الجمعة، 2 مارس 2018

الحاج حسين باشا الجليلي 1697- 1758 سيرة بطل وقائد ا.د. ابراهيم خليل العلاف






الحاج حسين باشا الجليلي 1697- 1758 سيرة بطل وقائد
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس - جامعة الموصل
يقينا ان الحاج حسين باشا الجليلي والي الموصل ، وقائد دفاعها ضد حصار نادرشاه سنة 1743 بحاجة الى ان تكتب عنه اطروحة دكتوراه مع ان روبرت دبليو اولسن كتب اطروحته في جامعة انديانا الاميركية عن (حصار نادرشاه للموصل )، وكتب الاستاذ الدكتور عماد عبد السلام رؤوف رسالته للماجستير عن الموصل في عهد الجليليين . وكتب آخرون وكتبت انا عن الحصار .
ولكن شخصية الحاج حسين باشا الجليلي شخصية قيادية، ولابد ان تدرس من جميع ابعادها ، ولعل الدكتور محمد صديق الجليلي هو خير من كتب عنها في ملحق تحقيقه ( ديوان حسن عبد الباقي الموصلي ) سنة 1966 .
الحاج حسين باشا الجليلي والي الموصل ، بطل من ابطال العراق وبطل من ابطال هذه الامة كان واليا على الموصل سنة 1143 هجرية - 1731 ميلادية وهو ثاني وال من ولاة الاسرة الجليلية يتولى الحكم في الموصل . وكان والده اسماعيل باشا الجليلي اول من تولى الحكم من ال عبد الجليل والذي استمر حكمهم للموصل منذ سنة 1726 الى سنة 1834 ميلادية .
الحاج حسين باشا الجليلي هو إبن اسماعيل بن عبد الجليل الحصنكيفي الديار بكري الموصلي . ولد سنة 1108 هجرية - 1697 ميلادية وتوفي سنة 1758 أي أنه عاش 61 سنة . وبين ولادته ووفاته ثمة حياة وثمة دور.وكثيرا ما كنت ارى قبره في مدخل جامع الباشا في سوق السراي من جهة يمين الداخل الى الجامع وعلى ضريحه عمامته والحاج حسين باشا الجليلي هو من بنى جامع الباشا الكبير القائم حتى يومنا هذا .
قد يظن البعض ان الحاج حسين باشا الجليلي ، هو من فرض نفسه على اهالي الموصل وتولى حكمهم . ولكن الحقيقة هي ان اهالي الموصل هم من اختاره بعد وفاة والده اسماعيل باشا في اوائل سنة 1143 هجرية 1731 ميلادية .. وكانت العادة التي اتبعها الجليليون في تولي حكم الموصل حرصهم على كسب رضى الناس وخاصة الوجهاء وابناء البيوتات والاسر العلمية والاقتصادية ، فكان اذا شغر منصب الوالي بوفاة الوالي أو نقله أو عزله يجتمع اعيان ووجهاء وعلماء المدينة مدينة الموصل وامراء الجيش في سراي الحكومة لانتخاب حلف جديد له وبعد ان يستقر رأيهم على المرشح للولاية يحررون محضرا بإسم المرشح ويرسلونه الى العاصمة اسطنبول للموافقة عليه واصدار فرمان بتوليته . وفي الوقت نفسه ترسل نسخة من المحضر الى والي بغداد وله سلطة على والي الموصل ووالي البصرة ضمن ما كان يسمى في الادبيات العثمانية (الخطة العراقية ) ، وغالبا ما كان المحضر يرسل الى بغداد اولا ثم اسطنبول .
ان من النقاط المهمة التي ينبغي ان اذكرها ، وانا اتحدث عن الوالي الحاج حسين باشا الجليلي انه اكد بعد توليه الولاية على ان لغة دواوين الموصل ستكون اللغة العربية بالدرجة الاولى وبعدها اللغة التركية . .
كانت كلمة الحاج حسين باشا مسموعة في العاصمة العثمانية . وقد عين في سنة 1148 هجرية - 1736 ميلادية محافظا لبغداد لحين قدوم وال جديد محمد باشا الصدر الاعظم السابق وقد غادر الموصل مع حرسه الخاص وتولى منصبه واستفاد من مستشاره الشاعر عبد الباقي العمري الموصلي في ادارة شؤون الولاية .
وفي شهر جمادى الثانية من السنة ذاتها 1148 - 1738 وجهت للحاج حسين باشا الجليلي ولاية البصرة وذلك بعد ان عمتها الفوضى ، وسادها الاضطراب بعد ان ثارت ثبائل كعب ؛ فتمكن بحكمته وسياسته اعادة الامور الى نصابها الصحيح وبقي الحاج حسين باشا الجليلي واليا على البصرة الى اواخر سنة 1149 هجرية - 1737 ميلادية حيث نقل ليتولى ولاية وان .
في رجب سنة 1151 هجرية 1739 ميلادية اعيد الحاج حسين باشا الجليلي الى ولاية الموصل مرة ثانية ، فبقي في المنصب حتى رمضان سنة 1153 هجرية - 1741 ميلادية ، حيث وجهت اليه ولاية البصرة ثانية وهكذا سافر الى ولاية البصرة وبقي فيها سنة واحدة ثم اعيد الى ولاية الموصل مرة ثالثة في اواخر شوال من سنة 1154 هجرية - 1742 ميلادية
ان من الامور المهمة التي تتميز بها فترة ولاية الحاج حسين باشا الجليلي هي قيادته للموصل في مقاومتها للحصار الذي فرضه نادرشاه حاكم الفرس على الموصل (42 ) يوما ايلول -تشرين الاول 1743 ميلادية وقد قاومت الموصل عندما استنهض الوالي همم الموصليين ، وسد كل الثغرات في اسوار المدينة ووجه بعزل النساء وجمعهم وقتلهم في حال اقتحام نادرشاه للمدينة وكان من بينهم نساءه واهل بيته ورفض رفضا باتا اخلائهم الى اماكن آمنة .
وانتصرت الموصل - كما يقول اولسن ، ليس بفضل القوات الامبراطورية العثمانية بل بقوة جيش الموصل ووحدة اهل الموصل ومن ساعدهم من الاطراف والقصبات وقائد المقاومة الحاج حسين باشا الجليلي.
لقد احتفل الموصليون بإنتصارهم على جيش نادرشاه الذي كان يقدر ب(ربع مليون جندي ) واقام المسلمون في مساجدهم وجوامعهم صلاة الشكر كما قرعت اجراس الكنائس واقيمت الصلوات للشكر ايضا ، وتبارى الشعراء بإلقاء قصائدهم وكان يوما مشهودا في تاريخ لموصل الحديث حتى ان الموصل لاتزال تحتفل بيوم انتصارها في 22 تشرين الاول من كل عام ولمناسبة مرور 200 سنة على حصار نادرشاه احتفلت الموصل في 22 تشرين الاول سنة 1943 ، ونظم الاديب والشاعر الموصلي اسماعيل حقي فرج ملحمة في وقائع هذا الحصار ونشرت الصحف وقائع تلك الاحتفالات .
ولمناسبة مرور 250 سنة على الحصار اقامت وزارة الثقافة العراقية وبالتعاون مع جامعة الموصل وجمعية المؤرخين والاثاريين احتفالات كبيرة ايضا بيوم انتصار الموصل على نادرشاه للفترة من 23-25 تشرين الاول من سنة 1993 وزارت الوفود قبر الحاج حسين باشا الجليلي وترحمت عليه وقرأت على روحه سورة الفاتحة والقى الاستاذ الدكتور محمود الجليلي رئيس جامعة  الموصل الاسبق محاضرة قيمة عن الحصار في قاعة الاجتماعات الكبرى في جامعة الموصل.
كتبتْ عن حصار الموصل عدة مرات وقلت في احدى دراساتي    المنشورة في جريدة ( القادسية ) البغدادية العدد الصادر في 16  تشرين الثاني1986 بعنوان : ( حصار الموصل وصمودها بوجه نادرشاه  1743 م) ان الموصل دخلت في حوزة الدولة العثمانية سنة 1515 واتخذت شكلها النهائي ولاية قائمة بذاتها سنة 1879 0 وقد عانت الموصل في ظل السيطرة العثمانية حتى اواسط القرن الثامن عشر في حالة من الفوضى والاضطرابات في اوضاعها الاقتصادية والاجتماعية فلم يجر فيها أي اصلاح ملحوظ 0 كما فشلت الحكومة العثمانية في توطيد الامن وتوطين العشائر وكذلك في مواجهة الغزوات الفارسية المتكررة .
 لذلك تحمل الموصليون  مسؤولية  تطوير مدينتهم ،  والدفاع عنها ضد الغزاة الفرس ، كما حصل حين ردوا نادر شاه في حصاره على الموصل سنة 1743 على أعقابه وبذلك ابعدوا خطراً كان يتهدد الوطن العربي طوال قرون ثلاثة.   
   ُيعد حصار نادر شاه للموصل سنة  1743 من أبرز الاحداث التي وقعت في العالم خلال القرن الثامن عشر ، ذلك لان الاطماع الفارسية لم تكن تستهدف الموصل وحدها ، بل النفوذ الى قلب الوطن العربي وتغيير خارطته .   
     لقد تناول حصار الموصل عدد كبير من المؤرخين العراقيين والعرب والاجانب . كما كان موضوعا للعديد في رسائل الماجستير والدكتوراه وخاصة في الجامعات الاوربية والامريكية . ومن ذلك رسالة الدكتوراه التي صدرت عن جامعة أنديانا في الولايات المتحدة الامريكية سنة 1975 بعنوان (( حصار الموصل والعلاقات العثمانية - الفارسية 1718- 1743 )) ويتناول مؤلفها روبرت اولسون دراسة الخلفية التأريخية للحصار ويعرض العوامل الحقيقية وراء الصراع ، وربط ذلك كله بالاهمية الجغرافية والاستراتيجية والاقتصادية للموصل وعلاقة ذلك كله بالاقتصاد العالمي من حيث ارتفاع سعر الذهب وتدفقه الى الشرق وتأثير ذلك في اقتصاد الدولة العثمانية حتى القرنين السابع عشر والثامن عشر ؛ ذلك ان العالم شهد منذ النصف الاول من القرن الثامن عشر ارتفاعا ملحوظا في سعر الذهب والفضة وحماسا في تجارة الحرير وازدياد الاسعار . وقد اصبحت تجارة الحرير اكثر اهمية لكونها مصدرا للدخل ليس في الدولة العثمانية وانما في فارس كذلك .
       ومع بدء تأثير هذه العوامل اتجهت ايران ( وكانت تسمى آنذاك بفارس ) نحو التوسع والحروب العنصرية في عهد نادر شاه الذي زج بلاده في حروب استمرت زهاء ربع قرن من الزمان ، وكان هدفه من ذلك تحقيق اطماع توسعية .
       لقد كانت الموصل احدى البوابات الرئيسية التي يتحــتم على الغزاة القادمين من الشرق الوصول من خلالها الى سواحل البحر المتوسط ، يضاف الى ذلك كونها مفتاح الطريق الى حلب والبحر المتوسط . وتبرز اهمية الموصل بالنسبة للطرق التجارية وخاصة تجارة الحرير الفارسي التي تشكل الموصل طريقا مهما لاسبانيا بعد ان تحولت تجارته الى حلب للفترة من 1512- 1520.    
     لقد اتضحت اطماع نادر شاه ( 1723- 1748 ) التوسعية في الوطن العربي حين طلب من السلطان العثماني محمود بن السلطان مصطفى الثاني اعادة المناطق التي استولى عليها العثمانيون ومنها العراق . ولما لم يلتفت اليه السلطان محمود اقبل نادر شاه بجيشه فأستولى على تبريز ووصل كركوك فحاصرها واحتلها ثم قدم الى بغداد سنة 1732 وبعد حصار شديد احتلها ، ووجه نادر شاه احد قواده وهو نركز خان الى الموصل بعساكره التي كانت تقدر بثمانية الاف جندي .
 وفي صباح يوم 31 آذار 1733 ظهرت طلائع القوة فوق تلال وهضاب الغزلاني جنوبي الموصل ، وبسهولة استطاع الموصليون صد هذه القوة العثمانية ، حيث اشتبكوا مع الغزاة في معركة عنيفة أستمرت حتى وقت العصر من ذلك اليوم وتمكنوا من قتل قائدها نركز خان وتكبدت القوة الغازية خسائر كثيرة اضطروا على اثرهـا الى الانسحـاب وهي تجر اذيــال الخيبة . 
     ويؤرخ الشاعر الموصلي حسن عبد الباقي لهذه المعركة ويمتدح جند الموصل المنصورين بقوله :
قفا نصطبح مافي الاناء المُجسد
فأحياء اموات الغبوق على يدي
وان حلف الساقي وانكر فضله
تبقت من الصهباء ذخرا الى غـدِ
مليك يهاب النجم سطوره بأنه
حتى لاح بدر الثم بالافق يســجد
ورهط في الاعجام بين مدرع
على لاحق دانـي وبيــن مزرد
فجاؤا صفوفاً والقنا يقرع القنا
كغيم كثـيف او بـنـاء مـشـيد
ونادى مـراد ان هذا مرادنا
وقال امـيـن يـومنا يوم سـؤدد
فاضحت نحور العجم غمد صوارم
وكـل عـنيف كالعـمود المـمددِ
فلم ينجح منهم غير امرد ناعم
يقاد اسـيرا كالغـزال المـقــيدِ
وعندما شدد نادر شاه الحصار على بغداد ارسلت الدولة العثمانية جيشاً كبيرا لفك الحصار عنها بقيادة طوبال باشا وفي الايام الاخيرة من ذي الحجة من السنة 1145 ( اوائل حزيران 1733 ) وصل طوبال مع جيشه الى الموصل وعسكر بين قرية نينوى ونهر دجلة . وبعد ان تزود طوبال باشا بما يحتاجه من ذخائر ومهمات غادر الموصل متوجها نحو كركوك فبغداد . وفي 19 تموز 1733 وبالقرب من نهر العظيم اصطدم الجيشان بمعركة ضارية خسر فيها الطرفان عشرات الالوف من القتلى حيث إنجلت عن هزيمة نادر شاه وتشتت جيشه . ثم بعد دفن الموتى ارسل القائد العثماني الجرحى ، وكانوا عدة الوف الى الموصل ، حيث كانت آنذاك من المراكز الطبية المشهورة للمعالجة ، فاهتم بامرهم واليها وعين الاطباء والجراحين لمعالجتهم وذلك باشراف الحاج محمد العبدلي رئيس اطباء الموصل  آنذاك .   
     وفي اوائل سنة 1743 وردت الاخبار بعزم نادر شاه عن غزو العراق ثانية ، وفي فصل الربيع من السنة المذكورة تقدم نادر شاه نحو الموصل وعسكر عند قرية يارمجه .
     أعد الحاج حسين الجليلي الموصلي والي الموصل ، عدة الدفاع فحفرت الخنادق ورممت الاسوار وعينت المراكز للمدافعين وملئت المخازن بالحبوب والذخائر . وكان اول اتصال لنادر شاه بالوالي الموصلي قد حصل حينما انفذ عند دنـوه مـن الموصل شخصان يحملان رسالة الى مفتي الموصل السيد يحيى بن السيد فخرالدين الاعرجي الحسيني يخاطب فيها عن طريقه الوالي يطلب اليه تسليم المدينة والاذعان له بالطاعة .
       دعا الحاج حسين باشا الى اجتماع عام في الجامع الاحمر ( جامع الخضر عليه السلام ) الذي يقع على ضفاف دجلة ، فقرئت على المجتمعين رسالة نادر شاه ، والتفت الحاج حسين الى الاهالي وسألهم عن رأيهم فاجابه الموصليون جميعاً وبصوت واحد انهم مستعدون للقتال ولو كلفهم اراقة دمائهم جميعاً في سبيل عز الوطن . وعندئذ اوعز الوالي الى مفتي الموصل بتحرير جواب ملائم لرسالة نادر شاه . وقد قام المفتي بمهمته خير قيام وحرر كتاباً يمتلئ بروح المقاومة المسلحة والتصدي .    
    ولإجل ان يشاغل الحاج حسين خصمه ، ويعمل على اتمام التهيؤ للحصار خرج الى خارج السور وخيم في موقع مناسب استعرض فيه قواته وعساكره ، وامر باحضار ارباب الحرف والصنائع واوعز اليهم بالانهماك في اعداد اللوازم الحربية . اما الاهالي فساروا الى خارج المدينة يشتغلون على الاسوار في نقل الحجارة والتراب .   
    شوهد العدو في سهل يارمجه ، فدوت الاصوات الداعية للاستعداد ، وقد قامت ثلة من الخيالة الفدائية الموصلية  بهجوم مباغت خارج اسوار الموصل وهاجمت بشجاعة جناح الجيش الايراني ثم انسحبت تحت وابل من رصاص العدو ودخلت المدينة ، واغلقت الابواب استعداداً للحصار الذي استطال امده اثنين وأربعين يوما . 
      وبعد ان ظل نادر شاه مخيما في يارمجة خمسة ايام عبر النهر وطوق المدينة واتخذ من قمة كل من التلول المجاورة للنبي يونس مقراً جديداً . وتضمنت خططه ان يصلي المدينة بوابل متواصل من مدفعيته الكثيرة وقذائفه النارية ، ثم يهاجمها من اثنى عشر مركزاً في وقت واحد.    
    تقدم العدو وعدده ثلاثمائة الف رجل ونيف واحاط بالقلعة والاسوار . وفي فجر يوم 27 أيلول 1742 بدأت مدفعية العدو بقصف المدينة قصفاً شديداً . ويقول احد المؤرخين وكان شاهد عيان : ( كانت القنابل نهاراً تتساقط على الاسوار كالمطر ، وليلا تتناثر كنجوم من اديم السماء ، وقد ملاْ رعيد صوتها تلك الافاق) . استمر قصف المدينة ثمانية ايام بلياليها ، يقول احد المؤرخين وكان شاهد عيان : (( استخدم العدو ( 160 ) مدفعاً و ( 230 ) مدفع هاون . اما مجموع ما القى على الموصل والسور في تلك المدة فقد وصل الى خمسين الف قنبلة )). ولم تزد تلك القنابل الموصليين الا اقداما وثباتاً على مناؤة عدوهم والذود عن حياض مدينتهم وشرفهم .))  
     وفي فجر يوم 4 تشرين الاول 1743 امر نادر شاه بالهجوم العام على المدينة فاخذ الالوف من جنوده يتسلقون على الاسوار بواسطة السلالم . كما اخذ العدو بتفجير الالغام تحت السور ومن جهة ثالثة حاولت مدفعية العدو احداث ثلمة من السور عند البرج الرئيس ( باشطابية ) الا انهم فشلوا بعد ان تصدى لهم الموصليون واشتبكوا مع المهاجمين بالسلاح الابيض فكانت معركة رهيبة استبسل فيها الاهالي وقاتلوا بصبر وشجاعة مما اوقع الرعب والفزع في قلوب العدو . يقول احد المؤرخيــن : (( ان رؤوس الصاعدين من جنود العدو على السلالم كانت سرعان ما تطيح على زملائهم في سافلها )).   
    كف نادر شاه عن حصاره وسار بجيوشه الى جزيرة ابن عمر ليوهم الموصليين بأنه عدل عن حصار مدينتهم ، لكنه سرعان ما عاد وهاجمهم من جديد بعد ان مد الجسور على الخنادق المحيطة بالمدينة فعبرت جنوده من فوقها تحت وابل من القنابل التي كانت تنصب عليهم من المدينة وسورها بكثرة فائقه . هذا فضلاً عن ان الوالي قاد هجوما مضادا وخرج بجنده من بعض الابواب والتحم الجيش الموصلي بالجيوش الايرانية الغازية في معركة ضارية امتدت الى ثماني ساعات متوالية ، فانجلى الغبار عن اندحار المهاجمين الذين عبروا الجسر الذي نصبوه على دجلة عند حاوي الكنيسة مقابل معسكرهم الرئيسي في قرية القاضية على الجانب الشرقي من الموصل ، وقد خلفوا وراءهم ما يقرب من ستة الاف قتيل .اما شهداء الموصل فقد كانوا اقل من مئتي شهيد .  

    ايقن نادر شاه بعجزه عن دخول المدينة الباسلة لانه لا يمكن ان ينال منها بظفر وتذكر قول اهاليها انهم لا يسلمون المدينة وفيهم عرق ينبض . 
كذلك نشرتُ  مقالة في جريدة الحدباء  (الموصلية )  العدد795 الثلاثاء  7  من تشرين الاول1997  عن ما تركته مقاومة الموصليين لحصار نادرشاه في الامثال الشعبية الموصلية وقلت في المقال الموسوم : (  حصار الموصل في الامثال والاشعار الشعبية) أن ولاية الموصل تميزت ابان حكم الجليليين لها والممتد من سنة 1726 الى سنة 1834 بشخصية محلية واضحة المعالم من جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعمرانية ، وبرز من حكامها ولاة عديدون ، أبرزهم الحاج حسين باشا الجليلي ( 1730- 1757 م ) والذي قاد حركة المقاومة الباسلة أثناء تعرض مدينة الموصل لغزو الفرس وحصـارهم الذي ضـربه حولها حاكمـهم نادرشــاه1736-1747 .
      وكان لصمود الموصل ونجاحها في دفع الخطر الفارسي والحيلولة دون أمتداده نحو الشام والاناضول اثر كبير في تقوية مركز الاسرة الجليلية الحاكمة والتفاف الموصليين حولها من جهة ورفع شأن الموصل بين مدن الدولة العثمانية من جهة اخرى . 
    ويعد حصار نادرشاه للموصل من أهم الاحداث التي شهدها العالم الاسلامي خلال القرن الثامـن عشر ، ذلـك ان الاطـماع الفارسية لم تستهدف الموصل وحدها ، بل النفوذ الى قلب الوطن العربي والعالم الاسلامي وتغيير خارطته .  
    ولقد تناول ( الحصار ) عـدد كبـير من المـؤرخيـن ، القدامى والمحدثين ، سواء كانوا من العراقيين أم العرب أم الاجانب ، كما كان موضوعاَ لرسائل واطروحات قدمت للحصول على الماجستير والدكتوراه . ومن حسن الحظ فأن احداث الحصار وتفاصيل أسبابه ونتائجه ، ظلت في متناول أيدي الباحثين والمؤرخين والمتتبعين وذلك بفضل مجموعة ثرة من المصادر والمدونات الاصيلة .
      وهناك ناحية لم يلتفت اليها الباحثون كثيراَ ، وهي ان احداث الحصار وقرت في اذهان ابناء الموصل كافة ، وانعكست في اخبار وحكايات وامثال واشعار شعبية تتصل بالحصار والصمود الذي كان عاملاَ رئيساَ من عوامل فشله . ولقد  اورد المرحوم الاستاذ عبد الخالق خليل الدباغ في كتابه (معجم امثال الموصل العامية )الذي اصدره في الموصل بجزئين سنة 1956 مثلا َيتداوله الموصليون عن حصار نادرشاه للموصل يدل على زيادة كرههم للغزاة وقذائف مدفعيتهم التي كانت تمطر المدينة ليلا ونهاراً.
ويقول المثل(كنيكي قنبرة طهماز ) ومعناها : كأنك قنبرة طهماسب وطهماسب هو نادرشاه ويضرب المثل لدميمة الخلقة التي لايرتاح اليها. كـما كانـت المديـنة يوم الحـصار وما خلفته حيث عاشت زمناَ صعباَ لا يسر الناظرين كالوجه الذي شبه بهذا المثل ، فضلاَ عن ثقل القنابل التي كانت ترمى بها البلدة ، والتي لم تنفجر في حينه وأدركها من عاش في الموصل حتى الثلاثينات من القرن الماضي كما يقول الاستاذ سعد علي الجميل في بحثه عن الامثال المنشور في موسوعة الموصل الحضارية بجزئها الخامس والصادر سنة 1992 .
     ويذكر الاستاذ عبد الغني الملاح في بحثه الذي قدمه الى ندوة مركز دراسات الموصل يوم 20 تشرين الثاني 1993 والموسوم :( البنية الاجتماعية وأثرها في اللهجة الموصلية وشعرها العامي ) ان الموصليين كانوا يرددون نوعاَ من الشعر الشعبي يسخرون فيه من قنابل نادرشاه وأحلامه التوسعية جاء فيها :- طهماس غاسك أقّع مثل الجرو لمنقّع غاح إتعود وترجع وأنت ذليل ومنهان طهماس غاس المخمغة ولدان ما يخوف مغا فشوش يرجع لوغا والبدن عالي البنيان.
      وروى لي شيخ المؤرخين الموصليين الاستاذ سعيد الديوه جي أن الموصليين حينما كانوا يريدون أن يسخروا من شخص متعجرف ومتكبر قالوا له ( اشدعوي قد تتطهمز علينا ) .
وهذه بعض من أمثال وأشعار أبناء الموصل الشعبية التي تعكس كرههم للغزاة وحبهم لأرضهم وأعتزازهم بأنفسهم وقدرتهم على الصمود في وجه الاعداء وحبذا لو يتصدى أي باحث لدراسة هذا التراث الشعبي وحفظه للأجيال القادمة والتي ستكون بدون شك ، بحاجة اليه لكي يثير فيها مكامن الأعتزاز بالوطن ورد المعـتدين .

عمر الحاج حسين باشا الجليلي سور الموصل وقلعتها الرئيسة باشطابية الواقعة على نهر دجلة . ومن المناسب القول ان الدولة العثمانية استنجدت بالحاج حسين باشا الجليلي والي الموصل عندما هاجم نادرشاه الحدود العثمانية -الفارسية عند دشت وقد توجه بجيشه جيش الموصل الى هناك وتعاون مع والي ديار بكر عبد الله باشا ووالي اردلان احمد خان وطاردت القوات العثمانية جيش نادرشاه في اوائل رجب من سنة 1158 (اوائل اب سنة 1745 واضطر نادرشاه الى التوقف وطلب الصلح وعادت الجيوش العثمانية الى معسكراتها ومنها جيش الموصل بقيادة الحاج حسين باشا الجليلي .
في سنة 1161 هجرية - 1748 ميلادية وجهت الدولة العثمانية الى الحاج حسين باشا الجليلي ولاية ادنه (اطنه ) ومكث هناك مدة سنتين وفي شعبان من سنة 1163 - 1750 ميلادية اعيد الى الموصل واليا وبقي سنة واحدة لتوجه اليه ولاية قارص وكانت تعد من الثغور المهمة في الحدود الشرقية من الدولة العثمانية وبقي الحاج حسين باشا الجليلي في قارص خمس سنوات بعدها اي في اواخر شوال من سنة 1169 هجرية - 1756 ميلادية نقل الى ولاية طربزون على البحر الاسود ، وكانت مهمته اعادة النظام الى هذه الولاية بعد سلسلة من الاضطرابات والفوضى وقام بواجبه خير قيام وبعد ان انتهى من هذه المهمة الصعبة نقل الى ولاية كوتاهية في غربي الاناضول وهي من اكبر الولايات العثمانية وقد منحته الدولة العثمانية لقب (الوزير الكبير ) وبعد عشرة اشهر نقل في شهر محرم من سنة 1171 هجرية - 1758 ميلادية الى ولاية حلب ، وكانت هذه الولاية ايضا تشهد اضطرابا حيث عاثت فيها العصابات من عشيرة الريحانية فسادا فتمكن من اعادة الامن والاستقرار الى حلب وبقي ثمانية اشهر في حلب . وفي اواخر شعبان من سنة 1171 هجرية- 1758 ميلادية اعيد الى الموصل .
كانت الموصل في هذه الفترة تعاني من اختلالات في الامن بعد ان انقسم الجيش الانكشاري على نفسه الى فرقتين يقاتل بعضها بعضا وقد اختل الامن وسادت الفوضى وتضايق الناس وكان الوالي انذاك رجب باشا الحلبي الذي فشل في اعادة الوضع الى حاله ، وفقد السيطرة على الجيش الذي كان مؤلفا من خمسة فرق .
كانت الموصل بالمناسبة تعد من الثغور الشرقية للدولة العثمانية .. وقد وضعت فيها الدولة قوة عسكرية تتألف من خمس فرق هي الفرقة العاشرة والفرقة السابعة والعشرون والفرقة الحادية والثلاثون والفرقة الثانية والخمسون والفرقة الثامنة والخمسون وكان الاغوات يقودون هذه الفرق وعلى رأسهم ( ينكجري اغاسي ) وهو القائد العام لهذه الفرق وكان معظم اغوات الانكشارية من الاتراك الا ان البعض من الاغوات كانوا من الموصليين وكان من اسباب الصراع الاختلافات والمنازعات بين اعوات تلك الفرق ويظهر ذلك جليا عندما يكون والي الموصل غريبا عنهم ولايستطيع فرض سيطرته على الاغوات .
ومما فاقم الاوضاع وزادها سوءا ان الموصل واجهت خلال السنوات الثلاثة الاخيرة التي سبقت قدوم الحاج حسين باشا الجليلي اليها ووفاته مجاعة كبيرة ، بسبب الجراد الذي اتى على المزروعات .. كما شهدت الموصل موجة برد شديد في السنوات 1169 و1170 و1171 1756-1757-1785 وقد استمر الغلاء وقام الموسرون والاغنياء بواجبهم تجاه اهليهم خير قيام . وقد ارخ لذلك المؤرخ ياسين العمري في كتابه ( الاثار الجلية في الحوادث الارضية ) .
ومما زاد الامر سوءا قدم افواج من المهاجرين الى المدينة وكانوا جياعا الامر الذي ادى الى كارثة كبيرة بسبب نقصان المواد الغذائية وقد كان شتاء تلك السنوات قاسيا وهذه الاوضاع هي من جعلت اهالي الموصل حتى يومنا هذا يحتفظون بكيات من المؤونة ويخزنونها في بيوتهم لمواجهة تلك الظروف الصعبة .
وصلت اخبار قدوم الحاج حسين باشا الجليلي الى الموصل في اليوم السابع من رمضان من السنة 1171 (15 ايار 1758 ) ، وسرعان ما توقفت المناوشات بين الاطراف المتنازعة ، وعاد الهدوء الى المدينة وللاسف الموصل تعرضت للطاعون في هذه السنة ، وفي اواخر شوال (5 تموز 1758 ) وبعد زوال خطر الطاعون دخل الحاج حسين باشا المدينة واستقبله اهلها بالفرح واستبشروا بعودته ويقول دومنيكو لانزا وهو مبشر دومنيكي وهو شاهد عيان ان البشاشة عادت الى وجوه الموصليين. وتوجه بعد استراحة قصيرة الى السراي وعقد محاكمة لزعماء واغوات الانكشارية وانزل العقوبات بالمسيئين منهم وامر بحبس اخيه عبد الفتاح بك لتدخله في منازعات زعماء الانكشارية لكنه سرعان ما سقط مريضا وتوفي -رحمه الله - في اليوم التاسع عشر من ذي القعدة سنة 1171 الموافق ليوم 25 تموز سنة 1758 ، وقد شيع تشييعا مهيبا شارك فيه جمع كبير من اهالي الموصل ، ودفن في جامع الباشا واقيم له ضريح يليق به ، وتولى الحكم ولده الغازي محمد امين باشا وكان للحاج حسين باشا الجليلي ستة اولاد عرفوا بقدراتهم العسكرية والادبية وكانت لهم مواقف مشهودة .
الحاج حسين باشا الجليلي كان بطلا مغوارا ، وقائدا محنكا كبيرا ، تحمل مسؤولية الدفاع عن الموصل ، واسهم في رفعة شأنها ، وتعزيز سمعتها بين الولايات العربية والعثمانية . وكان معروفا بالحزم ، والعدل والبناء والحكمة وكان يمتلك رؤية استراتيجية تجاه موقع الموصل واهميتها الجغرافية والسياسية والاقتصادية .وتكمن قيمة رؤيته في ان استطاع جمع طاقات الموصليين ، وكفاءاتهم وتخصصيهم حوله من اجل احكام ابراج وابواب سور الموصل وتهيئتها للمواجهة وكان هذا احد اسباب نجاحه وحب الموصليين له .
لقد كان بلغة عصرنا ، وطنيا مخلصا حرص على ان تظل للموصل شخصيتها الحضارية ، وكيانها السياسي ضمن الولايات العراقية ، حتى ان الاسرة الجليلية ، بفضل قيادته، استطاعت ان تظل ممسكة بزمام ولاية الموصل بعده قرابة 91 سنة .

هناك تعليقان (2):