير البشرية
جمعاء .
4 . دعم عملية التبادل المعرفي والتمازج الثقافي بين بني البشر .
5 . توسيع دائرة الوعي بما يدور من احداث وتطورات مهمة عربيا واسلاميا ودوليا .
6 . تعزيز الثقة ، واشاعة روح الامل لدى الانسان من خلال ترسيخ مباديء القيم
والاخلاق على مستوى الفرد والاسرة والمجتمع .
7 . توسيع دائرة التعريف بالاسلام وتأكيد توازنه واعتداله واظهار سماحته وانسانية تشريعاته .
ولوضع تلك المباديء ومعظمها سيتعلق بتربية الانسان وضمان حقوقه واحترام قناعاته ، فان الموقع يقدم من خلال صفحاته المتعددة موضوعات كثيرة ، فضلا عن الصفحة الرئيسية المتعلقة بالاخبار والاحداث والشؤون السياسية ، فان هناك ابواب تتعلق بالتنمية والاستشارات ، والعلوم ، والتكنلوجيا ، والثقافة ، والفنون ، والدين والدعوة . وهناك باب للخدمات من عناوينه (شريك الحياة) ، (معا نربي ابنائنا) ، (مشاكل وحلول للشباب) ، (زواج المسيار و زواج فريند) ، (تدمير البيئة ..بين الشريعة والقانون) ، (الترجمة جسور التواصل) ، (حواء وادم .. الطاعة والنشوز ..الصورة من جديد ) ، (اسالوا اهل الذكر) ، (التعاون مع المراهق) ، (لتعارفوا) ، (الاسلاميون والفنون) ، (المكتبة الالكترونية) ، (نادي المبدعين) ، (مجاهيل ومشاهير) ، (الاسلام وقضايا العصر) ، (الفقه واصوله) ، (حوارات حية) ، (ساحة الحوار) ، بطاقات الكترونية) ، ( رموز خدمت العالم الاسلامي) ، (مسرح الشارع) . وهكذا فان كل هذه الموضوعات والابواب تخدم الانسان العربي وتساعده في ان يطور نفسه ويزيد من ثقافته وفهمه لما يدور حوله .
ثانيا . موقع ايلاف www.elaph.com
تأسس هذا الموقع قبل سنوات قليلة ، وناشره هو الاستاذ عثمان العمير الذي وضع رسالة تبين اسباب نشره . ومما قاله انه في خريف سنة 1998 ترك جريدة الشرق الاوسط (اللندنية) وكان الاتجاه ان لايعود الى الصحافة ، لكنه سرعان ما ادرك اهمية النشر الالكتروني ، فالدراسات والمؤشرات الحديثة كلها باتت تؤكد ((ان عالم الانترنيت شكل وسيشكل اتساعا لا حدود له ، في تغيير الصيغة الاعلامية ، وتحرير الفكر الانساني ، وهذا ما راينا بشائره الان ، مما يؤكد الحاجة الى عمل اعلامي متميز)) .. و((ايلاف مشروع مستقبلي يأخذ باعتباره سرعة التواصل والاتصال ، ويفترض انه سيستمر اقتصاديا على المدى الطويل)) . ويقر الاستاذ العمير ((ان غالبية اهل المهنة ما زالوا بعيدين عن الاهتمام بالانترنيت اما جهلا او تجاهلا أو كسلا وتكاسلا في الوقت الذي تطوع كثيرون ، على سد هذه الفجوة ، وسارعوا الى مشاريع عديدة )) . و ((ايلاف مشروع لم ينشأ بقرار رسمي ، ولن يغلق بقرار رسمي، بل هو مشروع مستقل الارادة والقرار واستمراره رهن باستمرارية هذه الاستقلالية المالية ..)) و ((ايلاف لاتنتمي الى تيار ولاتعبر عن حزب ، ولاتقف مع دولة ضد اخرى بل هي نافذة العربي الى العالم وجسر العالم اليه )) . وختم العمير رسالته بالقول : ((اننا في ايلاف نعتقد ان الصحافة شيء والرأي شيء آخر ، فاذا احترمنا الرأي ، فان مهنة الصحافة لا قداسة ولا مزايدة ، انها ببساطة خدمة حضارية لملاح انترنيتي يحتاج الى الاشباع )) .. و((ايلاف ستكون جريدة الجميع والى الجميع ، ومن هنا سيكون لها حضورها في ساحات الحدث سياسيا ، اقتصاديا ، ثقافيا ، فنيا ، وموسيقيا ، رياضيا ، اجتماعيا ، علميا ، طبيا ... حرصنا على مواكبة جديد التقنية وثورة الاتصالات واهتمامها بالمستقبل الانترنيتي لن يكون على حساب اهتمامها بمجريات الامس ، البعيد منه والقريب ، بكل ما فيه من اسرار لم تتكشف الغازها بعد )).. وايلاف ((اداة اعلامية مستقلة تريد نقل التجربة الحديثة في نقل الخبر والمعلومة دون حرج وبلا اية حساسيات)).
لذلك ومن اجل تحقيق تلك الاهداف ، فان (صحيفة ايلاف الالكترونية) في صفحتها الرئيسية تركز فضلا عن الاخبار ، والتحقيقات على موضوعات متنوعة تتراوح بين (الثقافات) ، (الصحة) ، (الرياضة) ، (الموسيقى) ، (الموضة) ، (جريدة الجرائد) ، (كومبيوتر وانترنيت) ، ( منوعات ) ، (شباب) ،(كتاب ايلاف)،( اصداء )،( دليل ايلاف) ، ( نساء ايلاف) ، ( ثقافة جنسية) ، ( فنون) ، ( اخبار خاصة) . وتهتم ايلاف بالمقالة ، ولها كتاب كثيرون معروفون .. كما انها تهتم بالاسهم و( اخبار النفط كل يوم ) وشأنها شأن اسلام اون لاين فانها تعطي للاعلان حيزا واضحا . ولايلاف تعاون وتنسيق مع وكالات انباء معروفة منها على سبيل المثال وكالة رويترز ، ووكالة الانباء الفرنسية AFP والاسوشيتدبرس AP . و ثمة خدمة للخبر العاجل ، وقائمة للبريد ، وباب للاستفتاء وملفات متعددة ولقاءات مع مفكرين وادباء وسياسيين وصناع قرار .
يشترك الموقع ( اسلام اون لاين ) والموقع (ايلاف) في امور اساسية ابرزها انهما يؤكدان على تنمية الوعي بحقوق الانسان وتأكيد قيمته العليا ، واحترامه ، وتقديم المعلومة اليه دون اية حواجز واحترام الراي الاخر ، والايمان بمبدا التعددية ، ومحاربة الاستبداد والتشدد والتركيز على الاعتدال ، والوسطية ، واشاعة روح التسامح ، ونشر الثقافة بكل الوانها .. والاهم من ذلك كله انهما موقعان مستقلان لايخضعان لحكومة او لحزب او لجماعة ،ويعتمدان على نفسيهما في مسائل التمويل ، ففي هذا ضمان لاستقلاليتهما ودوام اتصالهما بقراءهما . والموقعان يهتمان باراء الناس وبشكاواهم وطموحاتهم وآمالهم وتفاعلاتهم مع بعضهم البعض .. فضلا عن انهما يربيان في قراءهما الذوق السليم ، والادب الجم ، والشفافية في طرح الاراء ، والصراحة ، والاحترام ، والدقة والامانة في نقل الخبر والسرعة في تقديمه للقراء .. واشباع حاجاتهم الى المعرفة ، والسعي باتجاه ترقية مداركهم ، وتنمية احاسيسهم الجمالية والفنية والادبية والاجتماعية ومساعدتهم على العناية بانفسهم ، واجسادهم قوية وقادرة على مواجهة مشكلات المجتمع وتحديات العصر ..

ـ 5 ـ
قبل سنوات طويلة تمتد الى اكثر من اربعين عاما قرأت كتابا لاحد الكتاب البريطانيين اصدره بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بقليل بعنوان : ( التربية لعالم حائر) قال فيه ان (التربية) هي الوسيلة التي يمكن الاعتماد عليها في اعادة بناء العالم من جديد.. وبامكاننا الان ان نردد معه القول نفسه مع اضافة بسيطة وهي ان ما يحتاج اليه عالمنا العربي والاسلامي هو (الديمقراطية) والديموقراكية قبل ان تكون انتخابات وتوصيات وبرلمانات، (تربية) و (ثقافة) و(وعي) , و(مشاركة) . فهل تنجح الصحافة الالكترونية في مساعدة الانسان العربي والاسلامي في مهمته الجديدة وهي اعادة بناء مجتمعاته واصلاح شؤونها وحل مشاكلها بالاعتماد على الحل الديموقراطي ؟ نأمل ذلك .
*الرجاء زيارة مدونة الدكتور ابراهيم العلاف ورابطها التالي : http://wwwallafblogspotcom.blogspot.com/2010/02/1908-1995.html

الدكتور سالم احمد محل الجبوري مؤرخا


الدكتور سالم احمد محل الجبوري مؤرخا

أ.د. إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ الحديث –جامعة الموصل

ارتبطت مع الدكتور سالم احمد محل إسماعيل الجبوري، منذ إن كنا طلابا في قسم التاريخ بكلية التربية بجامعة بغداد مطلع الستينات من القرن الماضي ،مع انه سبقني في التخرج من الكلية. وكانت فرصة التعرف عليه من خلال دراستنا في (قسم الشرف) وعند الأستاذ الدكتور زكي صالح رحمه الله مادة أصول التأريخ .
والأستاذ الدكتور سالم احمد محل إسماعيل الجبوري من مواليد الموصل سنة 1944، أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية فيها ،ثم سافر إلى بغداد ليلتحق بقسم التاريخ ، كلية التربية ،وقد نال شهادة البكالوريوس في التاريخ،سنة 1967، وعاد إلى الموصل ليعين مدرسا، ثم مديرا في ثانوية عين سفني (قضاء الشيخان)، واستمر في منصبه من سنة 1973 وحتى سنة 1975 وحين نقل إلى مدينة الموصل ،عين معاونا لمدير الإعدادية الشرقية وللمدة من سنة 1975 وحتى سنة 1977.
لم يبق على هذا الوضع طويلاً، فبعد افتتاح الدراسات العليا في قسم التاريخ بكلية الآداب _ جامعة الموصل التحق بها، وحصل على شهادة الماجستير في التاريخ الإسلامي في 17 كانون الأول-ديسمبر سنة 1981، وكان عنوان رسالته: "العلاقات العربية_ الساسانية خلال القرنين الخامس والسادس الميلاديين " ، وبأشراف الأستاذ الدكتور عبد المنعم رشاد رحمه الله ، وعندئذ استطاع نقل خدماته إلى جامعة الموصل وعين مدرساً مساعدا في قسم التاريخ بكلية الآداب سنة 1982. وقد اختاره عميد الكلية آنذاك الأستاذ الدكتور توفيق سلطان اليوزبكي، رحمه الله، ليصبح معاوناً له ، وسرعان ما التحق بالدراسة ثانية ونال شهادة الدكتوراه في التاريخ الإسلامي سنة 1992 وكان عنوان أطروحته: "المنظور الحضاري في التدوين التاريخي حتى عصر ابن خلدون" وبإشراف الأستاذ الدكتور هاشم يحيى الملاح تدرج في المراتب العلمية، إذ رقي من مرتبة مدرس إلى مرتبة أستاذ مساعد سنة 1994.
في سنة 1995 ،طلب إحالته على التقاعد للسفر إلى خارج العراق ،والتدريس في جامعتي صنعاء والحديدة في اليمن، فوافقت جامعة الموصل على ذلك ،واستمر يعمل في اليمن حتى سنة 2004.
عاد إلى الموصل سنة 2005 ،وتمت إعادته إلى الخدمة في جامعة الموصل يوم 6 آذار – مارس سنة 2006، وهو الآن يعمل أستاذا مساعداً في قسم التاريخ بكلية الآداب.
تخصص الدكتور الجبوري بالتاريخ الساساني والبيزنطي.. وله في هذا المجال دراسات وبحوث منشورة أبرزها بحثه الموسوم: "دور العرب في الصراع بين الساسانيين والبيزنطيين" نشره في مجلة آداب الرافدين، التي تصدرها كلية آداب الموصل (العدد 16، 1986). كما اهتم بتاريخ صدر الإسلام والخلافة الراشدة. وقد نشر حوله دراسات وبحوث قيّمة منها:
1."صورة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في كتابات بعض المستشرقين"، قدمه إلى المؤتمر العلمي الخامس لكلية الآداب، جامعة الموصل والذي انعقد المدة من 28 – 29 مايس/ مايو 2009 .
2."الأعراف القبلية وأثرها في الدعوة الإسلامية في عصر الرسالة" نشره في مجلة مركز الوثائق والدراسات الإنسانية، جامعة قطر، بعدد (13)، 2001 .
3."أهمية البيعة في بناء وتحقيق وحدة الأمة حتى العصر الأموي" منشور في مجلة تهامة جامعة الحديدة، اليمن العدد (16)، 2002
4."دور المسجد في الحياة التشريعية للأمة في عصر الرسالة"، نشره في مجلة المسجد التي تصدرها رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة ، العدد(9) ، 2001.
5. " فاعلية القرار القيادي في العصر الراشدي"، نشرة في مجلة آداب الرافدين، العدد (49)، 2008.
كما قدم بحوثا لندوات ومؤتمرات عديدة داخل العراق وخارجه، فعلى سبيل المثال قدم بحثه الموسوم: "أهمية موقع الحضر وتأثيره على القوى المجاورة". إلى ندوة الحضر الدولية التي إقامتها كلية الآداب، جامعة الموصل للمدة من 14_17 نيسان ، ابريل سنة 1994، كذلك قدم بحثه الموسوم:" دور زبيد في تشكيل الخريطة المذهبية لبلاد اليمن"، إلى المؤتمر الدولي لزبيد الذي إقامته جامعة الحديدة، في اليمن للمدة من 13_ 17 كانون الأول _ ديسمبر سنة 2002.
له كتب عديدة منشورة منها:
1. المنظور الحضاري في التدوين التاريخي عند العرب، نشرته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ، الدوحة- عاصمة دولة قطر ضمن سلسلة كتاب الأمة، العدد (60)سنة 1997.
2. أزمة الحضارة المعاصرة، وقد نشره ضمن كتاب:" الدور الحضاري للأمة المسلمة في عالم متغير" والذي أسهم تأليفه نخبه من الباحثين والكتاب وبأشراف مركز البحوث والدراسات في قطر وصدر لمناسبة انعقاد مؤتمر القمة الإسلامية التاسع في الدوحة عاصمة دولة قطر سنة 2000.
3. الدول والدويلات المستقلة وشبه المستقلة في اليمن 250_923هـ ، وطبع في مطبعه ألوان بصنعاء - اليمن سنة 2002.
أسهم الدكتور الجبوري في تحرير موسوعة الموصل الحضارية ،التي أصدرتها جامعة الموصل بخمس مجلدات سنة 1991 ببحث عنوانه:" منطقة الموصل تحت وطأه الاحتلال الساساني " استغرقت الصفحات 144 _158 من الموسوعة . وفي هذا الفصل أكد بأن من أكثر الصعوبات التي تواجه الباحث في تاريخ الكثير من المدن القديمة، تحديد زمن بنائها، خاصة عندما لا يرتبط اسمها باسم مؤسسها ، والموصل واحدة من تلك الحواضر التي يكتنف نشأتها الغموض والإبهام ،لكن لا مراء فيه هو أنها مدينة أشورية قديمة.. ولموقعها ولعوامل عسكرية تتعلق بدرء الإخطار عن العاصمة نينوى، أقام الأشوريون حصنا على الضفة الغربية من نهر دجلة مقابل عاصمتهم في تل (الاقليعات) فكان هذا الحصن هو نواة مدينة الموصل.
ويؤكد الدكتور الجبوري ،انه لا يستطيع تحديد تاريخ بنائها ومن الذي بناها لكن تؤكد المصادر المعتمدة أنها أسست في العهد الأشوري، وسكانها هم من الأقوام العربية القديمة ، وقد سبب الانهيار السياسي للأشوريين سنة 612 قبل الميلاد فراغا سياسيا في المنطقة، فبدأت القبائل العربية تتدفق من الجزيرة العربية ،فاستوطنت منطقة الجزيرة العربية التي أصبحت الموصل -فيما بعد- قاعدتها الإقليمية، ويمضي الدكتور الجبوري ليتناول العوامل التاريخية التي كانت وراء وقوع الموصل تحت وطأه الاحتلال البيزنطي حتى حررها العرب المسلمون سنة 16هـ / 637م.
ينتمي الدكتور الجبوري إلى المدرسة التاريخية العراقية، وهذه المدرسة تتصف بالرصانة ،والمنهجية العلمية، والتركيز على التحليل والتفسير ودون الالتزام برؤية محددة أو تيار معين كما أنها- أي هذه المدرسة- تأخذ بتعددية التفسير ،وتستهجن التركيز على تفسير أحادي، أو رؤية محددة وهذا ما أعطاها موقعا متميزا بين المدارس التاريخية العربية والعالمية.
*الرجاء زيارة مدونة الدكتور إبراهيم العلاف ورابطها التالي : http://wwwallafblogspotcom.blogspot.com/2010/02/1908-1995.html

الثلاثاء، 23 فبراير، 2010

جمعية الآداب الإسلامية في الموصل




جمعية الآداب الإسلامية في الموصل
أ.د.إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ الحديث_جامعة الموصل

زخر العراق أيام العهد الملكي 1921_1958 ، بالعديد من الجمعيات والمؤسسات الدينية والاجتماعية والثقافية التي باتت تعرف اليوم بمنظمات المجتمع المدني . وقد قدمت هذه الجمعيات الكثير من النشاطات ، كعقد الندوات، وإصدار الصحف ،وتنظيم اللقاءات الاجتماعية ،وجمع التبرعات الخيرية . ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل كان لهذه الجمعيات مواقف سياسية وطنية ،وقومية، وإنسانية . وقد استمر نشاط بعض هذه الجمعيات حتى يومنا هذا ولعل (جمعية الآداب الإسلامية) من هذه الجمعيات .
كان للشيخ امجد الزهاوي 1883 _1967، دور كبير في إنشاء (جمعية الآداب الإسلامية) وقد وضع الزهاوي رحمه الله هدفا رئيسيا لهذه الجمعية وهو مواجهة انتشار الرذائل التي كانت تهدد الشباب المسلم في العراق، وقد أولت جريدة فتى العراق الموصلية، لهذا النداء أهمية فنشرته على صفحات عددها الصادر 14 آب 1946، كما تابعت إنشاء الجمعية في عددها الصادر يوم 30 أيلول 1946 ، ومما ورد ذكره في هذا العدد إن الهيئة المؤسسة للجمعية أجرت انتخابات وفاز الشيخ امجد الزهاوي برئاسة الجمعية. كما انتخب كل من عبد الرحمن خضر، وطه الفياض، وعبد العزيز البغدادي، بعضوية الهيئة الإدارية . وقد أصدرت الجمعية مجلة باسم (الكفاح) اشرف عليها الشيخ كمال الدين الطائي وفي الموصل تقدم عدد من العلماء والمحامين والتجار بطلب فتح فرع للجمعية ومن هؤلاء الشيخ عبد الله النعمة ،والمحامي فخري الخيرو ، والسيد فاضل الصيدلي وإبراهيم ألجلبي ،والسيد عبد الرحمن السيد محمود .
وقد فتح الفرع بعد وصول ممثل المركز العام للجمعية في بغداد إلى الموصل ،وهو الشيخ محمد محمود الصواف ،الذي اشرف على الانتخابات في مطلع تشرين الثاني 1947.
لقد كان لهذه الجمعية ولفرعها في الموصل نشاط كبير، فلقد عقدت تجمعات دينية، ودعت الحكومة إلى إجراء إصلاحات اجتماعية وطالبت بسن قوانين تحمي الشباب من الانحراف، ودعمت قضية فلسطين.
كانت بحق جمعية ، دينية ،اجتماعية ،ثقافية ندعو لها بالتوفيق ولهيئتها الإدارية ولرئيسها كل تقدم ونجاح وان تبقى مهمة خدمة الدين والوطن والأمة في مقدمة أهدافها وفعالياتها .
*الرجاء زيارة مدونة الدكتور ابراهيم العلاف ورابطها التالي : wwwallafblogspotcom.blogspot.com
ملاحظة :الصورة الاولى للشيخ امجد الزهاوي جالسا مع اثنين من انصاره والصورة الثانية للشيخ امجد الزهاوي والصورة الثالثة للشيخ محمد محمود الصواف وهو يلقي خطابا في احد الاجتماعات .

الاثنين، 22 فبراير، 2010

مكتبة المتحف الحضاري في الموصل



مكتبة المتحف الحضاري في الموصل
أ.د.إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ الحديث_جامعة الموصل

في اليوم السابع والعشرين من آذار-مارس سنة 1952 ،افتتح المتحف الحضاري بالموصل، وكان يسمى (متحف الموصل)، ويقع عند رأس جسر الحرية (الملك فيصل الثاني سابقا ) ،وكانت بناية المتحف القديمة قد شيدت لتكون بهوا للبلدية إلا أن مديرية الآثار العامة قررت استملاكها . وكان من ملحقات المتحف الرئيسية، مكتبة تضم بضعة آلاف كتاب ومجلة ومخطوطة تجمعت منذ أواخر سنة 1951 حين بدأت (مديرية الآثار العامة) بإرسالها إلى الموصل لتكون نواة للمكتبة.. واصل هذه المجموعة كانت ملكا للأب انستاس الكرملي الباحث واللغوي العراقي المعروف . وبعد وفاته سنة 1947، قام المسؤولون في دير الآباء الكرمليين ببغداد بإهدائها إلى مكتبة المتحف العراقي ببغداد وسرعان ما توالى وصول الكتب إلى مكتبة المتحف الحضاري في الموصل، فأصبحت فيها مجاميع لمكتبات شخصية يعود بعضها إلى أساتذة وباحثين معروفين أمثال فؤاد جميل، وعباس العزاوي، وشاؤول حاخام حسقيل .
ولابد أن نذكر أعزائنا القراء بمجهودات جنود مجهولين ،أسهموا بوضع أسس مكتبة متحف الموصل وعملوا على تطويرها منهم الأستاذ المرحوم سعيد الديوه جي ، والأستاذ المرحوم قاسم الجراح والأخت العزيزة ناثرة عبد الباقي الصراف والأخ الأستاذ عبد الله أمين اغا والأستاذ المرحوم منهل جبر والأخت منتهى دوري الدوري، وآخرون .
كانت مكتبة المتحف صغيرة تتألف -كما يقول الأخ عبد الله أمين اغا- في كتابه : (( مكتبة متحف الموصل)) ،والذي نشرته المؤسسة العامة للآثار والتراث ببغداد سنة 1981، من غرفة واحدة وضعت فيها خزانات خشبية ومنضدتان وعشرة كراسي للمطالعين.. لكنها نمت وتوسعت بعد الانتهاء من بناية المتحف الحضاري الجديد الذي قامت وزارة الإعلام بمساعدة مؤسسة كولبنكيان تأسيسه وافتتح في تموز 1974.
نظام المكتبة كان سهلا وبسيطا وواضحا.. ولا أزال أتذكر كيف أن الأخت ناثرة الصراف، كانت تمد يد العون للطلبة فتسألهم عن عناوين موضوعاتهم فقط، ليجدوا أمامهم بعد لحظات عشرات الكتب والمصادر التي تتعرض لهذا الموضوعات.. كان هذا في أوائل الستينات من القرن الماضي، عندما كنا طلابا في المدرسة المتوسطة.
والحمد لله فأن مكتبة المتحف كانت لاتزال تتميز بالحيوية والحركة ودفء التعامل مع المراجعين فتحية لمفتشية اثار وتراث نينوى على جهودها في تأهيل المتحف ومكتبته بعد الاحتلال ،وتحية لمن ترك بصمة في جدار هذا الصرح العلمي الشامخ.
*الصورة المرفقة هي لساحة الجمهورية في الموصل والى الشمال منها بناية المتحف الحضاري

الأحد، 21 فبراير، 2010

ثورة 14 تموز 1958 :آراء وتفسيرات




ثورة 14 تموز 1958 :آراء وتفسيرات

أ.د. إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ الحديث _جامعة الموصل
تعرضت ثورة 14 تموز-يوليو 1958 إلى كثير من التفسيرات، بشأن أهدافها، ومساراتها ونتائجها مع أنها تعد من أبرز الإحداث التي وقعت في منطقة الوطن العربي ودول الجوار في منتصف الخمسينات من القرن العشرين، وقد قيمت هذه الثورة من قبل القوى الوطنية العراقية ،والقوى القومية العربية تقييما ايجابيا من خلال التأكيد على قيمتها الحقيقية كنقطة تحول خطيرة في تاريخ العراق والأمة العربية .فضلا عن اعتبارها ثورة وطنية ، وقومية ، وتقدمية في طبيعتها الأساسية، غير أن الممسكين بزمامها سرعان ما ابتعدوا عن أهدافها الحقيقية ،ودخلوا في صراعات فيما بينهم دفع الشعب العراقي ثمنها غاليا .
ولئن حاول البعض من الباحثين والمؤرخين ،ومنهم الأستاذ الصحفي المصري محمد حسنين هيكل في كتابه: (( سنوات الغليان )) ،أن يصور في كتاباته، أن المخابرات المركزية الأمريكية كانت على علم بالثورة ،وأنها كانت مهتمة طوال سنة 1957 بإجراء تقديرات عن احتمالات المستقبل في بغداد ، إلا أن (اندرو تولي) في كتابه عن ((وكالة المخابرات المركزية الأمريكية)) ، الذي نشر سنة 1958 يؤكد بان الثورة :((كانت مفاجأة مذهلة للحكومة الأمريكية)) إلى درجة أن (وليم فولبرايت)، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأمريكي ، اقترح آنذاك استدعاء (ألن دالاس) مسؤول المخابرات للتحقيق معه، ((منعا لكوارث مماثلة للثورة العراقية (على حد تعبيره) يمكن أن تلحق الأضرار الفادحة بالأمن القومي الأمريكي وبأمن العالم)).
كان في بغداد قبيل الثورة ، صحفي بريطاني يراسل (صحيفة الاوبزرفر) اللندنية، وقد شاهد أحداث الثورة بأم عينيه، وكتب بعد اندلاعها بوقت قصير كتابا بعنوان :(ثورة العراق) وباسم مستعار هو (كاركتاكوس) ،وقد ترجم خيري حماد الكتاب، ونشره ببيروت سنة 1958، وفي هذا الكتاب يعزو (كاركتاكوس) الثورة إلى عدم فهم السياسيين البريطانيين للمتغيرات الجديدة في المنطقة ، وأبرزها تنامي حركة التحرر العربية.
أما السياسي والقانوني العراقي المعروف حسين جميل، والذي كان يعمل سفيرا بالهند، فقد ألقى محاضرة عن الثورة في نيودلهي بعد شهر واحد من وقوعها ،وطبعت المحاضرة في كتاب عنوانه: (العراق الجديد) قال في هذا الكتاب عن أسباب الثورة : ( إن الطبقة الحاكمة في العراق لم تستطع أن تدرك أن المجتمع العراقي كان قد تحول ، بالرغم من محاولتها المحافظة على الأوضاع فيه) (وقمع الحركة لمنع انتقال السلطة إلى الشعب عن طريق ممثليه الحقيقيين الذين يعملون لصالحه).
وقد وصل الاستاذ جميل إلى نتيجة مهمة مؤداها أن : ((ثورة 14 تموز 1958 ، كانت انطلاقه للقوى الاجتماعية المتطورة اقتصاديا، والتي منعها النظام القديم من أن تشغل المركز الذي يؤهلها لها ذلك التطور الاقتصادي)).
وذهب الدكتور مجيد خدوري، في كتابه (العراق الجمهوري) المنشور في لندن بالانكليزية سنة 1969 ،والمترجم إلى العربية سنة 1974 إلى أن أسباب الثورة عميقة وتكمن في ((أن الجيل الجديد في العراق شعر بالهوة التي تفصله عن الجيل القديم ، فسعى إلى الاشتراك في السلطة.. فلم يجد المجال، بل العكس كان مضطهدا ،فبدأت روح التذمر من الأسفل إلى الأعلى وفي الوقت ذاته كان في هذا الجيل يشعر بقوته وقابلياته للمشاركة في الحياة العامة، ولكنه لم يجد مجالا للاشتراك فحصل الضغط الاجتماعي، وقد حصل في تجربة العراق أن الضباط الأحرار استجابوا لمطامح هذا الجيل فكانت الثورة)).
وحاول الاستاذ الدكتور فاضل حسين أستاذ التاريخ الحديث في جامعة بغداد من خلال كتابه: (سقوط النظام الملكي في العراق)أن يجمع في كتابه ويحلل مجموعة الأحداث التي سبقت ورافقت أيام الثورة مطعما بمشاهدة وروايات بعض قادتها ورجالاتها المدنيين والعسكريين. وقد أورد المؤلف ما يشير إلى ما اسماه (علاقة الانكليز بالثورة) ، لكننا لم نجد لهذا الرأي أساسا فيما نشر على الأقل ،من الوثائق البريطانية التي أفرج عنها بعد مرور 30 عاما وتولى عدد من الباحثين العراقيين ومنهم الأستاذ الدكتور مؤيد الونداوي ترجمتها ونشرها أو التعليق عليها فلقد ثبت اليوم، وبعد الاطلاع على الوثائق البريطانية أن مارجح الأستاذ الدكتور فاضل حسين صحته غير دقيق، فالانكليز فوجئوا بالثورة بل اخذوا على حين غرة
وهناك من درس ثورة 14 تموز –يوليو 1958 من خلال ادوار (القوى السياسية) أو( الصراع الأيدلوجي) الذي ظهر بعدها بقليل ويمكن أن نورد رسالة الدكتور محمد كاظم علي التي نشرت ببغداد سنة 1989 بعنوان: (العراق في عهد عبد الكريم قاسم :دراسة في القوى السياسية والصراع الأيدلوجي 1958-1963 ) .
إننا في هذا الحيز المقتضب لانريد أن نكثر من التفاصيل عن طبيعة ثورة 14 تموز 1958،لكن لابد أن نؤكد بان هذه الثورة قد كان تأثيرها في واقع العراق السياسي والاقتصادي والاجتماعي كبيرا فضلا عن أنها كانت جزءا لايتجزا من حركة التحرر الوطني في المنطقة العربية والعالم الثالث كله ،ومع هذا فالباب مفتوح أمام من يرغب في الكتابة عنها ،وتحليل أهدافها ومعطياتها وما تمخضت عنه من نتائج حين يعثر على مصادر ووثائق جديدة، أو حين تظهر لديه رؤية جديدة يفسر بموجبها الثورة .
*راجع لطفا مدونة الدكتور ابراهيم العلاف ورابطها التالي :
wwwallafblogspotcom.blogspot.com

السبت، 20 فبراير، 2010

المطران سليمان صايغ 1886-1961 وجهوده في توثيق تاريخ الموصل






المطران سليمان صايغ 1886-1961 وجهوده في توثيق تاريخ الموصل


ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل

لم تشهد الموصل منذ أن فرغ المؤرخان العمريان محمد أمين وياسين من كتابة مؤلفاتهما أواخر القرن التاسع عشر من اهتم بتدوين أخبارها حتى مطلع القرن العشرين، حين ظهر سليمان صايغ واصدر كتابه الشهير:(تاريخ الموصل) في ثلاثة أجزاء. وسليمان صايغ رجل دين مسيحي ولد في الموصل سنة 1886 وأتم دراسته اللاهوتية في مدارسها الدينية ثم اشتغل بالتعليم وإدارة المدارس، وصار عضوا في لجنة فحص المدارس الأجنبية، وترأس تحرير جريدة الموصل بعد معاودة صدورها عقب الاحتلال البريطاني للموصل سنة 1918 ، وعندما برزت مشكلة الموصل(1925-1926 ) كان عضوا نشيطا في( جمعية الدفاع الوطني) التي قامت بدور كبير في تأكيد عروبة الموصل إزاء مطالبة الأتراك بها .
أصدر سليمان صايغ مجلة (النجم) وهي مجلة شهرية ،دينية ،تاريخية، اجتماعية وذلك سنة 1928. وقد اهتمت المجلة منذ صدورها وحتى توقفها في آذار-مارس 1955 بالدراسات الدينية والتاريخية.ويرجع ذلك إلى أن صايغ، كان يرى أن "التاريخ من العلوم الجليلة الفائدة، ومن الفنون الجزيلة العائدة لطبقات الهيئة الاجتماعية جمعاء، ومن علماء أعلام، وسوقة طغام".
وقد اعتمد صايغ في تأليف كتابه : تاريخ الموصل، مصادر عديدة، بعضها منشور وبعضها مخطوط، وكما وقف على كمية جيدة من الأوراق الخاصة المحفوظة في بعض مكتبات الأسر الموصلية، كالأسرة الجليلية والأسرة العمرية، ويتناول الجزء الأول ، التاريخ السياسي. أما الجزء الثاني فقد كرسه لدراسة الحركة الأدبية والعلمية في الموصل. وخصص الجزء الثالث لنفائس الآثار وتاريخ التنقيبات .
لقد ترك سليمان صايغ مجموعة كبيرة من المقالات وخاصة في مجلة النجم، ومن مقالاته : الفلسفة عند العرب، وتاريخ الطب في العراق، والبلاد العربية في مطلع القرن السابع عشر وتاريخ أكد وآشور.
إن سليمان صايغ يعد من أوائل المثقفين العرب الذين نبهوا إلى مخاطر الصهيونية، وقد ربط من خلال دراسة له نشرت سنة 1933 بين مخاطر الصهيونية والشيوعية والماسونية على الفكر والوجود العربيين.
وسليمان صايغ يعد من الكتاب الرواد للمسرحية التاريخية في العراق، وقد حاول تقديم التاريخ بأسلوب قصصي، ولكنه ظل ملتزما بتصوير الواقع ، مما جعل مسرحياته تخرج من بين يديه وكأنها سرد تاريخي للأحداث والوقائع .
والسبب في ذلك يرجع إلى انه أراد من وراء مسرحياته تحقيق أمرين اولهما الغرض الديني والحرص على نشر فكرة الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي .وثانيهما جذب القارئ إلى التاريخ وتقديم الحقائق اليه بأسلوب بسيط خال من التعقيد، وقد جاءت كتاباته شبيهة بكتابات الكاتب المصري جرجي زيدان (1861_1914) ،وخاصة رواياته التاريخية التي استهدف من وراءها العمل على إحياء وعي العرب لماضيهم، وقد بدا صايغ في أكثر أعماله، مؤرخا يهتم بالحقائق من جهة، ويحرص على تأكيد مبدأ العبرة واستخلاص الدروس من الماضي من جهة أخرى.
ويبين صايغ أسباب اهتمامه بتاريخ مدينته الموصل فيقول: ((وعلى هذا نجد اليوم تواريخ مسطرة لكل مدينة، اشتهرت بآثارها، وأخبار دولها ومشاهير رجالها. إلا أننا- لسوء الحظ -لم نجد للموصل الخضراء تاريخا خاصا بها يوقفنا على قدميتها، وينطوي على أخبارها... على الرغم من أن الاقدمين من فحول علماء الموصل، عنوا بتدوين تاريخها واستيعاب الطارف والتالد من أخبارها)).
ويضيف صايغ إلى ذلك أن رغبته في خدمة أبناء وطنه" من العامة الذين لايستطيعون مطالعة مجلدات ضخمة للوقوف على أحوال الموصل"، هي التي دفعته لكتابه تاريخ لام الربيعين "فسمت التصنيف- وأنا المفلس- وتعنيت أمرا ليس من شأني ولا إنا من رجاله، رجاء نفع العامة ونيل رضى الخاصة، والمرء ... ممدوح أو مقدوح بنيته إذ إنما الأعمال بالنيات ، وما قصدي من هذا العمل إلا امحاض الخدمة لوطني". ويوضح منهجه في التأليف فيقول انه بعد مثابرة متواصلة على المطالعة مدة سنة ونيف " توفقت بعونه تعالى إلى وضع ها الكتاب، وقد سعيت جهدي في إحكام الرصيف ونقل الحقا يق التاريخية الممحصة من مواردها ومآخذها معتمدا على اشهر المؤرخين الذين هم النبراس المهتدي والعمدة المنتدب البهم كالطبري وابن الاثير وأبي الفداء وابن خلكان وشهاب الدين ألمقدسي وغيرهم من المؤرخين الحداث، وطنيين وغرباء هذا عدا ماتلقيته من أقوال مأثورة ونقلته من أوراق خطية قديمة".ثم قسمت الكتاب أبوابا وفصلته فصولا ... " وشكر المؤلف من شجعه وأعانه وزوده بالكتب والمعلومات وخص بالذكر نقيب الأشراف في الموصل السيد عبد الغني النقيب والحاج أمين ألجليلي والسيد عبد الله ال سليمان بك والسيد امجد ألعمري .
إن إعادة نشر كتاب تاريخ الموصل ،بأجزائه الثلاثة ،يعد إضافة نوعية في مجال توسيع دائرة الاهتمام بهذا الضرب من التاريخ المحلي، لأهمية ذلك في مرحلتنا الحاضرة التي تتطلب من جميعا أن نتعاون من اجل إبراز وجه الموصل الحقيقي والناصع، وإسهامات أهلها الحضارية عبر التاريخ، فبارك الله بكل من سعى في هذا المشروع الخير ،والذي جاء استجابة لما أراده الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عندما قال :" من نشر علما كلله الله بأكاليل الغار .. ومن كتم علما ألجمه الله بلجام من نار".

سلمان الصفواني وجريدة اليقظة (البغدادية )


سلمان الصفواني وجريدة اليقظة (البغدادية )

ا.د.ابراهيم خليل العلاف

مركز الدراسات الاقليمية -جامعة الموصل

سلمان الصفواني ، صحفي عراقي ، يعد من الصحفيين الرواد ولد سنة 1899 وتوفي سنة 1988 .. صاحب جريدة اليقظة ( البغدادية ) ، قبل سنوات اجرى معه الاستاذ حمزة مصطفى حواراً في مجلة آفاق عربية ( السنة 12 ، العدد 2 ، نيسان 1988 ) ، جاء فيه ان سلمان الصفواني هو سلمان بن صالح بن احمد آل ابراهيم الصفواني ، ولد في مدينة المشخاب بمحافظة الديوانية سنة 1899 .. اكمل تعليمه الابتدائي في المنامة عاصمة مملكة البحرين ، ثم في النجف ، من مؤلفاته ( اذن وعين ) و ( كفاحنا القومي ) و ( في السياسة والادب ) .

كان مديراً للإذاعة سنة 1938. قال الاستاذ حميد المطبعي في موسوعة اعلام العراق في القرن العشرين ، ج1 ، 1992 ان سلمان الصفواني ، كاتب وصحفي اتجاهه قومي عربي. أسهم في تأسيس حزب الاستقلال الذي كان يتزعمه الشيخ محمد مهدي كبة ، وقد شارك في( مؤتمر الجزيرة العربية )عندما كان في الحجاز في ضيافة الملك حسين سنة 1923 وقد حضرته وفود من معظم الاقطار العربية وكانت الوحدة العربية كما قال الصفواني نفسه ، اول مادة في جدول اعمال هذا المؤتمر وبعد عودته اصدر جريدة ( اليقظة ) في 31 تشرين الثاني سنة 1924 وقد سأله كورنواليس المستشار الانكليزى في وزارة الداخلية العراقية ابان الانتداب البريطاني على العراق في اعقاب الحرب العالمية الاولى 1914-1918 في حينه لماذا أسميتها بـ ( اليقظة ) فقال له وهل تريد ان اسميها ( الرقدة ) ومع هذا صدرت اليقظة وكانت لسان حال التيار القومي العربي في العراق .. وقد استمرت اليقظة في الصدور حتى سنة 1959 .. وكان لهذه الجريدة سمعة طيبة بين الناس ، اذ اعتادوا ان يقرأوا فيها اخباراً وتحليلات لا يجدونها في صحف اخرى ..

واجه الصفواني الكثير من العنت والاضطهاد وتعرض للاعتقال مرات عديدة ، لكنه ظل كما يعرفه الكثيرون صحفياً شجاعاً . وقد توقفت ( اليقظة ) مرات عديدة ، فبعد صدور ( 13 ) عدد منها عطلتها الحكومة ثم استأنفت الصدور في سنة 1929 وصدر منها عدد واحد وتوقفت وظهرت سنة 1945 واستمرت حتى توقفها النهائي في عهد اللواء الركن عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة العراقية (1958- 1963 ) سنة 1959 .وتعد اليقظة اليوم مصدرا من مصادر دراسة تاريخ العراق الماصر .

الجمعة، 19 فبراير، 2010

الحياة الاجتماعية في ولاية الموصل 1515 -1918






الحياة الاجتماعية في ولاية الموصل 1515 -1918


ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصب


مقدمـة :

بالرغم من الاهتمام الكبير الذي ظهر في السنوات الأخيرة بالدراسات العثمانية ، إلاّ أن التاريخ الاجتماعي للوطن العربي لم ينل بعد ما يستحقه من اهتمام . ويعد بحثنا هذا محاولة لتأشير بعض الملامح الرئيسية للحياة الاجتماعية في ولاية الموصل ومصادر وثائقها في الفترة الواقعة بين بدء السيطرة العثمانية عليها سنة 1515 وخروج العثمانيين منها أواخر الحرب العالمية الأولى . ومما يلحظ أن الباحث في التاريخ الاجتماعي يواجه صعوبة كبيرة عند تناوله هذا الموضوع ، ذلك أن مصادر الوثائق الخاصة بالحياة الاجتماعية عديدة ومتنوعة ومتناثرة ، كما أنها لم تستخدم بعد بشكل فعلي من قبل الباحثين والمؤرخين ( ) .

يتألف بحثنا من أربعة أقسام ، فضلاً عن المقدمة ، يتناول القسم الأول الأهمية الجغرافية والستراتيجية والاقتصادية لولاية الموصل . أما القسم الثاني فيتناول طبيعة المجتمع الموصلي المتميز بتعدد قومياته وأديانه ومذاهبه . ويتابع القسم الثالث الأنشطة الاجتماعية في الولاية ، والمتمثلة بالمؤسسات الحرفية والدينية وتقاليد السطان في أزياءهم وأعيادهم. وخصص القسم الأخير لدراسة وضع المرأة الموصلية خلال الفترة موضوعة البحث .
حدث انقلاب في ستراتيجية التوسع العثماني في عهد السلطان سليم الأول ( 1512 ـ 1520 ) إذ توقف الزحف العثماني على حساب الغرب الأوربي ،أو كاد واتجه نحو الوطن العربي( )، ومهما تعددت الآراء واختلفت في تعليل هذه الظاهرة ، فإن تأسيس الدولة الصفوية في إيران كان عاملاً رئيساً في ذلك . فالغزو العثماني للوطن العربي لم يكن إلاّ مرحلة من مراحل الصراع بين الدولتين العثمانية والصفوية الفارسية بقصد الاستحواذ على منطقة الشرق الأدنى ( ) .

ولقد قادت الأحداث التي نجمت عن معركة جالديران سنة 1514 وانتصر فيها العثمانيون على الفرس إلى دخول الموصل في حوزة العثمانيين سنة 1515 . وتعد الموصل أو مدينة عربية سيطر عليها العثمانيون مثلما كانت آخر مدينة خرج منها الجيش العثماني في أواخر الحرب العالمية الأولى 1918 ، وكان لموقع الموصل ولطبيعتها الجغرافية آثاراً واضحة في مجرى تاريخها السياسي والحضاري ذلك أنها تقع عند تقاطع الطرق التي تربط بين إيران والأناضول وسوريا ( ) .

وقد اهتم العثمانيون بولاية الموصل لأهمية موقعها الأستراتيجي ولعلاقة ذلك بالتطورات الاقتصادية التي كانت تشهـدها المنطقة آنذاك ، وخاصةً فيما يتعلق بتجارة الحرير . فالموصل تشكل طريقاً مهماً لانسياب هذه التجارة الفارسية التي كانت تمر من تبريز إلى أرضروم ثم أماسيا فالأناضول ، فتحولت التجارة إلى حلب ومنها إلى الأسكندرونة ، وهذا السبب أعطى الموصل أهمية بالغة بحيث أصبحت مسيطرة على هذا الطريق المهم بالنسبة للتجارة الفارسية،ومن الطبيعي أن تصبح تجارة الحرير الفارسي تحت رحمة العثمانيين ، وأصبح بالإمكان التحكم بهذا الطريق وحرمان الفرس من مرور تجارتهم من خلاله، خاصةً وأنّ إيران كانت تعتمد تجارة الحرير في صادراتها إلى الغرب الذي يقوم بمقابلتها بالحديد والنحاس كمواد رئيسية في ستراتيجية تلك الفترة ، وكان السلطان سليم يهدف إلى الحيلولة دون أن ينال الإيرانيون عدة الحرب،وكذلك من خلال منع تجارة الحرير وتخفيض مدخولات إيران ومنعها من تحقيق أطماعها التوسعية ( ) .

ولقد أثّـر الحصار التجاري الذي فرضـه العثمانيون على إيران بعد استيلائهم على مواضع وحدود ومسالك ديار بكر ـ الموصل التي كانت تحظى بالخطوط الستراتيجية الفعّالة والمهمة . كما تمَّ للعثمانيين بعد ذلك التحكم في السيطرة على مسالك أخرى تقطع العراق وصولاً إلى الخليج العربي الذي يعد الباب الطبيعي الجنوبي للمسلك العمودي ، في حين كانت حلب هي النهاية الرئيسة للمسلك الأفقي المتمثل بتبريز ـ أرضروم ، أما الموصل فقد بقيت مستمرة في علاقاتها الاقتصادية بمختلف الأقاليم،ومحتفظة بنافذتها المفتوحة نحو الشرق والغرب لستراتيجتها وتحكمها بالمسالك الأفقية والعمودية حتى فتح قناة السويس في سنة 1869 ، وكاد ينعدم مسلكها الأفقي مع الشام والأناضول ، أما مسلكها العمودي نحو بغداد ـ البصرة ، فقد ظلّ قائماً حتى يومنا هذا … ( ) .


أوضاع الموصل الاقتصادية حتى أوائل القرن العشرين :

لم تكن الموصل حين سيطـر عليها العثمانيون سنة 1515 أكبر من " بلدة صغيرة مسورة ، ولم تكن حسنة العمران ، ولا تحتفظ إلاّ ببقية شهرتها التجارية القديمة … ولم يعرف الكثير عن أحوالها الداخلية ، غير عدم استقرار أحوال حكومتها " ( ). إلاّ أن الموصل بعد سيطرة العثمانيين عليها ، دخلت مرحلة جديدة من تاريخها ، إذ أصبحت مركزاً لأهم الولايات العربية واتخذت قاعدة متقدمة لضرب الوجود الإيراني من العراق بأكمله ( ) ، وفي النصف الأول من القرن السابع عشر، أصبحت الموصل ولاية قائمة بذاتها ، ولم تتخذ شكلها الاداري النهائي إلاّ في سنة 1879 حين أصبحت تضم سنجقي ( لوائي ) كركوك والسليمانية ، فضلاً عن سنجق الموصل نفسه ، تحدها من الشمال ولايتا وان وديار بكر ومن الشرق مملكة فارس ومن الغرب سنجق دير الزور ومن الجنوب ولاية بغداد ، وقد بلغت مساحتها حوالي ( 91.000 ) كيلو متاً مربعاً ( ) .

ومنذ عهـد السلطان سليمان القانوني ( 1520 ـ 1566 ) طبّق فيها نظام الاقطاع العسكري ، إذ قسمت إلى وحدات اقطاعية بالدرجات الثلاث المعروفة خاص وتيمار وزعامت ( )،وتكشف لنا أعمال السلاطين العثمانيين الأوائل عن طبيعة نظرتهم إلى الأقطار التي تقع تحت سيطرتهم ، والتي تقوم على أساس " اقرار الأوضاع القائمة فعلاً مع محاولة الاستفادة من هذا الواقع إلى أقصى حد ممكن ".ونظراً لظروف الموصل المتميزة في وفرة أمطارها ، وقرب الأراضي الزراعية من الادارة المركزية فقد اتبع فيها العثمانيون الأسلوب الاقطاعي ( ) ، أما في سائر أرجاء العراق الأخرى ، فإن الأرض ظلّت في حوزة مالكيها المحليين ، كما امتدت إلى أقصى الشرق من الولاية بضع مشيخات أو إمارات كردية منفصلة سيطر شيوخها على مناطق شاسعة من الأراضي يتوارثونها جيلاً بعد جيل ويتولى فيها شيوخ محليون جباية الإيرادات وتسليمها إلى الحكومة . ورغم بداوة المجموعات القبلية الكرددية كالجاف والهماوند ، إلاّ أنها كانت تحت حكم " ملاكين " ينتمون إلى سلالات اقطاعية ذات منشأ ديني أحياناً . وكان اندماج الكردي بالأسلوب الإقطاعي العثماني قائماً على اعتبار أن رؤساء تلك الأسر يعينون ( سنجق بيكات ) تحت سلطة باشا ( والي ) الموصل لقاء خدمات عسكرية شخصية ( ) .

غير أن الأسلوب القبلي ، في التصرف بالأرض في هذه الجبهات من ولاية الموصل ، كان يبدو أكثر وضوحاً من الأسلوب الاقطاعي ، فلم يكن هناك زعامات او تيمارات مستقلة عن الخاص ، لأن الأراضي كانت تعود إلى الأسر الحاكمـة ، ولم يكن جمع الضرائب يتم على أساس الزعامة او التجار ، وإنما وفق أسلوب الالتزام مدى الحياة أو ما يسمى بـ " المالكانة ". وقد بلغت ممتلكات بعض الشيوخ أحياناً عشرات القرى ( ) .

وبالرغم من أن البيئة القبلية كانت هي السائدة في التنظيم الاجتماعي في ولاية الموصل ، إلاّ أنه كان هناك ثمة خلاف بين البيئة القبلية الكردية والبيئة القبلية العربية ، فالتنظيم الاجتماعي الكردي يعد أكثر تأثراً بالأسلوب الاقطاعي مقارنة بالتنظيم الاجتماعي العربي ، فالأغا الكردي يعد ملاك الأرض ، ولم يكن الفلاحون إلاّ مستأجرين عنده ، في حين عرف عن القبيلة العربية المساواة في مسألة ملكية الأرض والتصرف بها ( ) .
لقد عاشت ولاية الموصل حتى أوساط القرن التاسع عشر في حالة من الفوضى والاضطراب في أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية ، ولم يجرِ فيها أي اصلاح ملحوظ . كما فشلت الحكومة في توطيد الأمن وتوطين العشائر ، واقتصرت جهودها على ارسال الحملات التأديبية للعشائر العربية والكردية . إلاّ أن الحكومة العثمانية اتخذت بعد ذلك سلسلة من التدابير الاصلاحية تمثلت بمجهودات مدحت باشا ( 1869 ـ 1872 ) الذي عيّن والياً على بغداد وزوّد بصلاحيات واسعة لتنفيذ اصلاحاته في الولايات الثلاث بغداد ، الموصل ، البصرة . ويعد نظام الطابو ، أهم ما يلفت النظر في أعمال مدحت باشا الاقتصادية ، وكان الهدف الرئيس من هذا النظام محاولة إيجاد حل لمشكلة العشائر ووضع حد لتمرداتها المستمرة وتحويل أفرادها إلى مواطنين مستقرين وذلك بتوفير سبل العيش وتحسين وسائل الري ( ) . وقد أثمرت سياسته في أماكن متعددة ، فاستقر رئيس قبائل شمر الجربا فرحان بن صفوك في منطقة الشرقاط فَمُنح لقب باشا وأصبح واسطة لاسكان البدو افراد عشيرته ، وأخذ يتسلم راتباً من الدولة وزار العاصمة استانبول ( ) .

لقد أدت سياسة مدحت باشا إلى أن يتحول الشيوخ إلى ملاكين للأراضي ، ولم تعد العلاقات داخل القبيلة تعتمد على المساواة بين أفرادها ، بل أصبح مقدار ما يملك الشخص المعيار الأساس للتمييز بينهم ( ) .

ولم يكن الانتقال من البداوة إلى الاستقرار ، سوى ازدياد نفوذ الشيوخ الاقتصادي والسياسي ، وظهور فئات ثريـة كان رفاهها متأتيـاً مـن عمق الاستغلال الأقطاعي للفلاحين ، فحدث بذلك انقلاب في طبيعة العلاقات الاجتماعية داخل القبيلة ،وتعاون رؤساء العشائر وأثرياء المدن في الاستحواذ على كثير من الأراضي الزراعية… فعلى سبيل المثال كان شيخ شمر يزرع منطقة نجمة بالقرب من الشورة جنوبي الموصل قبل الحرب العالمية الأولى بالاشتراك مع أحد أثرياء الموصل ( ) .

لقد أدى تطبيق سياسة الطابو إلى حصول أشراف المدن والأغوات الأكراد وبعض شيوخ العشائر على معظم الأراضي … وتعلل دورين وارنر سكوت الحكومة العثمانية عن تسجيل الأراضي والقرى الكردية بصورة خاصة بأسماء الأغوات والمختارين خلافاً لِما نصَّ عليه قانون الأراضي من عدم تسجيل القرى باسم شخص واحـد ، إلى رغبة الحكومة في الإبقاء على استتباب الأمن في تلك المناطق ( ) . وهكذا تحول الفلاحون إلى مجرد مؤجرين ، وتم هذا في الوقت الذي كانت فيه الروابط العشائرية تأخذ بالانحلال ، وحيث أخـذت الروح التجارية تنتشـر في المجتمع العشائري المتصف بالاكتفاء الذاتي ( ) .

أما الأراضي التي ظلّت أميرية صرفة ، فقد أُجِّرَتْ بالمزايدة ، إلى من يدفع أكثر من غيره ،وبهذه الطريقة انتزعت من أيدي فلاحيها الفعليين وانتقل بها إلى أيدي الأغوات ووجهاء المدن ، فقد رست على سيبيل المثال ، معظم الأراضي التي كانت لعشيرة ( دزئي ) شرق كفري وغربيها على رؤساء عشائر الجاف وبازيان والسادة ( ) . كما نجحت أسرة شيوخ البرزنجة ( ) في الاستحواذ على معظم القرى والبساتين المحيطة بالسليمانية مستفيدة من مكانتها الدينية وصلة رؤسائها بالحكومة وبلغت القرى التي دخلت في حوزتهم حوالي ( 60 ) قرية ببدل زهيد لا يساوي عشر معشار أثمانها الحقيقية ( ) .
أما مناطق انتشار اليزيدية في سنجار والشيخان فقد اكتسب ( المير ) وهو رئيس اليزيدية الديني والدنيوي مكانة كبيرة أصبح بواسطتها يستولي على نسبة معينة من المحصول والماشية من كل فلاح ( ) . كما كان يلزم أتباعه بجمع مبالغ كبيرة لحساب مزار الشيع عَديّ بن مسافر الأموي ( ) ، هذا بالإضافة إلى أن العديد من قرى اليزيديين دخلت في أيدي الملاكين الموصليين ، فقد أصبح أحدهم يملك ما بين ( 50 ـ 3 ) قرية ( ) .

ولقد استولى أغوات تلعفر على معظم الأراضي ( )،كما دخلت بعض قرى زاخو وعقرة والزيبار في أيدي الملاكين بأساليب عديدة يتعلق معظمها بطريقة تسجيل الأراضي ، أو اغراق الفلاحين بالديون ، أو حين يعجز بعض الفلاحين عن دفع الضرائب ، فيلجأ إلى أحد الوجهاء فيطلب حمايته ، بعد أن يفرغ عليه أرضه بدل هذه الحماية ، أو أن يملك الوجيه الثري جزءاً صغيراً من قريـة ثم يعمل علـى وضعها في( الشـيوع ) ويطرد أصحابها
عنها ( ) .

لقـد أصبح الفلاحون من جـراء ذلك بين نارين ، نـار الحكومة ونار الملاكين ، فقد كانت بدلات الالتزام وحصة المستأجرين الجدد تجبى بصعوبة كبيرة بسبب المقاومة التي يبديها الفلاحون، لهذا أصبحت الاغارة على القرى بقوات ( الجندرمة ) لتحصيل الضرائب الحكومية أو حصة المستأجرين بالقوة أمراً مألوفاً ، فقد كانت ثمة قوة رئيس عشيرة الجاف الخاصة من الفرسان والمسماة ( بشت ماله ) ( ) ، مستعدة للإغارة على أية مجموعة من العشيرة تعصي أوامره في دفع الضرائب . زيادة على ذلك ، كان لرئيس العشيرة ضرائبه الخاصة به أمثال ضريبة ( دوخة ) ( ) و ( سبورانه ) ( ) و ( الديوان ) ( ) ، وتزداد هذه الضرائب لتصبح مرهقة للفلاحين في بعض القرى ، إلى جانب ذلك مارست بعـض الاتحادات القبليـة الكرديـة كاتحاد الهماوند دورها في الحصول على الأراضي ، فقد كوفئ زعماء الهماوند بعد مساهمتهم في حرب الدولة العثمانية مع روسيا ( 1877 ـ 1878 ) بتوسيع أراضيهم في منطقة بازيان ( ) .

كما كانت هناك الأراضي السنية ، التي تعود للسلطان عبد الحميد الثاني ( 1876 ـ 1909 ) وكان لها ادارة خاصة ، وقد شملت مساحات واسعة قرب مدينة الموصل والسهول الواقعة بين الزاب الأعلى والزاب الأسفل ، ومناطق ديلين ومالوان وباقره جوفي السليمانية ، وأراضي واسعة في قضاء مخمور ( ) ، وكانت حالة الفلاحين فيها أحسن من حال سائر الفلاحين في العراق ،إذ كان مستأجروها يحصلون على نصف المحصول ، ويضمنون في حالة قلّـة المحصول أن يحصلوا على بعض التعويضات والمساعدات والسلف ، كما كان فلاحو هذه الأراضي معفوين من الخدمة العسكرية … وقد بقيت هذه الأراضي ، من الناحية العملية تحت التصرف الفعلي للزراع ، وكانوا يدفعون حصتي الطابو والحكومة معاً إلى الادارة السنية وبنسبة 20./. من الحاصل لكل من الحصتين ( ) . ومع أن الأراضي السنية كانت أفضل الأراضي في العراق ، وكانت وارداتها السنوية تزيد على مئات الألوف من الليرات العثمانية، إلاّ أنها فقدت هذه الامتيازات بعد ثورة 1908 فامتدت إليها يد الاهمال وأخذت أحوال فلاحيها بالتدهور ( ) .

أما القـرى الموقوفة على التكايا وأصحاب المراقد ، فقد كان ضررها أشد من الملكية نفسها ، إذ يجوز أن تتحول الملكية أو تزول ويطلق الفلاحون من الأسر ، ولكن الأراضي الوقفية ، يبقى أهلها في حالة العبودية مدى الدهر ( ) .

ومما يلفت النظر أن يحتفـظ المسيحيون في القـرى المحيطة بمدينة الموصل بأراضيهم ،وسط هذا كله، فقد تمكنوا من ابعادها عن أيدي الملاكين الموصليين ، وربما يرجع ذلك إلى مجهودات بطاركتهم وأساقفتهم،فضلاً عن استفادتهم من مبدأ حماية الدول الأوربية لهم ، خاصة أولئك الذين يعتنقون المذهب الكاثوليكي ( ) .

نتيجة لتدفـق رؤوس الأموال الأجنبية نحـو الموصل واتجاه التجار الأوربيين إلى أن يجعلوا العراق كله للخامات ، وسوقاً لتصريف بضائعهم ، محاولين ربط اقتصاده باقتصاد السوق العالمية، ازداد الطلب على المنتوجات الزراعية والحيوانية ، وتحت تأثير ضغط الملاكين الجدد اتجه الاقتصاد على العموم من اقتصاد طبيعي يسد الحاجة المحلية إلى اقتصاد التسويق القائم على الربح . وتعد الموصل ، أسرع من باقي مناطق العراق الأخرى ، في تطور العلاقات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة ، فقد كثر الاقبال على زيادة المساحات المزروعة في جنوبي سنجار ، والأقسام الغربية من المنطقة الكردية ، ولعل ذلك يرجع إلى أهمية موقع الموصل وكونها سوقاً للمنتوجات الزراعية والحيوانية ، فهي ملتقى طرق ، كما سبق أن قدّمنا وتضم مدناً تجارية مهمة كالموصل والسليمانية وكركوك ( )، وكذلك لظروفها الزراعية المتميزة ، وكان لعدم شمول ولاية الموصل بالارادتين السنيتين اللتين ( ) منعتا انثقال الأراضي بالطابو في ولايتي بغداد والبصرة ، دور كبير في تحول الفلاحين من مالكين للأرض إلى مستأجرين . ولقد شدد الملاكون ، على الفلاحين من أجل زيادة الانتاج الزراعي ، على الرغم من عدم تقدم وسائل الانتاج التي ظلّت بدائية بسيطة حتى أواخر العهد العثماني ( ) .

لقـد ساعدت التطورات الجديدة تلك على احـداث تغيير في علاقات الانتاج ، وإيجاد روابط جديدة بالسوق الخارجية وأسهمت في ذلك عوامل أخرى داخلية وخارجية ، فبعد افتتاح قناة السويس سنة 1869 برزت ظاهرة نشوء واتساع تجارة التصدير إلى أوربا ، وأصبح لتجار الموصل فعاليات مهمة في مجال التصدير والاستيراد ( ) . وساهمت البنوك في تسهيل عملية التعامل المصرفي ، وكان لهـذه النشاطات أثر كبير في نشوء فئة برجوازية تجارية جديدة عملت على تنظيـم نفسها داخل ما سمي بـ " تجارت اورطه سي" أي غرفة التجارة ( ) ، وكانت هذه الفئة على صلة بالأوساط الاقطاعية المحلية وظهر هذا واضحاً فيما بعد ،حيث أن العوائد الاقتصادية في الموصل حتى أواخر الحرب العالمية الأولى ظلّت مقتصرة على " عوائل قليلة العـدد كثيرة المال " ( )، ومن هؤلاء آل الصابونجي وآل العمري وآل الجادر وآل خياط في الموصل وآل بابان في السليمانية وآل نفطجي في كركوك . وقد أخذت هذه الفئات تحاول أن تثبت وجودها وتعبر عن واقعها بشكل أو بآخر ، وكان كل تغيير في ذلك التعبير يعتمد إلى حد كبير على مدى تطورها ، خاصةً في امكاناتها لايجاد مواقع ثابتة لها في الحياة الاقتصادية ، وإلى شيء من هـذا القبيل يشير لونكريـك فيقول : ان هذه الفئة استطاعت أن تحافظ
على وضعها الممتـاز في مضمار السيادة والنفـوذ حتى في فترة الاحتلال البريطاني ( ) .
وبالرغم من المواقع الاقتصادية التي أحرزتها هذه الفئات البرجوازية ، إلاّ أنها لم تستطع أن تتحول إلى قوة مستقلة في الكيان الاجتماعي ، بحيث تفرض رياح التغيير على مجتمع الولاية ، وربما كان المثقفون وهم أساساً من أبناء العوائل الكبيرة ، أو من البيوت الدينية والتجارية المعروفة آنذاك ، القوة التي تحولت داخل البرجوازية لتبني الفكر القومي ، الذي تولى الشعور به خاصة بعد ثورة 1908 الدستورية . ولقد عملت فئة المثقفين الموصليين على إثارة الوعي القومي العربي بدرجة لا تقل أهمية عمّا جرى في الولايات العربية الأخرى ( ) ، ولم يؤثر توغل العنصر الكردي في داخليته الولاية على ذلك ، كما أشار إلى ذلك بعض الكتاب ( ) ، وإنما حدث العكس من ذلك حين تأثر الأكراد ، كأخوانهم العرب بكافة التطورات السياسية في الدولة العثمانية ، وسارت القوميتان العربية والكردية في خطين متوازيين يستهدفان العمل من أجل التحرر من السيطرة العثمانية ( ) .

طبيعة المجتمع الموصلي :

لعل من أبرز المشاكل التي تعترض الباحـث في التاريخ الاجتماعي لولاية الموصل ، عدم وجود احصائيات دقيقة لسكانها ، وقد حالت دون تحقيق الاحصائيات الدقيقة تلك اعتبارات كثيرة اجتماعية واقتصادية تعد في الواقع أسباباً ونتائج للتكوين الاجتماعي . فلقد تعود معظم السكان ، خاصة أهل الريف ، أن ينظروا إلى أعمال حكومية من هذا القبيل نظرة شك وريبة ويعتقدون انها للتجنيد أو لجباية الضرائب فيتهربون منها أو ينقصون أو يزيدون فيها حسب مفاهيمهم لها . أضف إلى ذلك أن تسجيل النفوس يقتضي له قبل كل شيء أن يتمتع السكان بنوع من الاستقرار في السكن ، إذ أن قسماً كبيراً من السكان في حركة مستمرة من محل لآخر ، وأخيراً فإن انتشار الجهل والأمية بصورة كبيرة في كافة أنحاء الولاية يقف عائقاً دون ادراك الناس لأهمية تسجيل النفوس ( ) .

ومهما يكن من أمر ، فإن عدد سكان الولاية لم يكن ثابتاً طوال العهد العثماني ، وكان طبيعياً أن تترك النكبات الطبيعية التي تعرضت لها الولاية من طواعين وأوبئة ومجاعات آخرها مجاعة 1917 التي أودت بأكثر من عشرة آلاف نسمة ، أثّر على عدد السكان ( ) ، ولكن ثمة اشارات ، تستند إلى استقراء الأوضاع الاقتصادية أو استتباب حد أدنى من الأمن ، تدل على وجود زيادة كبيرة قد طرأت على سكان الولاية .. ومع أن المصادر الرسمية العثمانية لسنة 1907 ( ) قد قدّرت نفوس ولاية الموصل بـ ( 51.200 ) نسمة مع ملاحظة أن العدد يشمل الذكور فقـط ، فإن الدكتور محمد سلمان حسن ( ) يورد أرقاماً تختلف عن الرقم المذكـور استناداً إلى تخمين قام به على أساس المعلومات المتوفرة في تقارير القناصل البريطانيين وللسنوات 1867 ـ 1919 ، وكما يلي :

النمو الكلي لسكان ولاية الموصل ( بالآلاف ) 1867 ـ 1919

السنة 1867 السنة 1890 السنة 1905 السنة 1919
265 401 540 703

تشكل الموصل نقطة احتكـاك وتفاعل دائم بين أقاليم طبيعية أربعة مهمة، فهي من ناحية منطقة انتقال من الصحراء المنبسطة الجافة إلى الجبال الممطرة وما وراءها ، وهي من ناحية أخرى منطقة التقاء بين أقاليم الجزيرة وبين السهل الرسوبي أو سواد العراق …ولا شك في أن لكل من هذه الأقاليم الطبيعية تأثيره الخاص المتميز في تشكيل الحياة السياسية والحضارية والاجتماعية للموصل ، مما منحها بتوالي العصور شخصية محلية واضحة المعالم ظاهرة القسمات ( )،فلقد تميز المجتمع الموصلي في العهد العثماني ، ولا يزال ، بتعدد وتنوع قومياته وأديانه، وعاشت عناصره منذ عصور بعيدة متجاورة مشتركة وفي أجواء غلب عليها طابع التعاون والتسامح والمودة ، بحيث بدا السكان الموصليون وكأنهم ينتمون إلى عنصر واحد . فمن الناحية الاتينية ضمت ولاية الموصل العرب والأكراد والتركمان ، فبالنسبة للعرب ، فإنهم عاشوا في الموصل منذ عصور ما قبل الاسلام وانتشروا في أطرافها أبان حروب التحرير العربية واستمروا يغذونها بالهجرات حتى القرن السابع عشر حتى منحوها صبغتها القومية ، ولعل من أبرز القبائل العربية التي استوطنت الموصل بعد تمصيرها تغلب ونمر وأياد وقريش وبنو الحارث والعزة والحياليين وألبو نجمة ، وقد اتخذت هذه القبائل لنفسها محلات خاصة داخل مدينة الموصل لا تزال حتى يومنا هذا تسمى بأسمهم . فالخزرجيون مثلاً سكنوا في محلة خزرج الواقعة في الجهة الغربية من الموصل واستقرار المشاهدة في محلة تدعى باسمهم حتى الآن وتقع إلى الجنوب الغربي من مدينة الموصل ( ) .

أما الأكراد ، فقـد سكنوا المنطقة الجبلية من ولاية الموصل وتقع إلى الشمال والشـرق من مدينة الموصل وتقـع إلى الشمال والشرق على شكل قوس ، ويتفـاوت ارتفاعهـا بين 8000 و 11000 قـدم وبين هذه الجبال والأراضي السهلة الكائنة في شرق نهر دجلة ، تقع الروابي المتوجه المرتفعة التي يتفـاوت ارتفاعها بين 1000 و 7000 قدم ، وتأخذ سلاسل الجبال في الارتفاع تدريجياً كلمات تقدمنـا نحو الشرق أو الشمال ، وهي تنحدر غرباً حتى تتصل بسهول الموصل وتجري المياه في الوديان ، ويكسو البعض منها أشجار وأدغال ، وتسقط على هذه المنطقة أمطار غزيرة ، وكثير من وديان المنطقة ذوات تربة خصبة تصلح للزراعة ، وتمثل منطقة الجبال حاجزاً استراتيجياً مهمـاً يحمي اقليم الجزيـرة ، وكان لسيطرة الموصل على هذه المنطقة أثر كبير في توفير القوة والأمن للمنطقة كلها ( ) .

تنتشر في ولاية الموصل عشائر عربية وكردية عديدة . فمن العشائر العربية شمر الجربا والجبور والعبيد والجحيش وألبو متيوت وطي وألبو حمد وغيرها ( ). ولا تتوفر احصائيات دقيقة عن تعداد هذه العشائر،ولكن يستفاد مما جاء في قاموس الأعـلام بأن عدد نفـوس العشائر العربيـة التي تسكن الخيام يبلغ نحو ( 93000 ) نسمة ( ) .

تعد عشيرة شمر الجربا من أبرز العشائر العربية في ولاية الموصل ( )، وتنتشر في أماكن متفرقة من الولاية ، فهناك أقسام منها عند نهر الخابور بالقرب من نصيبين ، وأقسام أخرى في شرقي دجلة حول الزاب الكبير . ولعل القسم الذي يوجد في المنطقة المحصورة بين دجلة والفرات حوالي الحضر من أكبر هذه الأقسام ، وكان من عادة شمر أن تنحدر جنوبياً إلى منطقة عقرقوف بالقرب من بغداد ( ) .

كانت رئاسة شمر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر موعة بين أخوين هما على الخابور بالقرب من نصيبين ، وفرحان الذي اتخذ من الحضر على وادي الثرثار مقراً له ( ) .

لا تتوفر احصائيات دقيقة عن شمر الجربا ، فكثيراً ما تخمن اعدادها بـ ( 2000 ) خيمة ، وهناك من يقول بأنها تجاوزت في أواخر العهد العثماني ( 10000 ) خيمة ( ) .

اتخذت عشائر شمر من " الخوة " وسيلة لكي تفرض نفوذها على العشائر الأخرى ، فأصبح في استطاعة شيوخها منح أي جزء من الأراضي التي تنتشر فيها للاستغـلال المؤقت من قبـل عشيرة أخـرى ، كما أخذوا يفرضون الخوة على القوافل التي تمر ضمن الطرق التي تسيطر عليها العشيرة . ولم يسلم العدوان والحديديون والجحيش والجبور من دفع الخاوة لشمر( ) .

كان الجبور وهم فرع من زيد ، يوجدون في مناطق عديدة من العراق وينزل قسم منهم بالقرب من نهر الخابور ورأس العين . أما مناطق انتشارهم في ولاية الموصل فكانت أواسط نهر دجلة بين مدينة الموصل وسامراء( ) . وهناك العُبيِدْ وهم أبناء عمومة الجبـور وينتشرون شرقي دجلة بين تكريت وكفري ، ويتركز معظمهم في منطقة الحويجة في كركوك . أما عشيرة طي فتمتد في الدرجة الأولى بين جبل سنجار ونصيبين ، وتعد هـذه العشيرة من العشائر القوية والكبيرة بعد شمر ( ) .

والشيوخ في العشائر العربية ، هم رؤساؤها وزعماؤها وسلطتهم كانت أعلى سلطة يخضع لها الأفراد . ويتولى الشيخ المشيخة عن آبائه ومهماته في العشيرة تنحصر في تعيين مناطق اقامتها وتجوالها وتحديد طبيعة علاقاتها بالعشائر الأخرى ، وكان هو الذي يعلن الحرب ويطلب الصلح ويقرر التحالف ، كما كان مسؤولاً امام الحكومة عن ضمان الأمن في مناطق عشيرته ، وغالباً ما كان الشيخ يقـود عشيرته ضد الحكومة ، ويرث الشيخ في تولي المشيخة في العشيرة عادةً ابنه الأكبر ، إلاّ إذا كان هذا الابن غير مؤهل بزعامة العشيرة ، إذ تسند المشيخة في هـذه الحالة إلى أبرز الرجال في بيت الرئاسة في العشيرة . وقد ألفت عائلة الشيخ في بعض العشيرة أمثال شمر كثرة عددية بسبب اقتران الشيخ بأكثر من زوجة، رغبة منه في الإكثار من الأبناء ، ونادراً ما يلجأ الشيوخ إلى الزواج من خارج بيت الرئاسة في العشيرة إلاّ في حالات المصاهرة لتوثيق الصلات مع العشائر الأخرى ، أو مع بعض الأطراف لدوافع سياسية ( ) .

ولمعظم العشائر العربية أعراف هي بمثابة القوانين ، تسمى ( السواني ) وتنظم هذه الأعراف شؤون أفرادها وعلاقاتهم مع الآخرين سواء أكانوا من العشيرة نفسها ، أم من خارجها . وأبرز هذه السواني الحماية والعرض وحق الصيد والدخالة والالتجاء والوجه او التسيار ( ) .

ولكل عشيرة قاضٍ يقوم بتطبيق العرف فيها أو يقوم بحسم منازعات أفرادها يطلق عليه ( العارفة ) ، ولقد وجد في شمر الجربا على سبيل المثال نوعين من القضـاة ، النوع الأول وهم الذين يتوارثون القضاء في العشيرة المذكورة أباً عن جد منذ أن كانت شمر في نجد ، وسمي هذا النوع بعوارف المناهي،أما النوع الثاني فهم القضاة الذين يختارون المتنازلون لثقتهم بقدرتهم على حسم النزاع لما يعهدون فيهم من فطنة وذكاء ويسمى هذا النوع بعوارف المشاهي ( ) .

وفي حالات الغزو والحرب ، كانت العشائر تراعي بعض القواعد عدم مفاجئة إحدى العشيرتين المتحاربتين للأخرى بالحرب قبل أن تخطرها بانذار يعرف بـ ( النكا ) ، وتخصص شمر في حالة الغزو قسماً من المحاربين للبدو بالهجوم وقسماً آخر للقيام بدور الكمين لرصد أية مفاجئة ، ويخصص مكان الوسط بين صفوف المقاتلين للشيوخ من آل محمد ويرتب عن يمينهم وشمالهم عـدد من المقاتلين يدعون بـ ( السـرية ) ، ويطلق على القائد في المعركة اسـم " عجيـد " ، ولبعـض العشائـر رايات خاصـة هي بمثابة الأعلام ( ) .

أما حالة معظم العشائر العربية الثقافية فقد كانت متدنية ، وكان أفراد هذه العشائر يفتقرون إلى التعليم سواء بسبب إقامتهم البعيدة عن المدن ، أو بسبب ضعف اهتمام الحكومة العثمانية بتعليمهم لكن هذا لم يمنع بعض أبناء الشيوخ من التحصيل الدراسي وخاصةً في مدرسة العشائر التي أنشأتها الحكومة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني ( 1876 ـ 1909 ) في استانبول لاستمالة الشيوخ وتوجيه ولاء ابنائهم للحكومة ( ) .

تنقسم العشائر الكردية في ولاية الموصل بوجه عـام إلى عشائر رحلا وأخرى شبه مستقرة ، فسهول أربيل والسليمانية كانـت مأهولة في غالبيتها بقبائل كردية شبه مستقرة في حين كانت المناطق الجبلية توطن من قبل العشائر الرحالة.وقد مال قسم من العشائر إلى حالة الاستقرار وسكن القرى ، ومن هؤلاء جماعات في عشائر هورمان وبلباس وبايلان وسنجابي وهركي، وتنقسم العشائر الكرديـة ، شأنها شـأن العشائـر العربية إلى عـدة فروع
وأفخاذ ( ) . وأهم العشائر الكردية وأكبرها هـي عشائر الجاف في منطقة السليمانية وتقطن في ناحية شيروان في حلبجـة وكفـري . وهناك عشائر الهماوند الذين يعـدون في الأصل من الجاف ، وقد سكن قسم منهم جمجمال وبازيان . وفي أواخر القرن التاسع عشر أخذت عشائر الجاف بالتحول نحو الاستقرار وممارسة الزراعة في سهل شهر زور ( ) .

وقد عرفت المنطقة الكردية شأنها شأن المنطقة الجنوبية من العراق ، الأحلاف والاتحادات القبلية ،ولعل من أبرز هذه الأحلاف ، حلف زنكنه الذي استوطن بالقرب من جبال قره تبه . وهناك عشائر كردية استقرت في مناطق مختلفة من ولاية الموصل . فمن عشائر زاخو الكلي والسندي والسليفاني . ومن عشائر دهـوك المزوري والدوسكـي والشرفان . ومـن عشائر عقرة السورجية ،ومن عشائر العمادية ريكان ونيروه برواري بالا . وهناك عشائر الزيبار دزه ئي التي كانت تتجول باتجاه أربيل والموصل . وكثيراً ما وقفت العشائر الكردية جنباً إلى جنب مع العشائر العربية في وجه الغزاة والطامعين في مراحل عديدة من التاريخ الحديث فامتزجت دماء الجميع في ساحات الوغى دفاعاً عن الأرض ( ) .

أما بالنسبة للوضع الاجتماعي للعشائر الكردية ، فيمكن القول أن العشيرة تتكون من طبقتين ، الأولى المقاتلون وهم العشائريون الذين يميزون أنفسهم بأنهم من الأكراد الأقحاح ، لذلك أتخذوا هذه النظرية وسيلة لتبرير سيطرهم وميلهم نحو التميز عن الطبقة الثانية التي ليست من أصل عشائري وتسمى بـ ( الكرمانج ) في منطقتي الموصل وأربيل و ( مسكين ) في منطقة كركوك والسليمانية .

وفي أجزاء من السليمانية يسمون بـ ( كوران ) أي فلاح وحالتهم كانت كحالة عبيد الأرض يملكهم مالك القرية ويفرض عليهم الخضوع التام ، ويتحمل ( الكرمانج ) الأعباء الاقتصادية فيحين لا يمارس العشائريون أي شيء من ألوان الحياة المادية الأخرى ومنها الزراعة . وعلى الرغم من امتيازات العشائري المادية ، إلاّ أن حياته أتسمت بالبساطة في المعيشة ، حيث أن بيته لم يكن يختلف عن بيت الفرد الكوراني المكونة من أكواخ من الأغصان أو بيوت من الطين أو خيم من الشعر ( ) .

تتفرغ الرئاسة أو السلطة في القبيلة الكردية وتتوزع بين رئيس القبيلة والأغا والكوخة . وينبغي أن يتمتع رئيس القبيلة بالكرم والشجاعة ويعاونه في ادارة شؤون القبيلة مجلس استشاري من وجهاء القبيلة ولرئيس القبيلة ضريبته على الأرض والمواشي وغالباً ما يكون له نفوذ ديني ومعنوي على أفراد عشيرته . أما الأغا فهو رئيس القرية ، وهو أحد أفراد الأسرة الحاكمة في القبيلة ، ويعد الأغا الحاكم المطلق في قريته ، إذ يقوم بشؤون الادارة والقضاء " ومع أن أغوات أو مالكي الأراضي يحكمون جميع المساحات الزراعية لأن هناك علاقات قرابة بينهم ، غير اننا لا نجد أية قرابة بينهم وبين فلاحيهم ، هذا على الرغم من أن الفلاحين مكلفين بواجب الدفاع عن الأرض " . ويشبّه بعض الكتّاب الأغا بالبارون .. فهو لا يعمل أي عمل يدوي ويعيش على ما يجمعه من القبيلة ، فالفلاح يدفع عشر محصولاته الزراعية ، كما يدفع ضريبة الماشية ( الكودة ) وكانت الحكومة تقبل من الأغا مبلغاً إجمالياً بعيداً عن قيمة العشر والكودة الحقيقتين . ويتخذ الأغا في القرية محلاً لسكناه يخصص ركن منه كمضيف ( ديوانخانة ) ومن الطبيعي أن يساهم ساكنوا القرية بتغطية نفقات الضيافة . أما الكوخة ، او المختار فهو الذي يعهد إليه رئيس القبيلة أو الأغا رئاسة القرى ، حيث أن من الصعب على رئيس القبيلة أو الأغا ممارسة سلطته على قرية ما مباشرة فيعين الكوخة ليكون واسطة بين الأغا والفلاحين ووظيفته الأساسية أخذ نصيب من المحصول الزراعي والحيواني لسيده ( ) .

أما بالنسبة لسكان الريف ، فلقد كانت تشكيلاتهم الاجتماعية تختلف تبعاً لأنظمة الري والزراعة . ففي ولاية الموصل كانت الوحدة الاجتماعية هي القرية التي تعيش على الاكتفاء الذاتي ، بينما في الأجزاء الآخرى من العراق كانت العشيرة ( ) . ولقد أشرنا فيما سبق إلى انتقال ملكية الأراضي بمرور الزمن ولعوامل كثيرة من أيدي الفلاحين إلى أيـدي الملاكين ، ومع هذا فقد بقيت الملكية الصغيرة سائدة في المنطقة الجبلية في ولاية الموصل ( ) .

ولقد أشار عدد من القناصل الأجانب في الموصل إلى حالة سكان الريف خلال العهد العثماني . فوصفوهم بأنهم كانوا " تعساء قد طحنتهم الضرائب ، كما أن غزوات جيرانهم البدو كانت تداهمهم بدون انقطاع " ( ) .

شكّل سكان المدن في مطلع القرن العشرين ، حوالي 25./. من سكان ولاية الموصل ( أي ما يعادل 540 ألف نسمة ) ومدن ولاية الموصل الكبيرة هي الموصل والسليمانية وكركوك وأربيل ومعظم هذه المدن أقيمت لأغراض تجارية . وفي هذه المدن كان التسلسل الاجتماعي مؤلفاً من الحكام والرعية . فهناك الوالي وأركانه من الاداريين والعسكريين . أما الرعية فكانوا منقسمين بين الوجهاء أو أعيان المدينة من التجار ومالكي الأراضي من جهة وبين الجماهير من الحرفيين وبقية العامة ( ) . وقد أشرنا فيما سبق إلى أن مدن ولاية الموصل شهدت بروز أسر ذات أهمية اقتصادية أو دينية أو علمية . وتعد الأسرة الخلية الرئيسة في مجتمع المدينة . والأسرة الموصلية ، أسرة واسعة ، فحين يكون الجد باقياً على الحياة يسكن مع أولاده المتزوجين ويكوّنون بنيات أسرة واحدة ويعيشون في بيت واحد وماليتهم واحدة ، وإذا كان الجد قد شاخ أو توفي فيحل محله ابنه الأكبر غالباً لادارة شؤون الأسرة ( ) .

وتتألف المدن الموصلية من محلات تتميز بضيق أزقتها وشوارعها ، وغالبية مدن الولاية كانت غير مبلطة ومغبرة وموحلة شتاءاً على الرغم من وجود البلديات التي تأسست في أواخر القرن التاسع عشر ، وأخذت على عاتقها فتح الشوارع أو توسيعها وإنشاء الأرصفة والمجاري والاهتمام بنظافة وتنظيم المحلات والأسواق ( ) . ويبدو أن دوائر البلدية ظلّت حتى أواخر العهد العثماني تدار بشكل تقليدي ، وتعاني من نقص في الملاكات والخبرات الادارية والفنية ، هذا فضلاً عن معاناتها من قلّة التخصيصات المالية ( ) .

ولقد تميزت المدن الموصلية بوجود الأسوار التي تحيط بها ، وتنتشر في جميع مدن الولاية ، وكذلك الأسواق والخانات والحمامات الشعبية . أما مياه الشرب فكانت تنقل إلى البيوت في قُرَبْ من جلود الماعز ، وعلى ظهور الحيوانات ، ولم تعرف مدن الموصل مشاريع إسالة الماء إلاّ في مطلع القرن العشرين ، حين استخدمت أنابيب من الحديد لإيصال الماء إلى الدور السكنية ( ) .

وكان أبناء المدن يقضون معظم أوقات فراغهم في المجالس الأدبية التي تعقد في بيوت عدد من الأسر العلمية التي برزت في الموصل خلال العهد العثماني كأسرة الفخري وأسرة الغلامي ( ) ، واحتلت المقاهي ، مكانة مهمة في حياة المدينة الموصلية ، إذ كانت بمثابة النوادي التي يلتقي فيها معظم المواطنين ، وتلقى في بعض هذه المقاهي القصص الشعبية التي تؤكد على البطولة والفخار حيث يجلس في محل مرتفع ويقص على الناس أخبار أبطال العرب أمثال عنترة العبسي وأبو زيد الهلالي ، وكانت تلك المقاهي كذلك أماكن لتجمع أصحاب الحرف والالتقاء بذوي الحاجة من الناس ، وغالباً ما تكون داخل الأسواق . وبعد 1904دخل جهاز الحاكي ( الفوتغراف ) فسارع أصحاب المقاهي لاقتنائه ، وانتشرت عادة سماع الأغاني أو الأناشيد الدينية داخل المقاهي .. وأثار دخول هذا الجهاز الجدل ، وفيما كان استعماله حلالاً أم حراماً ، لذلك تدخل بعض علماء الدين وأفتوا بجواز استعماله إذا اقتصر على سماع الأناشيد الدينية . أما فيما يتعلق بدخول الشاي إلى المقاهي ، فيبدو أنه حدث حوالي 1895 ، وفي مطلع القرن العشرين تحولت بعض المقاهي إلى نوع ساذج من الملاهي واستقدمت بعض الراقصات من حلب ومصر ( ) .

وعرفت الموصل المسرح منذ 1880 ، إذ عني المبشرون به ، وكان هدفهم نشـر التعاليم الدينيـة والأخلاقية بين رعاياهـم ، ولعل مـن أوائل المسرحيات التي مثّلت في الموصل مسرحية نبوخذ نصر التي ألفها الخوري هرمز فرسو الكلداني ، وقدمت على مسرح المدرسة الأكليرية سنة 1888 . أما السينما الصامتة فقد دخلت الموصل سنة 1909 ( ) .

ومهما يكن من أمر ، فإن لحركـة التحديث التي شهدتها الموصل منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر أثـر كبير في اقتراب الموصليين من الحياة المدنية وابتعادهم عن الحياة القديمة التقليدية التي كانت أشبه بحياة البداوة. ولقد لعبت المدارس الحديثة والمطابع والصحافة والتنظيمات الحزبية التي تشكلت بعد انقلاب 1908 أثر كبير في ذلك .. ولقد أدى الاهتمام بحركة التحديث إلى ظهور فئة من المثقفين الموصليين من أبناء المدن قدّر لهم أن يقوموا بدور مهم في حياة الموصل العامة ، خاصةً بعد الحرب العالمية الأولى وفي السنوات التالية لها ( ) .

الأنشطة الاجتماعية في الولاية :

أ ـ النشاطات الاقتصادية والدينية :

مارس الموصليـون أنشطة اجتماعية عديدة ، من خلال مؤسساتهم الاقتصادية والدينية ، كما برزت أنشطتهم في تقاليدهم وملابسهم واحتفالاتهم الدينية والرسمية والشعبية . فبالنسبة للمؤسسات الاقتصادية ظلّت الأصناف تمارس دورها الاقتصادي طيلة العهد العثماني ، ويرأس الصنف شيخ يسمى شيخ الصنف ، وكانت هناك أسواق لسائر أصناف التجار والحرفيين مثل سوق الملاحين وسوق السراجين وسوق العلوة وسوق الصفارين . وقد شهد العهد العثماني محاولات عديدة لغرض الرقابة على الأصناف والحرف ، ففي الموصل خضعت إلى اشراف موحد وجعلت تحت مشيخة واحدة وفرضت عليها الضرائب بالضمان ، فلكل حرفة ضامن ملتزم أمام حكومة الولاية بتحصيل الضرائب ، وكان على شيخ الأصناف أن ينظم حساباته في دفتر خاص يبين ما ينفقه وسبب انفاقه ، وأنه كان عليه أن يقدم دفتره هذا إلى الضامن ليشرف بنفسه عليه ( ) .

أما أبرز المؤسسات الدينية في ولاية الموصل ، فكانت نقابات الأشراف والطرق الصوفية ، والأشراف هم الذين يعودون بنسبهم إلى الرسول محمد  ومعظمهم من الأسر العربية العريقة التي اشتهرت بالعلم والسيادة والزعامة طيلة العصور الاسلامية ، ومـن هؤلاء آل النقيب في الموصل . وقد انحصرت نقابة الأشراف في الموصل في أسـرة واحدة تنتمي نسباً إلى السادة من أحفاد عبيد الله الأعرج الحسيني العلوي . واشتهر منهم بالنقابة
في العهد العثماني عدد من الأشخاص عرفوا بالفخريون نسبةً إلى
أحـد أجدادهم فخر الدين ( ت 1719 م ) ومنهـم السيد حسن أفندي المفتي
( ت 1778 م ) ( ) .

وكان الأشراف يقومون بدور الوسيط بين الحكام والسكان المحليين من عامة الناس ، وكانوا في أهم الأمور موالين للسلطان مخلصين له، مع كونهم في الوقت نفسه الزعماء في مدينتهم . وقد حاولوا في بعض الأحيان الحد من جماح السلطة العثمانية ، وكانت وسائل القيام بهذا العمل متاحة لهم. لأنهم كانوا يستطيعون تعبئة الرأي العام وتجنيده عن طريق استخدامهم الوعاظ ومشايخ المحلات وزعماء الحرف،بالإضافة إلى ما كان لهم من تأثير ونفوذ عن طريق صلاتهم بأصحاب الوظائف الدينية وفي مقدمتهم العلماء في استانبول ( ) .

وفي مدينة السليمانية ، أشتهرت اسم السادة في برزنجة ، وهي قرية كبيرة تبعد أربعة عشر ميلاً شرقي مدينة السليمانية ، وقد احتلت هذه الأسرة مكانة متميزة لدى الأكراد . وتشير شجرة الأسرة إلى اتصالها من الجيل السابع بالإمام موسى الكاظم ، وثمة فروع للأسرة عرفت بأسماء القرى التي أسسها السادة أو أحفادهم مثل سه ركه لو ، دول له مو ، نودي . ولقد حصل أفراد الأسرة على بعض الفرامين من السلاطين العثمانيين تتضمن وقف بعض الضرائب لتسديد نفقات مساجدهم وتكاياهم ( ) .

وشهدت الموصل ، نشاطات عديدة لبعض الطرق الصوفية خلال العهد العثماني ، وكان لهذه الطرق أثر بيّن في المجتمع الموصلي وذلك بما كانت تؤديه من دور اجتماعي وما تتيحه من حفلات الذكر والمواليد ، وخاصةً في المناسبات المختلفة . ومن الطرق التي وجدت حظّها من الانتشار في الموصل الطريقة المولوية والطريقة القادرية والطريقة النقشبندية ، وكان لهذه الطرق تكايا عديدة انتشرت في مختلف أنحاء الولاية . وقد شجّع انتشار هذه الطرق حالة التدهور السياسي والاجتماعي التي أعقبت سقوط الدولة العربية الاسلامية ، وتربط المولوية طريقة الذكر بنغمات الناي ، ومن تكايا المولوية في الموصل التكية التي كانت تتخذ من مسجد شمـس الدين بن عـدي بن صخر الأموي الملقب بتاج العارفين مركزاً لها . وترتبط بهـذه التكية فرقة موسيقية أنشأها عثمان الموصلي سنة 1910 ( ) .

أما الطريقة القادرية فقد انتشرت في ولايسة الموصل وخاصةً في المنطقة الكردية ، ومن أبرز تكاياها تكية زيوه كان ( أواخر القرن السادس عشر ) وتكية بريفكان ( القرن السابع عشر ) ويطلق على مريدي الطريقة القادرية في المناطق الكردية اسم الدراويش ( ) . ويصف الدكتور سليياف الرحالة الروسي المعروف ، وقد التقى ببعض الدراويش سنة 1914 اتباع الطريقة بأنهم كانوا " يرتلون لا إله إلاّ الله وهم يتحركون ويميلون ببطء في بادئ الأمر ، ثم يسرعون في النغم على أصوات الدفوف الكبيرة إلى أن يصلوا إلى حالة غير اعتيادية من الغيبوبة والوجد … وكانوا يدورون بأجسادهم بسرعة حتى يتبعثر شعر رأسهم الكثيف " ( ) .

ولقد ترددت في ولاية الموصل أصداء طريقة صوفية جديدة كانت قد تأسست في القرن الرابع عشر ، هي الطريقة النقشبندية . ويعد الشيخ خالد النقشبندي ( 1776ـ 1817 ) أول من أدخلها إلى ولاية الموصل ويطلق على مريدوها اسم ( الصوفية ) ومعظم اتباعها كانوا في المنطقة الكردية ومن غير المتعلمين ، لذلك فهم يميلون بصورة خاصة إلى مظاهر خاصة في ممارسة طريقتهم . ومن أشهر تكاياهم تكية بامرني من أعمال العمادية في شمالي الموصل وتكية بارزان التي أنشأها الشيخ عبد الله البارزاني خليفة الشيخ طه النهري ( ت 1825 م ) ( ) ، ويقول فلاديمير مينورسكسي ( ) أن شيوخ شهر زور وشمدينان كانوا ينتمون إلى الطريقة النقشبندية ، وانهم يتمسكون بالتعاليم الدينية ويؤمنون بقدرة أجدادهم الروحية وهم يتمتعون باحترام كبير بين الأكراد .

ب ـ الأزياء والملابس :

تميزت أزياء الناس في ولاية الموصل بالتنوع الشديد في أشكالها وألوانها وأثمانها ذاك كانعكاس طبيعي للتنوع القومي وحرية الناس في ارتداء الملابس التي تنسجم مع أوضاعهم الاقتصادية . ففي مدينة الموصل نجد أن الموصليين حافظوا على زيهم الخاص المتمثل بالكوفية والعقال .. أما علماء الدين فكانوا يرتدون ( الزبون ) تحت الجبة في الشتاء أو (الصاية) في الصيف .وكان التجار وأرباب الحرف يرتدون الزبون وفوقه ( الدميري ) والعبـاءة ولم يتركوا رؤوسهم حاسرة ، وإنما يضعون على رأسهم
( العمامة ) ( ) . وبعد الانفتاح على منجزات الحضارة الأوربية ارتدى الموظفون والمثقفون خاصة الزي الأوربي المتمثل بالبنطلون والسترة . كما اعتمدت هذه الفئة الطرابيش،وقد أطلق الأهالي على هذه الفئة اسم " الأفندية " وواجهت مسألة ارتداء الملابس الغربية العنت من العامة إذ لم يستسيغوها في بادئ الأمـر ( ) .

أما لباس البدو والفلاحين ، فكان يتألف عادةً من ثوب فضفاض طويل وتغطي الرؤوس بالكوفية يمسكها العقال وتوضع العباءة فوق الأكتاف ( ) .

وتختلف ألبسة الأكراد اختلافاً بيّناً عن ألبسة أشقائهم العرب ، إذ أن ملابسهم بشكل عام أكثر شداً إلى الجسم ، قياساً إلى سعة وفضفضة ملابس السكان العرب ويعود ذلك إلى وعورة المنطقة الجبلية وبرودة مناخها ، ويلعب السروال ( الشروال ) المصنوع من مواد ومنسوجات محلية في أغلب الأحيان دوراً رئيساً في اللباس الكردي ( الشل وشبك ) ، ثم يليه القميص القصير والسترة التي تسمى ( كرتك وشروال ) والحزام الملفوف على وسطه عدة مرات ، ولباس الرأس المتمثل بالعمامة الكردية الخاصة. ويظهر بين الأكراد استعمال الأحذية المحاكة من الصوف ولا يمكن لكل رجل وامرأة كردية الاستغناء عن ارتداء سترة قصيرة تسمى ( الجاروكة ) ( ) .

ويشتمل لبـاس النساء البدويات على قمصان عريضة واسعة الأكمام وطويلة تصل إلى أخمص القدمين ، وتلبس النساء فوقها العبادة ويغطي الرأس بمنديل من القطن أو الحرير من ألوان مختلفة . والبدويات يلبسن كذلك الأساور والخلاخيل الثقيلة وحلقات يعلقنها بأنوفهن ( ) .

وللنساء الساكنات في القرى المسيحية المحيطة بالموصل ملابس خاصة تتكون من غطاء للرأس يتكون من برنس مربع محشو في قمته وسادة مستديرة سمكها انجان تحتها صفيحة مذهبة توضع على الرأس والرقبة مع عدة أوشحة تشكل نوعاً من العمامة.. وهي عند النساء الشابات مرصعة بالجواهر وسائر الأحجار الكريمة ، ولهن عصائب ذات زوايا ذهبية وقلائد مصنوعة ببراعة ، وأقراط وخلاخل وأساور ، غير أن كل هذه الزينة محفوظة للبيت لأن المرأة لا تخرج منه بدون الملاءة الزرقاء المتعددة الألوان والخمار( ).

أما لباس المرأة الكردية فيشتمل عادة على السراويل العريضة ، وعلى ثوب فضفاض يحزم بحزام ذي عروتين كبيرتين من الفضة ويلبس فوق ذلك ( المشلح ) من نوعية الصدرية الذي يزرر عند الرقبة . ولكنه يترك غير مزرر من الرقبة ، ويخاط عادةً من الحرير المخطط أو المشجر أو من النسيج الملون وذلك يختلف باختلاف الموسم أو شراء صاحبة اللباس . وكما هو الحال بالنسبة لبقية النساء في العراق ، فإن المرأة الكردية ترتدي أزاراً أزرق محققاً ، ونقاباً أسود من شعر الخيل ( البوشية ) أما القرويات منهن فلا يستعملن الحجاب . وتميل المرأة الكردية إلى تزيين نفسها ومن ذلك صبغ الشفاه بقشور الجوز الطري ، واستعمال الخلاخيل في الأذرع والسيقان والأقراط في الأنف والأذان وسلاسل الذهب في الرأس والصدر ( ) .

كما ارتدأت المرأة الموصلية أزار طويل تعقده بيـدها من وسطها ولونه أسود ، وتلبس الجزمة ذات الحلق الطويل ، وتضع على رأسها طربوشاً مزركشاً بقطع ذهبية مصاغة على نحو خاص ، وتتبرقع بما كان يسمى بـ " الخيلية " نسبة إلى " خيلة " أي أن البرقع يريها أشباحاً وأشخاصاً على وجه الظن لا على وجه اليقين والخيلية عبارة عن نسيج من خيوط سود مخرمة تطرز أطرافها بما يجعلها غير مرنة،ثم استبدلت بعد ذلك بالبوشية ( البيجة ) التي هي عبارة عن قطعة من القماش الأسود الشفاف ( ) .

ج ـ الأعياد والمناسبات الاجتماعية :

كانت الأعياد والمناسبات الاجتماعية من المناشط التي عكست وحدة المجتمع الموصلي ، حيث تشترك العناصر كافة في الاحتفالات بأعياد كل طائفة ، وبصرف النظر عن الاحتفالات في المناسبات الرسمية التي تقام لمناسبة جلوس ( تتويج ) سلطان أو ولادة أمير عثماني أو تجديد فرمان الوالي ، فإن ولاية الموصل شهدت احتفالات ذات طابع شعبي ، يطغى عليه أحياناً الطابع الديني،حيث يشارك الشعب فيها مشاركة فعلية ومن ذلك ما يحدث عند التثبت من رؤية شهر رمضان وهلال العيدين ( ) .

وتعد احتفالات الزواج وولادة الطفل وبالأخص الذكر والختان في المناسبات الشعبية التي يحتفل بها الناس . وكانت هذه المناسبات من الفرص التي تتيح للمرأة رؤية الرجل من وراء حجاب الخيلية فهي حرة في النظر إليه ، إلاّ أنه لا يستطيع رؤية وجهها إلاّ إذا سنحت له فرصة عارضة كأن ترفع الخيلية عن وجهها في طريق ما فيرها غرضاً فيقع في حبها . والزواج متنفس المرأة والرجل دون اختيار في كثير من الأحيان ، وهي تنظر الزوج ويكفي رضى الأب لبنته في الزواج ، وكل ما يطلب من الزوج " ستر الحال ما دام يستطيع تقديم عيشة الكفاف وليس لها بعد تزويج الأب حق النقض ، فإذا كان يوم الزفاف زُيّنت العروس بنوع خاص من مبيضات الوجوه يسمى " سبيداج " ومشطت الماشطة جذائلها وصففتها وتغني النساء فرحاً :

يا ماشطــا مشطيهــا
بالعكــل لا تألميــها
مشط الذهب لا يكك عليها
ومعلمـي على الدلالـي

ومعناه يا ممشطة الشعر مشطي شعرها بتأنٍ وعقل ولا تؤلمي شعرها ، فإن مشـط الذهب يليـق بها وبشعرها ، فإنهـا تعلمت على عيـش الترف والدلال ( ) .

ويوضع على شفتي العروس قطن فيه صبغ أحمر كما تصبغ الخدود بالأحمر نفسه ، وينتظر الرجال عند الباب ويصيحون بأن الوقت قد حان ، وتخرج العروس لتركب حصناً مزيناً إلى دار زوجها … وأمامها الرجال ومن خلفها النساء يهزجون ويزغردن حتى تصل إلى الدار ، بينما يكون الجهاز قد أرسل من قبل تحمله أحصنة مزينة بالسرج والأشرطة . وفي بيت الزوج تغني النسوة الأغاني ، وربما دبكت النسوة وهنّ يغنين الأغاني الشعبية منها :

ليـا على ليـا ليـا على ليـا
وتميل جنهـا شطب ريحـان على الميـا

ومعناها أن هذه البنت الجميلة إذا تمشِ تتلوى ليا بعد لي وتميل كأنها شطب ريحان على الماء . أما أهازيج الرجال بهذه المناسبة فكانت تنشد هذه الأهزوجة الركبانية :

يا جمـال الحكك بان النـا

ثم تردد هذه اللازمة بصورة جماعية بينما ينفرد أحدهم بالقاء الأهزوجة :

لو هللتي يام ثوب ادعم
والهلهولا ال ويلاد العـم
اش حـدو الغرب اليكحم
رايـح دمـوا مطلوب النا

فيردد الرجال : يا جمـال الحكك بان النـا أي الحق ظهر لنا واضحاً جلياً .

ويستطيع المنفرد بالهـزج أن يلقي ما شاء على غرارها بين اطلاق البارود وزغاريد النساء ، ويشهر كل سلاحه من خنجر أو قامة أو سيف ، فهي فرصة لا تعوض للفت أنظار النساء .. ويتضح من هذا أن الجمال كانت محط المباهاة ، وموضع الاعتزلز فهي واسطة النقل ، والتفاخر بها تفاخر بأعز ما يملك الانسان آنئذٍ،ويلاحظ أن بنت العم حق لابن العم لا ينازع فيه ، أما الغريب الذي يحاول اقتحام هذا الحق ، فإن دمه مهدور على عادة التعصب القبلي ( ) .

وتأخذ المناسبات التي تُقام بها الأفراح في المجتمع الكردي أشكالاً وصوراً مختلفة منها خاصةً حفلات الزواج . ومن العادات المألوفة في المنطقة الكردية أنهم يفضلون الزواج المبكر ، وغالباً ما تنشد الأم لابنها فتاة من أسرة تكافئ أسرتها من حيث الجاه والثروة، وإذا ما وجدت الأسرة لابنها بعد البحث الطويل ، يذهب عميد أسرة الفتى إلى أسرة الفتاة ويطلب يدها . وينفق الأكراد عادةً نفقات كبيرة على حفلات الزواج والزفاف ، إذ أن يوم الزفاف يعد احتفالاً لجميع أهالي القرية أو المحلة ، حيث تقام الولائم وتعزف الموسيقى والمزمار ، وفي يوم الزفاف يذهب أخ العريس إلى أسرة العروسة ويشد الرباط الذهبي أو الفضي على خاصرة العروس ، وتزف العروس في أكثر مدن وقرى المنطقة الكردية على فرس يقوده أحد الشباب من أقرباء العريس وتستمر الاحتفالات ثلاثة أيام وأكثر حسب مقدرة العريس المالية . وكما أن للعريس موكباً من الرجال فإن للعروس كذلك موكب من النساء يزغردن ويغنين ويرقصن ، وفي ليلة الدخلة يزف العريس وسط معارفه واصدقاءه مع جوقات موسيقية وتطلق العيارات النارية بعد دخول العريس على عروسه ( ) .
ونظراً لما تتميز به الموصل في فصل الربيع من تلون الزهور وتعدد النباتات ، وما يتخلل ذلك من غدران ومياه تنساب بها وطيور تغرد في حقولها ، فقد اعتاد الموصليون الخروج إلى ظاهر المدن والاحتفال بالربيع . وتنظيم حفلات الرقص ( الدبكات ) . ويمارس الناس ألعاباً مختلفة ويقيم أرباب الحرف تجمعات تسمى ( حريفانات ) مفردها ( حريفانة ) نسبةَ إلى الحرفة ، ولكل حرفة يوم خاص تحتفل به . ويشارك المسلمون أخوانهم المسيحيين جميع أعيادهم ، وينتشرون حول الأديرة التي تزخر بها الموصل ويقضون وقتهم في الألعاب وركوب الخيل وغير ذلك . ويذكر العمري أن من عادات المسلمين في الموصل أن يقدموا الهدايا إلى أخوانهم المسيحيين في الأعياد الربيعية ، التي ترتبط بصوم الخمسين .. ومن تلك الأعياد عيد أحد مار كوركيس وهو في رابع أحد صوم الخمسين ، وعيد مار ميخائيل وهو في خامس أحد لصوم الخمسين ، وهذه عادة قد لا نجدها في أغلب المدن الاسلامية في ذاك العصر ( ) .

ويقصـد الموصليون حمام العليل ، وتقع جنوبي مدينة الموصـل بنحو ( 24 ) كيلوا متراً في الربيع والصيف،يتمتعون بمناظرها الجميلة ويستحمون بمياهها المعدنية الحارة ، ويقيم بعضهم عرائش تسمى ( عرازيل ) على ساحل دجلة ، وفي الأماسي تكون الحلقات على شاطئ النهر وتتردد فيها الأغاني وآلات الطَرق ويمارس المصطافين مختلف ألعاب التسلية والسمر حتى كان الناس في عيد لا ينقطع فإذا ما حلَّ فصل الخريف أسرعوا بالعودة إلى الموصل وينتهي بذلك موسم الاصطياف ( ) .

ويخرج الأكراد في احتفالات الربيع السنوية ، ولهم في ذلك تقاليد خاصة ، إذ ينظمون ( الدبكات ) الشعبية . ويعد المجتمع الكردي من أقدم البيئات التي عرفت الدبكات من مختلف أنواعها ، منها دبكات يشترك فيها الرجال وحدهم ودبكات تقوم بها النساء وحدهنّ ، وفي مناسبات خاصة هناك دبكات مختلفة يشترك فيها الرجال والنساء معاً . والدبكات ليست من نوع واحد ، وإنما هناك دبكات مختلفة الأنواع والأشكال ( ) .

وضع المرأة :

بالرغـم من أن المرأة تعد الوحدة الأساسية في العائلة ، إلاّ أنها في الموصل عانت كثيراً من العنت خلال الفترة التي أعقبت سقوط الدولة العربية الاسلامية بيد المغول سنة 1258 ، فقد عاشت آنذاك وهي منعزلة لا يسمح لها بالخروج من الدار إلاّ نادراً ، وإذا ما أرادت الخروج ،كانت تسدل عليها العباءة السوداء وتتبرقع ببرقع أسود لا يرى منه شيء ، وعليها أن تمر في الدروب الضيقة والأزقة المتعرجة . وقد يبلغ التعصب بالرجل ، أن يمنع زوجته الخروج من البيت لأي سبب كان .. وكان أحدهم يتحدث مفاخراً بأن زوجته لم ترَ عتبة الباب . ويخجل الكثير من الرجال من ذكر اسم الأم أو الزوجة والأخت أمام الغرباء ( ). وقد وصف مجتمع الموصل أبان العهد العثماني بأن " مجتمع منعزل ، وهو أشد صرامةً وتحفظاً على النساء ، فهي في دائرة الأسوار ، لا تخرج إلاّ إذا ذهبت إلى الحمام أو إذا أخذت الملابس إلى الشط لتغسلها مبرقعة " ( )، إلاّ أن بعض الرحالة أشاروا إلى " اختلاف حياة نساء الأسر الثرية ، في مدينة الموصل ، عن حياة غيرهن من عامة نساء الشعب فهنّ أقل تحجباً من نساء بغداد ، ويشبهن نساء البلدان الأوربية في حياتهن" ( ).ويرتبط بهذا قيام بعض أولئك النساء طيلة العهد العثماني ، ببناء المساجد أو المدارس الدينية على نفقتهن الخاصة . وقد تثبت اسمائهن على ألواح تذكارية في هذه المباني دون أي حرج ( ) ، كما أن المرأة الريفية العربية والكردية ، كانت تشارك الرجل في تهبيش القمح واستخلاص الزبد من الحليب والعمل في طواحين الحبوب .. ولم يمنع المرأة الموصلية من مساعدة الرجل في سعيه الدائب نحو توفير أسباب المعيشة لأسرتهما ، أي شيء ، فكان الغزل مثلاً من أهم مهام ربة البيت ، واعتبر المجتمع الموصلي عدم معرفة المرأة بالغزل عيباًُ لا يغتفر ( ) ، وتخرج المرأة الريفية الكردية إلى الحقل مع زوجها أو أخيها لتشاركه في فلاحة الأرض ورعي الماشية أو جمع الحطب . وإذا أردنا أن نحدد مدى حريتها ونقارنها بأختها في المدينة فإنها كانت في الريف تتمتع بحرية أكبر من المرأة في المدينة ، وإلى شيء من هذا القبيل يشير مينورسكي عندما يتحدث عن المرأة الكردية الريفية فيقول،أنها كانت تجلس مع الرجال بشجاعة وبدون استحياء ، وغالباً ما كانت تشارك الرجال في الحوار ( ) .

لكن هذا لم يمنع أهالي الموصل ، أن يعترضوا على اجراءات تسجيل الإناث التي جرت في عهد الوالي مصطفى يُمني 1904 ـ 1908 ، وكادت تنشب بسبب تلك الاجراءات ثورة دامية ، ومن الطريف أن توثق لنا اليوميات السياسية للمقيمة البريطانية في بغداد وللأسبوع الذي ينتهي في 29 تشرين الثاني 1906 التظاهرات التي قامت بها جماهير الموصل احتجاجاً على اجراءات تسجيل الاناث خلال الأيام 10 ـ 15 تشرين الثاني 1906 . وعندما ألقت السلطات العثمانية القبض على قائد التظاهرات وهو محمد أبو جاسم وابت أُخته سرحان انهالت البرقيات على العاصمة محتجة على عمل الوالي، وعاد الجواب من العاصمة بأن السلطات العثمانية عازمة على معرفة حقيقة الموقف ، وسرعان ما صـدرت الأوامر للوالـي بأن يلغي اجراءاته الخاصة بتسجيل الاناث ( ) .

وحين بدأت عوامل التغيير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي تأخذ طريقها إلى الموصل ، ظهرت فئة من المثقفين تطالب بتحرير المرأة وتأكيد مكانتها المتميزة في المجتمع. وقد استندت تلك الفئة إلى الموروث الحضاري الاسلامي الذي يولي المرأة أهمية كبيرة .. وأمام دعوات التحرير هذه وقفت بعض الفئات المحافظة والدينية موقفاً مضاداً ، وخاصةً فيما يتعلق بسفور المرأة واختلاطها بالرجال ، وهكذا عاش المجتمع الموصلي حتى الثلاثينات من القرن العشرين صراعاً عنيفاً بين متطلبات العصر والدعوة إلى تحرر المرأة وبين التقاليد الاجتماعية الموروثة ( ) .
*منشور في كتاب تاريخ الموصل الحديث للاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف ،دار الكتب للطباعة والنشر ،جامعة الموصل 2007 وقد ظهر البحث لاول مرة في كتاب الحياة الاجتماعية في الولايات العثمانية ،تونس ،1988 تحرير الاستاذ الدكتور عبد الجليل التميمي