الجمعة، 30 مارس 2018

أنا وجدي .........................ابراهيم العلاف


أنا وجدي ....مقالي الجديد في مجلة (دنيا ) العراقية ....... العدد 13 نيسان 2018 
رئيس التحرير الاستاذ زيد الحلي 
مجلة راقية ، وجميلة ، ورفيعة المستوى ... تمنياتي للاخ الاستاذ زيد الحلي بدوام الموفقية .....................ابراهيم العلاف واليكم نص المقال :


   يوم في حياتي :
أنا وجدي
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس –جامعة الموصل
 
 كانت ولادتي ، مع انتهاء  الحرب العالمية الثانية 1939-1945 ؛ ففي الخامس والعشرين من كانون الأول سنة  1945 ،قال والدي خليل بن احمد حامد ألحمو الجمعة العلاف  - رحمه الله -إنني ولدت،وهو في المستشفى ينقل طفلا دهسه بسيارته ، واغلب الظن أن الطفل شفي بعد ذلك ، حيث أن والدتي وهبية بنت حامد عبد الرحمن الطائي ، كانت تريد أن تعرف مصيره ، وعادت البسمة الى  وجوه أهلي،  وفي مقدمتهم جدتي لأبي وجدي وأعمامي وأخوالي  .
وقد قرر جدي أحمد الحامد العلاف  أن يسميني (إبراهيم ) لان العادة درجت على تسمية من يلد لخليل إبراهيم، ومن يلد لجاسم محمد، ومن يلد لخالد وليد .وقد احببتٌ نظيرة بنت ابن عم والدي بشير عبد الله ألحمو الجمعة زوجة عمي جميل  ، وكانت  محرومة  من الخلفة ،فقد تعهدتني بالرعاية والاهتمام، وأتذكر ذلك كثيرا حيث كانت تتولاني وتحرص على نظافتي حتى أنها كانت تذهب بي إلى حلاق محلتنا في رأس الكور جاسم   محمد ، وتقف في جوار الدكان إلى أن ينتهي الحلاق من عمله ، وتعود بي إلى البيت وهي في غاية السرور .
وعندما دخلت إلى المدرسة الابتدائية وكان إسمها " أبي تمام الابتدائية" في محلة رأس الكور وبالقرب من قلعة الموصل (قليعات ) وبعدها انتقلت الى  محلة عبدو خوب ،  كانت تذاكر معي الدروس يوما بيوم حتى أكملت الصف السادس .
كان عمي جميل قد أخذني،وعمري لما يصل الى السنتين، إلى المصور الفوتوغرافي الكبير مراد الداغستاني، وكان من أبرز المصورين الفوتوغرافيين في العراق آنذاك ، والتقط لي صورة جميلة ، وهو يقف معي ، ولا زلت احتفظ بالصورة حتى يومنا هذا ، وهي معلقة في مكتبتي ، ولاتزال تثير إعجاب كل من يراها ؛ فلقد كنت لابسا بلوفر مخطط مع بنطلون ، وفي يدي ماكان يسمى في الموصل (شباحية من ذهب ) .. وفي رجلي حجول من فضة  .فضلا عن الحناء في يدي  .وتدلل الصورة ،حسب أيامنا هذه ،على ماكنتُ أتمتع به من دلال . والطريف ان عمي جميل قد كتب بخطه في ظهر الصورة العبارة التالية : " أخذ هذا الرسم في عيد الاضحى المبارك 3 -10 -1946 وتجمع جميل وابراهيم بن أخي  خليل " .
   قضيتُ شطرا من حياتي،  وأنا صبي في سوق الحنطة الجديد الكائن في باب الطوب ، مقابل المركز العام للشرطة في الموصل . وكان جدي يعمل في هذا السوق ، ولديه اكثر من دكان فيه يبيع الحنطة والشعير ، ومن  هنا جاء لقب الاسرة (العلاف ) التي تقابل (العلوجي ) في بغداد .
  جدي احمد الحامد العلاف(1886-1986 ) :
كتبت ُ في الانترنت ، وضمن مدونتي " مدونة الدكتور ابراهيم العلاف " نبذة عن جدي الذي رعاني ، وكنت احبه ويحبني ، وقد تأثرت به وبشخصيته   ..عمل جدي في مهنة العلافة، وكان لديه محل كبير في سوق الحنطة الجديد في باب الطوب.  كما امتلك خانا قرب البنك الشرقي (ايسترن بانك ) في المنطقة ذاتها ، وهو من أوائل الذين استخدموا السيارة ، والتلفون في إدارة محله ، وخانه  في مدينة الموصل ، وأتذكر أن رقم هاتفه في الخمسينات من القرن الماضي ، كان  (  755)  . ومن السيارات التي امتلكها فورد،  وشوفروليت ، وموريس .
وفي الخمسينات ، وعندما ظهرت في الموصل فكرة إنشاء (الأسياف) جمع سيف ، بنى له سيفا في الموصل الجديدة بجوار سيف محمود يحيى النوح وسيف  الحاج سعيد النجماوي ، وعلى الشارع المؤدي إلى مديرية المنتجات النفطية .وقد اشتهر جدي بتقديم الاستشارة إلى من يطلبها من أبناء صنف العلافين ، وكان نشطا ضمن " جمعية وصنف العلافين"  الذي ترأسه منذ مطلع الثلاثينات  من القرن العشرين الحاج احمد يونس النوح( 1866- 1952 ) .
كما كانت له شراكة ،ولفترة الأربعينات ، مع الحاج يونس عبد الله (دمدمه ) في علوة سوق الحنطة الجديد وكان لهما دور يؤجرانها في محلتي السوق الصغير ، وشهر سوق وقد توزعاها بعد أن انفكت شراكتهما . وقد ارتبط بأعمال واسعة مع المرحوم مهدي صالح العزاوي ، وكان تاجرا مشهورا في بغداد ، ولديه مكتب في شارع المستنصر ، وقرب عمارة الشابندر للتجارة العامة والاستيراد والتصدير  وبخاصة معه ومع ولديه صالح ، وعبد الله .وكان جد معروفا بشراء الشعير وبيعه إلى الجيش ، أو تصديره خارج العراق .كما كان يرسل كميات كبيرة من الحنطة الى صديقه مهدي صالح العزاوي ، ومن ثم الى ولده صالح مهدي العزاوي لبيعها في بغداد ، وقد ابتدأت العلاقة  التجارية بينهما منذ ايام الحرب العالمية الاولى ، وحتى اوائل الستينات من القرن الماضي .
واتذكر ان الحنطة كانت من أنواع (  صابر بيك ) و(التركية ) و (ماكسيباك اي الحنطة المهجنة اللبذور المكسيكية والباكستانية ) ..  ولدي نسخ من رسائل متبادلة بين جدي وصالح مهدي العزاوي يرجع بعضها الى شهر حزيران سنة 1962 . وفي احداها ، وهي مؤرخة في 5-6-1962 يؤكد السيد صالح مهدي العزاوي لجدي احمد الحامد"  انه وجد طي كتابه المؤرخ في 3-6-1962 قائمة مشترى حنطة 400 كيس صابر بيك ناعمة و542 كيس تركية جزيرة البالغة اثمانها مع المصاريف 3981610 دينار وبعد الملاحظة نجري قيدها لكم بالحساب " .
ومما جاء في الرسالة كذلك :"وقد ذكرتم عن حنطتكم (352   ) كيس ، وانها صار لها سنة ، وما انصرفت وتؤكدون علينا تصريفها بكل صورة وبكل سعر وعليه نحن نود نعلمكم بأننا هذه المدة الطويلة كانت لدينا اموال بكميات كبيرة وكنا مجاهدين البيع وتمكنا من بيع الذي بعناه ، وتأخر عندنا الذي تأخر ، وهي  كمية كبيرة اكثر من الفين كيس مال جزيرة صابر بيك ولانقدر نقول إلا  أن الحظ  ما ساعدنا على البيع أو القسمة  هذه . هذا هو كل ما في الامر ونحن كنا نتمنى ان حنطتكم لو مرسليها الى غير مكان يمكن كان انباعت بوقتها حيث الغير هم مخصصين للساعي اما نحن فكما تعلمون شغلتنا هي لحسابنا وكنا داخلين غب قلم كبير وملاحظين تصريفها ، وكنا حاسبين شيء وغابت عنا اشياء ، حيث ان ليس كل الحساب يطلع بصورة مضبوطة ، وكان كل أملنا بعد العيد ؛ الاموال القديمة تتصفى و تنتهي بأسعار طيبة،  لكن مشيئة الله جعلت غير ذلك بل قدمت الموسم 20 يوما فبل المعتاد ...ولما توارد الجديد أخذت الاسعار تتدهور  للحد الذي ترونه الان ..." .
وفي 19 حزيران 1962 أرسل جدي احمد الحامد رسالة الى صالح مهدي العزاوي وبطيها قائمة رقم 20 بتاريخ اليوم ، والبالغة قيمتها 271430 دينارا مع المصروف عن سيارة واحدة حنطة تركية أرسلت لكم فنرجو قيدها  لنا بالحساب ، نحن قيدناها عليكم واعلامنا صحتها " .
تلكَ هي نماذج من المراسلات بين جدي ، وكان الى جانبه عمي ولده  جميل يكتب له ومهدي صالح العزاوي والى جانبه ولده  صالح يكتب له . وقد  نشطت  تجارة الحنطة والشعير بين تجار الموصل وتجار بغداد وتجار البصرة وازدهرت (الاسياف – جمع سيف ) في الموصل الجديدة ، ونشطت الزراعة في الجزيرة ، وظهرت (المصالح الزراعية ) في الموصل بالتعاون مع العلافين،  وحائزي الاراضي الزراعية من الفلاحين ؛ الا ان ذلك كله انتهى بصدور قرارات التأميم  سنة 1964 ، وتدخل الدولة ، وقيامها بشراء الحنطة والشعير من الفلاحين مباشرة ، فأندثرت مهنة (العلافة ) ان لم نقل ماتت كلية ، وتوقف العمل في (الاسياف ) ، وتحولت الى اماكن لبيع  البطاريات واطارات السيارات أو ماشاكل ذلك .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق