الاثنين، 12 مارس 2018

دجلة الموصل

                                                                 جسر على نهر الخوصر
                                                                  فيضان نهر الخوصر
                                                     نهر دجلة بكامرتي من على جسر الحرية
 ا                                                          لجانب الايمن من مدينة الموصل

                                                      الكازينوهات الممتدة على دجلة في الغابات السياحية
                                                                   سد الموصل الكبير




دجلة الموصل
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس – جامعة الموصل
ليس غريبا أن يؤرخ المرء لنهر ، ونهر دجلة له حق علينا ، فهو من الانهار العظيمة في العالم .وقد انصرف المؤرخ الموصلي الكبير ياسين العمري للكتابة عن نهر دجلة في كتابه الجميل : ( مُنية الادباء في تاريخ الموصل الحدباء ) والذي حققه شيخنا الاستاذ سعيد الديوه جي سنة 1955 .
قال في مبحث عنوانه : (في ذكر دجلة ومحاسنه وسبب اصله ) ؛  ان اصله من فوق مدينة ديار بكر ، واصله عينان تجريان ثم يصب عليه نهر الخابور ويعرف بالهيزل ومياه كثيرة حتى يأتي الموصل ويصب عليه نهر الخوصر فوق الموصل مقابل قلعتها ويقصد (ايج قلعة وكانت في منطقة الميدان) ،  ويمر دجلة من تحت قلعة ايج قلعة .وهناك نهر الخازر الذي يصب في نهر الزاب ثم يصب ماء الزاب على دجلة في مكان يسمى ( المخلط )  ثم يصب عليه ماء التون كوبري ، ثم يسير ويجري الى بغداد ثم يصب عليه تحت بغداد ماء ديالى ويختلط مع الفرات ويجريان قرب البصرة ويصبان في البحر .
ثمة اساطير ، وروايات تتعلق بنهر دجلة ومنها ان النبي دانيال -  وله قبر في العراق -  فأوحى الله تعالى اليه اي الى دانيال ان احفر نهرين هما دجلة والفرات فأخذ سكة وحفرهما بمعونة الملائكة .
وثمة حديث ينسب الى الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يقول :" سيحان وجيحان والفرات والنيل كلها من أنهار الجنة " .وورد عن كعب الاحبار :نهر دجلة نهر ماء الجنة ، ونهر الفرات ، نهر لبنهم ، ونهر مصر اي نهر النيل نهر خمرهم ، ونهر سيحان نهر عسلهم وهذه الانهار  دجلة والفرات والنيل وسيحان وجيحان من نهر الكوثر .
يقول المؤرخ الموصلي ياسين العمري 1374 هجرية -1157 ميلادية ان ماء دجلة اعذب المياه  في الدنيا  ،كثير الخيرات ، قل ان يغرق فيه احد ويموت .
قال الشاعر عبد الباقي افندي العمري :
يا ما احيلى ماءُ دجلة في  فمي **** والطير يصدح فوق غصن مثمرِ
ورياض جوسقها ،وظل قصوره **** وخرير جدوله بتلك الازهرِ
وقال شمس الرسعني :
وان رنحت اغصان دجلة فإنثنت **** مغني بأخبار النسيم تخبرِ
ومن عجبي اني اكتم لوعتي **** واودعتها طي الصبا وهي
وقال الشاعر يحيى اغا الجليلي الموصلي  (توفي سنة 1198 هجرية - :
شبهتْ دجلة لما ان صفت **** مرآة بدر الدجى والليل معتكرِ
لوحا من الفضة البيضاء قابلها **** وجه الحبيب ونار الخد ِ
وقولي فيه ارتجالا :
ياماء دجلة في فمي   ****   احلى من الشهد الشهي
فكأنه بصفائه     ****               يحكي لبلور بهي
ليس عبثا ان يحيي شاعر العرب الاكبر  محمد مهدي الجواهري دجلة فيقول :
حييت سفحك عن بعد فحييني ***يادجلة الخير يا أم البساتين
نهر دجلة يدخل الموصل عند قرية الكبة  ويخرج منها  عند قرية البو سيف في جنوبي المدينة وعلى دجلة اليوم خمسة جسور داخل مدينة الموصل دمرت خلال عمليات تحرير الموصل ويعاد تأهيلها اليوم .
لقد كان نهر دجلة موضوعا لندوة نظمناها في مركز الدراسات التركية  (الاقليمية حاليا ) سنة 1992 وقفنا عند هذا النهر طويلا واصدرنا كتابا عنه ـ وعقدنا ندوة كما كان نهر دجلة مرات ومرات موضوعا لندوات ومؤتمرات عقدت على طول العراق وعرضه .
يستحق منا دجلة الخير ان نقف عنده بين فترة واخرى ويحق لنا ان نباهي به ونفخر وان نحفظ مياهه ونجلها ولانضيع منها قطرة واحدة .انه سيد انهار العالم .

على امتداد نهر دجلة قامت الامبراطورية  الاشورية  وعواصمهما الاربع اشور والنمرود  وخور سيباد ونينوى .وكان دجلة ما قبل انشاء السدود عليه يصلح للملاحة النهرية وكان الناس ينتقلون من الموصل الى بغداد عبر السفن والاكلاك والقفف .
ومن المدن التركية التي تقع على نهر دجلة بيسميل وحصنكيفا وجزيرة ابن عمر ومن المدن السورة المالكية ومن المدن العراقية الموصل وبعقوبة وبيجي وتكريت وسامراء وبغداد والكوت والعمارة والقرنة .
 :نهر دجلة ينبع من اعالي الجبال الواقعة في جنوب شرقي تركيا ويتراوح معدل ارتفاع منطقة تغذيته التي تبلغ مساحتها زهاء 166000 كيلومتر مربع في تركيا بين 1000 -4000 متر فوق مستوى سطح البحر ويبلغ طول نهر دجلة من منبعه عند ديار بكر حتى مصبه في شط العرب عند نقطة اتصاله بنهر الفرات 1718 كيلومترا منها 1418 كيلو مترا تقع داخل الحدود العراقية ويتصل بالضفة اليسرى لنهر دجلة داخل الحدود العراقية خمسة روافد رئيسية تمده بما يزيد على 50% من كمية مياهه خلال موسم الفيضان وهي : طة تقع على مسافة 31 كيلومترا مؤخر مدينة بغداد
1. الرافد الخابور ويبلغ طوله 160 كيلومترا ويتصل بالنهر عند بلدة فيشخابور
2. الرافد الزاب الكبير ويبلغ طوله 392 كيلومترا ويتصل بالنهر عند نقطة تقع على مسافة 49 كيلومترا ،مؤخر مدينة الموصل
3. الرافد الزاب الصغير ويبلغ طوله 400 كيلومترا ويتصل بالنهر عند نقطة تقع على مسافة 35 كيلومترا مؤخر مدينة الشرقاط
4. الرافد العظيم ويبلغ طوله 230 كيلومترا ويتصل بالنهر عند نقطة تقع على مسافة 15 كيلومترا مؤخر مدينة بلد
5. الرافد ديالى ويبلغ طوله 386 كيلومترا ويتصل بالنهر عند نقطة تقع على مسافة 31 كيلومترا مؤخر مدينة بغداد .
6. ويبلغ متوسط كمية المياه التي تنساب في دجلة وروافده على مدار السنة مقدار 9-38 مليار متر مكعب وتزداد الكمية ايام الفيضان .
ولنهر دجلة عدة شطوط ؛ فهناك شط الحصى وشط المكاوي وشط الكصة .وقد تحدثت عن ذلك في حلقة (شطوط الموصل ).وسبب تسميتها بالحدباء يقول البلداني العربي ياقوت  الحموي احديداب في دجلتها واعوجاج في جريانه مع ان الصحيح ان الموصل تظهر للذي يأتي اليها وكأنها ( الحدبة ) في ظهر الانسان فقلعتها تقع على نشز مرتفع من ارضها .
ونهر دجلة يقطع المدينة الى جانبين جانب ايمن تقع فيه المدينة القديمة وجانب ايسر تقع فيه مدينة نينوى عاصمة الامبراطورية الاشورية . والموصل القديمة تقع على الجهة اليمنى لنهر دجلة في منطقة سهلة خصبة تتصل بالسهل الرسوبي المنبسط الذي يجري فيه نهرا دجلة والفرات حتى مصبهما في الخليج العربي،  فتشكل المنطقة التي تقع فيها مدينة الموصل بذلك هلالا عظيما يصل بين منطقتين مهمتين بالغتي الحيوية هما الخليج العربي والبحر المتوسط .
نهر دجلة في الموصل يفيض مرتان الاولى ضمن مايسمى الفيضان الشتوي . والثانية ضمن ما يسمى الفيضان الربيعي الذي يمتد من اواسط نيسان الى اواسط مايس وكم  واجهت الموصل قبل إنشاء سدها الكبير حالات الفيضان المدمرة وخلال السنوات الكثيرة وقد تناول المؤرخ الموصلي الكبير ياسين العمري في كتابه (غرائب الاثر في حوادث ربع القرن الثالث عشر ) والذي حققه الاستاذ الدكتور محمد صديق الجليلي ونشره سنة 1940 الكثير من حوداث فيضان دجلة واول تلك السنين ما حدث سنة 450 هجرية – 1059 ميلادية عندما " وحدث مثل هذا في سنة 462 هجرية  1070 ميلادية  وسنة 1180 هجرية 1670 ميلادية   فاض دجلة بعلو  احدى وعشرين ذراعا " .
وقد ادركت فيضان دجلة في الخمسينات وشاهدت استنفار الجيش والاهالي لدرء الفيضان عن مدينة الموصل ولاننسى فيضان سنة 1963 الذي وصلت في مياه دجلة الى حافة جامع النبي يونس واوقع ذلك الفيضان اضرارا كبيرة في ممتلكات الناس وخاصة في منطقة الفيصلية .
ومما يرتبط بنهر دجلة في ذاكرة الموصليون تلك الجرادغ  (والجرادغ جمع جردغ اماكن من القصب والحصران تبنى على عجل على شاطئ دجلة في الصيف وتتوفر فيها الكراسي واماكن نزع الملابس ) والتي تنصب على ضفتيه ايام الصيف  وتمارس السباحة بالقرب منها   .
وكان ثمة مدربين للسباحة معروفون في الموصل منهم قاسم السباح ، وكذلك تلك المقاهي الصيفية ومنها مقهى النهر والتي كانت قريبة من حافة النهر من جهته اليسرى المقابلة للميدان وغالبا ما كان شباب الموصل من السباحين يقومون بالقفز الى نهر دجلة من الجسر القديم جسر الملك غازي وجسر نينوى فيما بعد .كان شباب الموصل يمارسون السباحة على طول نهر دجلة من عين كبريت حى الجسر القديم وتعرف هذه الرياضة ب (التسييس ) .
 وغالبا ما تقام مباريات للسباحة وفي الاربعينات والخمسينات ادركت غسالات الصوف اللواتي كن يغسلن الصوف قبل تصديره الى اوربا كما ادركت ايضا الكب مقابل الميدان والذي كان سوقا لبيع الركي والبطيخ والخيار الذي يجلبه المزارعون من مزارع السلامية وغيرها ليباع في هذا السوق بالجملة .
وكانت ضفة نهر دجلة اليمنى كما ادركتها انا ومجايللي مكانا لمقاه كثيرة في متنطقة الميدان منها مقهى البلدية ومقهى الثوب ولازلت اتذكر ان العلافين وعندما فاض محصول الحنطة في الخمسينات وبقي لفترة مطروحا في محطة القطار قاموا برمي كميات كبيرة من الحنطة في النهر تخلصا منها .
ولاننسى ان دجلة  ارتبط بمشاريع الكهرباء الاولى التي تأسست في الموصل في عيسى دده وكذلك ارتبطت مشاريع اسالة الماء به  ايضا وامتدت على ضفتيه مزارع وقرى  زراعية ان كان في حاوي الكنيسة على ضفته اليمنى او الرشيدية والكبة وبعويره في ضفته اليسرى وقد اقيم فمنقان كبيران على جانبيه الايمن وهو فندق الموصل وعلى جانبه الايسر وهو فندق نينوى الايسر والان الغابات المنتجع السياحي والجزيرة السياحية ومدينة الالعاب ومجمع السدير وكل الكازينوهات الممتدة على طول ضفته اليسرى في الغابات مرتبطة بدجلة الخير دجلة الموصل .
كما كان دجلة الموصل موضوعا لمقالات وقصائد ولوحات رائعة لفنانين كبار من الموصل كما ارتبط دجلة بالنوارس واللقطات الرائعة التي كثيرا ما اقتنصها الفوتوغرافيون الموصليون وفي مقدمتهم الفنان الكبير المرحوم مراد الداغستاني
هذه هي قصة نهر دجلة قصة ممتعة لها ذكريات في وجداننا نحن الموصليين ولازلنا نتفاعل معها حتى الان والى الابد .







هناك 3 تعليقات:

  1. Hello dear doctor
    what pleasant to read for you !
    دعني أسطر العبارة فوق بالإنجليزية لأنني مولع بها كأديب ربما لا تعرفني الناس لكن يعرفني الأونلاين .... حقا أقول استمتع بقراءة مواضيعك لأنها نبع من التراث الخالد , نبع الحضارة , فما جفت الأرض طالما نهر يجري وأمطار تروي وما جف العطاء طالما أقلام تكتب , وما جف التاريخ طالما قلم يكتب بصدق العبارة ..... توضحت لي الكثير من الفكر في ذهني التي لم أنسجها من خيال " لماذا للموصل تاريخ خاص " ولماذا أهلها لهم أطباع خاصة بهم ...... القرنين الأخيريين 18 \ 19 أن ولاية الموصل كانت شبه مستقلة عن بغداد ...... لكن لي سؤال أطرحه إذ لم أسمع أن مؤرخا عراقيا أو أجنبيا ذكر دعم ولاية بغداد للموصل عندما داهمها طمهاسب ( نادر شاه ) في حصاره للموصل عام 1743 م ..... هكذا أرى أن أهل الموصل هم من دافعوا عن الموصل وطردوا الغزاة .... هكذا أطماع إيران لا تنقطع بالتوسع عبر الموصل إلى الشام ومنذ ذلك الزمن والتاريخ شاهد , هكذا أرى أنهم دمروا الجانب الأيمن تدميرا كاملا لأنه كان موطن الجليليين .... انا لا أشك بالجيش العراقي أبدا ولكن لإيران ومسنشاريها دور واضح , أتمنى الصدق نقل الكلمة لا وهما أو خيالا لأن في التاريخ شواهد ........
    جزاك الله خيرا أستاذنا العزيز

    ردحذف
  2. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  3. بالمناسبة وربما أخرج عن الموضوع :: قصيدة الشاعر بدر شاكر السياب ( المعبد الغريق ) تحمل في مضامينها إشارات واضحة لما حل في الموصل عام 1959 أعقاب ( ثورة الشواف ) .... هو يتمنى وفي هذه أظنه شيوعيا يقول ( فليتك هز الموصل الإعصار .....!! ) لا بيتا ولا دربا نجا فيها ... من بعدها يقول يهوي جسم حفصة والمقصودة ( حفصة العمري ) التي ذكرها من ذكر أنها كانت بعثية أو أبوها الذي كان عسكريا حينذاك في معسكر الغزلاني وبيتهم كان على مقربة من المعسكر المذكور وكانت ترقب عودة أبيها تخرج لسطح الدار بين الفينة والفينة فأصيبت بطلقة طائشة لأنه كانت مناوشات أو رمي ( من ومن لا أدري ؟؟ ) لكن أعرف أن للكشاملة كان دور ( كقوميين عرب ) إذ لم تكن فكرة البعث رائجة آنذاك بل المعرفون هم ( الشيوعيون والقوميون ) ....... فقط أستطرد كي أتوصل إلى محصلة أو نتيجة :: هل بدر شاكر السياب فعلا كان شيوعيا ؟؟؟ فلماذا يشده العزم أو يدفعه الحماس ليقف ضد إرادة تلك الحركة ( حركة الشواف ) في قصيدته إشارة واضحة انه يساند الشيوعيين فيفرح للتنكيل الذي جرى على أيديهم وللسحل والمشانق على أعمدة الكهرباء ..... أنا شاهد على جزء من الأحداث .... كنا حينها في الجزيرة ( قرية محسن العجيل الذي أيضا كان داعما لثورة الشواف ) وتعرضت بيوتنا للنهب من قبل عصابات الفوضى ( البومتيوت والاعافره ) لأنه معروفه البومتيوت يطلبون شمر ثأر ( دكة البوخنيسي 1846 ) فاستغلوها فرصة فخرجنا بأنفسنا ومواشينا فقط وكنا غربة هناك لسنا شمر ...... والله كان عندنا دارين حتى السقف كانا مملوئين بالحنطة والشعير .... وأتذكر حتى ماذا كان عشاؤنا في تلك الليلة المشئومة .... أتذكرها في الربيع ( ومن دون تاريخ ) لكن أعرف أن الجو لم يكن باردا فنمنا تلك الليلة في العراء ( بالفلحان ) كنت صغيرا بحدود 6 أو 7 سنوات ثم توجهنا صوب عفر ومن هناك اتجهنا نحو الشمال ................ المقطع الذي أسرده من قصيدة بدر تحت يجعلني متشككا ... أنه كان عداء أو حقد نحو الموصل .....؟؟؟؟؟؟؟؟؟
    يا نهرا من الحقد

    تدفّق بالخناجر و العصي بأعين غضبى

    نجوما في سماء شدها قابيل بالزند

    فليتك حين هزّ الموصل الأعصار ( لا دربا

    و لا بيتا و لا قبرا نجا فيها ) شهدت الأعين الغضبى

    و ليتك في قطار مر حين تنفس السحر

    فقصّ على سرير السكة الممدود أمراسا

    تعلق في نهايتهنّ جسم يحصد النّظر

    عليه الجرح بعد الجرح بعد الجرح أكداسا

    ليهوي جسم حفصة لابسا فوق النجيع دما

    و أمراس

    ردحذف