السبت، 10 يونيو 2017

مؤرخو المدن العراقية بقلم : ا.د. ابراهيم خليل العلاف


       مؤرخو المدن العراقية 
ا.د. ابراهيم خليل العلاف 
استاذ التاريخ الحديث المتمرس -جامعة الموصل               
 المدن العراقية وأقصد في زماننا الحاضر   حظيت بنخبة من الباحثين والمؤرخين الذين اهتموا بتدوين تاريخها  وتراثها أو بعض جوانب من حياتها الاجتماعية والثقافية  والادارية والاقتصادية .
        وقد تيسرت لي الفرصة وعبر سنوات أن اكتب عن بعضهم وبشكل مختصر بهدف إثارة الاهتمام بهم وتحيتهم وتشجيع من يروم الكتابة عن المدن ، خاصة  ، وانني ومنذ سنوات درًست في الدراسات العليا التاريخية بجامعة الموصل ( مادة دراسية )في قسم التاريخ بكليتي الاداب والتربية بعنوان :"التاريخ المحلي " وهو فرع مهم وجديد من فروع التاريخ العام .  وأضرب من نفسي مثلا فلقد إهتممتُ بتاريخ الموصل وكتبت عنه رسالتي للماجستير وكانت بعنوان :"ولاية الموصل :دراسة في تطوراتها السياسية 1908-1922 " كما ألفت كتبا عن الموصل  منها  :"شخصيات موصلية " و"مباحث من تاريخ الموصل " و "أعلام من الموصل " و"أوراق تاريخية موصلية " و"تاريخ الموصل الحديث " و" وتطور الصحافة العربية في الموصل "  و" محافظة نينوى بين الماضي والحاضر " مع عدد من الزملاء و"تاريخ الجيش العراقي وتطور دوره الوطني في الموصل " ولي دراسات كثيرة عن التعليم في الموصل والحياة الاجتماعية  والسياسية والفكرية والاقتصادية فيها وعن مطابعها وصحفها وأدوارها التاريخية وموالقفها السياسية وشخصيتها الحاضرة منشورة في " موسوعة الموصل الحضارية " التي أصدرتها جامعة الموصل في مطلع التسعينات من القرن الماضي . هذا فضلا عن اسهاماتي في الصحف الموصلية وخاصة في جريدتي "فتى العراق " و"الحدباء " .
ولعل من ابرز المؤرخين العراقيين الذين إهتموا بتدوين تاريخ مدنهم  المرحوم الاستاذ محمد أمين زكي 1880-1948 الذي كتب عن مدينة  السليمانية ، وأرخ لها . والمؤرخ محمد أمين زكي  من المؤرخين العراقيين الكورد ، لم يتلق تدريبا على مهنة كتابة التاريخ والبحث فيه ، كان رجلا عسكريا ، لكنه إهتم بالتاريخ والدراسات التاريخية ، وألف ، وكتب ، وحاضر في عديد من موضوعات التاريخ . وخاصة المتعلقة منها بتاريخ الكورد وكوردستان .. لقد كان مؤرخا هاويا شأنه في ذلك شأن الكثيرين من المؤرخين العراقيين الرواد أمثال : عباس العزاوي ، وعبد الرزاق الحسني ، ومحمد أمين العمري ، وسليمان الصائغ ، واحمد علي الصوفي ، واحمد عزت الأعظمي والشيخ فريق مزهر الفرعون ، وحامد علي البازي . 
الذي يهمنا في مجال التعرف على سيرته الذاتية أن محمد أمين زكي ترك مؤلفات كثيرة باللغات التركية والكردية والعربية ، فضلا عن دراسات وبحوث متميزة ، ومما ساعده على ذلك إتقانه لغات عديدة منها الفرنسية والإنكليزية والفارسية إضافة إلى اللغات الثلاث التي اشرنا إليها آنفا . كان باحثا مدققا غايته الوصول إلى الحقيقة ولم يكن يبخل على نفسه عندما يريد أن يحوز وثيقة أو كتابا . كما كان يتردد باستمرار على المكتبات الخاصة والعامة . 
يقول في مقدمة كتابه : " مشاهير الكورد وكوردستان"  " ولا اخفي على القاريء الكريم أن لي مزاجا يبدو غريبا في التأليف ، فاني أود أن يكون الموضوع الذي اكتبه صعبا معقدا بحيث يدفعني إكماله إلى زيارة المكتبات الخاصة والعامة لمراجعة مئات الوثائق والمستندات ...."
والمؤرخ الثاني الذي إهتم بتاريخ مدينته الموصل هو المطران سليمان صايغ 1886-1961   فلهذا  الرجل دور كبير في التوثيق للموصل من خلال كتابه الشهير بأجزائه الثلاثة :" تاريخ الموصل " وكما هو معروف فأن الموصل لم تشهد  منذ أن فرغ المؤرخان العمريان محمد أمين ،وياسين من كتابة مؤلفاتهما أواخر القرن التاسع عشر، من اهتم بتدوين أخبارها حتى مطلع القرن العشرين، حين ظهر سليمان صايغ، وأصدر كتابه الشهير:(تاريخ الموصل) في ثلاثة أجزاء وطبع في القاهرة سنة 1923 . وسليمان صايغ رجل دين مسيحي ولد في الموصل سنة 1886 وأتم دراسته اللاهوتية في مدارسها الدينية ثم اشتغل بالتعليم وإدارة  المدارس، وصار عضوا في لجنة فحص المدارس الأجنبية، وترأس تحرير جريدة الموصل بعد معاودة صدورها عقب الاحتلال البريطاني للموصل سنة 1918 ، وعندما برزت مشكلة الموصل(1925-1926 ) كان عضوا نشيطا في( جمعية الدفاع الوطني) التي قامت بدور كبير في تأكيد عروبة الموصل إزاء مطالبة الأتراك بها .
     أصدر سليمان صايغ مجلة (النجم) وهي مجلة شهرية ،دينية ،تاريخية، اجتماعية وذلك سنة 1928. وقد اهتمت المجلة منذ صدورها وحتى توقفها في آذار-مارس 1955 بالدراسات الدينية والتاريخية.ويرجع ذلك إلى أن صايغ، كان يرى أن "التاريخ من العلوم الجليلة الفائدة، ومن الفنون الجزيلة العائدة لطبقات الهيئة الاجتماعية جمعاء، ومن علماء أعلام، وسوقة طغام".
     وقد اعتمد صايغ في تأليف كتابه : تاريخ الموصل، مصادر عديدة، بعضها منشور وبعضها مخطوط، وكما وقف على كمية جيدة من الأوراق الخاصة المحفوظة في بعض مكتبات الأسر الموصلية، كالأسرة الجليلية والأسرة العمرية، ويتناول الجزء الأول ، التاريخ السياسي. أما الجزء الثاني فقد كرسه لدراسة الحركة الأدبية والعلمية في الموصل. وخصص الجزء الثالث لنفائس الآثار وتاريخ النقيبات .
     ويبين صايغ أسباب اهتمامه بتاريخ مدينته الموصل فيقول: ((وعلى هذا نجد اليوم تواريخ مسطرة لكل مدينة، اشتهرت بآثارها، وأخبار دولها ومشاهير رجالها. إلا أننا- لسوء الحظ -لم نجد للموصل الخضراء تاريخا خاصا بها يوقفنا على قدميتها، وينطوي على أخبارها... على الرغم من أن الاقدمين من فحول علماء الموصل، عنوا بتدوين تاريخها واستيعاب الطارف والتالد من أخبارها)).
     ويضيف صايغ إلى ذلك أن رغبته في خدمة أبناء وطنه" من العامة الذين لايستطيعون مطالعة مجلدات ضخمة للوقوف على أحوال الموصل"، هي التي دفعته لكتابه تاريخ لام الربيعين "فسمت التصنيف- وأنا المفلس- وتعنيت  امرا ليس من شأني ولا إنا من رجاله، رجاء نفع العامة ونيل رضى الخاصة، والمرء ... ممدوح أو مقدوح بنيته اذ انما الاعمال بالنيات ، وما قصدي من هذا العمل إلا امحاض الخدمة لوطني". ويوضح منهجه في  التأليف فيقول انه بعد مثابرة متواصلة على المطالعة مدة سنة ونيف " توفقت بعونه تعالى إلى وضع ها الكتاب، وقد سعيت جهدي في إحكام الرصيف  ونقل الحقا يق التاريخية الممحصة من مواردها ومآخذها معتمدا على اشهر المؤرخين الذين هم النبراس المهتدي والعمدة المنتدب البهم كالطبري وابن الاثير وأبي الفداء  وابن خلكان وشهاب الدين ألمقدسي وغيرهم من المؤرخين الحداث، وطنيين وغرباء هذا عدا ماتلقيته من اقوال ماثوره ونقلته من أوراق خطية قديمة".ثم قسمت الكتاب أبوابا وفصلته فصولا ... " وشكر المؤلف من شجعه وأعانه وزوده بالكتب والمعلومات وخص بالذكر نقيب الأشراف في الموصل السيد عبد الغني النقيب والحاج أمين ألجليلي والسيد عبد الله ال سليمان بك والسيد امجد ألعمري .
    وهنا لابد ان نقف عند مؤرخ موصلي آخر  هو الاستاذ سعيد الديوه جي 1912=2000 كانت له أياد بيضاء في كتابة وتوثيق ليس تاريخ الموصل بعصوره المختلفة وانما تراث الموصل  

وكتاباته وبحوثه ومقالاته وتحقيقاته تقف شاهداً على عظمة الموصل : هذه المدينة المعطاء .. لقد بقي حتى آخر لحظة من حياته يكتب ويقرأ .. يتصل بالمؤرخين ويراسل المستشرقين .. يدّون ويحقق ويدقق ويضع كل ما لديه من خبرات أمام من يريد الاستزادة من التراث ومن التاريخ ، لذلك فهو مصدر مهم لا غنى عنه لمن يبحث عن تاريخ الموصل وما فيها من علم وفن وآداب وصناعة وأثر تاريخي ومنشآت حضارية معمارية ومؤسسات ثقافية.
       الديوه جي من المؤرخين الذين عدّوا التاريخ كمجرى الحياة حيث لا توجد فواصل بين عصر وآخر .. لاتوجد فواصل بين التاريخ السياسي والتاريخ الفكري والتاريخ الاقتصادي .. أنه شيخنا جميعاً .. شيخ المؤرخين الموصليين . . فقد سبق وأن اخترناه رئيساً فخرياً لجمعية المؤرخين والآثاريين فرع نينوى والتي كان لي شرف ترأسها لسنوات طويلة .. كما أنه أسس وأسهم في جمعيات عديدة خدمت التاريخ والتراث ومنها على سبيل المثال جمعية التراث العربي .. أسس المتحف الحضاري وعمل أول مدير له .. وكانت له اسهاماته في دفع الآثاريين والمنقبين لكشف أسرار حضارة العراق التليدة. زاره مستشرقون ومؤرخون عراقيون وعرب وأجانب . وأجمع كل من أطلع على كتاباته وتحقيقاته بأنه خير من ألّف عن الموصل .
وبين سنة 1958 و 1982 أصدر كتباً عدة أبرزها : ( الموصل في العهد الأتابكي ) و ( جوامع الموصل ) و ( مدارس الموصل )
و( تاريخ الموصل ) الذي نشر الجزء الأول منه سنة 1982 ، وفيه يتناول تاريخ وحضارة الموصل منذ نشأتها حتى سنة 600 هـ ، وبعد وفاته قام ولده الأستاذ الدكتور أبي ( رئيس جامعة الموصل ) بطبع الجزء الثاني الذي يتعرض للفترة من 601 هـ وحتى 1139 هـ ، وقد طبعه المجمع العلمي العراقي .

وفضلاً عن الكتب التي ألفها الديوه جي عن جوامع الموصل ومدارسها وصنائعها ومساجدها وتراثها وتقاليد الزواج فيها فإنه كتب سلسلة طويلة من البحوث والمقالات عن خطط الموصل،وسور الموصل ، وجسور الموصل في مختلف العصور، وقلعة الموصل ، والزخارف الرخامية في الموصل ، وأهتم بتأليف دراسة موثقة عن
( اليزيدية ) ،قال عنها المؤرخ الاجتماعي الفرنسي الراحل جاك بيرك أنها خير ما ألّف في هذا الميدان .
كما انصرف الديوه جي إلى تحقيق كتب تتناول تاريخ الموصل ، ولعل من أبرزها تحقيقه ونشره كتاب " منية الأدباء في تاريخ الموصل الحدباء " لياسين العمري ، وكتاب " منهل الأولياء ومشرب الأصفياء من سادات الموصل الحدباء " لمحمد أمين العمري ، وكتاب " ترجمة الأولياء في الموصل الحدباء " لأحمد بن الخياط الموصلي ، وكتاب " مجموع الكتابات المحررة في أبنية الموصل " لنيقولا سيوفي .

كان الديوه جي باهتماماته بتاريخ الموصل يحرص باستمرار على التأكيد بأنه يسير على منهج المؤرخين الموصليين الذين عنوا بتاريخ مدينتهم وألّفوا فيها كتباً متعددة ومنهم أبو زكريا الأزدي صاحب ( تاريخ الموصل ) ، وعز الدين بن الأثير صاحب كتابي ( الكامل في التاريخ ) و ( الباهر في تاريخ الدولة الأتابكية ) ، وقد حاول أن يجعل التاريخ علماً شعبياً يتوجه إلى جمهور الناس وباسلوب سلس وواضح ، ومن هنا اكتسبت كتاباته سمعة طيبة  بين القرّاء .

واهتم المؤرخ الشيخ يوسف كركوش الحلي 1906-1990 بتدوين تاريخ الحلة ، ولعل أول مرة سمعتُ فيها بالمؤرخ الأستاذ يوسف حمادي حسين كركوش الحلي 1906-1990 ، كانت عندما كنتُ طالبا في الصف الأول في قسم التاريخ بكلية التربية –جامعة بغداد قبل أكثر من 40 سنة .وكان كتابه عن " تاريخ الحلة " ويقع في جزئين من المصادر التاريخية المعتمدة لدينا .والأستاذ يوسف كركوش الحلي في تاريخ الحلة –شأنه شأن كل من كتب عن تاريخ مدينته –أمثال سليمان الصائغ في "تاريخ الموصل" وعبد الكريم الندواني في "تاريخ العمارة" ووادي العطية في "تاريخ الديوانية" ، محبا لمدينته بل عاشقا لها لهذا فقد تحدث عن الحلة بمحبة ،ووقف عند دورها السياسي الوطني والثقافي .

طبع كتابه الموسوعي "تاريخ الحلة " بقسمين تناول في القسم الأول "الحياة السياسية " في الحلة . وفي القسم الثاني " الحياة الفكرية في الحلة " .وقد وردت أمام اسم المؤلف في الكتاب كلمة "العلامة المتتبع الشيخ يوسف كركوش الحلي " وتولى السيد محمد كاظم الحاج محمد صادق الكتبي نشر الكتاب في مطبعته " المطبعة الحيدرية" في النجف الاشرف سنة 1385 هجرية 1965 ميلادية .وقد وقع الكتاب بجزئيه في 512 صفحة من القطع المتوسط .
في القسم الأول من الكتاب، تناول الشيخ الحلي الحياة السياسية في الحلة فذكر تاريخها ، ووقف عند دورها السياسي في أحداث العراق عبر العصور .أما في القسم الثاني فقد تطرق عبر ثلاثة فصول إلى النهضة العلمية والأدبية في الحلة وبين عوامل النهضة ، وأشار إلى أن تلاميذ الشيخ الطوسي غرسوا بذور النهضة في الحلة .ولم ينس أن يتحدث عن المزيديين ،وال البطريق ، وال سعيد ، وال المطهر، وال طاووس، ، وبنو الأعرج . وفي الفصل الثاني المعنون : " دور الركود الفكري في الحلة " ، قال ان الركود لم يحل دون ظهور أدباء وشعراء ونحويين منهم أبو الغنائم الحسيني، والحسين بن الابزر الحسيني، والسيد نعمان الاعرجي ، والشيخ احمد النحوي .
أما الفصل الثالث ، فقد كرسه لتوضيح أبعاد النهضة الأدبية في الحلة في القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر الهجريين (التاسع عشر والعشرين الميلاديين ) .وفي هذه الفترة المهمة التي لم تكن تختلف عن النهضة في كل إنحاء العالم العربي ظهر أدباء، وشعراء مجددين منهم الشيخ حبيب المطيري ، والشيخ علي العذاري ، والشيخ صالح الكواز، والشيخ حسن الفلوجي ، والحاج عبد المجيد العطار ، والشيخ ناجي الخميس ، والمحامي الشيخ رؤوف الجبوري، والشيخ محمد حسين الجباوي .
كان الشيخ يوسف كركوش الحلي يرى بأن الحلة ، ومنذ أن مصرها الأمير سيف الدولة صدقة المزيدي ، شهدت نهضة علمية وأدبية وصلت أوج عطائها في القرن السابع الهجري –الثالث عشر الميلادي ، فصارت دار هجرة لطلاب العلوم والمعارف فقصدها عشاق الفضيلة ، ليدرسوا العلوم على علمائها الأعلام فنبغ فيها العلماء والحكماء والأدباء، وذاع صيتهم مدى الآفاق ...كانت الحلة في ذلك العهد من أرقى المدن العربية والإسلامية بالنسبة لرقيها العلمي والأدبي ، وكانت مدرستها تعد اكبر جامعة إسلامية. ومما ساعد على ذلك أمران: أولهما أن أمراء الحلة من المزيديين كانوا على جانب عظيم من الفضل ،والكمال ،وسمو الأخلاق ، وكرم السجايا .كانت للأمير سيف الدولة مكتبة تحوي الآلاف من المجلدات . وكان أمراء بنو مزيد يدنون العلماء والأدباء ويطلقون لهم الحرية ، وهكذا ترسخت الروح العلمية والأدبية في الحلة، وأثمرت وجادت.
تحدث الشيخ يوسف كركوش الحلي عن الأسر العلمية والأدبية في الحلة إبان النهضة الفكرية المزيدية ، وراعى الترتيب الزمني في ظهور الأسرة على مسرح الحياة الفكرية . ولعل ابرز ما فعله هو أن ترجم لأبرز رموز الأسر العلمية والأدبية .

    وأرخ الاستاذ   الدكتور عماد عبد السلام رؤوف لجوانب مهمة من تاريخ  بغداد   ..                         ومنذ الستينات من القرن الماضي، وأنا اعرف الصديق الأستاذ الدكتور عماد عبد السلام رؤوف  ،وذلك عندما كنت أقرأ له ، وعنه في" مجلة المكتبة" التي كان يصدرها الأستاذ قاسم محمد الرجب صاحب مكتبة المثنى العامرة .وكانت اغلب مقالاته، وأخباره في المجلة تتعلق بما كان ينجزه الكتاب والباحثون العراقيون المهتمون بالتاريخ العثماني، وبتراث العراق ومنجزات مؤرخيه في هذا العصر المزدحم بالأحداث والوقائع والأفكار والمؤلفات والمصادر .وبعد التحاقي بالدراسات العليا في كلية الآداب –جامعة بغداد مطلع السبعينات ، توثقت علاقتي معه، وبعدها عملنا سوية في مشاريع وزارة الثقافة العراقية ذات الطابع التاريخي ومنها : موسوعة" حضارة العراق "و"العراق في مواجهة التحديات" .كما اشتركنا سوية ولأكثر من مرة في الندوات والمؤتمرات التاريخية ومناقشات رسائل وأطروحات الماجستير والدكتوراه .

    ألف عددا  كبيرا من الكتب أبرزها كتبه : " "مدارس بغداد في العصر العباسي" 1966 ،و"الآثار الخطية في المكتبة القادرية "بخمسة أجزاء 1974-1980 و"التاريخ والمؤرخون في العصر العثماني" 1983و"فهرست مكاتب بغداد الموقوفة" 1985 و"كتابة العرب لتاريخهم في العصر العثماني " 1989و"الأصول التاريخية لأسماء محلات بغداد"1994  و"المدرسة العلية في بغداد "1988 و"معالم بغداد في القرون المتأخرة "2000.كما حقق مجموعة طيبة من كتب المؤرخين الأوائل منها كتاب" زبدة الآثار الجلية في الحوادث الأرضية"لياسين العمري 1975، و"الدرر المنظومة والصور المختومة " لخليل بن علي البصير1974 ،و"تاريخ حوادث بغداد والبصرة من 1186-1192 هجرية"  لعبد الرحمن السويدي والجواهر وصفاتها ليحيى بن ماسويه و" تذكرة الشعراء " لعبد القادر الشرباني و" التحفة المسكية في الرحلة المكية"  لعبد الله السويدي و" تاريخ الزبير والبصرة"  لعبد الله بن الغملاس و " مطالع السعود : تاريخ العراق من سنة 1188 إلى سنة 1242 هجرية -1774-1826 ميلادية تأليف عثمان بن سند " 1991 و " معركة عين جالوت / رمضان 655 هجرية –أيلول-سبتمبر 1260 ميلادية " 1986 و" العقد اللامع بآثار بغداد والمساجد والجوامع"  لعبد الحميد بن عبادة  .وقدم لكتبا كثير آخرها تقديمه لكتاب "الشيخ عبد القادر الكيلاني :رؤية تاريخية معاصرة"  لمؤلفه السيد جمال الدين فالح الكيلاني  2011 .

     وللدكتور رؤوف كم كبير من المقالات والدراسات والبحوث المنشورة في المجلات ليس من السهولة حصرا ويحتاج  ذلك إلى وقت وجهد كبيرين . لكن مما لابد من الإشارة إليه أن معظمها يدور حول مساجد بغداد ،وسجلات المحكمة الشرعية ،وتاريخ مشاريع مياه الشرب القديمة في بغداد، وعبد الرحمن حلمي ومخطوطته في تاريخ بغداد في القرن التاسع عشر  وهنا لابد من الاشادة بما قدمه الزميل  الدكتور احمد ناجي الغريري حينما ألف كتابا عن أستاذه الدكتور رؤوف مؤخرا بعنوان : "الدكتور عماد عبد السلام رؤوف ..أربعون سنة في دراسة التاريخ وكتابته "، وفيه ركز على سيرته ومنهجه ، ومؤلفاته واهتماماته بتوثيق البنية الاجتماعية للعراق  وبغداد وتطور العلاقات بين شرائح المجتمع وانعكاس ذلك على التحولات السياسية .

وللمؤرخ الحاج وداي العطية إهتمام كبير ب " تاريخ الديوانية"  
وهنا لابد لي أن أقول أن هذا المؤرخ الذي لو لم يؤلف الا كتاب "تاريخ الديوانية قديما وحديثا " لاعتبرناه من المؤرخين الافذاذ .فمع انه تلقى تعليما دينيا في بداية حياته الاانه ثقف نفسه بنفسه وقرأ وحاور وناقش والتقى مع المؤرخين العراقيين المجايلين له ومنهم الاستاذ عباس العزاوي والدكتور مصطفى جواد والاب انستاس الكرملي ..كما انه سافر وزار دولا عديدة وعًلم اولاده ومنهم الاستاذ الدكتور عبد الحسين وداي العطية الاستاذ الجامعي ووزير الزراعة الاسبق 1968 تعليما حديثا وارسلهم في بعثات خارج العراق للحصول على الشهادات العليا ..كان يتقن الفارسية ويعرف التركية ..درس الاقتصاد وعلم الاجتماع والفقه والفلسفة ..كتب عنه صديقنا الاستاذ الدكتور صباح مهدي رميض بحثا ممتازا وقف عند سيرته ومؤلفاته ونهجه في كتابة التاريخ ، ووصفه بأنه كان صادق اللهجة ، حسن التعبير ، كريم النفس ، طيب الاخلاق ، كتاباته دقيقة وهو يحرص على الموضوعية والتحليل والنقد .الذي يهمنا ان لهذا المؤرخ مؤلفات غير منشورة منها كتبه عن تاريخ الحلة ، وتاريخ عشيرة بني حسن ، وتاريخ مدن الفرات الاوسط ، والمتصرفون في لواءي الحلة والديوانية ، وتاريخ عفك ، وحرب الشعيبة ، وحوادث سنتي 1936-1937 .........................توفي رحمه الله وجزاه خيرا على ماقدم لوطنه في 18 اب سنة 1983.


   ولابد لي أن اذكر الصديق المؤرخ جواد عبد الكاظم محسن وجهوده في التأريخ لمدينته المسيب معروفة وأنا شخصيا لم
أجد أحدا أكثر منه حبا لمدينته بل وعشقا لها . ومن هنا يمكن أن نسميه " مؤرخ المسيب الأول بلا منازع " ..
ومما عظم مكانته في نفسي، ونفس كل عراقي مخلص انه يحرص على توثيق ما يتعلق بنتاجات الكواتب والأديبات والمؤرخات والصحفيات العراقيات المعاصرات بكل دقة وأمانة. وقد أنجز موسوعته عنهن بجزئيها الأول والثاني واللذان ضما المئات منهن .وقف عند سيرهن وأرخ لنتاجاتهن ، وأبرز ما تميزت كل واحدة منهن. وفي يقيني انه من المؤرخين والباحثين الذين اهتموا بدور المرأة العراقية وإسهاماتها في بناء العراق الحديث وأي باحث في هذا الميدان لا يستطيع ان يستغني عن ما كتبه هذا المؤرخ الصادق الأمين .
كتب أحد الباحثين يقول : " أن لكل مدينة مؤرخها ، قديماً وحديثاً ، إذا ٌذٌكر ذكرت به ، وإذا ذكرت ذكر بها ، ففي الماضي القريب ، كان الشيخ يوسف كركوش الحلي (1906 – 1990م) للحلة الفيحاء ، وسعيد الديوجي (1912 – 2000م) للموصل الحدباء ، والسيد محمد حسن الكيلدار لكربلاء المقدسة 1918 – 1996م) ، والشيخ علي القسام (1904 – 1979م) لمدينة المسيب وغيرهم لغيرها ، وفي يومنا الحاضر صار عبد الرضا عوض لمدينة الحلة الفيحاء ، والدكتور إبراهيم خليل العلاف للموصل الحدباء ، والسيد سلمان هادي آل طعمة لكربلاء المقدسة ، وجواد عبد الكاظم محسن لعروس الفرات مدينة المسيب كما أحبّ واعتاد أن يسميها " .
وقد صدر له بهذا الخصوص : ولدا مسلم بن عقيل عليهم السلام (قصة الشهادة وتأريخ المرقد) ، وتراجم علماء المسيب وخطبائها المنبريين ، والعلامة الزاهد السيد هادي الصائغ ، و" من تراث المسيب الشعبي" ، و" دليل المسيب العام " ، وحقق وأصدر كتابين للشيخ علي القسام الأول (كتاب الدرتين في أحوال السيدين إبراهيم المجاب وابنه أحمد) ، والثاني (السفر المطيب في تأريخ مدينة المسيب) .

ونحن نوثق لمن كتب عن المدن العراقية لابد ان نذكر الاستاذ  يعقوب سركيس وكتابه : " مباحث  عراقية "يضم مجموعة طيبة من مقالاته التي أرخ فيها للحياة العامة في العراق وخاصة في عصور العباسيين والفترتين المظلمة والعثمانية .قال الاستاذ رفعت عبد الرزاق محمد في مقال عن الاستاذ يعقوب سركيس بعنوان : " شيئ عن يعقوب سركيس " ، نشر في جريدة المدى 20 حزيران –يونيو 2012 عن كتاب " مباحث عراقية " انه صدر منه الجزء الاول وهو يضم بعض المواد المنشورة في مجلة لغة العرب ، طبع سنة 1948 بتقديم الشيخ محمد رضا الشبيبي ، ووضع فهارسه الاستاذ كوركيس عواد وأخيه ميخائيل اللذين اشترطا عليه ان لايذكر اسمهما .. .
2 ــ الجزء الثاني ، طبع سنة 1955 ، بتقديم الاستاذ روفائيل بطي ، ووضع فهارسه الاستاذ يوسف يعقوب مسكوني وعلى السياق نفسه الذي وضعت فيه فهارس الجزء الاول . وضم المقالات في شتى الصحف والمجلات.
3 ــ الجزء الثالث ، طبع سنة 1984 بعنوان :"مباحث عراقية في التاريخ والجغرافية والاثار وخطط بغداد " ، جمع وتحقيق الاستاذ معن حمدان علي . وقد ظهر غلاف الكتاب خاليا من اسم المؤلف ، اذ توهم مصممه ان جامعه هو المؤلف.
قال عنه المرحوم الاستاذ الدكتور مصطفى جواد : " ان الواصف لايعدو الحقيقة اذا وصف يعقوب سركيس بالباحث المتثبت، الجم المعلومات الكثير المراجع وخصوصا مراجع تاريخ العراق المتأخر من تركية وفارسية وافرنجية وعربية خطية وغير خطية " .ووقف الاستاذ رفعت عبد الرزاق محمد عند اسلوب يعقوب سركيس قائلا : بأن كتاباته التاريخية اتسمت بدقة التعبير ، "
أما  الدكتور سلمان هادي آل طعمة فله دور كبير في التوثيق لتاريخ وتراث كربلاء ومنذ أن كنت طالبا في قسم التاريخ بكلية التربية –جامعة بغداد مطلع الستينات من القرن الماضي ، عرفتُ الكاتب والشاعر والأديب والصحفي والمؤرخ السيد سلمان هادي ال طعمة .والرجل لم يكن ممن يسكنون في بروج عالية، وإنما كان منغمسا في الحياة الفكرية والثقافية العراقية المعاصرة ويميل الكثيرون الى تسميته ب"مؤرخ كربلاء " .أنجز مجموعة من المؤلفات .. كما نشر العديد من المقالات والدراسات  في الصحف ولمجلات العربية والعراقية . ولا يزال يواصل البحث والتأليف في شؤون التراث لاسيما التراث الذي يخص مدينة كربلاء المقدسة .
ومن كتبه المنشورة :
- ديوان حسين الكربلائي – جمع وتعليق ( كربلاء 1960م ) - ومحمد حسن أبو المحاسن الشاعر الوطني الخالد ( كربلاء 1962م ) وتراث كربلاء ط1 ( النجف 1964م ) ط2 ( بيروت 1983م ) وشعراء كربلاء – الجزء الأول ( النجف 1967م )، ( الجزء الثاني – النجف 1968م ) ، (الجزء الثالث النجف 1969م ) 9- ومضات من تاريخ كربلاء ( النجف 1967م ) 10- مخطوطات كربلاء – الجزء الأول (النجف 1973م ) 11- دليل كتّـاب كربلاء (ط1 كربلاء 1975م ، ط2 كربلاء 2004م ) 12- خزائن كتب كربلاء الحاضرة ( النجف 1977م) 13- و مخطوطات كربلاء(الجزء الثاني) – خزانة السيد محمد باقر الحجة الطباطبائي – ( الكويت 1985م ) و تاريخ مرقد الحسين والعباس (ع) ( بيروت 1997 ) 26- عشائر كربلاء وأسرها ( بيروت 1997م ) 27- معجم خطباء كربلاء ( بيروت 1998م ) 28- غزليات الشعراء العرب (بيروت 1998م ) 29- معجم رجال الفكر والأدب في كربلاء ( بيروت 1999 ) 30-كربلاء في ثورة العشرين ( بيروت 2000م) و الحسين في الشعر الكربلائي ( بيروت 2001م ) ودليل كربلاء المقدسة (بيروت 2001م) 37و صحافة كربلاء (ط1 دمشق 2005م ، ط2 كربلاء 2006م ) ، 45 - حكايات من كربلاء ( بيروت 2007م ) ، 46- أعلام من بلادي ( دمشق 2005م ) ، 47- الشعراء الشعبيون في كربلاء ( ج1 ، دمشق 2005م ) ، 48- أعلام النساء في كربلاء ( دمشق 2005م ) ، 49- و المزارات المقدسة في كربلاء ( بيروت 2008م ) ، 51- مشاهير المدفونين في كربلاء ( بيروت 2008م ) 52- نزهة الإخوان في وقعة بلد المقتول العطشان (لمؤلف مجهول ) – تحقيق (الحلة 2009م ) 53- معجم الأكلات والحلويات في كربلاء ( دمشق 2009م) 54- القراء والمقرئون في كربلاء ( النجف 2010) 55- المربي السيد حسن موسى( الحلة 2011م) 56- المعالم الأثرية والسياحية في كربلاء (طهران 2011م) 57- تاريخ غرفة تجارة كربلاء ( النجف 2011م) 58- الأسر العلمية في كربلاء – آل الشيرازي (النجف 2012م )..
يقول الأستاذ سلمان هادي آل طعمة إن ابرز أعماله المحببة إلى نفسه هو كتاب : ( تراث كربلاء ) لأنه يعد المصدر الرئيس الذي اعتمد عليه المؤلفون والباحثون ، فقد تضمن تفاصيل كثيرة عن تاريخ المدينة وحياتها الثقافية . ومما ساعده على توثيق تاريخ وتراث كربلاء حبه لها بل قل عشقه لها لذلك أعطاها كل شيئ ..ولم يتوان في إبراز شخصيتها الحضارية وتاريخها الحافل بالأحداث وإسهامات الرجال والنساء في حفظ قيمها وعاداتها وتقاليدها العربية والإسلامية الأصيلة . كان يؤكد بأن كربلاء أنجبت رهطاً كبيراً من المفكرين الذين ملأوا الدنيا بآثارهم الخوالد وسجلوا صفحات ناصعة في تأريخ الإسلام وان لكربلاء دور مهم في نشر المعارف والعلوم ،كما وإنها من أوائل المدن العراقية التي عرفت المطبعة الحديث وسخرتها في سبيل خدمة لغة الضاد .
وقد اهتم الاستاذ  سعيد الحاج صديق الزاخويي بوضع كتاب بعنوان :" زاخو ..الماضي و الحاضر" والكتاب قد طبع في مطبعة خاني بدهوك سنة 2009 .ويتناول تاريخ زاخو وتراثها وتركيبتها كمدينة ورموزها وابرز الاحداث التي شهدتها .وزاخو مدينة عريقة موغلة في القدم لها اهمية استراتيجية من حيث سيطرتها على الطرق والمداخل التجارية التي كانت تؤدي من بلاد اشور الى الاناضول .وفي مرحلة من المراحل اصبحت امارة مستقلة بأسم سنديا ،لكن امراء بهدينان ضموها الى امارتهم سنة 1470 .وقد احتلها الانكليز سنة 1918  ،ثم اصبحت قضاء تابعا للموصل .وفي  سنة 1969 استحدثت محافظة دهوك، فغدت زاخو قضاءا تابعا لدهوك .والمؤلف الاستاذ الزاخويي عمل مربيا  ،واذاعيا وله روايات باللغة الكردية. كما ترجم بعض الاعمال من العربية الى الكردية .وفضلا عن ذلك فهو شاعر وله ديوان .

تحدث في الكتاب عن زاخو في الكتابات التاريخية ،ووقف عند ادارة زاخو واحداثها والتعليم فيها وتركيبتها الاجتماعية واعلامها وعوائلها  من المسلمين ، والمسيحيين واليهود ، وذكر اسماء القائمقامين الذين أداروها ومنهم ((الاستاذ صبحي علي  ال عبيد اغا )) .وقد عين قائمقاما لزاخو سنة 1954 وكان من قبل معاونا للشرطة في زاخو سنة 1936 وقد وصفه المؤلف بأنه كان صلب العود يتمتع بشخصية قوية وكانت له بصمته في زاخو اذ قدم اعمالا عمرانية وادارية ورياضية وتعليمية . ومن رموز زاخو حازم شمدين اغا وصالح اليوسفي وحمزة عبد الله .
ولايمكن أن ننسى جهود الاستاذ  عطا ترزي باشي في توثيق تراث وتاريخ كركوك الحديث والاستاذ عطا ترزي باشي مؤرخ ، وكاتب ، وباحث ، وشاعر من كركوك ، ابتدأ الكتابة منذ اواسط الاربعينات من القرن الماضي ، وكانت كتاباته الاولى ، كما يقول صديقه ومجايله الاستاذ وحيد الدين بهاء الدين ، تنصرف لمتابعة موضوعات تتعلق بتراث كركوك ، وتاريخها ، ومبانيها ، ومدارسها ، وجوامعها ، وقشلاتها ( المدنية والعسكرية) من قبيل مقالاته عن ( حالة المدارس في كركوك) ، و (عمارات المعارف في كركوك) ، و ( جسر كركوك) ، و ( شركة النفط في كركوك) و ( قشلة كركوك القديمة) .

ولم يقف عطا ترزي باشي عند تلك الموضوعات ، بل اتسع اهتمامه ليتناول موضوعات تتعلق بجغرافية كركوك ، وتركيبتها السكانية ، واوضاع الصحافة والادب والفن فيها ، وقبل فترة خرج علينا بموسوعته الموسومة (شعراء كركوك) وكتابه ( التاريخ الشعري للعمارات والمؤسسات بكركوك) . ويقصد بالتاريخ الشعري هنا التأريخ بحساب الجمل المعروف في العصور الاسلامية .

ان عطا ترزي باشي ، في توثيقه لاصول كركوك وجذورها الضاربة في اعماق التاريخ والحضارة، وباللغتين العربية والتركمانية، يقول الاستاذ وحيد الدين بهاء :" إن المؤرخ عطا ترزي باشي أصيل أصالة كركوك كيانا ووجدانا وزمانا ومكانا ، واقعا وطابعا ، كركوك هذه الحاضرة التاريخية هي موطنه وموطن أبائه ، نبع إلهامه ، يستمد منها القوة والقدرة " ، لذلك شغلت ( كركوك) مساحة واسعة في فكر وذهنية وهواجس هذا المؤرخ.

من كتب عطا ترزي باشي المنشورة : ( موسوعة شعراء كركوك) كركوك شاعر لري (10 اجزاء) و (تاريخ الصحافة والمطبوعات في كركوك 1879 ـ1985 ) (كركوده باصين ومطبوعات تاريخي) ، وكتاب(اغاني كركوك (خويرات كركوك) ، وكتاب الامثال الشعبية في كركوك (كركوده اسيكر سوزي) وكتاب (الانغام الكركوكلية) ( كركوك هوالري) وكتاب (كركوده عماره وتأسيسلرك، منظوم تاريخلري، ( كركوك ،2005) . وليس من السهولة رصد كل ما كتبه عطا ترزي باشي فذلك يحتاج الى وقت وجهد وتخصص في علم المكتبات لكن جمع ما كتب يظل ضرورة يحتاجها الباحث.

.
ورحم الله المؤرخ الصديق الاستاذ فيصل غازي الميالي وكتبه وخاصة :" مباحث فراتية" مضرب المثل في الدقة والشمول وقد  عرفته منذ سنوات طويلة، باحثا مهتما بالديوانية  والاهم من ذلك أنه يعد من أبرز الكتاب الذين اهتموا بالفلاح العراقي، وبجهده في حرث الأرض، وزراعتها ، والعناية بها. ومما ساعده على ذلك، انه قضى معظم سنوات خدمته الوظيفية في " قسم الأراضي بدائرة الإصلاح الزراعي في لواء  الديوانية"  حيث عين سنة 1959 وتقاعد في سنة 1987.. كان من الرعيل الأول الذي نفذ قانوني الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958 و117 لسنة 1970 ، وتولى مهاما عديدة في دوائر الإصلاح الزراعي منها عضويته في لجان إدارة الأراضي والتعاقد في لواء الديوانية  .
  
    من كتبه المنشورة : " القول الجميل في ذكر ذريه السيد علي الميل.. نسب وتاريخ قبيلة السادة الاميال في العراق :دراسة تاريخية نسبية " " و "شذرات وسوانح عن السياح الذين مروا بسنجق (لواء)  الرحمانية" وبلداته  الثلاث لملوم والحسكة والديوانية " ومباحث فراتية  في الجغرافية والتاريخ والآثار- الجزء الأول " و"الحضارات العراقية القديمة.. نهر الفرات في طوره الأول" و " القول المعلوم في تاريخ حمزة لملوم" و" حمد آل حمود الخزاعي الأمير العربي الثائر" و " النبي نوح ومعجزة الكون" و "الانتفاضات الفلاحية بوجه الإقطاع في محافظة القادسية خلال العهد الملكي في العراق"، و" تغيرات حدثت على مجرى نهر الفرات في محافظة الديوانية" و" تاريخ قبيلة البو سلطان الزبيدية " و" تاريخ عشيرة ال حجي محسن الخزاعية " و " السيد حبيب حسين وادي الميالي أحد زعماء ثورة العشرين المجيدة " و"صفحات من تاريخ اليهود في الديوانية".
        كما كتب سلسلة من الدراسات والمقالات نشر معظمها في صحف ومجلات عراقية عديدة  كما ضمت بعضا كتبه ومن هذه البحوث والدراسات  : "أهمية النسب ومكانته" و" دراسة سياسية لعشائر محافظة القادسية" و" الفريضة في المجتمع العشائري وجه للمصالحة والمعالجات الودية "و" من رجال الديوانية الأحرار.. سيد رجب الميالي " و" مجرى نهر الفرات في طوره الأول ضمن بادية كربلاء العربية حتى النجف الاشرف " و" انتفاضة فلاحي الشامية 1954" و" ثورة الديوانية على الحكم العثماني في العراق 1732م بقيادة السيد شبر بن ثنوان الحويزي الموسوي" و " الأسباب والعوامل التي أدت إلى تحويل مجرى نهر الفرات من الرملة الأعمى إلى نهر العوجة الحالي ضمن قاطع لملوم (الحمزة الحالية) و "القبائل والعشائر العراقية ومنصب باب العرب في العهد العثماني" و"صفحات من تاريخ مدينة الشامية بمحافظة القادسية " و"لفظة روبيانة او ربيانة في ناحية المدحتية في محافظة بابل ماذا تعني ؟ " ولمحة تاريخية عن عشيرة؟  العواتي إحدى عشائر بني حسن الهلالية العدنانية والتي تقطن  قضاء الرميثة بمحافظة المثنى " و" السلطان العثماني عبد الحميد الثاني اكبر الإقطاعيين في الديوانية خاصة والعراق عامة للفترة من 1882 ولغاية 1909 " و"آراء وملاحظات حول كتاب دراسات وثائقية وبحوث تحليلية عن حياة إبراهيم بن عبد الله شهيد باخمري (ع) " و " المرادية الوحدة الإدارية والمرادية القلعة والمرادية القرية " .
       
    إن ماقدمه الأستاذ الميالي يعد منجزا علميا إبداعيا يعكس اهتمامه وولعه بالتاريخ والآثار والانساب والبلدانيات ، ويأتي ذلك - باعتقاده - أن توثيق اللمحات التاريخية والاجتماعية وخاصة في بيئة (منطقة الفرات الأوسط) والديوانية بشكل خاص يعد ضرورة ((لتجذير الانتماء إلى الأرض حبا وإخلاصا)).  كما أن اهتمامه بالانتفاضات الفلاحية في منطقة الفرات الأوسط يعكس آراءه ومبادئه في التاريخ للقوى الاجتماعية الحقيقية الفاعلة، وكثيرا مانجده يلهث وراء كلمة أو معلومة علها تكون له (( ملاذا من مبهمات الأسئلة التي تثيرها كتابات المؤرخين)).
   
     يقينا أن الأستاذ الميالي، يعد مؤرخا  وطنيا تقدميا، وخاصة في تركيزه على تاريخ الانسان  العراقي وارتباطه بالأرض  وإيمانه  بمبادئ الحرية والعدالة والوقوف ضد الاستبداد والظلم فاستحق لذلك منا كل التقدير والاحترام.
  وهنا لابد ان نشير الى الصديق  الدكتور عبد العظيم عباس الجوذري  وجهوده في التوثيق للمراقد المقدسة ولعل ما يميز أعماله المزج بين التاريخ والآثار فهو حين يتناول موضوعا نجده يبحث عن عناصره التاريخية والاثارية والدينية .ومن ذلك مثلا تناوله لمرقد الإمام الحمزة الغربي فهو يقف عند نسبه وبناء مقامه وخصائص ومكونات هذا البناء المعمارية من قبة وأبواب واواوين ومقرنصات وصحن داخلي وخارجي ومئذنة ولا ينسى الإشارة الى كرامات من يكتب عنهم وتأثراتهم في سلوك الناس الإيماني ويربط ذلك كله بالدعوة إلى تشجيع حركة السياحة الدينية . وعند تأريخه للمدن فأنه يتحدث عن طبيعتها وأسباب نشأتها وتطورها . ونلحظ ذلك مثلا في تأريخه الموسوم : " ومضات من تأريخ مدينة القاسم " فهو يشير إلى مؤسسات هذه المدينة - التي تقع على بعد 35 كيلومترا جنوبي محافظة بابل - وأبنيتها والحرف والمهن السائدة فيها فضلا عن استعراض مكانتها التاريخية والدينية والثقافية وخاصة من حيث ضمها لمرقد الإمام القاسم بن الإمام موسى بن جعفر عليهم السلام .
 من مؤلفاته المنشورة :
·       القاسم نجل الإمام موسى الكاظم .
·       آل جوذر :تاريخ عريق وصفحات مشرقة .
·       ومضات من تاريخ مدينة القاسم .       
·       كرامات الإمام القاسم .
·       قبسات من السيرة النبوية الشريفة .
·       ذو الكفل نبي الله المرسل .
·   مراقد السادة النجباء جنوب الحلة الفيحاء      
  
·       مشهد رد الشمس في الحلة.

         ورد اسم الدكتور عبد العظيم عباس الجوذري في"  معجم المؤلفين والكتاب العراقيين"  ج5 ص72 .وقد ترجم له الأستاذ الدكتور صباح نوري المرزوك في كتابه الموسوم " النهضة الفكرية في الحلة " ص155-156 .كما وردت ترجمته في كتاب "  أدباء بابل المعاصرون "  للباحث عبد الرضا عوض ص142- 143 .وقد وردت ترجمته في كتاب " تاريخ الحلة وعشائرها " للباحث علي الكعبي ، ص106 .
     مارس العمل الصحفي حيث عمل مديراً لتحرير مجلة ( المزارات ) .كما عمل في عدد من منظمات المجتمع المدني في محافظة بابل .وقد اعتمد خبيراً للعمل في الأمانة العامة للمزارات . ، كان ولا زال يسكن ناحية القاسم .
    له آراء مهمة تتعلق بالتاريخ –مجال تخصصه – وكتابته وأهميته وفائدته في عملية بناء المجتمع.. ومن ذلك انه يرى أن التاريخ ليس إلا جسر  يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل , وان معرفة الخواتيم  لا يمكن أن تأتي إلا من خلال معرفة البواكير والبدايات ومعرفة التاريخ لابد ان تشكل بعدا تكامليا. كما لابد من العلمية والمنهجية في قراءة التاريخ و فهمة وفي إصدار الأحكام عليه  .
   





لنقف قليلا عن ما قدمه المرحوم الاستاذ  طارق ابراهيم شريف في مجال الكتابة عن (اربيل ) .. وهنا لابد لي ان اقول بأنني ارتبطت بالصديق الصحفي الاستاذ طارق ابراهيم شريف بعلاقة وثيقة منذ سنوات طويلة .. وعندما اصدر في اواخر الثمانينات ومطلع التسعينات من القرن الماضي كتابه الجميل :"شخصيات تتذكر " بجزئين ليتضمن مقابلات صحفية مع عدد من الشخصيات العراقية منهم الاساتذة مسعود محمد وعز الدين الملا وعوني يوسف وهادي الجاوشلي وفتاح الشالي واحسان شيرزاد وعلاء الدين محمود ..الجزء الاول اصدره سنة 1988 والثاني في سنة 1991.. حرص على ان يرسل لي نسخة من كتابه ممهورة يتوقيعه في حينه وبتاريخ 25-9-1993 ....والاستاذ طارق من مواليد اربيل سنة 1950 صحفي متمكن ..ابتدأ حياته الصحفية مراسلا لمجلة "الفكاهة" الاسبوعية سنة 1968 ولجريدة "كل شيء " الاسبوعية سنة 1969 ثم لجريدة "المجتمع " الاسبوعية سنة 1970 .كما كان مراسلا صحفيا لمجلة "الوان جديدة " المصرية سنة 1970 ولمجلة الف باء (البغدادية " منذ سنة 1980 الى سنة 1987 ولجريدة "الاتحاد " من سنة 1988 الى سنة 1990 وهو عضو نقابة الصحفيين العراقيين وله كتب منشورة منها :اربيل :لمحة سياحية " اصدره سنة 1973 .
وأخيرا لابد من ان نشير الى الصديق الاستاذ جابر الجويبراوي الذي أرخ لمدينة العمارة في محافظة ميسان والاستاذ جبار عبد الله الجويبراوي باحث  وكاتب ومؤرخ ولد في العمارة سنة 1947 وتخرج في دار المعلمين الابتدائية سنة 1965 وعمل في التعليم واهتم بالكتابة للمسرح ومن تبه :" تاريخ ميسان وعشائر العمارة " 1990 و"الميسانيون "  2013 و"تاريخ التعليم في العمارة 1917-1958 ".

ومن أبرز مؤرخي البصرة المرحوم الاستاذ حامد علي البازي 1920-1995 ، وهو من هواة المؤرخين، شأنه شأن، عباس العزاوي، وعبد الرزاق الحسني، وخيري العمري، وصديق الدملوجي.. لم يتلق تعليما أكاديميا في التاريخ، وإنما اتجه إلى التاريخ من باب الرغبة في الاطلاع والتوثيق لما يحيط به من أحداث ومتغيرات.. وقد شكلت كتاباته مصدرا مهما لكل من يريد كتابة تاريخ البصرة الحديث وخاصة فيما يعرف بالعصور المتأخرة..
كان كمجايليه، وطنيا عراقيا، وقوميا عربيا، لذلك اتجه إلى التاريخ في محاولة منه للعودة إلى الجذور والأصول. كما أولع بالتنقيب عن الغرائب والعجائب وتسجيل أيام المدينة وأحداثها ووثق لكثير من أخبارها.
ومن نشاطاته انه عمل في توثيق تاريخ البصرة المتأخر بالصور الفوتوغرافيـة.. ومـن مؤلفاته المطبوعة: البصرةة في الفترة المظلمة عام 1969.


و ثورة العشرين ومساهمة البصرة فيها.

كما أن له مؤلفات مخطوطة هي:
1) تاريخ البصرة الكبير، في سبعة أجزاء.
2) مختصر تأريخ البصرة في العهد العثماني.
ومن مؤلفاته التي لاتزال تنتظر الطبع كتابه عن (تاريخ البصرة) ويقع في سبعة أجزاء، وكتاب (مختصر تاريخ البصرة في العهد العثماني) 
قال إن : "تاريخ العراق عامة وتاريخ البصرة خاصة لذيذ وشيق للقاريء والسامع، حيث أن أخبار هذه الحقبة من الزمن (يقصد الفترة المظلمة في تاريخ العراق والممتدة منذ بدء السيطرة العثمانية 1538 وحتى احتلال البريطانيين للبصرة1914 كان مطمورا وبعضه لايزال في طي المخطوطات والسجلات والمذكرات وكان شوقي للبحث قد دفعني إلى أن أتحمل المشاق وأتجشم المصاعب لاستقصي التاريخ، وأنا اقضي الليالي والأيام منهمكا بين الكتب والمكتبات والاتصال بالناس والعلماء والمعمرين لأحصل على أخبار ذكر بعضها في مصدر واحد أو جاء على لسان واحد مرة واحدة أو هو لايزال محجوزا في مكتبات احد من الناس...".

وفيما يتعلق بأسباب اهتمامه بالفترة المتأخرة من تاريخ البصرة يقول أن ذلك يرجع إلى اعتقاده بان حوادث هذه الفترة غامضة. وقد ركز الأستاذ حامد البازي في الجزء الأول من كتابه : "البصرة في الفترة المظلمة وما بعدها" على القرون الأربعة من التاريخ العثماني أي الممتدة من سنة 945 هجرية 1538 ميلادية إلى سنة 1333 هجرية 1914 ميلادية وكان يقصد بالمظلمة أن هذه الفترة مهملة من المؤرخين وبعبارة أخرى مظلومة تحتاج إلى دراسات وبحث لملامحها وأبعادها وموقعها في حركة التاريخ العراقي الحديث. لذلك فأن الكثير من أحداثها -كما يرى- غير موثق بعد.
ولاينكر المؤرخ البازي أهمية كتب الرحلات في توثيق تاريخ البصرة ويضرب على ذلك مثلا، رحلة ناصر خسرو، وهو رحالة إيراني زار البصرة سنة 1051م، ورحلة مدام ديو لافوا التي زارت البصرة سنة 1881 ومن قبله الرحالة انجهولت الذي زار البصرة سنة 1886. ويقف البازي عند الدور التجاري الذي لعبته البصرة في الخليج العربي، ولا ينسى متابعة البنية الاجتماعية للبصرة في تلك المرحلة المبكرة من التاريخ الحديث، وهو في تأريخه للبصرة، يتناول حال الناس، وعلاقاتهم بالبحر، والصيد، ووسائط النقل، والسفن والمراكب، وتجارة التمور، والأمراض والأوبئة، والنكبات، والغزوات التي تعرضت لها البصرة مرارا وتكرارا. فعلى سبيل المثال قال أن البصرة كثيرا ما كانت تتعرض لأسراب الجراد وهذا ما كان يدعو الأهالي في البصرة لتجنيد أنفسهم لمحاربته ليلا ونهارا، خاصة وان الجراد كان يضر الزروع، ويدوم وجوده لأكثر من أسبوعين ويتسبب الجراد في ارتفاع أسعار الحاجيات.. كما كانت البصرة تتعرض للطاعون الذي يمتد إلى منطقة الأهواز بإيران وكثيرا ما كان الناس يهربون إلى الصحراء .. وقد أشار المؤرخ البازي إلى ما كان يعانيه البدو عند اشتداد الأزمات الاقتصادية ومن ذلك أنهم كانوا يبيعون خيولهم بأثمان رخيصة وذلك من اجل لوازمهم واحتياجاتهم من الحبوب والتمور. من مباحث كتابه : "البصرة في الفترة المظلمة" معنى البصرة وتأسيسها، تجارة البصرة مع تطور الزمن، البصرة قبة الدنيا،البصرة حاضرة زراعية تجارية، صفحات من تاريخ البصرة في الفترة المظلمة، بواخر النقل النهرية والبحرية، الطاعون في البصرة الصيرفة في البصرة، نشأة الصحافة البصرية، تاريخ تأسيس الشركات الوطنية والأجنبية، الملابس البصرية، ميناء أم قصر، المحاكم، الكمارك،الرحالة والسواح الذين زاروا البصرة، غرفة تجارة البصرة، أول سايلو يؤسس في البصرة،تجارة الصوف، وسائط النقل على الخيل والابلام العشارية والنصارية،، الطابو في البصرة، السفن النهرية والبحرية التي كانت ترسو في شط العرب، طابع البريد من البصرة إلى بومبي وقيمته سنة 1863، العملة من البارة والمجيدي، أول انتخاب يجري لمختاري البصرة،مساحة البصرة ومحلاتها، أول قابلو بين البصرة والهند، علاقة البرتغاليين والهولنديين والانكليز والمساقطة بالبصرة، الأراضي الأميرية والسلطان عبد الحميد الثاني 1876 -1909 المسيحيين واليهود والهنود في البصرة وإعداد نفوسهم ودورهم كصيارفة وتجار وصاغة، المبشرين، محلات اللهو والرهان على الخيول والكلاب والديكة. 
كان المؤرخ حامد البازي بصريا أصيلا، محتفظا بنقائه الجنوبي، وأصالته، وصدقه مع نفسه ومع الناس. كما عرف بالتواضع، والحلم ونكران الذات والميل إلى الطرافة والبساطة وغالبا ما كان يبتسم ابتسامة مهذبة لمن يلتقيه وتتلاقي في نفسه، بمكان اكبر وقسط أوفر، الطبائع البصرية، والحس العربي النبيل.. ومن عاداته ارتياد المقاهي التراثية ولعل أهم مقهى كان يجلس في مقهى أم السباع وقد كتب عن هذا المقهى الأستاذ عبد الكريم العامري مقالة: "إن مقهى أم السباع أسسها المرحوم الحاج ناجي المعروف (أبو العشر) عام 1933 وتعد من أقدم مقاهي البصرة، وتقع في منطقة البصرة القديمة وفي   منطقة يطلق عليها عز الدين وموقعها الحالي سوق الخضار وسوق السمك، سميت المقهى بهذا الاسم كون بوابتها تحتوي على تمثالين لأسدين، وقد كان يرتادها كثير من الفنانين والأدباء نذكر منهم المؤرخ (حامد البازي)، والمطرب الكويتي (عوض دوخي) والدكتور (عبد الوهاب لطفي) وكان السيد صبري أفندي (أمين صندوق البصرة) أو كما تقول كلمات الأغنية التراثية (صندوق أميني البصرة) من المدمنين على الجلوس في هذا المقهى ولساعات طويلة وقد تحدث السيد (صبيح جعفر حسن) وهو واحد من أصحاب المقهى بأنه مقهى السباع كان منتدياً أدبياً وثقافياً ومن الذين عملوا فيه (عبد الوهاب أبو الشوربة) الذي كان عضواً في حزب الاستقلال وكان يحرص على تحريض الزبائن ضد الاستعمار والدفاع عن فلسطين. 
وقد وثق الأستاذ حامد البازي الكثير من الأحداث الطريفة التي شهدتها البصرة في تاريخها الحديث. كما وثق سير وطرائف بعض شخصياتها ومنهم على سبيل المثال "صبري أفندي صندوق اميني البصرة"، الذي خلدته   المطربة العراقية الأصيلة صديقة الملاية 
إن كتابات البازي تعد – بحق - وثيقة مهمة للمؤرخ الذي يروم معرفة التطورات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبصرة. ومن هنا تأتي القيمة الحقيقية لما خلفه البازي من كتب،ومذكرات، ومخطوطات فهو شاهد عيان لكثير من الأحداث. مرض الأستاذ حامد علي البازي وزاره فريق طبي برئاسة الدكتور عبد الأمير الثامري المدير العام الأسبق للصحة في البصرة وقدم له الفريق الخدمة الطبية اللازمة لكن المرض اشتد عليه ولم يمهله طويلا فلقد توفي يوم 25 تموز سنة 1995، ودفن في مقبرة الحسن البصري الشهيرة في البصرة. رحمه الله وجزاه خيرا على ما قدمه لمدينته ووطنه وأمته.

حسنا فعل الصديق العزيز الاستاذ  عبد الحليم الحصيني عندما كرس لها اربع مجلدات تحدث فيها عن   تاريخ الناصرية ورجالاتها .ويقينا ان الكتاب -الموسوعة أخذ من جهد ووقت الاستاذ الحصيني سنوات وقد علمت انه قضى في تأليف الكتاب قرابة اربع سنوات فبارك الله به وبجهده الطيب .
لم يترك الاستاذ الحصيني شاردة أو واردة في تاريخ هذه المدينة المتحضرة إلا واحصاها وكتب فيها .كتب عن جغرافيتها وتركيبتها السكانية والادارية واحزابها وتطور التعليم فيها ووقف عند جامعتها وحركتها الادبية والثقافية والفنية والمسرحية ..كما تحدث عن اسواقها وحرفها وعشائرها ورجالاتها ومثقفيها وصحفها ....
كتاب لانستطيع ان نقول الا انه موسوعي وكما قلتُ له :" كتاب جليل لاستاذ جليل " .. وكم كنا بحاجة اليه .. ولمن لايعرف الاستاذ عبد الحليم الحصيني اقول انه مرب فاضل ، ومؤرخ حصيف،  وانسان فاضل فهو من مواليد  مدينة الناصرية عام 1959م أكمل دراسته الابتدائية في مدرسة الكاظمي الابتدائية وكان مديرها المربي عوده زغير والمتوسطة والإعدادية في اعدادية الجمهورية للبنين..  التحق بعدها بكلية الآداب / جامعة بغداد ــ قسم الترجمة وتخرج فيها عام العام الدراسي 1986-1987 عمل في مجال الصحافة ، وله مواد تاريخية نشرها متسلسلة منذ عام 2000م في جريدة" الناصرية " ... كما حصل على البكالوريوس في التاريخ / الكلية التربوية / 2007م، عضو نقابة الصحفيين العراقيين ، وأمين سر اتحاد الصحفيين العراقيين / فرع ذي قار في دورته الانتخابية الاولى عام 2004م / عين  بمنصب مدير الإعلام التربوي في تربية ذي قار عام 2003م ، ترأس تحرير مجلة " التربوي"  تصدر عن شعبة الاعلام التربوي كما ترأس تحرير جريدة الناصرية التربوي وعمل مدير تحرير مجلة التضامن الصادرة في الناصرية ، ترجم له السيد حسين ابو سعيدة في كتابه (المشجر الوافي / ج 2) كما ترجم له ثامر عبد الحسن العامري في الجزء الثاني من كتابه (موسوعة العامري للعشائر العراقية ) وترجم له ايضا محمد علي يوسف ال يحيى في الجزء الاول ، الفصل الثالث من كتابه (اعقاب جعفر الخواري في العالمين العربي والاسلامي)ومن آثاره: (الناصرية تاريخ ورجال ، اربعة اجزاء ، مؤسسة الرافد للطباعة ــ 2013م ) و (معجم اعلام ذي قار ، 3 أجزاء ، قيد الطبع ) و ( صناعة الخبر في التاريخ العربي الاسلامي / رسالة ماجستير / معهد العراق للدراسات العليا ) و ( تطور التعليم في ذي قار / مخطوط ) و ( الامثال واللهجة الشعبية المتداولة في الناصرية / مخطوط ) متزوج وله احمد عبد الحليم في المرحلة الرابعة من كلية الاعلام وعلي عبد الحليم في الصف الثالث المتوسط .
أما سبب اهتمامه بتاريخ الناصرية فقد أجاب عندما سألته :" عندما فكرت  أن اكتب عن الناصرية قلت علي ان اعرف من انا  حتى اكتب عن الاخرين  ، لهذا  اهتممت  بالانساب وعرفت جذوري وانحداري عندها كتبت عن الناصرية وأهلها واصبحت جاهز للجواب عندما اتعرض لسؤال انت من  ؟ واهلك من ؟ حين اتصدى    للكتابة عن الاخرين وعندما اكتب عن العراق على الاقل يكون عندي تصور عن تاريخ مدينتي اولا لاكون مستعد للانطلاقة نحو تاريخ العراق ومدنه هذا اولا وثانيا اني اعشق التاريخ منذ طفولتي واخذ هذا العشق ينمو الى يومنا هذا" .
وقلت له وما هو منهجك في الكتابة او بالاحرى ما خطتك في كتابة تاريخ الناصرية ؟ قال :"  في كتابة تاريخ الناصرية اعتمدت على ثلاثة اقسام، القسم الأول هو العمق التاريخي للمدينة وهذا القسم مررت عليه سريعا لان علماء التاريخ كتبوا الكثير عن هذه الفترة (حضارة سومر واور ولكش ولارسا وبقية المدن الاثارية الموجودة في الناصرية) .
اما القسم الثاني فهو تاريخ الناصرية خلال العهد العثماني أي من تاريخ تأسيسها على يد مدحت باشا عام 1869م حتى دخول الاحتلال البريطاني لها وانسحاب العثمانيين منها في 25 تموز 1915م، وركزت في القسم الثالث  لتدوين تاريخ الفترة  من 25 تموز 1915م حتى يومنا هذا..مع العلم  إني ركزت اهتمامي على القسم الأخير كونه القسم الأهم من تاريخ المدينة ووجها المشرق بكل تفاصيله.
واضاف يقول :" ولاتنسى ان مدينة الناصرية ولودة ومعروفة  بالابداع والمبدعين ( الفن والسياسة والادب وغيرها) وتاريخ الناصرية المعاصر يشهد بذلك اضافة الى ان انسانها يحمل الطيبة والخلق الرفيع والاصالة العربية بكل تفاصيلها فصار لزاما على ابنائها تدوين تاريخها ..  ولا اخفيك سرا  اذا قلت انني عندما كتبت عن الناصرية لم اجد كتاب منفرد قائم بذاته  يختص بتاريخ الناصرية بل اعتمدت على نفسي وجمعت المصادر من هنا وهناك بعمل مضن ٍ وشاق على عكس المدن العراقية الأخرى التي كتب عنها الكثير مثل بغداد والبصرة والموصل والنجف والحلة وغيرها والباحث لا يجد صعوبة عندما يرغب بالكتابة عن هذه المدن  لوجود الكثير من الكتابات والمراجع  في حين لم يكتب عن الناصرية سوى كتاب واحد  للباحث  الاستاذ شاكر الغرباوي بخمسة أجزاء بعنوان (الناصرية في التاريخ ) وهو مخطوط وفقد دون ان يطبع ولم يطلع عليه أبناء الناصرية وهناك كتاب آخر طبع عام 2005م وهو كتاب بسيط اعتمد المادة الانشائية منهجا له ولم  يضف  للقارئ شيء يذكر " .
طبعا للصديق الاستاذ عبد الحليم الحصيني كتابات اخرى انصرفت لمعالجة قضايا اخرى من قبيل الحركة الادبية في الناصرية ، والمساجد والمراقد في الناصرية ، والواقع الصحي في المحافظة ، والحركة الرياضية والكشفية ، وعلماء الدين والخطباء ، وعشائر الناصرية ،وأسرها وعوائلها  وعن الواقع الاجتماعي في ذي قار واغلب هذه الوضوعات  نشرت في مجلة " التربوي " وجريدة " الناصرية " وجريدة " لارسا " ومجلة"  التضامن " وجريدة " صوت المدينة"  وجريدة " الصباح " وغيرها من الصحف والمجلات .

 اما الاستاذ  صباح غميس الحمداني فقد أرخ لسوق الشيوخ وكما  هو  معروف فإن سوق الشيوخ من ابرز اقضية العراق ومن اكثرها شهرة بسبب من خرج من هذا القضاء ادباء وشعراء ومؤرخين .. هذا فضلا عن انها كانت ولاكثر من قرن عاصمة لامارة المنتفك عرفت الكثيرين من ابناء سوق الشيوخ منذ وقت طويل ولعل من ابرزهم استاذي المشرف على رسالتي للماجستير عام 1975 الاستاذ الدكتور عبد القادر احمد اليوسف وكان المؤرخ العراقي الاستاذ الدكتور عباس ياسر الزيدي وهو اول من كتب اطروحة عن تاريخ الصحافة العراقية في جامعة القاهرة واخوه صديقي وقد عمل في جامعة الموصل ايضا الاستاذ الدكتور كاصد ياسر الزيدي . كما ان من ابناء سوق الشيوخ الكاتب والشاعر شاكر حيدر 1921-1989 واللواء الركن ناجي طالب رئيس الوزراء العراقي الاسبق ومن الدبلوماسيين ابراهيم الوفي وعبد الجبار الهداوي ومن السياسيين عبد الغني الدلي ومنهم سالم حسين الامير عازف القانون المعروف . وقد يطول بنا المدى لو تعرضنا الى من انجبته سوق الشيوخ وها بين ايدينا اليوم كتاب صديقنا الاستاذ صباح غميس كاظم الحمداني الموسوم :" سوق الشيوخ :ماضيها وحاضرها " وهو بحق موسوعة في تاريخ هذه المدينة المعطاءة .
ويسعدني ان اقف  الان عند سيرة مؤلف هذا الكتاب ؛ فالاستاذ صباح الحمداني من مواليد سوق الشيوخ -محافظة ذي قار سنة 1966 وقد سكنت اسرته التي تنتمي الى عشيرة البوحمدان الرملية في سوق الشيوخ حتى عام 1959م . وبعدها إنتقل والده الى منطقة(بغداد الجديدة) في العاصمة بغداد , ثم الزعفرانية ثم مدينة الثورة , وعاد بعدها الى مركز مدينة سوق الشيوخ , بعد أن أحيل على التقاعد من الخدمة العسكرية لأسباب صحية وكان ذلك في عام 1968م.
درس في مدرسة البلاغة الابتدائية ، ثم في متوسطة سوق الشيوخ للبنين ، ثم إعدادية السوق. وبعد تخرجه في عام 1985-1986م درس في معهد الصحة العالي في ذي قار . 
أسهم في تأسيس" رابطة الشعراء الشباب " في سوق الشيوخ التي رعت العديد من الكتاب والأدباء والشعراء والصحفيين ممن كان لهم الدور البارز في إثراء الساحة الأدبية والثقافية في هذه المدينة.وقد اصبح عضوا في الهيئة الإدارية ل" رابطة شعراء محافظة المثنى الشباب " التي اختصت بالأدب العربي عام 1992م. وهوعضو في التجمع الثقافي في سوق الشيوخ و مسؤول اللجنة الإعلامية منذ التأسيس عام 2005 حتى عام 2007م , حيث ضم هذا التجمع كبار الكتاب والأدباء والشعراء في سوق الشيوخ. وهو من الأعضاء المؤسسين لمؤسسة دوواين للثقافة والإعلام.
أصبح مسؤولاً عن اعلام قطاع الرعاية الصحية الأولية في سوق الشيوخ لِلأعوام : (2003 - 2007). وهو أول من أسس لِجنة اعلامية على صعيد المراكز الصحية في العراق على صعيد وزارة الصحة مع بعضٍ من زملائه. وأسس وحرر العديد من المجلات منها : مجلة" الصادق " ، ومجلة " صحة المجتمع " و" المرتضى " وهو الان رئيس تحرير مجلة " الغدير" . 
له العديد من البحوث والفرضيات العلمية منها :(السبيل الموضوعي لترشيد العلاج) و(الشفاء الكاذب , والشفاء الموهوم). 
والاستاذ صباح الحمداني شاعرٌ له ديوان غير مطبوع من الشعر الحر. وله عدة إصدارات منها كتابه الذي اشرنا اليه وه كتاب :" سوق الشيوخ ماضيها وحاضرها – بيروت – لبنان - دار المرتضى للطباعة والنشر – عام 2014م" 
في هذا الكتاب ارخ لسوق الشيوخ وكتب عن شعراء مدينة سوق الشيوخ وأدبائها منذ القرن السادس عشر حتى القرن المعاصر .كما قدم عرضا للحركة الادبية في سوق الشيوخ كما ان له كتاب بعنوان :" سيرة الشاعر جاسم محمد السميحي (ماوري من أشعاره في العمود والشعر الشعبي) , وكتاب " نوادر الكلام في ذكر خير الأنام لـ(شعراء سوق الشيوخ)" وكتاب قيد الطبع بعنوان : " سوق الشيوخ في ثلاثة قرون" أبرز فيه أيضاً فصلاً مطولاً عن مشاهير الشعراء والأدباء في المدن القديمة التابعة لقضاء سوق الشيوخ منذ القرن السادس عشر (سوق الشيوخ - الجبايش – الفهود – الحمار – الكرمة – العكيكة – الفضلية – الطار). 
له العديد من المقالات المنشورة في الصحف والمجلات والمواقع الألكترونية. حصل على العديد من الشهادات التقديرية منها : كتاب من محافظة ذي قار لإنجازه تاريخ مدينة سوق الشيوخ. وشهادة تقديرية صادرة من التجمع الثقافي لمساهمته في مهرجان (مصطفى جمال الدين الثقافي السنوي – دورة الشهادة والنصر) , وشهادة من مؤسسة الجماهير في ذي قار , وجامعة ذي قار – كلية التربية للعلوم الإنسانية , ومؤسسة صدى الفصول الثقافية , ودار نشر الفرات في الحلّة وغيرها الكثير. 
كتب عنه الكثير من الأدباء والكتاب منهم الصديق المرحوم الاستاذ الدكتور قحطان الحمداني في كتابيه :" الحمدانيون في العراق والدول المجاورة والدول العربية" و" (الحمدانيون .. أعلام وأشخاص" , والناقدة والقاصة مها الصافي والكاتب فاخر الداغري . وصحيفة الحرف التي تصدر من البيت الثقافي في الهند , ومركز النور الألكتروني , 
ولازال مستمراً في سبيل إثراء الحركة الأدبية والثقافية من خلال علاقته بأدباء العراق خصوصاً في بغداد والبصرة والحلة وذي قار والنجف الأشرف والكوفة وسوق الشيوخ.










هذا بعض ما يمكننا أن نقدمه عن مؤرخي المدن العراقية وهم كثر  وكان لابد لنا من أن نذكر نماذج من كتاباتهم المهمة والتي ينبغي الاستمرار من باحثينا الشباب في توثيق تواريخ وتراث مدن العراق المختلفة الزاخرة بالعطاء الثقافي والفكري ويقينا أن ما كتبه المؤرخون المعاصرون عن مدنهم العراقية لهو إستمرار لما كتبه الاجداد عن هذه المدن ومن منا لايذكر المؤرخين الرواد الذين انصرفوا للكتابة عن المدن العراقية وخاصة العريقة منها ومنهم ابن الاثير والازدي والخطيب البغدادي وابن المستوفي الاربيلي .. وكما هو معروف فأن الكتابة عن المدن  العربية الاسلامية سواء ماكتبه ألمؤرخون أو البلدانيون العرب في عصور إزدهار الحضارة العربية الاسلامية وحتى في فترات الركود الحضاري أنتجت نمطا من الكتابة التاريخية العربية لايزال حتى يومنا هذا مضرب المثل في دقته وسعته وعمقه وشموليته .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق